فلسفة الاستخلاف: تعريفها وخصائصها ومفاهيمها ومباحثها (1)
د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
اولا: ملخص الدراسة: فلسفة الاستخلاف هى محاولة لتحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف " والتى تمثل فى ذات الوقت محاور الوجود الرئيسية " : المستخلف " بكسر اللام" ( الله تعالى)، والمستخلف " بفتح اللام" (الإنسان)، والمستخلف فيه (الكون). و هى فلسفة اسلامية معاصرة ، ذات طبيعة انسانية -روحية " دينية "، وسطية متجاوزة لكل من الفلسفات المادية والمثالية . وتنطلق فلسفة الاستخلاف من الحكمة كمفهوم اسلامى للفلسفة، استنادا الى ان بعض دلالات مصطلح " الحكمة " القرآني ، تقابل الدلالة الاصلية لمصطلح " فلسفة " في الفكر الفلسفى الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود المصطلح في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول... ولا يعنى ذلك عدم جواز استخدام مصطلح " الفلسفة " ، طالما ان المصطلح بستخدم بدلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، لان العلماء قرروا قاعدة " لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني" . وتنظر فلسفة الاستخلاف إلي العقل باعتباره نشاط او فاعلية معرفية ، استنادا الى انه يرد في القران الكريم لفظ عقل بصيغة الاسم ، بل ورد بصيغة الفعل " يعقل، تعقلون، يعقلون..."، وهى تعتبر ان العقل كفاعليه معرفيه محدود "مقيد": اولا: بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان . ثانيا: بالحواس في إدراكه لعلم الشهادة المحدود زمانا و مكانا. و فلسفة الاستخلاف ترفض بعض الدلالات " الخاطئه " لمصطلح الميتافيزيقا ، ولكنها تقبل دلالة معينه للمصطلح ، مضمونها الإيمان بأن الوجود لا يقتصر على الوجود الشهادي ، المحدود بالحركة خلال الزمان والتغيير في المكان، ويمكن للإنسان أن " يشاهده" بحواسه ، وبالتالي يدركه بوعيه ، بل يمتد ليشمل الوجود الغيبي – اى غائب عن حواس الإنسان ، وبالتالي عن إدراكه وتصوره- بشكليه : المحدود غير القائم بذاته "كوجود الملائكة" ، والمطلق القائم بذاته " وجود الله تعالى" . وتقر بضرورة الميتافيزيقا طبقا لهذه الدلالة (الإيمان بالغيب) . كما تستند فلسفة الاستخلاف إلى نظرية في الوجود ، تنطلق من المفاهيم القرانية الكلية الثلاثة: التوحيد والتسخير والاستخلاف. ومضمون مفهوم التوحيد إفراد الربوبيه والالوهيه لله تعالى ، فهو بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية ، الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، اى الدائم كونه فاعلا فتعبير ابن تيميه ، و توحيد الإلوهية الذى مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة ، اى الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه. فالتوحيد بقسميه " توحيد الربوبية و الالوهية" يتعلق إذا بإفراد الوجود المطلق " فعلا وغاية" لله تعالى. ولهذا الفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح " الربوبية "، شكلين من اشكال :اولا: ظهور صفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية " اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى"، ولهذا الظهور ايضا شكلين:الشكل الأول: التكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، ويتضمن هذا الشكل التكوينى للظهور الصفاتى ظهور صفه الربوبيه " الخلق" ، اى ظهور الفعل المطلق في الإيجاد، والذي ينفرد به الله تعالى، في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، وهذا الظهور للفعل المطلق في الإيجاد " الخلق" ، لا يأخذ شكل واحد، بل اشكال متعددة ، بعضها متصل بعالم الغيب " المطلق" كالأمر: وهو امر لا يتم في زمان أو مكان ، وبعض هذه الاشكال متصل بعالم الشهاده "المقيد" وهى(ا) التسوية:وهى جعل النوع في أحسن الهيئات ، (ب) التقدير: وهو إيجاد فعلي للنوع المعين، في عالم الشهادة القائم على السببية، بعد إيجاد شروط " أسباب" وجوده ، (ج) الهدايه : وهى ضبط حركة النوع المعين بسنن إلهية كلية ونوعية بعد إيجادها . اما الشكل الثانى للظهور الصفاتى فيتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية . وللوجود الشهادى درجتان هما:اولا: الوجود التسخيرى " الطبيعي"، والذى يمكن تفسيره من خلال مفهوم التسخير، والذى مضمونه أن الأشياء والكائنات - التي لها درجه التسخير- تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات داله على وجوده المطلق . ثانيا : الوجود الاستخلافى "الانسانى"، والذى يمكن تفسيره من خلال مفهوم الاستخلاف ،والذى مضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيه الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة. وإظهار صفات الالوهيه يكون بتوحيد الالوهيه والعبادة ، وللاخيره معنى خاص ومعنى عام ، ومضمون الأخير كل فعل الغاية المطلقة منه الله تعالى. أما إظهار صفات الربوبية فيكون بتوحيد الربوبية والعبودية، والاخيره تعنى تحديد الفعل الانسانى " وليس إلغائه ". ثانيا: ظهور ذاتي : ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد عبر عنه القران بمصطلح "التجلى"، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:الشكل الأول :مقيد: ويتم في الحياة الدنيا وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء.الشكل الثاني : مطلق: ويتم في الاخره ، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود ، قائمه على الظهور الذاتي " التجلي" ، هذا التجلى يترتب عليه تغيير الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان ،والقائم على الظهور الصفاتى، بوجود غيبي، قائم على الظهور الذاتى ، غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي " بالنسبة إلي الناس" ليس شاملا لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. كما تستند فلسفه الاستخلاف إلى نظريه في المعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة"المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف" كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد (التذكر والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته. ب/ شكل تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته . كما تستند فلسفه الاستخلاف إلى نظريه في القيم مضمونها التمييز بين نوعين من القيم: قيم مطلقة تمثل المستوى المطلق للقيمة مصدرها الله تعالى" المستخلف بكسر اللام"،وقيم محدودة تمثل المستوى المحدود للقيمة مصدرها الإنسان" المستخلف بفتح اللام" ، وهذا التمييز بين النوعين من القيم - أو بين المستويين من مستويات القيمة - مصدره توحيد الإلوهية، إذ انه قائم على إفراد المطلق من الصفات- القيم "كالعدل والرحمة والحكمة والعلم..."لله تعالى، فالإلوهية لا تنصب على هذه الصفات في ذاتها ، بل على المطلق منها "باعتبار أن مضمونها كونه تعالى الغاية المطلقة". أما الجمع بين نسقى القيم: " المطلقة/الموضوعية/المعيارية /الغائية"، و"النسبية/ الذاتية /الوصفية /الوسليه" ، فيتم طبقا لمنهج المعرفة الاسلامى ،وسنه " الكدح إلى الله " والتي مضمونها " التكليفى "أن حركه الإنسان تاخذ شكل فعل غائي محدود بفعل مطلق"الربوبية" وغاية مطلقه " الالوهيه "، ومضمون الاخيره أن الله تعالى ينفرد بكونه غاية مطلقة ، وأن صفات إلوهيته هي قيم مطلقة ،يسعى الإنسان لتحقيقها في واقعه المحدود، دون ان تتوافر له أمكانيه التحقيق النهائى لها. وتستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفه علم تكاد تتطابق مع نظريه المعرفه المشار اليها اعلاه، لانها تنطلق ايضا من العلم كصفه الوهيه ، وتستند الى ذات المفاهيم الكليه "التوحيد والتسخير والاستخلاف ، وطبقا لهذه المفاهيم الكليه فانه يمكن تقسيم العلوم الى الانماط التاليه: (1) علم التوحيد:وهو ما يقابل الدراسات الدينية في الفكر الغربي .(2)علوم الاستخلاف : وهى ما يقابل الدراسات الانسانيه في الفكر الغربي وتنقسم إلىا)علوم الاستخلاف التكويني : وهى ما يقابل العلوم الانسانيه في الفكر الغربي، (ب)علوم الاستخلاف التكليفى وهى ما يقابل فلسفه العلوم الانسانيه في الفكر الغربي. (3)علوم التسخير: وهى ما يقابل العلوم الطبيعية في الفكر الغربي . كما تستند فلسفة الاستخلاف الى فلسفة سياسية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،والتى تضبط النشاط السياسى للمجتمع ومنها : أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية " السيادة - السلطة المطلقة " لله . ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة. أما الحاكم فنائب ووكيل عنها، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله . وقد وضعت الفلسفه السياسيه الاسلاميه القواعد الكليه للسلطة ، وهى المساواة العدل الشورى ، أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين ، فقد تركت للمسلمين أمر الاجتهاد فيها ، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، بشرط عدم تناقضها مع اصول الدين النصيه الثابته. كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفة اقتصادية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،والتى تضبط النشاط الاقتصادى للمجتمع ومنها: أولا:التوحيد وإسناد ملكية المال" اى حق التصرف المطلق فيه " لله تعالى. ثانيا:الاستخلاف واستخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال، وهو ما يتحقق من خلال (ا) تقرير أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد ، (ب) تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها ،(ج) أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية ، فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد يشرط عدم تناقضه مع مصالحها. كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفة اجتماعية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، والتى تضبط النشاط الاجتماعى للمجتمع ومنها:اولا: الاستخلاف الاجتماعى واطواره التى اشار اليها القران الكريم وهي : (ا) الاسره (ب) العشيرة (ج) القبيلة (د) الشعب (ه) طور أمه التكوين" أو الطور القومي "، ومناط الانتماء إليها معيارين: الاول هو اللسان "اللغة"، والثانى هو الاستقرارفي الأرض الخاصة " الديار بالمصطلح القرانى" (و) طور العالمية . والفلسفه الاجتماعية الاسلامية تقوم على التوازن بين الفرد والجماعة ، من خلال التأكيد علي ان الجماعة بالنسبة للفرد ، يمثابه الكل بالنسبة للجزء، تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه ، فهى وسط بين الفلسفات الاجتماعية الفردية، التي تتطرف فى التاكيد على الوجود الفردى ، لدرجة الغاء الوجود الجماعى " كالفلسفة الليبرالية " ، والفلسفات الاجتماعية الجماعية ، التى تتطرف فى التاكيد على الوجود الجماعى، لدرجة الغاء الوجود الفردى" كالفلسفة الماركسية "................................................. .............
ثانيا:متن الدراسة التفصيلى:
تعريف فلسفة الاستخلاف : هى محاولة لتحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف " والتى هى فى ذات الوقت محاور الوجود الرئيسية " : المستخلف " بكسر اللام" ( الله تعالى)، والمستخلف " بفتح اللام " (الإنسان)، والمستخلف فيه (الكون). وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية " التوحيد والاستخلاف والتسخير" مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم ، متخذه من اجتهادات أهل السنة "بمذاهبهم المتعددة" العقدية "الكلامية " – نقطة بداية- وليس نقطه نهاية – لهذا الاجتهاد.
طبيعه" خصائص" فلسفه الاستخلاف: وفلسفة الاستخلاف هى فلسفة اسلامية معاصرة ، ذات طبيعة انسانية -روحية " دينية "، وسطية متجاوزة لكل من الفلسفات المادية والمثالية . والمقصود بكون هذه الفلسفة إسلامية انها اجتهاد مقيد بالنص ، وليس كونها نص" يقيني الورود قطعي الدلالة " . اما المقصود بكون هذه الفلسفة معاصرة انها : اولا: تتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين ، من الإسهامات الفلسفية للمجتمعات الأخرى المعاصرة لنا، إلى موقف نقدي يرفض من هذه الإسهامات ، ما تناقض مع أصول الدين النصية الثابتة ”على المستوى النظري ” ، وواقع المجتمعات المسلمة “على المستوى العملي” ، ويأخذ ما اتسق معهما. ثانيا: انها تهدف - طبقا لمستواها التطبيقى " المذهبى " - إلى وضع حلول للمشاكل- المشتركة - التي يطرحها واقعنا الزمانى والمكاني. وفلسفه الاستخلاف فلسفة ذات طبيعة إنسانية – روحيةه " دينية " لأنها قائمه على التأكيد على قيمه الوجود الانسانى، وإثباتها لهذا الوجود بأبعاده المتعددة، كوجود محدود تكوينيا بالسنن الالهيه ، التي تضبط حركه الوجود" الشهادى "، وتكليفيا بالمفاهيم والقيم والقواعد الكليه التى مصدرها الوحى . فهي تجعل العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى- بأبعاده المتعددة - علاقة تحديد وتكامل، وليست علاقة إلغاء وتناقض كما في الفلسفات الانسانيه الغربية . كما أنها قائمه على أن الوجود الانسانى “ المستخلف” ليس وجود بسيط ، بل هو وجود مركب من أبعاد ماديه”حسية شهاديه” وروحيه”غيبيه” متفاعلة ، وضرورة تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة- استنادا إلى مفهوم الوسطية – فهى ترفض إشباع حاجاته المادية وتجاهل حاجاته الروحية "وهو ما يلزم من الفلسفات المادية " . كما ترفض إشباع حاجاته الروحية وتجاهل حاجاته المادية " وهو ما يلزم من الفلسفات المثالية "، وتدعو إلى إشباع حاجاته المادية والروحية معا قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ...)(القصص:77) .
الانطلاق من الحكمة كمفهوم اسلامى للفلسفة: وتنطلق فلسفة الاستخلاف من الحكمة كمفهوم اسلامى للفلسفة . فالدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة فى الفكر الفلسفى الغربى ترجع إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة. و إذا كان القدماء اليونانيين قد اكتفوا بوصف الإنسان بأنه محب للحكمة ، فان القران الكريم قد جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة، كما في قوله تعالى(والله عزيز حكيم) (المائدة: 38)، ووصف الإنسان بالحكمة، كما في قوله تعالى( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..)، مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن الحكمه إلالهيه مطلقه ،والحكمة الانسانيه محدودة ، بناء على هذا فإننا نرى ان بعض دلالات مصطلح "حكمة " القرآني ، هى المقابل للدلاله الاصليه لمصطلح " فلسفة " في الفكر الفلسفى الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول ( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم/ زبده التفسير من فتح القدير، ص540.) ، غير أننا نرى انه لا حرج من استخدام مصطلح " الفلسفه" ، ما دام هذا الاستخدام للمصطلح ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة " لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني" ( المستصفى: 1/23 ) . وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن ( كلام مركب من ألفاظ أعجمية ) يعطي معنى من هذا التركيب ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن( أسماء أعلام أعجمية )، يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ...) (تفسير القرطبي : 1 / 68 ) ، فضلا عن ان العديد من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة ، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار : 1/118 - وابن عساكر ، تاريخ دمشق : 15/350).
فلسفة الاستخلاف وبعض المفاهيم الفلسفية:
مفهوم العقل: تنظر فلسفة الاستخلاف إلي العقل باعتباره نشاط او فاعلية معرفية ، استنادا الى انه يرد في القران الكريم لفظ عقل بصيغة الاسم ، بل ورد بصيغة الفعل " يعقل، تعقلون، يعقلون..." كما فى قوله تعالى﴿ً وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾. وهى تعتبر ان العقل كفاعليه معرفيه محدود "مقيد":
اولا: بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان ، يقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(... وان يجعل الأصول التي نزل بها القران ، واتت بها السنن من الرسول ، غايات للعقول ، ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).
ثانيا: بالحواس في إدراكه لعلم الشهادة المحدود زمانا و مكانا، قال تعالى﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.
ففلسفه الاستخلاف اذا ترفض النظر للعقل باعتباره وجود مطلق أو جوهر ، اى وجود قائم بذاته ، ومستقل عن الحواس في إدراكه لعالم الشهادة المقيد بالزمان والمكان، والوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، كما في التيار العقلاني"المثالي" في الفلسفة الغربية . يقول علاء الدين الطوسى في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة (... فقوته الادراكيه- اى العقل- أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها، ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه ، إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ، ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينيه ، وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم ، حتى اختلفوا في حقيقته ).