مفهوم اعتزال الفتن من الإطلاق البدعى والدلالة السلبية الى الضبط الشرعي والدلالة الإيجابية
د . صبرى محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد:مفهوم " اعتزال الفتن" مفهوم اسلامى، له دلالة اصطلاحية شرعية معينة ، تتسق مع دلالته اللغويه، والاستنباط الصحيح لها يقتضي الالتزام بضوابطها الشرعية ، والنظر إليها باعتبارها جزء من كل ، هو منهج التغيير الاسلامى .
تعريف المفهوم:
لغه : الاعتزال لغة الانفصال . أما الفتن فهى جمع فتنة ، واصلها اللغوى يتصل بمعنى الابتلاء "الاختبار" ، ويطلق لفظ الفتن ايضا على دلالات " سلبية " – اشار إليها النص القرآني - كالوقوع في المكروه والكفر و العذاب و الإحراق بالنار و القتل و الصد عن سبيل الله و الضلال...
اصطلاحا: واتساقا مع هذا المعنى اللغوي فإن المفهوم يدل على التوقف والكف عن فعل معين " هو فعل المشاركة " (مصطلح الاعتزال) ، لكن فى حال يلزم منها – اى المشاركة - الاضرار بوجود المجتمع "المسلم" او استقراره او وحدته او نسقه الاعتقادى "الديني" او القيمى...(مصطلح الفتن ودلالاته السلبية).
ادله المفهوم : وقد دلت علي هذا المفهوم العديد من النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر- :
• فى حديث أبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ( سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فيها خَيْرٌ من الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فيها خَيْرٌ من الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ من السَّاعِي ، وَمَنْ يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)( رواه الشيخان).
• في حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ من الْفِتَنِ)( رواه البخاري ).
• روى مُحَمَّدُ بن مَسْلَمَةَ (رضي الله عنه) فقال: إِنَّ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وسلم) قال( إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ، فإذا كان كَذَلِكَ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا فَاضْرِبْهُ حتى يَنْقَطِعَ ، ثُمَّ اجْلِسْ في بَيْتِكَ حتى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ أو مَنِيَّةٌ قَاضِيَة)( رواه ابن ماجه).
موقفان من المفهوم: غير أن هناك موقفان من هذا المفهوم .
اولا: موقف الضبط الشرعي:الموقف الأول يقوم على الالتزام بالضوابط الشرعيه للمفهوم،التى دلت عليها ايضا نصوص يقينية الورود قطعيه الدلاله، واتساقا مع هذا التزم بها السلف الصالح ، وقررها علماء أهل السنة بمذاهبهم المتعددة.
ضوابط المفهوم:
الوحده ونبذ التفرق: قال تعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ... )(آل عمران : 103) .
لزوم الجماعة: قال (صلى الله عليه وسلم ) (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ...) .
عدم التسرع وتفكير فى عواقب الامور : قال عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه )(إنها ستكون أمور مشتبهات فعليكم بالتُؤَدَة ، فإنَّك أَن تكون تابعًا في الخير، خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر).
الاستعاذه من الفتن: كان عمار بن ياسر (رضى الله عنه ) يقول : ( أعوذ بالله من الفتن ) (رواه البخاري) ، قال الحافظ ( فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق لأنها قد تفضي إلى وقوع مالا يرى وقوعه).
الالتزام بالفهم الصحيح للدين: قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ( إنه سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه وقلبه) (رواه ابونصر في الإبانة ) .
الصبر : عن المقداد بن الاسود ( رضي الله عنه( قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ) إن السعيد لمن جنب الفتن ، إن السعيد لمن جنب الفتن ، إن السعيد لمن جنب الفتن ، ولمن ابتلي فصبر فواها ) ( رواه أبو داود ( .
الاستعاذه من الفتن : كان عمار بن ياسر (رضى الله عنه ) يقول : ( أعوذ بالله من الفتن ) (رواه البخاري) .
اداء الحقوق والالتزام بالواجبات الشرعيه: يقول الامام ابن حجر العسقلاني فى سياق حديثه عن كتاب العزلة للإمام الخطّابي (.. أمّا بالنسبة للمخالطة بالأبدان فإن من حصل له الاكتفاء في معاشه وكان محافظًا على دينه، فإنّ اعتزال الناس والانكفاف عنهم أولى، شريطة أن يُحافظ على صلاة الجماعة، ويؤدي السلام ويردّه على المسلمين، كما يجب عليه أن يعود المسلمين في مرضهم، ويُشاركهم في أحزانهم فيشهد جنائزهم، وغير ذلك من الأوامر التي تستوجب مخالطة الناس والاحتكاك بهم) (فتح الباري).
الالتزام بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر طبقا لضوابطه الشرعيه: قال تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..) (آل عمران: 110), وورد فى الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) .
تعظيم حرمات المسلمين (دمائم ومالهم واعراضهم : ( قال تعالى(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )( النساء: 93). وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله خطب الناس يوم عرفة فقال ( إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا ).
مفهوم ذو دلالة إيجابية طبقا للمستوى القيمى : ويلزم من هذا الموقف كون هذا المفهوم ذو دلالة ايجابيه طبقا للمستوى القيمى- والمقصود بها دلالته التى تجى كمحصله لاستنباط صحيح -
• فلهذا المفهوم دلالة سلبية طبقا للمستوى العلمي (لأنه كف عن الفعل)، ولكن ليس طبقا للمستوى القيمى( لان علة هذا الكف عدم الاضرار بالمجتمع المسلم " وجوده او استقراره او وحدته او نسقه الاعتقادي - القيمى " ).
• وهو كمفهوم جزء من مفهوم اشمل هو ان الوجود الانسانى "الاستخلافى " هو وجود ابتلائى "اختبارى " ، اى مضمونه اختبار الانسان المستمر بين الخير والشر (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً )، لأنه هو الوجود المخلوق الوحيد " المكلف " طبقا لشرطي الوعي والحرية.
• فمضمون دلالته طبقا للمستوى القيمى - أدنى درجات الاختيار" الواعى – الحر" للانحياز للخير، والوقوف فى وجه الشر، لانه تجنب للشر والخوض فيه ، وبالتالى انحياز للخير - حتى ولو كان انحياز سالب" بعدم فعل الشر" .
• يترتب على ما سبق أن دلالة المفهوم طبقا للمستوى القيمى لا تتضمن الحياد تجاه الصراع بين الخير والشر .
• كما ان دلالة المفهوم طبقا للمستوى القيمى لا تتضمن رفض التغيير القيمى من الشر الى الخير"الذى عبر عنه القران بمصطلح الامر بالمعروف والنهى عن المنكر" ، بل الالتزام بضوابط هذا التغيير القيمى ، مراعاة للواقع والاستطاعة والوسع ... وحتى لا يلزم منه شر أكبر.
• فهذه الدلالة تتضمن الكف عن المشاركة فى الصراع الاجتماعى الداخلى " السياسي " الحزبي " او القبلي او الطائفي..."، الذي يهدد وجود المجتمع المسلم او استقراره او وحدته،او الاعتداء بغير وجه حق على الآخر "المخالف فى العرق او المذهب او الدين.." فى داخل المجتمع المسلم او خارجه ، وهذه الدلالة تشير اليها العديد من النصوص التى تربط اعتزال الفتن بكف السلاح كما فى قوله (صلى الله عليه وسلم) فى حديث الفتنة والفرقة والاختلاف( ... فإذا كان كَذَلِكَ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا فَاضْرِبْهُ حتى يَنْقَطِعَ).
ضوابط التغيير: اتساقا مع هذه الدلالة للمفهوم ـ فان درء الفتن- قبل وقوعها- او اعتزالها "تجنبها" - بعد وقوعها- لا يلزم منه رفض التغيير ، بل الالتزام بضوابطه الشرعية التي قررتها النصوص القطعية ، وأكد عليها – اتساقا مع هذا - السلف الصالح ومن بعدهم علماء أهل السنة بمذاهبهم المتعددة (باعتبار أنهم يمثلون الفهم الصحيح للاسلام ومنهجه فى التغيير )، ومنها:
أولوية الإصلاح : فقد اجمع أهل السنة على الأخذ بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي ، يقوم على آليات متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الامام الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف(… بل يجب وعظه وتخويفه ، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد: ص 186).
منع اوايجاب الثوره استنادا الى قاعدة سد الذرائع وفتحها: ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى(والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين
المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى : ص28).
المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي : ج10 ، ص 311)
الاستناد الى قاعده سد الذرائع وفتحها: ومن الواضح ان الحكم بالمنع او الايجاب فى المذهبين مبنى على قاعده سد الذرائع وفتحها، والتى اوضح الامام القرافي مضمونها فقال: ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره، وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول: ص449 ) ، فالمذهب الاول قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسده المترتبه على خلع الحاكم الظالم على المصلحه المتحققه من خلعه. وقال المذهب الثانى بالايجاب فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحه المتحققه من خلع الحاكم الظالم على المفسده التى قد تلزم من خلعه. وبالتالى يمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان للثوره حكمان:
حكم اصلى: هو الحكم بالايجاب - بدرجاته من اباحه اواستحباب او وجوب- طبقا لدرجه رجحان تحقيقها للمصلحه منها- اى الثوره - " كاستبدال الحاكم الظالم باخر عادل ".
حكم تبعى " فرعى": هو الحكم بالمنع – بدرجاته منكراهه او تحريم– طبقا الدرجه رجحان المفسده التى قد تلزم منها- اى الثوره - " كان يلزم منها فتن تهدد وجود المجتمع المسلم او استقراره او وحدته ".
• الانطلاق من المفهوم الصحيح للعزله: وهو قبل كل ذلك فإن هذه الدلالة الإيجابية للمفهوم تنطلق من المفهوم الصحيح للعزله " التى اطلق عليه العلماء اسم العزله الشرعيه " :
1- هذا المفهوم – الصحيح - يجعل الأصل- فى المجتمع السليم- هو مخالطة الناس والاجتماع بهم، اما العزلة فهي استثناء من القاعدة ,وله ضوابط شرعية يجب الالتزام بها.
2- وهو هنا يقرر عزلة نسبية مقيده ،لا تحول دون قيام الفرد بدوره الاجتماعي.
موقف الإطلاق البدعى: اما الموقف الثاني فلا يلتزم بالضوابط الشرعية المفهوم المشار اليها اعلاه.
احاله المفهوم الى مفهوم سلبى: ويترتب على ذلك - اى عدم الالتزام بضوابط المفهوم لشرعيه- دلاله سلبيه للمفهوم، ناتجه من استنباط خاطئ لها، لا يلتزم بضوابطها ،وينظر اليها باعتباره كل قائم بذاته ومستقل عن منهج التغيير الإسلامي.وتتضمن هذه الدلالة العديد من الدلالات السلبية الفرعيه ومنها:
• الحياد تجاه الصراع بين الخير والشر،او اتخاذ موقف سلبي تجاه الخير.
• معارضة التغيير القيمى ، وتبرير الواقع الذى يتعارض مع النسق القيم الاسلامى كالظلم والاستبداد والفساد...
• العزلة المطلقة التي تلغي دور الفرد الاجتماعى.
• إلغاء الحق المشروع فى الدفاع عن النفس"على مستوى الفرد او الأمة".
وكلها دلالات تتعارض مع الدلالة الصحيحه– اى التى هى محصلة استنباط صحيح - " الإيجابية" للمفهوم ومنهج التغيير الاسلامى والاسلام كدين - كما اشرنا سابقا-
التفسير الصحيح للايه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ): استنادا الى التمييز السابق بين موقف الإطلاق البدعى ، الذى يلزم منه دلالة سلبية للمفهوم، وموقف الضبط الشرعي ، الذى يلزم منه دلالة إيجابية له، فاننا نرفض التفسير الخاطئ للأيه - الذى يعبر عن الموقف الاول – والذى مضمونه انها تفيد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والذى بين السلف الصالح وعلماء أهل السنة خطاْ هذا التفسير يقول أَبُو بَكْر الصِّدِّيق (رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ) ( ...أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَة ...وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْر مَوْضِعهَا ، وَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَر وَلَا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعُمّهُمْ بِعِقَابِهِ) ،ويقول الإمام ابن تيميه ( قوله تعالى علوا كبيرا" الآية" لا يقتضي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا نهيا ولا إذنا، كما في الحديث المشهور في السنن عن أبى بكر الصديق رضي الله عنه..) ( مجموع الفتاوى). أما التفسير الصحيح لها – والذي يعبر عن الموقف الثانى من المفهوم - فله أوجه كثيرة – اشار إليها العلماء- لا تتعارض مع الأمر بالمعروف والنهى عن منكر ووجوبه ، ومنها: أولا: ان المسلمين لا يضرهم شرك المعاهدين...ثانيا: أن المسلمين لا يضرهم من ضل من أهل الكتاب .. ثالثا:ان المسلم مكلف بالأمر بالمعروف بالنهى عن المنكر،وليس بالقبول اى امتثال المأمور والمنهي. يقول الإمام النووي فى شرح الآية ( ... فإنما عليه - اى الامر بالمعروف او الناهى عن المنكر- الأمر والنهي لا القبول...) ( شرح مسلم) رابعا: ألا يعتدي الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، على أهل المعاصي على المشروع فى نهيهم او عقوبتهم، يقول ابن تيميه فى تفسيرها (...الرابع: ألا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم، أو نهيهم أو هجرهم، أو عقوبتهم...) (مجموع الفتاوى: ج14، ص 291) .خامسا: إعراض المرء عما لا يعنيه، يقول ابن تيمية فى تفسير الآية أيضا (... وفيها المعنى الآخر، وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا، وإعراضه عما لا يعنيه ، كما قال صاحب الشريعة" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه") (مجموع الفتاوى: ج 14، ص 291).
كيفيات اعتزال الفتن ومراحل التغيير والانتقال من ثنائيه الاستكبار – الاستضعاف الى الاستخلاف : واستنادا الى الدلالة الصحيحة الإيجابية لمفهوم اعتزال الفتن- التي فصلناها أعلاه- واتساقا مع مراحل التغير فى منهج التغيير الاسلامى - والتى تمثل أيضا مراحل الانتقال بواقع المسلمين من ثنائية الاستكبار – والاستضعاف" بأبعادها السياسية ، الاقتصاديه ، الاجتماعيه ، الحضارية .. المتعددة" الى الاستخلاف "بأبعاده المتعددة" ، فإنه يجب تقرير ان اعتزال الفتن كيفيات مختلفة باختلاف طبيعة مراحل التغيير" والتي هى ذات مراحل هذا الانتقال بواقع المسلمين".
المرحلة الأولى"الاستطاعه": هي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة ، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ويأخذ فيها اعتزال الفتن كيفيه معينه مضمونها ان يقابل الكف عن فعل المشاركه فى حال يلزم منها الاضرار بالمجتمع المسلم ، المشاركة فى الانتقال بالواقع الى ما هو ممكن. ولهذه المرحلة مستويان :
مستوى أصلى: هو مستواها الاعتقادى"الفكري" . وطبقا له فان هذه الكيفية تأخذ شكل المشاركة فى الاجتهاد فى وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها واقع الأمة المعاصر ، والتى هى فى ذات الوقت غايات للاراده الشعبيه للامه ، وشروط مقيدة اجتهادية للاستخلاف.
مستوى فرعى: هو مستواها العملي"التطبيقي". وطبقا له فان هذه الكيفية تأخذ شكل المشاركة فى تنفيذ ما هو ممكن من هذه الحلول النظريه، فى الواقع العملى للامة ، بأساليب سلمية وشكل تدريجي.
المرحلة الثانية " العزم ":هي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، ويأخذ فيها اعتزال الفتن كيفية معينة مضمونها ان يقابل الكف عن فعل المشاركه فى حال يلزم منها الإضرار بالمجتمع المسلم ، المشاركة فى الانتقال بالواقع مما هو ممكن، الى ما ينبغي أن يكون ، وهذه المرحلة لها مستويان :
مستوى أصلى : هو مستواها العملي"التطبيقي" . وطبقا له فان هذه الكيفية تأخذ شكل المشاركة فى الانتقال مما هو ممكن الى ما ينبغي أن يكون. باكمال التنفيذ العملى لكل هذه الحلول النظرية فى واقع الأمة.
مستوى فرعي: هو مستواها الاعتقادي"الفكري". وطبقا له فان هذه الكيفية تأخذ شكل المشاركة فى الاجتهاد العلمي فى وضع حلول نظرية جديده، للمشاكل الجديدة التي سيطرحها الواقع العملي للامه، بعد حل المشاكل السابقة.
-------------------------------------
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com