نحو فقه استخلافى: دراسة في الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف 3
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
خكم المصافحة: اختلف الفقهاء في مسالة مصافحه الرجل المراه الاجنبيه إلى مذهبين: الأول مذهب التحريم : ويستدل بعدد من الادله منها الحديث (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) و (أخرجه الطبراني (20|211)،وما رواه الشيخان عن عائشة قالت(ما مست يد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يد امرأة قط إلا امرأة يملكها) رواه البخاري (7214)، ومسلم (1866) . أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه ويقول به كثير من العلماء المعاصرين، و يرى ان الحديث الأول ضعيف، أما بفرض صحته فان المس لا يعنى المصافحة بل الجماع كما فى قوله تعالى{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}،وإلا دلّ على الملامسة مع شهوة، أما الحديث الثاني فان هذا المذهب يرى ان امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر دون أن ينهى عنه لا يدل على التحريم كامتناعه عن أكل الثوم و البصل و الضب،وهناك من يرى ان الحديث يدل على كراهية- وليس تحريم- المصافحة بين الرجل و المرأة الأجنبية... كما أن هذا المذهب يورد عدد من الادله التي تفيد جواز المصافحة. أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين لفعل المصافحة : الكيفيه الأولى فعند وجود الشهوة وخوف الفتنة وحكمها المنع.. اما الكيفية الثانية فعند عدم الشهوة وامن الفته و حكمها الاباحه، وهنا يمكن الاستئناس بتقييّد الحنفيّة التّحريم بأن تكون الشّابّة مشتهاةً (الموسوعة الفقهية الكويتية)، وايضا الترخيص في مصافحة المرأة العجوز و البنت الصغيرة والشيخً الكبير
قضايا الصحة والطهارة :
حكم الختان:اتفق الفقهاء على إيجاب الختان ، لقوله صلى الله عليه وسلم( خمس من الفطرة: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب)(متفق عليه)،ولكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب،إلى مذهبين الاول يقول انه واجب، وممن قال بهذا المذهب الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد ومالك والشافعي وأحمد، أما المذهب الثاني فيقول انه سنه، وقال به أبو حنيفة والحسن،ونقله كثير من الفقهاء عن مالك ، يقول ابن عابدين في كتاب الطهارة من "السراج الوهاج"( اعلم أن الختان سنة عندنا للرجال والنساء)..أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على الأخذ بالمشترك بين المذاهب وهو إيجاب(طلب) الختان، لكنه يميز بين الرجل و المراه في درجه الإيجاب، فحكم ختان الرجل درجه بين الوجوب(الفرض) والندب (السنة)، باعتبارات كثيرة منها أثره وموضوعه، فباعتبار أثره( لأثره الايجابي على الصحة) يمكن ان يحمل على الوجوب،وباعتبار موضوعه(الطهارة كأمر تحسيني ) يمكن ان يحمل على الندب ،وقد أشار بعض العلماء على هذا الحكم، يقول القاضي عياض المالكي ( الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة، ولكن السنة عندهم يأثم تاركها؛ فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب). ويقول الموصلى الحنفي فى "شرح المختار" (أن الختان للنساء مكرمة فلو اجتمع أهل مصر على ترك الختان قاتلهم الإمام؛ لأنه من شعائر الإسلام وخصائصه) . أما حكم ختان المراه فهو فى درجه إيجاب ادني من درجتي الندب (السنة)، والوجوب(الفرض) بخلاف الرجل،وهى درجه الاباحه اى جواز الختان او عدمه ، يقول ابن قدامه (المغني)( إن الختان واجب على الرجال ومكرمة في حق النساء وليس بواجب عليهن)، وفي شرح المختار للموصلي ( إن الختان سنة للرجال وهو من الفطرة، وللنساء مكرمة) ، كما يميز هذا المذهب فى ختان المراه بين الكيفية التي وردت فى السنة ،كما فى حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: إن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال صلى الله عليه وسلم(لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل)( رواه أبو داود)، وقوله صلى الله عليه وسلم( يا نساء الأنصار اختفضن (اختتن) ولا تنهكن أي لا تبالغن في الخفاض)( رواه البيهقي في شعب الإيمان)، والتي سبق بيان حكمها، وكيفيه أخرى ذات جذور وثنيه، لا أصل لها في الإسلام ، وهى الختان الفرعوني،وهى بدعه إذا اعتقد فاعلها أنها من الدين وأصوله، وينبغي ان يكون حكمها المنع لضررها على المراه ،استنادا إلى قاعدة " لا ضرر ولا ضرار".
حكم التدخين: اختلف الفقهاء فى حكم التدخين، الذى انتقل إلى المجتمعات المسلمة من المجتمعات الغربية في أواخر العاشر وبداية القرن الحادي عشر الهجريين ، حيث انقسموا إلى مذهبين: المذهب الأول وهو مذهب جمهور العلماء، وهو مذهب المنع ويضمن القول بأنه محرم ، كما يضمن هذا المذهب القول بأنه مكروه. أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه مع الكراهة او التوقف، وممن قال بإباحته مع الكراهة: أبو الحسنات الكمنوي، وأصحاب كتب الأشباه ، وعبد الرحمن العمادي ، ويجب هنا ملاحظه أن مبدأ ظهور هذا المذهب كان قبل ثبوت ضرر التدخين على صحة الإنسان بصوره قاطعه. أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على ترجيح المنع بدرجتيه من كراهة او تحريم حسب درجه ضرر، ومدى ثبوت هذا الضرر "على وجه الظن او اليقين" . غير ان المنع هنا مصدره الاجتهاد المستند إلى قاعدة" لا ضرر ولا ضرار" ، وليس النص القطعي كما في تحريم الخمر.
حكم بناء الاضرحه وزيارتها : اختلف العلماء فى مسالة حكم بناء وزيارة الاضرحه ،إلى مذهبين :الأول مذهب المنع، ويقول بتحريم بناء الاضرحه والمقامات او زيارتها، استنادا الى العديد من الادله، ومن أهم القائلين به الإمام ابن القيم الذي ينقل أدله المنع فى قوله( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعليه ، ونهى عن الصلاة إلى القبور ، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيداً ، ولعن زوارات القبور . وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ ، وأن لا يجلس عليها ، ويتكأ عليها، ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها ، وتتخذ أعيادا وأوثانا ) ( زاد المعاد 1/524)، وبناءا على هذا يقرر ان بناء الاضرحه بدعه وان سنته صلى الله عليه سلم تسويتها، ثم يقرر وجوب هدم المسجد الذى يبنى على قبر ، ثم ينكر الذين يزورون القبور ويسألون الأموات الحوائج ، أو يتوسلون بهم في قضائها ، أو يدعون الله عند قبورهم .أما المذهب الثاني فيقول بجواز بناء الاضرحه واتخاذ المساجد قبور، وزيارتها استنادا إلى العديد من الادله منها: قوله تعالى ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتَّخذن عليهم مسجداً )(الكهف:21). وتقرير الرسول (صلى الله عليه وسلم) صاحبه أبا جندل (رضي الله تعالى عنه) على بناء مسجد على قبر أبي بصير (رضي الله تعالى عنه) فيما يرويه عبد الرزَّاق وغيره عن الحديبية. وما روى من أن جماعة من المرسلين والأنبياء عليهم السلام مدفونون في المسجد الحرام، ما بين زمزم والمقام، منهم نوح وهود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام، حيث ينقل الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قول ابن عباس( في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما: قبر إسماعيل، وقبر شعيب عليهما السلام) ، و اتخاذ المسجد على قبر الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بعلمه وندبه إليه؛ فقد ثبت في الصحاح قوله: ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنَّة )،ودفن أبو بكر الصديق وعمر بين الخطاب (رضي الله عنهما) مع الرسول (صلى الله عليه وسلم). كما يرى هذا المذهب ان المقصود من الحديث " لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "(متفق عليه) انهم اتخذوا قبور أنبيائهم قِبلة يسجدون إليها وهو محظور باتفاق.و ان النهي عن رفع القبور، نحو خبر" لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته "(مسلم وغيره) مقصود به لا تدع قبراً مشرفاً من قبور المشركين ومن في معناهم إلا سويته (حكم بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور،الشيخ طارق السعدي). أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين لبناء المساجد على القبور وزيارتها، الأولى: البناء بقصد عباده صاحب القبر او تقديسه،والزيارة التي تتضمن ما هو محرم من دعاء وتوسل يتضمن الشرك بالله، وحكمها المنع. والكيفيه الثانية البناء بدون قصد عباده صاحب القبر او تقديسه، والزيارة بقصد الدعاء والترحم والاستغفار و ما وافق السنة وحكمها الاباحه . وهنا يجب الاشاره الى ان الامام ابن القيم رغم تقريره منع بناء الاضرحه وزيارتها الا انه كثيرا ما استخدم جمله " قدس الله روحه و نوَّر ضريحه" فى وصف الامام الامام ابن تيميه،خاصه فى حالات نقل ماقاله له ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر.. )( إعلام الموقعين عن رب العالمين :ح 3 / ص 4 ) ، ويقول( سمعت شيخ الإسلام ‎ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه - مرارا - يقول : ذكر الله الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل....)(بدائع الفوائد:3/133)، ويقول( قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه و نوَّر ضريحه يومًا : إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته ، و مدافعته ، و عليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك). واخيرا يجب تقرير أن الإنكار على الكيفية الأولى يجب ان يتم طبقا للضوابط الشرعية في الأمر بالمعروف والنهى عن منكر، من هذه الضوابط قاعدة " سد الذرائع "،اى جعل حكم الفعل الذي يلزم منه الضرر المنع ، ومن أدلتها عدم هدم الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكعبة لأعاده بناءها على قواعدها الصحيحة لان الناس كانوا حديثي العهد بالإسلام . ومنها قاعدة العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)، يقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يغفر عنهم)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).
حكم التوسل: اختلف العلماء فى حكم التوسل إلى مذهبين: الأول هو المنع استنادا إلى العديد من الادله منها قوله تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3 ). والمذهب الثاني هو جواز التوسل بالأحياء والأموات من الأنبياء والصالحين ، استنادا إلى العديد من الادله منها قوله تعالى( أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) ، وقوله صلى الله عليه ويسلم( الله الذي يحيى ويميت وهو حى لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين )( رواه الطبراني في الكبير والأوسط )، وما رواه البخاري في صحيحة من أن عمر ( رضي الله عنه ) استسقى عام الرمادة بالعباس فقال :اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون(البخاري كتاب الاستسقاء فتح ج3 ص182). أما المذهب الثالث فهو مذهب التفصيل – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على التمييز بين كيفيتين للتوسل:الأولى تقوم على التوسل الذى لا يتضمن اى شكل من أشكال الشرك ، وأشارت له النصوص كالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته كما فى قوله تعالى(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) (الأعراف 180 . ) ، او بالأعمال الصالحة، كما فى قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ، او بدعاء من ترجى إجابته من المؤمنين كقوله تعالى( قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) ، او بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره وحاجته كقول موسى (عليه السلام) ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(القصص: 24 )، وهذه الكيفية حكمها الاباحه. أما الكيفية الثانية فتقوم على التوسل القائم على الشرك باى شكل من أشكاله كإسناد صفات الربوبية من إحياء واماته و رزق وضرر ونفع... لغيره تعالى ، او جعل وسيط بين الله تعالى وخلقه، او التقرب الله تعالى بعمل مخالف للكتاب والسنة ، وهذه الكيفية حكمها المنع . وهنا نستأنس بقول ابن تيميه فى تعقيبه على واقعه ان عمر(رضي الله عنه) استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ( فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي "صلى الله عليه وسلم" في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم، ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق)( اقتضاء الصراط المستقيم، دار الحديث، القاهرة، بدون تاريخ، ص359.).
تعدد الزوجات بين الاطلاق البدعى والضبط الشرعى: أباحت الشريعة الاسلاميه تعدد الزوجات ، بنصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة ، كقوله تعالى (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ...)، لذا لا خلاف على إثبات التعدد ، لكن يفترق الفكر الاجتماعى الاسلامى المعاصر في تحديد طبيعة هذا الإثبات إلى مذهبين :
مذهب الاطلاق : يفترض أن اثبات التعدد مطلق من اى شروط أو ضوابط ، وهو ما يتعارض مع تقرير الشرع لجمله من الضوابط لهذا الحكم سنتناولها أدناه. كما أن هذا المذهب يكاد يرفع درجه إيجاب " طلب" التعدد من الاباحه(ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه) إلى الوجوب(ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه). ويستند هذا المذهب إلى رأى بعض العلماء القائل بأن الأصل هو التعدُّد بادله منها :أن آية التعدد بدأتْ بذكْر التعدُّد(مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ). وما روى عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجتَ؟ قلت: لا، قال: "تزوَّج؛ فإنَّ خير هذه الأمة أكثرها نساءً" ( رواه البخاري، كتاب النكاح، باب كثرة النساء، برقم /5069/، ص907).غير ان بعض العلماء يرى ان هذه النصوص لا تفيد أن الأصل هو التعدد.
مذهب الضبط الشرعى: وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على أن حكم اباحه تعدد الزوجات مقيد بجمله من الضوابط الشرعية التي أشارت إليها النصوص، وأكد عليها العلماء منها:
أولا: أن يعدل الرجل بين جميع زوجاته ويسوي بينهن في الحقوق قال الله تعالى: ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا )(النساء: 3)، وثبت في المسند عن عائشة (رضي الله عنها) قولها: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: (اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، وثبت في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال ( إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط).
ثانيا: أن تتوافر القدرة على الإنفاق لقوله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج )
.ثالثا: وقد جعل الشرع من حقِّ المرأة أو وليِّها أن يشترط ألا يتزوَّج الرجل عليها، فلو شرطت المرأة ذلك صحَّ الشرط ولزم، وكان لها حقُّ فسخ الزواج إذا لم يفِ لها بالشرط، ولا يسقط حقُّها في الفسخ إلا إذا أسقطته ورضيت بمخالفته، على تفصيلٍ كبيرٍ في كتب الفقهاء.
الحكم الاصلى والحكم الفرعي : هذا المذهب يرى أن للتعدد حكم أصلى وحكم فرعى . الحكم الاصلى هو الاباحه - لا الوجوب أو الندب - إلاّ إذا اعتراه ما يغيّر حكمه من الإباحة( اى الحكم الاصلى ) إلى غيرها؛ إما الاستحباب أو الوجوب أو الكراهة أو التحريم (وهى حالات الحكم الفرعي). فيكون مستحبًّا إذا كان فعله يؤدي إلى أمر مستحب ،كرعاية أرامل المسلمين. و يكون واجباً إذا كان عدمه يؤدّي إلى محرَّم أو يمنع من واجب. ويكون مكروهاً إذا كان فعله يؤدِّي إلى مكروه، كطلاق الزوجة الأولى ، فهناك من الفقهاء من قالوا بكراهية الثاني والثالث والرابع منهم البهوتي( البهوتي، كشاف القناع: 5/7). و يكون محرّماً إذا كان يعتريه ما يحرِّمه كأن يجمع بين المرأة وأختها، أو إذا غلب على الزوج الظن أنه لن يستطيع العدل بين زوجاته فيما يجب عليه العدل ، (سؤالات في تعدد الزوجات، الشيخ محمد بن سعد الشهراني ، تقدّيم الشيخ ابن جبرين، مؤسسة الريان،بيروت).
الأصل التفرد: ويستند هذا المذهب إلى رأى جمهور من العلماء الذين يرون أن الاصل في الإسلام التفرد لا التعدد، اى أن التعدُّد الاستثناء وليس القاعدة بادله منها:
أولا: قوله تعالى (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا).
ثانيا: ورود الحكم بالاباحه مقرونا بشرط معين هو الخوف من عدم القسط فى اليتامى كما في قوله تعالى(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ).
ثالثا: تذييل الآية التي تبيح التعدُّد بقوله تعالى(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [النساء: 3].
رابعا: قوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) [النساء: 129)، ثم قوله صلى الله عليه وسلم (مَن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل).
خامسا: كون التعدد مباح وليس واجب ..
حكم التبني بين الاجمال والتفصيل: التبني لغة من تبنى تبنيا، ويقال تبنى الصبي أو ادعى بنوته أو أتخذه أبنا .أما اصطلاحا فقد تعددت تعريفاته ومن هذه التعريفات (هو عملية إلحاق شخص بآخر معلوم النسب أو مجهول، مع علمه يقينا أنه ليس منه ، وهي علاقة بين الطرفين أحدهما وهو الشخص الكبير ، امرأة أو رجل و يسمي المتبني ، أما الخاضع لهذه العملية هو الطفل المتبنى، والمتبنى إما أن يكون معلوم النسب أو مجهول النسب كاللقيط )( فضيل سعد / نقلا عن خـلـوفي بـشير /نظام التبني و موقف الشرائع السماوية و بعض الشرائع الوضعية منه). وللتبنى معنى عرفي شائع عند كثير من الناس في هذا العصر، ومضمونه رعاية الطفل مجهول النسب وكفالته.
أما في إطار في الفكر الاجتماعي الاسلامى المعاصر، فان هناك مذهبين في حكم التبني:
أولا:مذهب الإجمال"المنع":المذهب الأول يضع حكما كليا بالمنع (التحريم)، ولا يميز بين الكيفيات المختلفة للتبني. فهو احد مذاهب الإجمال، ويستند هذا المذهب إلى العديد من الادله منها:
أولا: ورود العديد من النصوص التي تحرم إعطاء الطفل مجهول النسب النسب وحقوق البنوة الشرعية من ميراث وغيره. لكن إذا كان لا خلاف حول تحريم كل ذلك ،فان هذه الكيفية للتبني ليست هي كيفيته الوحيدة، حيث أن هناك كيفيه أخرى له، لا تقوم على إعطاء الطفل مجهول النسب النسب أو حقوق البنوة الشرعية كما سنوضح أدناه .
ثانيا: يرفض بعض أنصار هذا المذهب كفاله الطفل مجهول النسب لأنه اجنبى ، وبالتالي لا يجوز أن يطلع على النساء .غير أن هذا القول يتعارض مع إيجاب الإسلام كفاله اليتيم ، كما أن الطفل مجهول النسب لا يأخذ حكم الاجنبى بعدم جواز الاطلاع على النساء قبل بلوغه ( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ) (النور:31 )، أما بعد بلوغه فيشير العلماء إلى انه يكون غير اجنبى في حاله إرضاعه وهو طفل ، فيصبح ابن وأخ بالرضاعة.ورد في فتاوى اللجنة الدائمة ( لكن يجب على مَن كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه ، أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة ؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق ، ولارتكاب ما حرَّم الله ، وأن يعرف من يكفلهم أنهم بعد أن يبلغوا سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس ، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل أو الرجل للمرأة منهم ، إلا إن وجد رضاع محرم للمكفول ، فإنه يكون محرماً لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب)( فتاوى اللجنة الدائمة / 14 / 255).
مذهب التفصيل : وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - وهومذهب لا يضع حكما كليا بالمنع أو الاباحه ، بل يميز بين كيفيتين للتبني:
الكيفية الأولى: ومضمونها إعطاء الطفل مجهول النسب النسب وحقوق البنوة الشرعية من ميراث وغيره، وحكمها المنع (التحريم) لورود نصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة بتحريم ذلك كقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) ( الأحزاب: 4-5)، وهنا نشير إلى انه يجوز للمتبنى أن يوصى للطفل مجهول النسب بدلا من توريثه.
الكيفية الثانية: مضمونها رعاية الطفل مجهول النسب وكفالته والإنفاق عليه، دون إعطائه النسب وحقوق البنوة الشرعية ، وحكمها الاباحه استنادا إلى إيجاب الإسلام كفاله اليتيم ومن في حكمه ، قـال الرسول (صلى الله عليه وسلم)( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ) ( رواه البخاري ) ، وقال(صلى الله عليه وسلم) ( مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، الْبَتَّةَ) ( رواه أحمد) ، وقـال (صلى الله عليه وسلم)( إن أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم)( رواه الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا ).يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق (ينبغي لمعرفة حُكم الشريعة في التبنِّي أن يعرف له في معناه صورتينِ: إحداهما: أن يضمَّ الرجل الطفل الذي يعرف أنه ابن غيره إلى نفسه، فيُعامله مُعاملة الأبناء من جهة العطف والإنفاق عليه، ومِن جهة التربية والعناية بشأنه كلِّه، دون أن يُلْحِقَ به نسبَه، فلا يكون ابنًا شرعيًّا، ولا يثبُت له شيءٌ من أحكام البُنُوَّةِ. والتبني بهذا المعنى صَنِيعٌ يلجأ إليه بعض أرباب الخير من المُوسرين الذين لم يُنعم الله عليهم بالأبناء، ويَرونه نوعًا من القُرْبَةِ إلى الله بتربية طفل فقير، حُرم من عطف الأُبوَّة، أو حُرم من قدرة أبيه على تربيته وتعليمه، ولا ريب أنه عملٌ يستحبُّه الشرع، ويدعو إليه، ويُثيب عليه...التَّبَنِّي المَحْظُورُ:أما الصورة الثانية: وهي المفهومة من كلمة: "تبنِّي" عند الإطلاق، وفي عُرف الشرائع ومُتعارف الناس، فهي أن ينسب الشخص إلى نفسه طفلًا يعرف أنه ولد غيره، وليس ولدًا له ينسبه إلى نفسه نسبة الابن الصحيح ويُثبت له أحكام البنوة من استحقاق إرْثه بعد موته، وحُرمة تزوُّجه بحليلته، وهذا شأنٌ كان يعرفه أهل الجاهلية، وكان سببًا من أسباب الإرْث التي كانوا يُورِّثون بها، فلمَّا جاء الإسلام ـ وبيَّن الوارثين والوارثات بالعناوين التي قرَّرها سببًا في استحقاق الإرث ـ أسقطه من أسباب التوارث، وحصرها في البنوة والأُبوَّة والأمومة والزوجية والأخوة والأرحام على ترتيب بينهم (وأُولُوا الأَرْحَامِ بعضُهمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كتابِ اللهِ). "آخر سورة الأنفال "). ويقول الدكتور مشهور فواز محاجنة( ولهذا فإذا كان الإسلام يحرم التبني بمعنى ضمه إلى نسب الإنسان وإعطائه حقوق البنوة فإنه بالمقابل لا يحرم التبني بالمعنى العرفي الدارج اليوم أي بمعنى الرعاية والاحتضان والكفالة والتربية والإنفاق كما يفعل الكثيرون والكثيرات في مجتمعاتنا …)