نحو فقه استخلافى: دراسة في الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف 2
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
ثانيا: ضوابط الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف:
ا/الاجتهادات الفقهيه للسلف الصالح و اهل السنه نقطه بدايه : اتخاذ اجتهادات السلف الصالح الفقهيه ، والمذاهب الفقيه عند اهل السنه (المالكى والحنفى والشافعى والحنبلى...) نقطه بداية – وليست نقطه نهايه - لاى اجتهاد فقهى، باعتبارها تجسيدا لماضي الامه وخبرتها ، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها ، أو بعد الترجيح بينها ، أو وضع قواعد جديدة استجابة لمشاكل جديدة لم يعايشوها..
ب/الانتقال من الإجمال إلى التفصيل : الانتقال من مذهب الإجمال وهو المذهب الذى يضع حكما كليا على الفعل المعين على وجه الإجمال ، دون تمييز بين كيفياته المختلفة. الى مذهب التفصيل وهو المذهب الذى لا يضع حكما كليا(سواء بالمنع بدرجاته من كراهة"ما يثاب تاركه و لا يعاقب فاعله" ،او تحريم" ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله"، او الإيجاب(الطلب)بدرجاته من اباحه"ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه"،او ندب(السنة)"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه" ،او وجوب(الفرض)" ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه") ينطبق على جميع كيفيات الفعل المعين ، بل يميز بين هذه الكيفيات المختلفة لهذا الفعل، وبالتالي يميز فى الحكم علي هذه الكيفيات. هذا التمييز بين الكيفيات المختلفة للفعل يكون على المستويين : المستوى الاعتقادى ممثلا في خضوع الفعل أو عدم خضوعه لضابط ذاتي هو مدى اتفاق النية مع مقاصد الشرع فى الفعل المعين" إنما الأعمال بالنيات"، يقول ابن تيميه (والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة)نحو فقه استخلافى: دراسة في الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف 2( مجموع الفتاوى : 2 / 138)،والمستوى العملي ممثلا في خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط موضوعي هو مدى اتفاق السلوك مع ضوابط الشرع .
ج/ تطبيق مفهوم تحقيق المناط: تطبيق مفهوم تحقيق المناط المتعلق بكيفية تطبيق النص فى الواقع ، يقول الشاطبى ( ومعناه" اى تحقيق المناط" : أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله) (الموافقات 4/90) ،ويقول ايضا (الشريعة لم تنص على حكم كل جزئيه على حدتها ، وإنما أتت بأمور كليه وعبارات مطلقه تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست فى غيره ولو فى نفس التعيين)(الموافقات:4/92).
د/تطبيق مفهوم الوسطية: الالتزام بمفهوم الوسطية ، وطبقا لضوابطه الشرعية ، و الوسط منهجيا هو الموقف القائم على: رفض الوقوف إلي أحد الطرفين المتناقضين " من جهة النفي "، وعلى الجمع والتأليف بينهما على وجه يلغى هذا التناقض"من جهه الاثبات" . وقد وردت الاشاره إلى المفهوم فى العديد من النصوص كما فى قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،كما أشار العلماء إلى المفهوم يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) (مدارج السالكين:2/ 496).
ويتمثل تطبيق مفهوم الوسطيه فى الفقه الاستخلافى فى :
اولا: استناده إلى مذهب التفصيل الذى يجمع بين أحكام مختلفة بتمييزه بين الكيفيات المختلفة للفعل، يجمع بين مذاهب متناقضة تضع هذه الأحكام المختلفة بصوره كليه (مذاهب الإجمال) .
ثانيا ان الفقه الاستخلافى يتجاوز مذهبين: الأول يقوم على المنع المطلق، وهو ما يتناقض مع قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه ما لم يرد دليل بالتحريم، فضلا عن انه يساوى فى الدرجة بين مذهب فقهي اجتهادي معين" مذاهب المنع" والشريعة الاسلاميه.والثاني يقوم على الاباحه المطلقة،وهو ما يتناقض مع كون الشريعة تتضمن الاباحه والمنع ،فضلا عن اتخاذ بعض أنصاره لمذاهب فقهيه معينه"مذاهب الاباحه " كذريعة للدعوة إلى استبدال قواعد وقيم وآداب الإسلام بقواعد وقيم وآداب أخرى (هي قواعد وقيم وآداب الحضارة الغربية) اى اتخاذه كذريعة للتغريب. ويستند - اى الفقه الاستخلافى- الى مذهب الاباحه المقيدة بضوابط معينه،كحكم أصلى، والمنع المقيد في حاله عدم توافر أمكانيه الالتزام بهذه الضوابط ، كحكم فرعى.
ه/ تطبيق قاعدة سد الذرائع وفتحها: تطبيق قاعدة سد الذرائع وفتحها ، التي مضمونها القول بالمنع بدرجاته سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على الفعل المعين على المصلحة المتحققة منه، والقول بالإيجاب بدرجاته فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من الفعل المعين على المفسدة التي قد تلزم منه ، يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول: ص449 )
و/ تطبيق قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه : تطبيق قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه، والتي أشارت إليها النصوص، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أحل الله فهو الحلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً )( أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن) .
ثالثا: تطبيقات الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف " الفقه الاستخلافى" :
حكم الغناء: اختلف الفقهاء في مسالة الحكم على الغناء إلى مذهبين:المذهب الاول هو مذهب المنع،ويتضمن القول بان حكم الغناء التحريم،وقد نسب إلى سفيان ، وحماد والشعبي ، ويرى التحريم كذلك ابن القيم و الطرطوشي . كما يتضمن هذا المذهب القول بان حكم الغناء الكراهة،ويرى كثير من العلماء ان مذهب أحمد ومالك أقرب إلى الكراهة ... ويستدل مذهب المنع بالعديد من الادله منها قول الرسول (صلى الله علي وسلم)( أن الله تعالى حرم القينه وبيعها وتعليمها) ( أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف )، وقوله (صلى الله علي وسلم) (ما رفع احد صوته إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بإعقابهما على صدره حتى يمسك ) ، وتفسير ابن عباس السمد الوارد فى الايه (فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وانتم سامدون ) بانه الغناء بلغة حمير .أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه،وقال به أبو حامد الغزالي ، وأبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحاق ، وابن الصباغ ، وابن حزم الاندلسى الذى يتتبع الأحاديث التي اعتمد عليها الذين ذهبوا إلى التحريم، وهو يحمل عليها من جهة سندها ورواتها حيث يقول (إنه لم يصح في باب تحريم الغناء حديث)، ومثله ـ في هذا المنهج ـ أبو الفضل المقدسيّ. وقد قام أنصار هذا المذهب بتقديم تفسير أخر للنصوص التي استند إليها مذهب المنع ، ففيما يتعلق بالحديث الاول قالوا أن التحريم هنا متعلق بتحريم الغناء في مجلس الشرب،وفيما يتعلق بالحديث الثاني قال الغزالي( هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي يحرك من القلب ما مراد الشيطان من الشهوة ).وفيما يتعلق بالايه قال الغزالي (مخصوص بأشعار وغناء الكفار في معرض الاستهزاء بالمسلمين لأنه لو حرم الغناء لكان ينبغي أن يحرم الضحك أيضا باشتمال الآية عليه ).كما قاموا بتقديم العديد من الادله التي تفيد أباحه الغناء.
أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ماعبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين للغناء : الكيفية الأولى هي الغناء الذى لا يشتمل على محرم وحكمها الاباحه،والثانية هي الغناء الذى يشتمل على محرم وحكمها المنع، وقد أشار كثير من العلماء إلى هذا التمييز، يقول الإمام العز بن عبد السلام(أن السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما هو حرام محض...ومنها ما هو مباح ... ومنها ما هو مندوب...)( كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز أو بين الشريعة والحقيقة للعز بن عبد السلام: ص 28- 29 ).،ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي فى رسالته عن الموسيقى والغناء ان حكم سماع الأصوات والآلات المطربة عنده أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات، أو اتخذ وسيلة للمحرمات، أو أوقع في المحرمات كان حراما، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلمه.ويقول الامام الهروى (وحكم السماع شرعا: يتبع ما تعلق به. إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر...)(التمكين في شرح منازل السائرين :ص50 ).
حكم الاحتفال بالمولد النبوي : اختلف الفقهاء فى الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الأول: هو مذهب المنع: ويستند إلى العديد من الادله أهمها: أن الاحتفال بالمولد النبوي حادث بعد القرون الثلاثة، فهو بدعه، وإن الاحتفال بالمولد النبوى يشتمل على أمور محرّمة في الغالب. أما الثاني فهو مذهب الاباحه: ويرد على الدليل الاول بالقول بأن الاحتفال بالمولد النبوي حادث ، فهو بدعة ولكنها بدعه حسنه ، فهو يميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنه ،استنادا إلى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن صلاه التراويح جماعه(نعم البدعة هي)، وقول الشافعي ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم )، وهناك من أنصار هذا المذهب من يرى ان الاحتفال بالمولد النبوي هو سنه حسنه. كما يرد على الدليل الثاني بالقول بأنه أذا اشتمل الاحتفال بالمولد على أمور محرمه فيجب تحريمها، لكن التحريم متعلق بتلك الأمور لا بأصل الاحتفال بالمولد .كما يورد العديد من الادله التي تفيد جواز الاحتفال بالمولد النبوي. أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ماعبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد النبوي:الكيفية الأولى: تقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي هو من أصول الدين، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على كثير من الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما.وهذه الكيفية طبقا لمستواها الاعتقادى هي بدعه و طبقا لمستواها السلوكي تتضمن ما هو محرم او مكروه. أما الكيفية الثانية: فتقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي ليس من الدين وأصوله،فهو من العرف الذى يمكن ان يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة التبعية فى حال تقيده بالقواعد الامره الناهية التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل التذكير لا الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على رفض الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى ليست بدعه وطبقا لمستواها السلوكي لا تتضمن ما هو محرم او مكروه، وهنا يمكن الاستئناس بقول ابن تيميه انه قد يثاب بعض الناس على فعل المولد لحسن نيتهم وقصدهم - رغم تقريره ان ان الاحتفال بالمولد بدعه - حيث يقول (قَدْ يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك مَا يُحْدِثُهُ بَعضُ النَّاس إمَّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما مَحبَّةً للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له، والله قد يُثيبهم على هذه المحبَّة والاجتهاد، لاَ عَلَى البِدَعِ...) ( اقتضاء الصراط المستقيم في ص 297 ) .. كما ان الفقه الاستخلافى – استنادا الى مذهب التفصيل - فيميز بين الحكم الشرعي على الكيفية الأولى للاحتفال بالمولد النبوي(باعتبارها بدعه)،وبين الحكم على مخالف هذا الحكم فلا يكفر المخالف او يبيح دمه استنادا إلى قاعدة العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). يقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يغفر عنهم)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).
قضايا المظهر والزى:
النقاب: اتفق الفقهاء على وجوب ستر المراه لبدنها ، لورود أدله قطعيه تفيد بذلك كقوله تعالى (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور:31). لكنهم اختلفوا فى ستر الوجه والكفين إلى مذاهب : الاول يقول بوجوب ستر الوجه(وبالتالي تحريم كشفه) استدلالا بادله منها قول عائشة رضي الله عنها ( كنا إذا مر بنا الركبان – في الحج- سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه) وهو مذهب الإمام أحمد، ويرى كثير من العلماء انه الصحيح من مذهب الشافعي. أما المذهب الثاني فيقول باستحباب ستر الوجه والكفين(وبالتالي كراهية كشفهما)، هو مذهب أبي حنيفة ومالك. أما المذهب الثالث فيرى اباحه ستر الوجه والكفين (وبالتالي اباحه كشفهما أيضا) استدلالا بالعديد من الادله منها تفسير ابن عباس لقوله تعالى (إلا ما ظهر منها) في الايه بأنه (وجهها وكفاها والخاتم) ،والحديث(يا أسماء إذا بلغت المراْه المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ، وأشار إلى وجهه ثم امسك بين يديه وكفه مثل قبضه أو قبضتبين)(رواه أبو داؤود)... أما المذهب الرابع فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على الاخذ بالمشترك بين هذه المذاهب الاجماليه - وهذا يعنى ان القول بمنع ستر الوجه والكفين، او القول بأنه عاده وليس عباده لا أصل له - فقد اتفق الفقهاء على إيجاب (طلب) ستر الوجه والكفين، لكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب بين الوجوب والاستحباب والاباحه، كما ان هذا المذهب يميز بين حالتين لارتداء النقاب: الأولى عند أمن الفتنة،وحكمها الاباحه (اى اباحه ستر او كشف الوجه والكفين)، أما الحالة الثانية فعند الخوف من الفتنه، وحكمها الاستحباب (اى استحباب ستر الوجه والكفين و كراهية كشفهما)، أو الوجوب (اى وجوب ستر الوجه والكفين وتحريم كشفهما) حسب درجه عدم امن الفتنه. وهنا يمكن الاستئناس بآراء كثير من علماء الحنفية والمالكية الذين قالوا بعدم وجوب ستر الوجه والكفين إلا عند خوف الفتنه.
حكم إعفاء اللحية: اتفق الفقهاء على إيجاب(طلب)إعفاء اللحية لورود العديد من النصوص الدالة على ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم( أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى )[ رواه مسلم ]، لكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب إلى مذهبين: المذهب الاول يحمل هذه النصوص على الوجوب – وبالتالي تحريم مخالفتها - وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وقول عند الشافعية، و المذهب الثاني يرى ان الأمر فى هذه النصوص محمول على الاستحباب لا الوجوب ( و كراهية- وليس تحريم- مخالفتها)؛ لأن الأمر الوارد على الشيء التحسيني والتزييني يحمل على الندب والاستحباب، وذلك مثل الأمر النبوي بالاختضاب ولبس الابيض والصبغ مع وجود لصحابة من لم يخضب ولم يلبس البياض ومن لم يصبغ كما قال ابن حجر في فتح الباري، وكما جاء فى كتاب نهج البلاغة : سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: "غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود". فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..) كما يستدل هذا المذهب على سنية -وليس وجوب- إعفاء اللحية بقوله الله صلى الله عليه وسلم: ( عشر من الفطرة: منها إعفاء اللحية)، والمراد بالفطرة: السنة، لورود تعبير سنة بدلاً من الفطرة فى حديث أخر هو قوله صلى الله عليه وسلم ( من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار )(صحيح بخارى) .وهذا المذهب هو المعتمد عند الشافعية، يقول ابن حجر الهيتمي (فَرْعٌ: ذَكَرُوا هُنَا فِي اللِّحْيَةِ وَنَحْوِهَا خِصَالًا مَكْرُوهَةً مِنْهَا نَتْفُهَا وَحَلْقُهَا ... لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا كَرَاهَةُ الْأَخْذِ مِنْهَا مُطْلَقًا... ) ( تحفة المحتاج) . ويقول الرملي ( سئل : هل يحرم حلق الذقن ونتفها أو لا ؟ فأجاب بأن حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام . وقول الحليمي ‏في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف )( الفتاوى المطبوعة بهامش فتاوى ابن حجر: 4/ 69)،‏ويقول القاضي عياض ( شرح مسلم (1/154)( يكره حلقها وقصها وتحريقها أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن) ،ويقول شطا الدمياطي في حاشيته النفيسة في المذهب عند قول الشارح"ويحرم حلق اللحية" ( المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام _ أي القاضي زكريا الأنصاري كما هو اصطلاح المتأخرين _ وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب _ أي الشربيني _ وغيرهم الكراهة ) (إعانة الطالبين: 2 / 240 ). أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على القول بإيجاب(طلب)إعفاء اللحية ،أما درجه الإيجاب (من وجوب او ندب) فتتوقف على كيفيه الفعل المتصلة بمدى خضوعه لجمله من الضوابط منها:أولا: درجه العلم برجحان أدله درجه الإيجاب المعينة، فمن غلب على علمه رجحان أدله الوجوب يجب فى حقه الوجوب،ومن غلب على علمه رجحان أدله الندب يجب فى حقه الندب،وذلك باعتبار ان طلب الدليل نوع من اجتهاد،فمن أصاب فيه فله اجر ومن اخطا فله أجران. ثانيا: القصد والنية من الفعل لقوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات"، فالنصوص تربط الحكم بمقصد شرعي معين هو مخالفه المشركين( خالفوا المشركين ، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)، لذا يمكن القول بان الفعل المخالف بنيه مشابهه المشركين لا خلاف فى ان حكمه التحريم،أما الفعل المخالف بدون نية مشابهه المشركين فيرجح ان يكون حكمه الكراهة. ويدل على هذا ايراد بعض العلماء الذين قالوا بان حكم نتف اللحية مكروه وليس محرم عددا من المقاصد من وراء ذلك ليس بينها مشابهه المشركين، يقول زكريا الأنصاري ( ويكره نَتْفُهَا أَيْ اللِّحْيَةِ أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ وَحُسْنِ الصُّورَةِ وَنَتْفُ الشَّيْبِ لِمَا مَرَّ في شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَاسْتِعْجَالُهُ أَيْ الشَّيْبِ بِالْكِبْرِيتِ أو غَيْرِهِ طَلَبًا لِلشَّيْخُوخَةِ وَإِظْهَارًا لِعُلُوِّ السِّنِّ لِأَجْلٍ الرِّيَاسَةِ)( أسنى المطالب ، طبعة دار الكتب العلمية : 1/551)،ويقول الخطيب الشربيني(ويكره نَتْفُ اللِّحْيَةِ أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ وَنَتْفُ الشَّيْبِةِ وَاسْتِعْجَالُ الشَّيْبِ بِالْكِبْرِيتِ أو غَيْرِهِ طَلَبًا لِلشَّيْخُوخَةِ. )( مغني المحتاج ، طبعة دار إحياء التراث العربي: 6/186 ).
حكم إسبال الثوب:وفى مسالة الإسبال فهناك مذهب يقول بالمنع المطلق ، استنادا الى النصوص الدالة عن النهى عن إسبال الإزار ،ومن العلماء الذين قالوا بهذا المذهب ابن العربي والذهبي و ابن حجر العسقلاني . أما مذهب التفصيل – وهو المذهب الذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - فيقوم على التمييز بين كيفيتين للإسبال: الأولى الإسبال بقصد الخيلاء وحكمها التحريم ، والثانية الإسبال بدون قصد الخيلاء وحكمها الكراهة ،ونستأنس فى هذا التمييز الى كثير من العلماء الذين قالوا ان أحاديث النهي عن الإسبال مقيدة بالخيلاء، فإذا انتفى الخيلاء لم يكن الإسبال محرماً، واختلفوا بعد ذلك في الكراهة وعدمها، وممن ذهب إلى عدم التحريم إذا لم يكن للخيلاء: الشافعي وأحمد، وممن ذكر ذلك من المالكية: الباجي في كتابه المنتقى شرح الموطأ ،ومن الشافعية: النووي و زكريا الأنصاري و ابن حجر الهيتمي ....وممن نص على ذلك من الحنابلة: ابن قدامة في المغني و ابن تيمية في شرح العمدة والمرداوي في الإنصاف.يقول الباجي في المنتقى( وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعليق هذا الحكم بمن جره خيلاء، أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره، أو عذر من الأعذار، فإنه لا يتناوله الوعيد) ، ويقول ابن قدامة ( ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع الإزار، فإن فعل ذلك على وجه الخيلاء حرام)،ويقول ابن تيمية ( وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة، والمطلق منها محمول على المقيد، وإنما أطلق ذلك ؛ لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة... ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة، وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة....وبكل حال فالسنة تقصير ا لثياب، وحدِّ ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب، فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحت الكعب في النار). (شرح العمدة: 4/363).