فى ضروره الضبط الشرعى لمفهوم الافتاء
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
تعريف المفهوم:
لغه: الإفتاء لغة الابانه (ابن منظور لسان العرب 20/5، مادة ” ف•ت•و” )
اصطلاحا: أما اصطلاحا فهو بيان الحكم الشرعي في واقعه معينه بدليل شرعي. ومن هذا المعنى الاصطلاحى نخلص الى ان لتعريف الافتاء اربعه اركان تتصل باحد المصطلحات الاربعه الوارده فى هذا المعنى الاصطلاحى:
الركن الاول:ويتصل بمصطلح "الابانه" ، ومضمونه ان الافتاء هو بالاصاله موقف معرفى،وليس موقف قانونى الا بالتبعيه،اى فقط لان موضوع المعرفه فيه يشمل- دون ان يقتصرعلى – القانون.فعلاقته بالقانون هى كونه مصدر غير ملزم للقانون، وليس كونه قانون ملزم. ويدل على هذا ان العلماء قرروا ان احد الفروق بين الافتاء والقانون، ان الاول غير ملزم والثانى ملزم.
الركن الثانى: ويتصل بمصطلح"الحكم الشرعى"،وهو الحكم التكليفى بدرجاته المتعدده، اى كون الفعل:محرم او مكروه او مباح او واجب او مستحب.
الركن الثالث:ويتصل بمصطلح "واقعه"، ومضمونه ان الافتاء يتناول فعل حادث "اى جديد" ، لكنه يقع فى اطار مجال الافتاء "العبادات او المعاملات"
الركن الرابع: ويتصل بمصطلح"الدليل الشرعى "، ومضمونه انالافتاء كموقف معرفى لا يتاسس على معرفه ذاتيه"كالاهواء الذاتيه والاراءالشخصيه والمصالح الخاصه، بل يتاسس على معرفه موضوعيه بمفهومها التكليفى التى مضمونها ان الوحى وضع الهى مستقل وغير متوقف على عقل الانسان.وتنقسم الادله الشرعيه الى نوعين –فصلهما علم اصول الفقه-
1/ ادله قطعيه:يجب الاستدلال بها فى القضايا التى تندرج تحت اطار اصول الدين النصيه الثابته.
2/ ادله ظنيه: يمكن الاستدلال بها فى القضايا التى تندرج تحت اطارفروع الدين الاجتهاديخه المتغيره.
تطبيقات المفهوم فى التاريخ الاسلامى:
هناك فارق بين الافتاء فى مراحله المتقدمه ومراحله المتاخره من العديد من الجهات ومنها:
اولا: مدى التزامه بضوابطه:التزم الافتاء فى مراحله المتقدمه فى الغالب بضوابطه الشرعيه، لكن استخدم فى مراحله المتاخره فى احيان كثيره بدون الالتزام من ضوابطه، مما ادى الى اقترانه بالعديد من الظواهر السالبه - التى لا تعبر عن جوهره ، رغم اعتقاد البعض ذلك-
ثانيا:مدى اداءه لوظيفته الحقيقيه: ادى الافتاء فى مراحله المتقدمه فى الغالب وظيفته الحقيقيه،وهى ذات شعبين الاولى: كونه ضابط اختيارى للتدين،والثانى هى كونه مصدر غير ملزم للقوانين.اما فى مراحله المتاخره فقد استخدم فى احيان كثيره لتحقيق وظائف تتعارض مع وظيفته الحقيقه"مثال استخدامه لتبرير الاستبداد او تكريس الكهنوت اوالتجاره بالدين...".
ثالثا:مدى التزامه بمجاله الطبيعى: التزم الافتاء فى مراحله المتقدمه بمجاله الطبيعى "العبادات والمعاملات مع التركيز على المعاملات الفرديه".لكنه تجاوز فى عصوره المتاخره فى احيان كثيره مجاله الطبيعى من خلال فقده لخاصيته الاخنياريه، اى كونه غير ملزم. ومثال لذلك عندما فرضت الدوله العثمنيهالمذهب الحنفى على كل شعوب الامبراطوريه خلاف لموقف الامام مالك الذى رفض ان يجعل الخليفه ابو جعغفر المنصور كتابه "الموطاْ " دستور ملزم لكل المسملمين فى الدوله العباسيه
ضوابط الإفتاء : وقد أشار علماء الإسلام إلى الضوابط الشرعية للإفتاء، استنادا إلى النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، ومن هذه الضوابط:
اولا: ضوابط تتصل بشخص المفتى:
1/ النية والتجرد من الهوى: يجب أن يصدر الإفتاء عن نية خالصة ، وان يتصف بالموضوعية والتجرد عن الهوى الشخصي والمذهبي ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ،وقال النووي ( ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره ) وقال أبو عمرو بن الصلاح ( وينبغي أن يكون كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة ، وجر نفع ودفع ضر ).
2/ العلم: من أهم شروط الإفتاء العلم ، يقول ابن القيم( قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه له:”لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخة ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار وتكون له قريحة بعد هذا فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي)(إعلام الموقعين عن رب العالمين / المجلد الأول ) ، لذا يحرم الإفتاء بغير علم ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم )(إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) .
3/العلم بالواقع: يجب أن يكون المفتى على علم بالواقع يقول ابن القيم( ولا يتمكن المفتى ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: احدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والامارات والعلامات، حتى يحيط بها علما، والنوع الثاني : فهم الواجب فى الواقع ،وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه او على لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم-فى هذا الواقع، ثم يطبق احدهما على الآخر)(اعلام الموقعين).
4/تجنب التعصب المذهبي: كما يجب على المفتى تجنب التعصب المذهبي الذي ذمه العلماء ،يقول ابن تيميَّة( ومن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الأئمَّة دون الباقين، فهو بِمَنْزلة مَن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضيِّ الذي يتعصَّب لعليٍّ دون الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، وكالخارجيِّ الذي يَقْدح في عثمانَ وعليٍّ – رضي الله عنهما – فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماعِ أنَّهم مذمومون خارجون عن الشَّريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسولَه، فمن تعصَّب لواحدٍ من الأئمة بعينه ففيه شَبهٌ من هؤلاء، سواءٌ تعصَّب لمالكٍ أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد، أو غيرهم. )(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية” 22/ 252 – 254)..ويقول ابن القيِّم( وأما المتعصِّب الذي جعل قولَ متبوعه عيارًا على الكتاب والسُّنة وأقوالِ الصحابة، يزِنُها به، فما وافق قول متبوعه منها قبِلَه، وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصَّواب؛ وإن قال – وهو الواقع -: اتَّبعته وقلَّدته، ولا أدري أعلى صوابٍ هو أم لا؟ فالعُهْدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السُّؤال لك عمَّا حكمت به بين عباد الله، وأفتيتهم به؟ فوالله إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلاَّ مَن عرف الحق، وحكم به، وأفتى به، وأما من عداهما فسيَعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء )(إعلام الموقِّعين” 2/ 232).
ثانيا: ضوابط تتصل بفعل الافتاء:
1/ الدليل الشرعي أساس الإفتاء: وأساس الإفتاء هو الدليل الشرعي وليس الآراء الذاتية، ورد في” صفه الفتوى والمستفتى” لابن حمدان في تعريف الإفتاء انه ” إخبار بحكم الله تعالى عن الوقائع بدليل شرعي”( ص4)
2/الإفتاء اجتهاد يحتمل الصواب او الخطا : والإفتاء هو شكل من أشكال الاجتهاد، لذا عرف الشوكاني المفتي بأنه هو : المجتهد ، وهذا ما عليه علماء الأصول ، ويترتب على كونه اجتهاد انه يحتمل الصواب والخطأ، قال الإمام النووي( اعلم أن الإفتاءَ عظيمُ الخطر، كبيرُ الموقع، كثيرُ الفضل؛ لأن المفتيَ وارثُ الأنبياء صلواتُ الله وسلامه عليهم، وقائمٌ بفرض الكفاية، لكنه مُعَرَّضٌ للخطأ؛ ولهذا قالوا: المفتي مُوَقِّعٌ عن الله تعالى)، لذا قرر العلماء انه إذا أفتى المفتى بفتوى ثم تبين له خطؤه فيها وجب عليه أن يبلغ المستفتي ، عن محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد ، عن أبيه ( أن الحسن بن زياد أُستفتي في مسألة فأخطأ، فلم يعرف الذي أفتاه ، فاكترى مناديا ينادي : أن الحسن بن زياد اُستفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه ، فمكث أياماً لا يفتي ، حتى وجد صاحب الفتوى ، فأعلمه أنه قد أخطأ ، وأن الصواب كذا وكذا( ، ولذا لم يتحرج العلماء من قول ” لا ادري ” ، فعن ابن عباس (إذا أغفل العالم ” لا أدري ” أُصِيبت مقاتله )، وعن الأثرم ( سمعتُ أحمد بن حنبل يكثر أن يقول : ” لا أدري ” )، وسئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها : ” لا أدري”
3/ الإفتاء إخبار محض: والإفتاء هو إخبار محض بالحكم الشرعي بدون إلزام ، خلافا للقضاء لأنه إخبار بالحكم الشرعي مع الإلزام ، يقول الإمام القرافي(إن المفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي، ينقل ما وجده عن القاضي ، واستفادة منه بإشارة أو بعبارة أو فعل أو تقرير أو ترك. والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مُستتيبه، بل مُستتيبه قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حُكمي. فكلاهما موافق للقاضي ومطيع له وساع في تنفيذ مواده .غير أن أحدهما ينشئ والآخر ينقل نقلاً محضاً من غير اجتهاد له في الإنشاء. كذلك المفتي والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى قابل لحكمه، غير أن الحاكم منشئ والمفتي مخبر محض))الفروق 4/120، ضبط وتصحيح خليل المنصور، دار الكتب العلمية، ط1 ـ 1418هـ).
4/ مجالات الإفتاء وقاعدة تحديد المسئوليات: والإفتاء على تعدد مجالاته ، خاضع كغيره من أقسام الدين، لقاعدة تحديد المسئوليات والسلطات ، والتي أشارت إليها العديد من النصوص منها قول الرسول (صلى الله عليه وسلم قال) (كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ، فكلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته )( تفق عليه )، لذا يجب على المفتى أن لا يتجاوز هذه القاعدة ، بان يتناول مثلا مجالا يقع تحت إطار مسئوليه وسلطه الدولة و السلطات العامة، كتنفيذ العقوبات الحدية والقصاص وعقوبات التعذير، لذا كان أبو حنيفة إذا سئل عمن قال قولا يفيد ظاهره الكفر قال ( يجب أن لا يبادر المفتي بأن يقول : هذا حلال الدم ، أو مباح النفس ، أو عليه القتل ، بل يقول : إذا صح ذلك إما بالبينة أو بالإقرار استتابه السلطان ، فإن تاب قَبِلَ توبته ، وإن لم يتب أنزل به كذا وكذا ، وبالغ في ذلك وأشبعه( .وكان إن سئل عمن فعل ما يوجب التعزير ، ذكر ما يعزر به فيقول ) يضربه السلطان كذا وكذا ، ولا يزاد على كذا) .
ثالثا: ضوابط تتصب بمضمون الفقتوى:
1/التمييز بين الأصول والفروع: يجب التمييز بين أصول الدين ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، والتي لا يجوز مخالفتها ، وفروع الدين التي مصدرها النصوص الظنية الورود و الدلالة، والتي يباح الاختلاف فيها ، يقول ابنُ القيِّم (الأحكام نوعان: النوع ٌ الأول : لا يَتغيّرُ عن حالةٍ واحدة هو عليها، لا بحسَب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهادِ الأئمة؛ كوجوبِ الواجبات، وتحريمِ المحرَّمات، والحدودِ المقررة بالشرعِ على الجرائمِ، ونحوِ ذلك؛ فهذا لا يتطرَّق إليه تغييرٌ، ولا اجتهادٌ يخالف ما وُضع عليه. والنوع الثاني : ما يَتغيَّرُ بحسَب اقتضاء المصلحةِ له زمانًا ومكانًا وحالاً؛ كمقاديرِ التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشَّرعَ يُنوِّع فيها بحسَب المصلحة” (، لذا يجب على المفتى أن يبين الأقوال والمذاهب المتعددة وأدلتها، في حال كانت الفتوى متصلة بالمسائل الخلافية.
2/التيسير: على المفتي أن يلتزم بقاعدة التيسير – طبقا لضوابطها الشرعية – والتي أشارت إليها العديد من النصوص ومنها عن عائشة) رضي الله عنها ( قالت ) ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) متفق عليه).
3/ مراعاة العرف: كما يجب أن يراعى المفتى العرف، يقول الإمام القرافي ) هذه قاعدة لا بد من ملاحظتها ” أي معرفة العرف والتعويل عليه في” ، وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين ،فإنهم يجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار ” دون مراعاةٍ لتغير العرف ” ، وذلك خلاف الإجماع وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين بالجهل لدخولهم في الفتيا وليسوا أهلا لها ولا عالمين بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها) . ويقول الإمام النووي ( لا يجوز أن في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ ، إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو متنزلاً منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها)
رابعا:ضوابط تتصل بشخص المستفتى:
1/التحقق من اهليه المفتى
النهى عن التقليد: يقول ابن القيم (وقد نهى الائمه الاربعه عن تقليدهم).اما اباحه التقليد للعامى الجاهل بالدليل فالاصل فيه انه للضروره - اى انه استثناء يثبت القاعده - يقول ابن تيميه (التقليد بمنزله اكل الميته، فاذا استطاع ان يستخرج الدليل بنفسه فلا يحل له التقليد). لكن فى مراحل الافتاء المتاخره حوله البعض من استثناء الى قاعده.
3/ اطمئنان النفس الى الفتوى:
يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)( استفت قلبك. البر ما اطمئنت اليه النفس واطمئن اليه القلب. والاثم ماحاك فى النفس، وتردد فى الصدر، وان افتاك الناس وافتوك). يقول المناوى(استفت نفسك المطمئنه ، الموهوبه نورا يفرق بين الحق والباطل)

__________________________________________________ ___
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زياره العنوان:
drsabrikhalil@wordpress.com