نحو دور الدولى متوازن قائم على التاثير المتبادل و متجاوز لموقفى الانعزال او التبعية
د. صبرى محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
معايير تفعيل وتعطيل الادوار المتعددة للدولة: إن تفعيل الأدوار المتعددة لاى دوله " ومن ضمنها دورها العام الدولى " يتوقف على :
اولا: تعبير هذا الدور عن علاقات الانتماء المتعددة للشخصية الحضارية للشعب المعين، الذي تضمه هذه الدوله "كعلاقات الانتماء: الوطنيه والقوميه والدينية والحضارية والإنسانية... ".
ثانيا: جعل العلاقة بين الادوار المتعددة : الخاصة " المحلية – الوطنيه " ، والعامة " ومنها الدور الدولى" للدوله علاقة تحديد وتكامل.
ويترتب على ما سبق أن العكس صحيح ، اى ان تعطيل هذه الأدوار مرتبط بالاتى:
اولا: عدم تعبير هذا الدور العام الدولى عن علاقات الانتماء المتعددة للشعب المعين .
ثانيا: جعل العلاقة بين الادوار المتعددة :الخاصه، والعامة " ومنها الدور الدولى” للدوله علاقة تناقض وإلغاء.
المواقف التي يلزم منها تعطيل الدور العام الدولى:
ا/ موقف الانعزال: وهو الموقف الذي يتطرف فى التأكيد على دور الدولة الخاص" المحلي - الوطني "، لدرجه إلغاء أدوارها العامة " ومنها الدور الدولي" .
الانعزال سلبى والايجابى:وللانعزال شكلين :
شكل سلبي: يتمثل فى محاوله تحقيق العزلة من خلال تجنب الاحتكاك مع الدول الكبرى، وهو مستحيل فى عصرنا " عصر العولمة والتطور المذهل فى وسائل الاتصال والإعلام ، فضلا عن ان هذه الدول ستحاول فى كل الأحوال فرض سياساتها بالترغيب او الترهيب او الاثنين معا.
شكل ايجابي: يتمثل فى فى محاوله تحقيق العزلة من خلال الاصطدام بالدول الكبرى- اى من خلال قاعدة " خير وسيله للدفاع الهجوم- وهو ما ينهى غالبا باسقاط النظام فى هذه الدوله، باساليب عنيقه " كالغزوالعسكرى "، او غير عنيفة " كالعقوبات الاقتصادية "، ومن ثم الإتيان بنظام يحولها من دوله مارقة " بالمصطلح الغربي" الى دوله تابعه " فعليا وبصرف النظر عن الشعارات التى يرفعها هذا النظام" .
الاستناد الى مذهب التعدد المطلق : وهذا الموقف يستند إلى مذهب التعدد المطلق، الذي يستند إلى فكرة مضمونها :
ا/ على المستوى الاجتماعي: محاوله تحويل الجزء( الوجود الخاص " المحلى – الوطني") إلى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره .
ب/على المستوى الحضارى: أن تقرير علاقة الانتماء إلى الوجود الخاص(المحلى - الوطنى) ( اى علاقه الانتماء الوطنيه )، يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى، بما فيها علاقات الانتماء إلى الوجود العام،( و منها علاقه الانتماء الى الوجود الدولى " اى علاقه الانتماء الانسانيه " ).
الاستناد الى مذهب التقليد: كما ان هذا موقف يستند فى المجتمعات المسلمة الى مذهب التقليد الذى يقوم – حضاريا- على ان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يكون بالعزلة عن المجتمعات المعاصرة وإسهاماتها الحضارية ، وبمنظور علم أصول الفقه هو مذهب يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه، ودون التمييز بين أصول الدين النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة . وهذا المذهب لا يعبر عن الاسلام كدين ، لانه يرفض التقليد الذى تعريفه الشرعى " قبول قول القائل بدون دليل "، واتساقا مع هذا نهى عنه كل الائمه : يقول الإمام أبو حنيفة (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)( ابن عبد البر، في فضائل الأئمة والفقهاء، ص145 )، ويقول الإمام أحمد بن حنبل ( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث أخذوا)(ابن القيم،أعلام الموقعين،ج2، ص302(.
الرد على دعاوى المذهب:
الرد على مذهب عدم جواز انضمام الدولة الإسلامية إلى المنظمات الدولية : والحجة التى يستند اليها هذا المذهب هى القول بأن الإسلام لا يبيح الحلف مع الكفار، وهذا غير صحيح على إطلاقه ، بل مقيد بشروط، فقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به من حمر النعم، ولو دعي به قبل الإسلام لأجبت)(رواه أحمد رقم 1655 و 1676)، وهو عن حلف الفضول، كذلك ما ورد في السيرة من تحالف بني هاشم وبني عبد المطلب مسلمهم ومشركهم لحماية النبي (صلى الله علي وسلم) ، ولم ينقضوا عهدهم للنبي، رغم الحصار من قريش الذي ظل أكثر من عامين عامين، وكذلك ما ورد في السيرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث لمطعم بن عدي يستجيره ، فقبل وتسلح ودعا أولاده وقومه، فلبسوا السلاح وانتشروا عند الكعبة وأعلن لهم ذلك، فأرسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ليدخل الكعبة في جوارهم ، فدخل الكعبة وأعلن المطعم لقريش أن محمد في جواره فصلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ركعتين وعاد إلى بيته لذا قال في أسرى بدر ( لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني فيهم لتركتهم له)، وكذلك ما ورد في الوثيقة بالمدينة من التحالف بين المسلمين وغيرهم لمحاربة من يحارب أهل الصحيفة.
الرد على مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً : قال بعض الكتاب المحدثين بمذهب مضمونه أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين إطلاقاً، وغزو العالم لنشر الاسلام ، ومنهم تقى الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير الذى عرف الجهاد بأنه (بدء الكفار بالقتال لإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام) ، لكنه ربط هذا الجهاد بشرط قيام دوله الخلافة ، ومنهم سيد قطب في تفسيره لسورة التوبة فى كتابه ( فى ظلال القران)
. غير ان كثير من العلماء يرى ان هذا المذهب مبني على أخذ مذاهب الفقهاء الذين بنوا اجتهادهم على واقعهم، وهو واقع الدولة غير ثابتة الحدود متعددة الشعوب والقبائل، دون مراعاة واقعنا، واقع اكتمال تكوين الأمم وانتهاء طور القبيلة، وما أفرزه من الدولة ثابتة الحدود والشعب الواحد، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم(…ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم، وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت) (محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام “الدار القومية، القاهرة، 1384م، ص78-79).، ويدل على هذا أن هناك علماء خالفوا ما قرره هؤلاء الفقهاء، فنجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر(وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصودة أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة- كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم- فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله.)، فهؤلاء الفقهاء إذا بنوا موقفهم هذا على أساس أن واقع العالم في الماضي لم يكن يسمح – إلا قليلا- بان تكون علاقة المسلمين مع غيرهم هي علاقة سلم ما لم تتوافر شروط الجهاد، أو علاقة حرب في حاله توافر شروط الجهاد ، وهى: أولا: إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنته عنه ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله). وثانيا: إخراجهم من ديارهم ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)
ب/ موقف التبعيه : وهو الموقف الذي يؤكد على الدور العام " ومنها الدور الدولى…" ، لكنه يتطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء الدور الخاص" المحلى –الوطني" .
مذهب الوحدة المطلقة : وهو يستند في ذلك إلى مذهب الوحدة المطلقة ،الذي يستند إلى فكرة مضمونها :
اولا: على المستوى الاجتماعي: أن الوجود العام يلغى الوجود الخاص، وبالتالي فان تقريره لوجود عام معين( كالوجود العالمي…)، يترتب عليه إلغاء الوجود الخاص( المحلى الوطني).
ثانيا: على المستوى الحضارى : أن تقرير علاقة الانتماء إلى هذا الوجود العام المعين ،يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى بما فيها علاقة الانتماء إلى هذا الوجود الخاص.
الاستناد الى مذهب التغريب: وهذا موقف يستند الى مذهب التغريب الذى يقوم - حضاريا- على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور، وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وذلك بالدعوة الى استبدال المفاهيم والقيم والقواعد الكلية الإسلامية بالمفاهيم والقيم والقواعد الكلية الغربيه، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على تبني مفاهيم وقيم وقواعد كليه لحضارة أخرى ، وان تناقضت مع أصول الدين النصية الثابتة – وبصرف النظر عن الوعى " الذاتى "لأنصاره بهذا التناقض-
الاستعمار و الالغاء الفعلى لادوار الدوله "ومنها دورها الدولى": وعلى المستوى الواقعي فان الاستعمار بأشكاله المتعددة (كالاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري ، والاستعمار الجديد ” الامبريالي ” القائم على التبعية الاقتصادية ) يلغى فعليا دور الدولة المستعمرة – التابعه الخاص “المحلى –الوطني” والعام" ومنه الدور الدولى "، لتصبح مجرد أداة تؤدي الدور الذى يريده المستعمر .
الخضوع للمؤسسات الرأسمالية الدوليه والالغاء الفعلى للدور الدولى على المستوى الاقتصادى: كما ان الخضوع للسياسات الاقتصادية للمؤسسات الرأسمالية الدوليه " كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية..." يعنى الإلغاء الفعلي للأدوار المتعدده للدولة " ومنها دورها العام الدولي " على المستوى الاقتصادى ، لان مضمونه إخضاع النشاط الاقتصادى لهيمنة الدول الرأسمالية الغربية، اى التكريس للتبعية الاقتصادية والاستعمار الجديد, وخضوع الدول العربيه لسياسات هذه المؤسسات يعنى تلقائيا خضوعها لمشروع الشرق الأوسط الجديد ” الامبريالي – الصهيوني” ، والذي يهدف إلى الارتداد بالنظام السياسي العربي، من مرحلة التجزئة على أساس شعوبى ” الدول الوطنية العربية “، بعد اتفاقيه “سيكس – بيكو ” 1916، بين قوى الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) ، إلى مرحلة التفتيت على أساس طائفي / قبلي – عشائري ” الدويلات الطائفية “، مع بقاء إسرائيل كحارس لهذا التفتيت. وهذا فضلا عن ان هذا الخضوع يترتب عليه الاتى :اولا: إخضاع النشاط الاقتصادي لهذه الدول لنظام اقتصادي ثبت فشله ، حتى فى واقع المجتمعات التي نشأ فيه،واستمراره يرجع الى عوامل لاصلة لها بصحته النظرية. ثانيا: فتح الباب على مصراعيه امام التاثير السلبي للازمات الدوريه التى تميز هذا النظام الاقتصادى، وربط الاقتصاد الوطنى بالاستمراريه المتعثرة فى الفترة الأخيرة لهذا النظام الاقتصادى. رابعا: خضوع الدول الاسلاميه والعربيه لسياسات هذه المؤسسات تكريس لنظام اقتصادى يتناقض مع النسق العقدي والقيمي والحضاري للمجتمعات المسلمة ومنها المجتمعات العربيه، ويكرس للمربع المخرب ( الفقر والجهل والمرض و البطالة)
ثانيا:الموقف الذى يلزم منه تفعيل الدور العام الدولى:
موقف التاثير المتبادل: وهو الموقف الذي يجعل العلاقة بين دور الدوله العام ( الإقليمي: القومي "العربي " او الدينى" الاسلامى" او القارى " الافريقى او الاسيوى"... او العالمي "الدولى") ، و دورها الخاص( المحلى – الوطني) علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة إلغاء وتناقض، اى يجعل الأول يحد كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
مذهب الجمع بين الوحدة والتعدد: ويستند هذا الموقف الى مذهب الوحدة والتعدد الذي يستند إلى فكرة مضمونها :
اولا: على المستوى الاجتماعي: أن الوجود العام لا يلغى الوجود الخاص بل يحده فيكمله و يغنيه.
ثانيا: على المستوى الحضارى: أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة إلى الوجود الخاص"كعلاقة الانتماء الوطني " العام "كعلاقات الانتماء: القوميه او الديني او القاريه او الانسانيه " هي علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة إلغاء وتناقض.
اليات التاثير المتبادل فى مجال العلاقات الدوليه :
• العمل المشترك مع الدول والمؤسسات الدولية والجماعات السياسية المختلفة... من اجل إيجاد نظام عالمي متعدد الأقطاب. ومقاومه فكرة القطب الواحد التى تكرس للاستبداد فى مجال العلاقات الدوليه.
• التأكيد على استقلالية القرار الوطنى والقومى ، والسعي المشترك للتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية...
• تفعيل دور المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة كأدوات للتعاون الدولي ،وليست كأدوات التبعية السياسية.
• العمل المشترك على تحرير المؤسسات الدوليه من هيمنة الدول الكبرى ، بالغاء القواعد والمفاهيم التى تكرس لذلك كحق النقض "الفيتو" للدول الكبرى.
• تبني سياسات اقتصادية قائمة على التعاون الاقتصادى،وتبادل المصالح وليس التبعية الاقتصادية ونهب ثروات الشعوب.
• التأكيد على ان نشر الدعوة الإسلامية فى العالم يجب ان يقوم على قاعده " لا اكراه فى الدين " ، وما يترتب عليها من نشر الدعوة الإسلامية بطرق سلمية وفى إطار القوانين المعمول بها فى الدول الاجنبيه ، وبدون عنف او ارهاب. وايضاح الأبعاد الانسانية والحضارية للاسلام. والتأكيد على ان مهمة نشر الدعوة الإسلامية ليست مقصورة على الدول ، بل ترتبط أيضا بالافراد، لكن من من خلال المفاهيم الاسلاميه الصحيحه كمفهوم القدوة الحسنة ، ومن خلال الالتزام بشروطها من العلم بالدين ، والدعوة بالتي هى احسن، ومراعاة التغير فى الزمان والمكان ، ومراعاة الواقع...
• تحقيق كل الخطوات الممكنة تجاه الوحدة العربيه والإسلامية.وتحقيق حد أدنى من التوافق فى مجال العلاقات الدوليه بين الدول العربيه والإسلامية. والعمل المشترك على إنشاء تكتلات اقتصاديه وسياسيه عربيه وإسلامية وقاريه وعالمثالثيه.
--------------------------
للإطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
-1الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2- د. صبري محمد خليل Google Sites
https://sites.google.com/site/sabriymkh