[SIZE=5]نحو فقه استخلافى: دراسة في الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف 4
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
حكم زواج القاصرات بين الجواز والمنع: اختلف الفكر الاجتماعى الاسلامى المعاصر فى حكم زواج القاصرات الى مذهبين :
مذهب الجواز: ويستند هذا المذهب إلى العديد من الادله أهمها: قوله تعالى( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن )، و أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) تزوج عائشة "رضي الله عنها" وهي بنت تسع.
مذهب المنع :أما المذهب الثاني فهو مذهب منع زواج القاصرات – وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – أو ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - . ويستند هذا المذهب على العديد من الادله :
أدله نفي مذهب الجواز: بعض هذه الادله تتصل بالرد على الادله التي أوردها مذهب جواز زوج القاصرات ومنها:
أولا: قال بعض أنصار هذا المذهب أن زواج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من عاشه (رضي الله عنها) وهى صغيره من خصوصياته (صلى الله عليه وسلم) كزواجه أكثر من أربعه ، حيث رأى ابن شبرمة أن ( أَمْرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، كَالْمَوْهُوبَةِ، وَنِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ) (ابن حزم/ المحلى).
كما قال البعض انه من العرف الذى كان سائدا عند العرب ، في عهد الرسول (صلى اله عليه وسلم ) وما قبله ، والذي يتغير بتغير الزمان . وقال آخرون إن المعيار هو البلوغ وليس العمر ، وهو ما يتغير بتغير البيئات والازمنه ، بدليل أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) خطب عائشة (رضي الله عنها) وهى بنت ست ،وبني بها وهى بنت تسع.
ثانيا: كما يرى أنصار هذا المذهب أن المقصود ب(اللائي لم يحضن ) في الايه ليس الصغيرات اللاتي لم يبلغن سن الحيض ، بل المرأة الضهياء قال ثعلب الضهياء: التي لا تنبت لها شِعْرة.. ، وقيل أيضاً: المرأة التي لا تحيض، وزاد بعضهم: ولا تحمل، والتي لا ينبت ثدياها، والتي لا تلد وإن حاضت)، وكله مقصود به المرأة الكبيرة.
ثالثا: أن الرضا من شروط الزواج لقوله (صلى الله عليه وسلم) (لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حتى تُسْتأمر، ولا تُنْكحُ البِكْرُ حتى تُسْتأذن، قالوا يا رسول الله وكيف إذْنُها؟ قال: أن تسكت)( رواه البخاري ومسلم). وهذا الشرط غير متوفر في الفتاه القاصر لأنها غير مكلفة .
أدله إثبات حكم المنع : كما أن بعض أدله هذا المذهب تتصل بإثبات حكم المنع ، ومن هذه الادله:
أولا: أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) رد خطبه ابو بكر وعمر (رضي الله عنهما) لفاطمة لأنها صغيره كما في الحديث(خطب أبو بكر وعمر فاطمة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ( إنها صغيرة ) ،فخطبها علي فزوجها منه)( قال المحقق شعيب الارنؤوط إسناده صحيح على شرط مسلم، وفي سنن النسائى الصغرى ) .
ثانيا: نقل ابن حزم عن ابن شبرمة تحريم زواج غير البالغة حيث يقول في المحلى ( فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا خِلافٌ : قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لا يَجُوزُ إنْكَاحُ الأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ إلا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ، وَرَأَى أَمْرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، كَالْمَوْهُوبَةِ، وَنِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ).
ثالثا: وقد قال بمذهب منع زواج القاصرات العديد من العلماء منهم الشيخ ابن عثيمين والشيخ محمد بن ناصر الألباني والشيخ العبيكان.
حكم المرابحة وضروره الانتقال من الاطلاق الى الضبط الشرعى :
تعريف المرابحة : المرابحة لغة مفاعله من الربح و أصله النماء والزيادة ، أما اصطلاحا فان المرابحة بيع الشيء بثمنه مضافا إليه زيادة معينة ، والمرابحة من بيوع الأمانة ، القائمة على الائتمان بين الطرفين على صحة خبر رب السلعة بمقدار رأس المال،لذلك يجب أن يكون الثمن الأول معلوما والربح معلوما أيضا.
صيغتان للمرابحه: يجب التمييز بين صيغتين للمرابحه:
الصيغة الأولى "الاصليه" : وهي الصيغة التي تناولها الفقهاء ، وهى الصيغة المقصودة بمصطلح المرابحة عند استخدامه مجردا .
اختلاف الفقهاء حول حكم الصيغه الاصليه للمرابحة: وقد اختلف الفقهاء حول حكم بيع المرابحة فى صيفته الاصليه :
أولا: الجواز " المشروط " : من العلماء من نقل القول بالجواز منهم ابن قدامه و ابن هبيرة و الكاساني ،غير ان القائلين بالجواز جعلوه مشروطا بالشروط التالية:أولا: أن يكون رأس المال أو ما قامت به السلعة معلوما للمشترى الثاني. ثانيا : أن يكون الربح معلوما؛ لأنه بعض الثمن ، والعلم بالثمن شرط صحة البياعات.الثالث : أن يكون رأس المال من ذوات الأمثال .
ثايا: الكراهة: وهناك من العلماء من قال بالكراهة تنزيها ،وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وروي عن ابن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهم، وعن الحسن ، ومسروق وعكرمة ، وعطاء بن يسار رحمهم الله تعالى، وقد علل الكراهة تنزيها بأن فيه جهالة، فيما إذا قال: بعتكه برأس ماله مائة ريال، وربح درهم في كل عشرة، فالجهالة أن المشتري يحتاج إلى جمع الحساب ليعلم مقدار الربح.
ثالثا: التحريم: وقد نقل عن ابن حزم القول بحرمه المرابحة وبطلان العقد بها لان اشتراط ربح معين شرط ليس في كتاب الله. وبأنه بيع بثمن مجهول،إلا أنه قال بجوازه لمن كان في بلد لا ابتياع فيه إلا هكذا، على أن يبين ثمن شرائه أو قيامه عليه. (الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد/ المرابحة في المصارف الإسلامية. ب . م. مفيض الرحمن/ رؤية شرعية حول المرابحة وصياغتها المصرفية).
الصيغة الثانية " المحدثه" : وهى صيغه التمويل التي تستخدمها البنوك الاسلاميه باسم ( بيع المرابحة للآمر بالشراء )، وهى صيغه محدثه ، ظهرت في نهاية عقد السبعينات . يقول د. محمد الماحي فى بحث بعنوان( الأساس الشرعي لصيغة التمويل بالمرابحة) ( شاع استعمال مصطلح “بيع المرابحة للآمر بالشراء” لدى البنوك الإسلامية والشركات التي تتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية وهو مصطلح حديث ظهر في أواخر عقد السبعينات، وكان أول من استعمله الدكتور سامي حمود بتوجيه من العلامة السنهوري، كما جاء في بحثه.). ومن ناحية المضمون فان هناك اختلاف بين الصيغة القديمة للمرابحة عند الفقهاء ، والصيغة المحدثة لها ، المستخدمة في البنوك الاسلاميه، يقول د. محمد الماحي فى ذات البحث (...بالرغم مما قد يبدو من تشابه بين صور المرابحة عند الفقهاء وصورتها المعروفة حاليا لدى البنوك الوطنية فإن هناك فروقا جوهرية قد تجعل الصورتين مختلفتين تماما...)
اختلاف العلماء حول حكم الصيغة المحدثة للمرابحة: وقد اختلف العلماء حول حكم هذه الصيغه المحدثه للمرابحه.
المذهب الأول : الجواز :قال به بعض العلماء المعاصرين ومنهم :د. سامي حمود في كتابه(تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية)، و د. يوسف القرضاوي في كتابه (بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية) ، وترتكز حججهم بالقول بالجواز أن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة ، غير أن القائلين بالجواز وضعوا شروطا للجواز ومنها : أولا: أن يملك التاجر السلعة ، ثانيا: عدم إلزام الآمر بالشراء.
المذهب الثاني : المنع : غير أن كثير من العلماء قال بمنع هذه الصيغة المحدثة للمرابحة : يقول أبو المجد حرك (إن صيغة التمويل بالمرابحة التي تجريها البنوك الإسلامية لا تختلف في شيء عن الإقراض الربوي من ناحية الدور الاقتصادي وإن اختلفت عنها في الشكل القانونية). و يقول أحمد النجار (المرابحة أسوأ أسلوب لعمل البنك الإسلامي لأنها تعطي الفرصة للتحايل) . واعتبر سليمان الأشقر عقد بيع المرابحة عقدا باطلا في كتابه “بيع المرابحة كما تجريه المصارف الإسلامية”) . و يقول الشيخ محمد محمد المختار الشنقيطي ( أمّا ما يسمّى اليوم بـ " بيع المرابحة " في المعاملة الموجودة والشائعة في بعض المؤسسات ... هذا النوع من البيوع لا يعتبر مرابحة وليس في حكم المرابحة أصلاً ...) . و كما قال الشيخ ابن عثيمين بعدم جواز هذه الصيغة المحدثة للمرابحة لأنها تحايل على الشرع ، كما فعل اليهود حين حرم عليهم الصيد يوم السبت ... ويرى أن التحايل على الشرع يزيد الإثم ، اى إثم المخالفة بفعل المحرم و فعل التحايل.
ضروره الانتقال من الاطلاق الى الضبط الشرعى: ونرى ان التوصل الى الحكم الصحيح للمرابحه ، والذى يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف – او ما عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى- يكون بالانتقال من مذهب الاطلاق الذى يفترض ان اباحه المرابحه بصيغتيها الاصليه والمحدثه مطلق من اى شروط أو ضوابط- وهو ما يتعارض مع اختلاف الفقهاء حول حكم الاولى والعلماء حول حكم الاخيره – الى مذهب الضبط الشرعى الذى مضمونه:
اولا: أن للمرابحه طبقا للصيغة التى قررها الفقهاء حكم أصلى هو الاباحه المقيدة بالشروط التي ذكرها القائلين بالجواز وهى: أولا: أن يكون رأس المال أو ما قامت به السلعة معلوما للمشترى الثاني، ثانيا : أن يكون الربح معلوما؛ لأنه بعض الثمن ، والعلم بالثمن شرط صحة البياعات.الثالث : أن يكون رأس المال من ذوات الأمثال ، وحكم فرعى هو المنع المقيد فى حاله عدم توافر أمكانيه الالتزام بهذه الشروط.
ثانيا: أن للمرابحة طبقا لصيغتها المحدثة المستخدمة في البنوك الاسلاميه حكم أصلى هو الاباحه المقيدة بالشروط التى ذكرها القائلين بالجواز سواء فى صيغتها التى قال بها الفقهاء وصيغتها المحدثة المستخدمة فى البنوك الاسلاميه ، وحكم فرعى هو المنع المقيد فى حاله عدم توافر أمكانيه الالتزام بهذه الشروط.
ضروره اضافه صيغ اخرى للتمويل: وكون هذه الاباحه مقيده وليست مطلقه- اى ليست محل اتفاق - يعنى أن المرابحة بصيغتها ألقديمه عند الفقهاء والمحدثة المستخدمة فى البنوك الاسلاميه ليست صيغه أساسيه للتمويل الاسلامى التى يشترط فيها ان تكون فيها الاباحه مطلقه – اى محل اتفاق - لذا يجب أضافه صيغ أخرى للتمويل ، وأهمها صيغه القرض الحسن ، ذ والتي حثت عليها الكثير من النصوص ، قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(البقرة:245). وعن ابن مسعود( رضي الله عنه ) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال(ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة)(رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه )، وعن أنس قال: قال رسول الله( صلى الله عليه وسلم)( رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة.)( رواه ابن ماجه والبيهقي). قال ابن قدامة في المغني(والقرض مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض لما روينا من الأحاديث ... وقال أبو الدرداء( لأن أقرض دينارين ثم يردان ثم أقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما)، ومضمون صيغه القرض دفع مال إلى من ينتفع به ويرد بدله، جاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي( إعطاء شخص مالاً لآخر في نظير عوض يثبت له في ذمته، مماثل للمال المأخوذ بقصد نفع المعطى له فقط).
التظاهر السلمي:
المذهب الأول (المنع المطلق) : يقوم على منع التظاهر استدلالا بادله عديدة أهمها : أولا: مخالفه التظاهر للنصوص التي توجب طاعة الحاكم كقوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾(النساء: ٥٩).ثانيا : كون التظاهر مستحدث، لم تكن في العهد الأول، ولم يقم عليه دليل شرعي ، وهو ما يخالف قوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) (صحيح البخاري). ثالثا: تناقض التظاهر مع وجوب سريه نصيحة الحكام استنادا الى العديد من النصوص اهمها الحديث «من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له». غير إن طاعة الحاكم في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه، بل مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: " إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) .كما انه ليس من الضروري أن يُبحَث عن سند شرعي من النصوص لأيّ إجراء في مجال السياسة الشرعية، بل الذي عليه أن يبحث عن الدليل الشرعي هو الذي يمنع من الإجراء؛ لأن الأصل في ذلك الإباحة حتى يرد الحظر والمنع من الشرع ، يقول إمام الحرمين الجويني: (فما لم يُعلم فيه تحريمٌ يجري على حكم الحِلِّ؛ والسبب فيه أنَّه لا يثبت لله حكمٌ على المكلفين غير مستند إلى دليل؛ فإذا انتفى دليل التحريم ثَمَّ، استحال الحكم به) [غياث الأمم في التياث الظلم، لإمام الحرمين الجويني، ص 301] .وواضح أيضا أن المنع فى هذا المذهب ليس منع مطلق لانه يجيز التظاهر اذا اجازه ولى الأمر.
المذهب الثاني(الإيجاب المطلق) : يرى ايجاب التظاهرمطلقا ، ويستند هذا المذهب على تخريج التظاهر على مسألة تغيير المنكر باللسان كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وعلى الجهاد باللسان كما فى قوله صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة ورجل خرج إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [أخرجه الحاكم 3/ 195، وحسنه الألباني].كما يرى ان للتظاهر سوابق اسلاميه منها ما ورد فى الحديث الصحيح عن إياس بن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد طاف البارحة بآل محمد سبعون إمرأة كل إمراة تشتكي زوجها ثم قال : فلا تجدون أولئك خياركم) ابن ماجه (2/366) والنسائي في الكبرى ( 5/371) والحاكم (المستدرك 2/188) على شرط مسلم ووافقه الذهبي . ومنها قول محمد بن حرب سئل الإمام أحمد عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه قال يأمره قلت فإن لم يقبل؟ قال: تجمّع عليه الجيران وتهوّل عليه لعل الناس يجتمعون ويشهرون به) (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ، صـ117).
مذهب الإيجاب المقيد : اما المذهب الثالث فهو مذهب الايجاب المقيد- وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف ،والذي عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على تقسيم الحكم على التظاهر إلى:
أولا: حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من التظاهر ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منه، دون المنع، بالالتزام بجمله ضوابط ألتكليفيه والتكوينية منها : أن يكون التظاهر سلميا - إلا في حاله الدفاع عن النفس - لدخول ذلك فى عموم النهى عن العدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ ، وعدم اللجوء إلى التخريب لدخول ذلك في عموم النهى عن الإفساد في الأرض﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم ﴾َ ، وأن تكون مطالب التظاهر مشروعة استنادا إلى قاعدة "الأمور بمقاصدها "...
ثانيا: حكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من التظاهر ، ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك .
حكم التسعير:
مذهب المنع المطلق: ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد، إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يسعر على الناس مطلقاً (المنع)، وإن فعل ذلك يكون فعله هذا إكراهاً يكره معه البيع والشراء (الكراهة)، ويمنع صحة البيع عند بعضهم (التحريم). وذهب جمهور من الفقهاء ومنهم فقهاء التابعين، والظاهرية إلى أن الأصل في التسعير هو التحريم. وذهب الحنفية إلى أن الأصل في التسعير انه مكروه، لكن يجوز اللجوء إليه إذا تعين لدفع الضرر العام. وقد استدل أنصار هذا المذهب بأدلة ، منها حديث أنس رضي الله عنه ، قال : غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر ، فسعر لنا : فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: « إن الله هو المسعِّر ، القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ».
رد على حجج المذهب: غير ان هذه الأدلة لا تدل على المنع المطلق للتسعير، ولكنها تدل على المنع من التسعير في الأحوال التي يكون التسعير فيها مجحفاً بحق البائع أو العامل الذي يقوم بما يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها ، يقول ابن تيميه(من احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبى -صلى الله عليه وسلم- « إن الله هو المسعر... » قيل له : هذه قضية معينة ، وليست لفظاً عاماً ، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه ، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه ، فإذا بذله صاحبه ، كما جرت به العادة ، ولكن الناس تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم ). فضلا عن ان الحكم بالمنع هنا هو اجتهاد ، لذا كان اختلاف الفقهاء فيه ، و ليس أصل من أصول الدين، والتي لا يباح الخلاف فيها، لذا لم يتحقق الاجماع حوله.
مذهب الإيجاب المطلق: ذهب بعض العلماء ، كسعيد بن المسيب ، وربيعة بن عبد الرحمن : إلى جواز التسعير مطلقاً (الوجوب).و ذهب المالكية إلى جواز التسعير في الأقوات مع الغلاء ، وقالوا: ليس لمن أتى السوق ، من أهله أو من غير أهله ، أن يبيع السلعة بأقل من سعرها ، ويمنع من ذلك. وله أن يبيع بأكثر .غير ان هذا المذهب لا يفيد الايجاب المطلق لتسعير لان الحكم بالإيجاب هنا هو اجتهاد ، و ليس أصل من أصول الدين، والتي لا يباح الخلاف فيها.
مذهب الإيجاب المقيد : أما المذهب الثالث فهو مذهب الجمع الايجاب المقيد- وهو المذهب الذي يعبر عن الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف ،والذي عبرنا عنه بمصطلح الفقه الاستخلافى - ويقوم على اعتبار أن التسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة، يقول ابن القيم (وجماع الأمر أن مصلحة الناس, إذا لم تتم إلا بالتسعير, سعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط , وإذا اندفعت حاجتهم بدونه, لم يفعل) ، فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان المنع ، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان الإيجاب بشرط أن لا يتضمن السعر الذي تضعه الدولة الضرر للبائع والمشتري .وللجماعة مصلحه دائمة في وجوب تسعير السلع الضرورية والاستراتيجيه ، دفعا لضرر دائم يتمثل فى وقوع الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم ، وهو ما يناقض مع جوهر التصور الإسلامي للمال .وهنا نستأنس بما ذهب إليه كثير من متأخري الحنفية وبعض الحنابلة ، كابن تيمية وابن القيم من منع التسعير في أحوال و إيجابه (جوازا أو وجوبا ) أحياناً أخرى،يقول ابن تيمية: (التسعير منه ما هو ظلم , ومنه ما هو عدل جائز بل واجب) ويقول (إذا تضمن العدل بين الناس , مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل, فهو جائز بل واجب).و يقول ابن القيم ( فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه, أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام, وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم, من أخذ الزيادة على عوض المثل, فهو جائز, بل واجب) .غير انه يجب تقرير ان للناس مصلحه دائمه فى تسعير السلع الضروريه ، فى كل زملن ومكان.
______________________________________________
1/ الموقع الرسمى للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات:
https://drsabrikhalil.wordpress.com

2/ القناه الرسميه للدكتور صبرى محمد خليل على اليوتيوب:
https://www.youtube.com/channel/UCD2...N0myQ/featured