نحو فقه استخلافى: دراسة في الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف 1
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
اولا: ملخص الدراسه: الفقه الاستخلافى هو محاوله للربط بين علم الفقه الاسلامى ومفهوم الاستخلاف القرانى بأبعاده المتعددة الحكمية " الفلسفية " والمنهجية والمعرفية ، مع التركيز على أبعاده المذهبية، المتمثلة في الاستخلاف كحل للمشاكل التي يطرحها الواقع المعين في الزمان والمكان ، باعتبار أن مفهوم الاستخلاف يمثل الأصل العقدي للفقه الاسلامى ، ويستند هذه الربط بين الفقه والاستخلاف – والذي عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى – إلى جمله من الضوابط هي : اتخاذ الاجتهادات الفقهيه للسلف الصالح و اهل السنه نقطه بدايه – وليس نقطه النهايه – لاى اجتهاد فقهى، والانتقال من مذهب الإجمال إلى مذهب التفصيل . و تطبيق مفاهيم تحقيق المناط و الوسطية ، وتطبيق قاعدة سد الذرائع وفتحها . وتطبيقا للتعريف السابق نتناول حكم الكثير من المسائل الفقهيه. فقد اختلف الفقهاء في مسالة الحكم على الغناء إلى مذهبين:المذهب الاول هو مذهب المنع،أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه،أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ماعبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين للغناء : الكيفية الأولى هي الغناء الذى لا يشتمل على محرم وحكمها الاباحه،والثانية هي الغناء الذى يشتمل على محرم وحكمها المنع . كما اختلف الفقهاء فى الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الأول: هو مذهب المنع، أما الثاني فهو مذهب الاباحه، أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ماعبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد النبوي:الكيفية الأولى: تقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي هو من أصول الدين، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على كثير من الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما.وهذه الكيفية طبقا لمستواها الاعتقادى هي بدعه و طبقا لمستواها السلوكي تتضمن ما هو محرم او مكروه. أما الكيفية الثانية: فتقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي ليس من الدين وأصوله،فهو من العرف الذى يمكن ان يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة التبعية فى حال تقيده بالقواعد الامره الناهية التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل التذكير لا الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على رفض الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى ليست بدعه وطبقا لمستواها السلوكي لا تتضمن ما هو محرم او مكروه، كما ان الفقه الاستخلافى – استنادا الى مذهب التفصيل - يميز بين الحكم الشرعي على الكيفية الأولى للاحتفال بالمولد النبوي(باعتبارها بدعه)،وبين الحكم على مخالف هذا الحكم فلا يكفر المخالف او يبيح دمه استنادا إلى قاعدة العذر بالجهل. اما فى قضايا المظهر والزى فقد اتفق الفقهاء على وجوب ستر المراه لبدنها لكنهم اختلفوا فى ستر الوجه والكفين إلى مذاهب : الاول يقول بوجوب ستر الوجه ، أما المذهب الثاني فيقول باستحباب ستر الوجه والكفين، أما المذهب الثالث فيرى اباحه ستر الوجه والكفين. أما المذهب الرابع فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على الاخذ بالمشترك بين هذه المذاهب الاجماليه ، فقد اتفق الفقهاء على إيجاب (طلب) ستر الوجه والكفين، لكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب بين الوجوب والاستحباب والاباحه، كما ان هذا المذهب يميز بين حالتين لارتداء النقاب: الأولى عند أمن الفتنة،وحكمها الاباحه ، أما الحالة الثانية فعند الخوف من الفتنه، وحكمها الاستحباب ، أو الوجوب حسب درجه عدم امن الفتنه. كما اتفق الفقهاء على إيجاب(طلب)إعفاء اللحية استنادا الى النصوص، لكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب إلى مذهبين: المذهب الاول يحمل هذه النصوص على الوجوب ، و المذهب الثاني يرى ان الأمر فى هذه النصوص محمول على الاستحباب لا الوجوب. أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على القول بإيجاب(طلب)إعفاء اللحية ،أما درجه الإيجاب (من وجوب او ندب) فتتوقف على كيفيه الفعل المتصلة بمدى خضوعه لجمله من الضوابط ومنها القصد والنية ،لذا يمكن القول بان الفعل المخالف بنيه مشابهه المشركين فلا خلاف فى ان حكمه التحريم،أما الفعل المخالف بدون نية مشابهه المشركين فيرجح ان يكون حكمه الكراهة. وفى مسالة الإسبال هناك مذهب يقول بالمنع المطلق ،. أما مذهب التفصيل – وهو المذهب الذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - فيقوم على التمييز بين كيفيتين للإسبال: الأولى الإسبال بقصد الخيلاء وحكمها التحريم ، والثانية الإسبال بدون قصد الخيلاء وحكمها الكراهة . كما اختلف الفقهاء في مسالة مصافحه الرجل المراه الاجنبيه إلى مذهبين: الأول مذهب التحريم ، أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه ، أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين لفعل المصافحة : الكيفيه الأولى فعند وجود الشهوة وخوف الفتنة وحكمها المنع، اما الكيفية الثانية عند عدم الشهوة وامن الفته و حكمها الجواز ، اما فى قضايا الصحة والطهارة فقداتفق الفقهاء على إيجاب الختان ولكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب إلى مذهبين: الاول يقول انه واجب، أما المذهب الثاني فيقول انه سنه،.أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - فيقوم على الأخذ بالمشترك بين المذاهب وهو إيجاب(طلب) الختان، لكنه يميز بين الرجل و المراه في درجه الإيجاب، فحكم ختان الرجل درجه بين الوجوب(الفرض) والندب (السنة)،. أما حكم ختان المراه فهو فى درجه إيجاب ادني من درجتي الندب (السنة)، والوجوب(الفرض) بخلاف الرجل،وهى درجه الاباحه ، كما يميز هذا المذهب فى ختان المراه بين الكيفية التي وردت فى السنة ، وكيفيه أخرى ذات جذور وثنيه، لا أصل لها في الإسلام ، وهى الختان الفرعوني،وهى بدعه إذا اعتقد فاعلها أنها من الدين وأصوله، وينبغي ان يكون حكمها المنع لضررها على المراه ،استنادا إلى قاعدة " لا ضرر ولا ضرار".كما اختلف الفقهاء فى حكم التدخين، ، حيث انقسموا إلى مذهبين: المذهب الأول وهو مذهب جمهور العلماء، وهو مذهب المنع. أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه مع الكراهة او التوقف، ومبدأ ظهور هذا المذهب كان قبل ثبوت ضرر التدخين على صحة الإنسان بصوره قاطعه. أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل - وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على ترجيح المنع بدرجتيه من كراهة او تحريم حسب درجه ضرر، ومدى ثبوت هذا الضرر "على وجه الظن او اليقين" . كما اختلف العلماء فى مسالة حكم بناء وزيارة الاضرحه ،إلى مذهبين :الأول مذهب المنع،.أما المذهب الثاني فيقول بجواز بناء الاضرحه واتخاذ المساجد قبور، وزيارتها ، أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين لبناء المساجد على القبور وزيارتها، الأولى: البناء بقصد عباده صاحب القبر او تقديسه،والزيارة التي تتضمن ما هو محرم من دعاء وتوسل يتضمن الشرك بالله، وحكمها المنع، والكيفيه الثانية البناء بدون قصد عباده صاحب القبر او تقديسه، والزيارة بقصد الدعاء والترحم والاستغفار و ما وافق السنة وحكمها الاباحه. كما انه يجب تقرير أن الإنكار على الكيفية الأولى يجب ان يتم طبقا للضوابط الشرعية في الأمر بالمعروف والنهى عن منكر، من هذه الضوابط قاعدة العذر بالجهل. كما اختلف العلماء فى حكم التوسل إلى مذهبين: الأول هو المنع ،والمذهب الثاني هو جواز التوسل بالأحياء والأموات من الأنبياء والصالحين ، أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين للتوسل:الأولى تقوم على التوسل الذى لا يتضمن اى شكل من أشكال الشرك وهذه الكيفية حكمها الاباحه، أما الكيفية الثانية فتقوم على التوسل القائم على الشرك باى شكل من أشكاله ، وهذه الكيفية حكمها المنع . اما فى مساله تعدد الزوجات فلا خلاف بين الفقهاء على إثبات التعدد ، لكن يفترق الفكر الاجتماعى الاسلامى المعاصر في تحديد طبيعة هذا الإثبات إلى مذهبين : مذهب الاطلاق : ويفترض أن اثبات التعدد مطلق من اى شروط أو ضوابط ، وهو ما يتعارض مع تقرير الشرع لجمله من الضوابط لهذا الحكم ، ومذهب الضبط الشرعى: وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على أن حكم اباحه تعدد الزوجات مقيد بجمله من الضوابط التى اشارت اليها النصوص. وهذا المذهب يرى أن للتعدد حكم أصلى وحكم فرعى . الحكم الاصلى هو الاباحه - لا الوجوب أو الندب - إلاّ إذا اعتراه ما يغيّر حكمه من الإباحة( اى الحكم الاصلى ) إلى غيرها؛ إما الاستحباب أو الوجوب أو الكراهة أو التحريم ،وهذا المذهب إلى رأى جمهور من العلماء الذين يرون أن الاصل في الإسلام التفرد لا التعدد، اى أن التعدُّد الاستثناء وليس القاعدة . كما هناك مذهبين في حكم التبني فى إطار في الفكر الاجتماعي الاسلامى المعاصر،المذهب الأول يضع حكما كليا بالمنع (التحريم)، ولا يميز بين الكيفيات المختلفة للتبني. فهو احد مذاهب الإجمال، المذهب الثانى هو مذهب التفصيل - وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - وهومذهب لا يضع حكما كليا بالمنع أو الاباحه ، بل يميز بين كيفيتين للتبني:الكيفية الأولى: ومضمونها إعطاء الطفل مجهول النسب النسب وحقوق البنوة الشرعية من ميراث وغيره، وحكمها المنع ، الكيفية الثانية: مضمونها رعاية الطفل مجهول النسب وكفالته والإنفاق عليه، دون إعطائه النسب وحقوق البنوة الشرعية ، وحكمها الاباحه . كما اختلف الفكر الاجتماعى الاسلامى المعاصر فى حكم زواج القاصرات الى مذهبين : مذهب الجواز و.مذهب المنع - وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى- اما فيما يتصل بحكم المرابحه فانه يجب التمييز بين صيغتين للمرابحه:الصيغة الأولى "الاصليه" : وهي الصيغة التي تناولها الفقهاء ، وهى الصيغة المقصودة بمصطلح المرابحة عند استخدامه مجردا ، وقد اختلف الفقهاء حول حكمها ،الصيغة الثانية " المحدثه" : وهى صيغه التمويل التي تستخدمها البنوك الاسلاميه باسم ( بيع المرابحة للآمر بالشراء )، وهى صيغه محدثه وقد اختلف العلماء حول حكمها ابضا . ونرى ان التوصل الى الحكم الصحيح للمرابحه ، والذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى- يكون بالانتقال من مذهب الاطلاق الذى يفترض ان اباحه المرابحه بصيغتيها الاصليه والمحدثه مطلق من اى شروط أو ضوابط- وهو ما يتعارض مع اختلاف الفقهاء حول حكم الاولى والعلماء حول حكم الاخيره – الى مذهب الضبط الشرعى الذى مضمونه:اولا: أن للمرابحه طبقا للصيغة التى قررها الفقهاء حكم أصلى هو الاباحه المقيدة بالشروط التي ذكرها القائلين بالجواز، ثانيا: أن للمرابحة طبقا لصيغتها المحدثة المستخدمة في البنوك الاسلاميه حكم أصلى هو الاباحه المقيدة بالشروط التى ذكرها القائلين بالجواز سواء فى صيغتها التى قال بها الفقهاء وصيغتها المحدثة المستخدمة فى البنوك الاسلاميه ، وحكم فرعى هو المنع المقيد فى حاله عدم توافر أمكانيه الالتزام بهذه الشروط، كما ان كون هذه الاباحه مقيده ليست مطلقه- اى ليست محل اتفاق - يعنى أن المرابحة بصيغتها ألقديمه عند الفقهاء والمحدثة المستخدمة فى البنوك الاسلاميه ليست صيغه أساسيه للتمويل الاسلامى التى يشترط فيها ان تكون فيها الاباحه مطلقه – اى محل اتفاق - لذا يجب أضافه صيغ أخرى للتمويل ، وأهمها صيغه القرض الحسن . اما حكم التظاهر السلمي فان هناك مذهبين :المذهب الأول (المنع المطلق) ، المذهب الثاني(الإيجاب المطلق)، اما المذهب الثالث فهو مذهب الايجاب المقيد- وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف ،والذي عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على تقسيم الحكم على التظاهر إلى: أولا: حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من التظاهر ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منه، دون المنع، بالالتزام بجمله ضوابط ألتكليفيه والتكوينية ، ثانيا: حكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من التظاهر ، ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك . اما حكم التسعير فان هناك مذهب المنع المطلق، ومذهب الإيجاب المطلق، أما المذهب الثالث فهو مذهب الايجاب المقيد - وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف ،والذي عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على اعتبار أن التسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة ، ولكن للناس مصلحه دائمه فى تسعير السلع الضروريه ، فى كل زملن ومكان............................................. .........................
ثانيا: متن الدراسه التفصيلى:
تعريف الفقه :الفقه لغة له معاني متعددة منها: مطلق الفهم، وفهم غرض المتكلم من كلامه ، و فهم الأشياء الدقيقة. أما اصطلاحا فان الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية. أما موضوع الفقه فهو أفعال المكلفين من حيث تكليفهم بتحاصيلها أو تركها , أو تخييرهم فيها.
اولا:أصول الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف " الفقه الاستخلافى ":
تعريف مفهوم الاستخلاف: الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26،ص199). وإذا كانت الوكالة نوعان: عامه وخاصة فان الاستخلاف ورد في القران بما يقابل هذين النوعين، فقد ورد بمعنى الوكالة العامة ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ،وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني ، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الكريم الوجود بمملكه ملكها الله تعالى ، والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض،تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى (الخلافه النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه... وإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص156 ).
البعد الحكمي"الفلسفى" لمفهوم الاستخلاف: ويتمثل البعد الحكمي "الفلسفى" لمفهوم الاستخلاف ، في حكمه الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف بكسر اللام” الله تعالى” ، والمستخلف بفتح اللام”الإنسان” ،والمستخلف فيه “الكون”- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف – وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية”الفلسفية” لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة – بمذاهبهم العقدية “الكلامية ” المتعددة – نقطه بداية- وليس نقطه نهاية – لهذا الاجتهاد.
البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف : كما يتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني ولا يلغيه.
البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف : ويتمثل البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمذهب “اى كمجموعه من الحلول للمشاكل التي يطرحها الواقع المعين”. وهذا البعد يتضمن الاجتهاد في بيان شروط الاستخلاف الاجتهادية المقيدة ، اى شروط استخلاف الامه في مكان معين " الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة "، وزمان معين "الحاضر". وهذا الاجتهاد محدود بشروط الاستخلاف النصية المطلقة ، اى شروط استخلاف الامه في كل مكان " كل أمم وشعوب أمه التكليف"، و كل زمان" ماضي وحاضر ومستقبل الامه " ، والتي تولى بيانها النص بيانها ، وتتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.