فلسفة الاستخلاف: تعريفها وخصائصها ومفاهيمها ومباحثها (3)
د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
ثانيا: نظريه المعرفة: كما تستند فلسفة الاستخلاف إلى نظرية في المعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة " المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف" كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد(التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته.
ب/ شكل تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات علة توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه). ومضمون الاستخلاف هنا إظهار صفه العلم الالهيه في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان لتحقيقه في واقعه المحدود، دون أن تتوافر له أمكانيه التحقيق النهائى له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها .فالوحي يحدد – ولا يلغى – جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي "المشكلة العينية" إلي الذاتي "الحل المجرد" ، إلي الموضوعي"الواقع" مرة أخرى من أجل تغييره ، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته.
ثالثا:نظريه القيم: كما تستند فلسفه الاستخلاف إلى نظريه في القيم مضمونها التمييز بين نوعين من القيم: قيم مطلقة تمثل المستوى المطلق للقيمة مصدرها الله تعالى(المستخلف بكسر اللام)،وقيم محدودة تمثل المستوى المحدود للقيمة مصدرها الإنسان(المستخلف بفتح اللام) هذا التمييز بين النوعين من القيم أو بين المستويين من مستويات القيمة مصدره توحيد الإلوهية، إذ انه قائم على إفراد المطلق من الصفات- القيم "كالعدل والرحمة والحكمة والعلم..."لله تعالى، فالإلوهية لا تنصب على هذه الصفات في ذاتها بل على المطلق منها "باعتبار أن مضمونه كونه تعالى الغاية المطلقة" وهذا هو علة وصف القرآن الله تعالى والإنسان بهذه الصفات.فالرحمة قيمة وصف ذاته تعالى بها كما في الآيات (ربك الغني ذو الرحمة) (الأنعام: 132)، كما وصف الإنسان بها كما في الآيات (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (النمل: 77) فالرحمة كقيمة مطلقة عند الله تعالى محدودة عند الإنسان كما تدل الآيات (ورحمتي وسعت كل شئ) (لأعراف: 156 )، يقول ابن القيم (اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي والسميع والبصير والعليم والقدر والملك ونحوه ثم يورد رأيين ويقول عن الثالث الذي يرجحه الثالث أنها حقيقة فيهما وللرب تعالى ما يليق بجلاله وللعبد ما يليق به)( بدائع الفوائد، ص 164). واستنادا إلى هذا التمييز تضع هذه النظرية في القيم نسق من الإجابات على الاسئله التي تطرحها نظريه القيم وهى:
أولا: أنماط القيم:هل هناك قيم أساسيه وأخرى ثانوية، وفى حاله الاجابه بنعم ما هي القيم الاساسيه ؟ كل القيم المطلقة التي مصدرها الله تعالى" اى صفات الالوهيه" أساسيه،وبالتالي لا يمكن تقسيمها إلى أساسية وثانوية،أما القيم المحدودة التي مصدرها الإنسان فيمكن تقسيمها إلى أساسية وثانوية طبقا لمعايير متعددة "منها تعدد مجالاتها"،مع وجوب تقرير أن هذا التقسيم نسبى لذا فهو محل خلاف.
ثانيا:هل القيم تتصف بالوحده ام التعدد؟ : تعدد القيم المطلقة التي مصدرها الله تعالى هو تعدد شكلي- اجرائى ، وهى ترجع إلى وحده أصيله ، لان وراء التعدد الصفاتى" اى تعدد صفات الالوهية" وحده ذاتية" اى وحده الذات الالهية".
ثالثا: ما هى طبيعة القيم؟ : وتتناول مشكلة تعريف القيمة من خلال أربعة مشاكل(أ‌) هل القيم مطلقه " لا تخضع للتغير في المكان و التطور خلال الزمان"، أم نسبية "تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان؟ . (ب‌) هل القيم موضوعية" اى لها وجود مستقل عن عقل الإنسان وغير متوقف عليه"، أم ذاتيه" إي من وضع العقل البشرى واختراعه" ؟. (ج) هل القيم غاية في ذاتها أم مجرد وسيلة إلى غاية غيرها؟ . (د)هل القيم معيارية " إي تنصب على ما ينبغي أن يكون"، أم وصفية" أي تقتصر على ما هو كائن"؟. والاجابه التي تقدمها هذه النظرية في القيم على هذه الاسئله هي :
اولا: أن القيم المطلقة التي مصدره الله تعالى (المستخلف ) "بكسر اللام" هي قيم:
(ا) مطلقه فهي ثابته لا تخضع للتغير أو التطور في المكان أو خلال الزمان .
(ب)موضوعيه ولها شكلين :موضوعيه تكوينيه تتمثل في الفطرة كمصدر للقيم، وموضوعيه تكليفيه وتتمثل في الوحي كمصدر للقيم" ..
(ج) غاية في ذاتها ، لذا قرر القرآن بصيغ مختلفة أن الله تعالى ينبغي أن يكون هو الغاية المطلقة وراء الغايات المحدودة لأي نشاط فكري أو مادي يقوم به الإنسانقل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) (الأنعام: 162)..
(د)معياريه .
ثانيا: بينما القيم المحدودة التي مصدرها الإنسان "المستخلف بفتح اللام" فهي قيم:
(ا) نسبيه.
(ب) يمكن أن تتضمن قيم ذاتيه.
(ج) وسيلة إلى غاية غيرها "كالمنفعة " ، فقد اخذ المنظور القيمى الاسلامى بمعيار المنفعة الذي قرره القرآن في عدة مواضعوأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (الرعد: 17)، واتساق مع هذا قرر علماء أصول الفقه أن من مقاصد التشريع الاسلامى حماية المصالح ،واعتبروا المصالح المرسله كمصدر من مصادر التشريع التبعية. ولكن وجه الاختلاف مع مذهب المنفعة في الفلسفة الغربية أن المنظور القيمى الاسلامى ميز بين منفعة "مصلحه" مطلقه وضعها الله تعالى، ومنفعة محدودة / نسبيه وضعها الإنسان، كما جعل الاخيره مشروطة بعدم التعارض مع أصول الدين النصية الثابتة يقول الغزالي: (إن المصلحة المرسلة إذا كانت ضرورية كلية قطعية يحتج لها فإن فقدت شروط هذه الشروط لا يعمل بها)، (د) وصفيه..
الجمع بين نسقى القيم : أما الجمع بين نسقى القيم: (المطلقة/الموضوعية/المعيارية /الغائية) و(النسبية/ الذاتية /الوصفية /الوسليه) فيتم طبقا لمنهج المعرفة الاسلامى وسنه " الكدح إلى الله " والتي مضمونها " التكليفى "أن تأخذ حركة الإنسان شكل فعل غائي محدود بفعل مطلق" الربوبية " وغاية مطلقة " الالوهية "، فمضمون الاخيره أن الله تعالى ينفرد بكونه غاية مطلقة ، وأن صفات إلوهيته من حيث هي قيم مطلقة ،يسعى الإنسان لتحقيقها في واقعه المحدود ، دون ان تتوافر له أمكانيه التحقيق النهائى لها كما اشرنا سابقا.
مباحث الفلسفة الفرعية فى فلسفة الاستخلاف:
فلسفه العلم: تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفه علم تنطلق من أن العلم من صفات الألوهية ، و بالتالي فان اولى نتائج تطبيق مفهوم التوحيد "توحيد الإلوهية تحديداً " هو إفراد العلم المطلق لله تعالى ، لذا صوره القرآن شاملاً لكل الوجود (الشهادي والغيبي) (عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) (التغابن: 18).وبالتالي فإن إسناد العلم المطلق (أي المعرفة المطلقة) لسواه هو شرك في الألوهية "سواء كان شرك علمي أو اعتقادي"، لذا نفى القرآن الكريم حتى عن الأنبياء هذا العلم المطلق المتضمن للعلم بالغيب (قل لا أملك لنفسي إلا ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني من سوء ...). ولهذا العلم الالهى المطلق شكلين من أشكال الظهور:
اولا: ظهور صفاتي: في عالم الشهادة (الحياة الدنيا) ، وله شكلين :
الاول: تكويني: يتمثل في عالم الشهادة (المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف) كمصدر للعلم التكويني– والإحساس والتفكير المجرد "التذكر والإدراك والتصور" كوسائل لمعرفته.
الثانى:تكليفي: يتمثل في عالم الغيب كمصدر للعلم التكليفى والوحي كوسيلة لمعرفته.
مفهوم التسخير: ومضمون مفهوم التسخير هنا هو ان الأشياء والظواهر التي لها درجة التسخير تظهر صفه العلم الالهيه على وجه الإجبار، فهي دائماً آيات دالة على العلم المطلق لله تعالى.
مفهوم الاستخلاف: ومضمون مفهوم الاستخلاف هنا هو إظهار الإنسان لصفة العلم الإلهية في الأرض ، يقول الغزالي(فتعليم العلم من وجه عباده لله ومن وجه خلافه لله تعالى ومن اجل خلافه الله تعالى فان الله قد فتح للعالم العلم الذي هو اخص صفاته).وإظهار الإنسان لصفة الإلوهية (العلم) يكون بالآتي: اولا: توحيد الإلوهية على الوجه السابق بيانه. ثانيا:العبادة:ومضمونها هنا اتخاذ صفة الألوهية (العلم)، "أي ما دل على علمه المطلق"، مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان إلى تحقيقه في الأرض "أي في واقعه المحدود زماناً ومكاناً " ، دون ان تتوافر له إمكانية التحقيق النهائي له ، قال تعالى( وما اوتيتم من العلم إلا قليلا) ، وقال تعالى ( وفوق كل ذي علم عليم)،وهو بهذا يمد العلم الانسانى بإمكانيات غير محدودة للتطور.
ثانيا: ظهور ذاتي: في عالم الغيب (المتضمن للحياة الآخرة) .
انماط العلوم: استنادا الى المفاهيم الكليه لفلسفه العلم المذكوره اعلاه، فانه يمكن تقسيم العلوم الى الانماط التاليه::
(1)علم التوحيد: ويستند الى التوحيد كمفهوم قرانى كلى ، و يطلق عليه ايضا اسم علم الكلام، وهو ما يقابل الدراسات الدينية في الفكر الغربي.
(2) علوم الاستخلاف : وتستند الى الاستخلاف كمفهوم قرانى كلى ،وهى ما يقابل الدراسات الانسانيه في الفكر الغربي، وتنقسم إلى:
ا/علوم الاستخلاف التكويني : ومضمونها البحث في الظواهر" الجزئية، العينية" للوجود الانسانى " الاستخلافى " ، والقوانين الموضوعية "السنن الإلهية بالتعبير القرآني"، التي تضبط حركته ، وهى ما يقابل العلوم الانسانيه في الفكر الغربي.
ب/علوم الاستخلاف التكليفى: ومضمونها المفاهيم والقيم والقواعد الكليه التي جاء بها الوحي ، والتى ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي العقلي "الاستدلالي"، الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية التجريدية ، التي تسبق البحث فى الظواهر السابق الذكر، والسنن الالهيه التى تضبط حركتها. وهى ما يقابل فلسفه العلوم الانسانيه في الفكر الغربي .
(3) علوم التسخير: وتستند الى التسخير كمفهوم قرانى كلى، ومضمونها البحث في الظواهر" الجزئية، العينية"، للوجود الطبيعى"التسخيرى"، والقوانين الموضوعية "السنن الإلهية بالتعبير القرآني"، التي تضبط حركته . وهى ما يقابل العلوم الطبيعية في الفكر الغربي .
الفلسفة السياسية: وتستند فلسفة الاستخلاف الى فلسفة سياسية، تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،والتى تضبط النشاط السياسى للمجتمع ومنها:
أولا: التوحيد وإسناد الحاكمية "السيادة - السلطة المطلقة" لله : طبقا لمفهوم التوحيد- فانه يجب إسناد الحاكمية (السيادة بمعنى السلطة المطلقة) لله تعالى وحده –لانها من صفات الربوييه - قال تعالى( أن الحكم إلا لله ) ( الأنعام:57).
ثانيا: الاستخلاف وإسناد الأمر(السلطة) للجماعة: وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكميتة في الأرض، وذلك بممارستها للسلطة " بما هي ممارسه للسيادة في زمان ومكان معينين" مقيده بهذه الحاكمية الالهية. فالمستخلف في السلطة ( الأمر بالمصطلح القرانى) أصلا هو الجماعة ،بدليل تقرير القران أن الأمر شورى بين المسلمين (وأمرهم شورى بينهم)، وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)( الأنعام:165). أما الحاكم فنائب ووكيل عنها، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار .اما قاعدة "تحريم الخروج على السلطان الجائر "،التى قررها علماء اهل السنه ، فالمقصود بها تحريم الخروج بالسيف" محاوله عزله باستخدام القوه المسلحه".
القواعد الكليه للسلطة :
المساواة : اتساقا مع كون المستخلف عن الله تعالى في السلطة- أصلا- هو الجماعة ، فان أول قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامي في السلطة هي قاعدة المساواة ، ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ( رضي الله عنه) قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم). ثم يقرر الإسلام ما هو صالح للمحافظة علي هذه القاعدة، في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان ، وهما قاعدتي العدل والشورى.
العدل : هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه ، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف ، وذلك بما يسمي الحكم " القضاء" ، ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه، قال تعالى( إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ( النساء:85) .
الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة ، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ، ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة والمعرفة ، وذلك بالإشارة به على الآخرين.
ترجيج راى الاغلبيه فيما ليس فيه نص قطعى: وهنا نشير إلى أن مبدأ ترجيح رأى الأغلبية - فيما ليس فيه نص يقينى الورود قطعي الدلالة- مبدأ أشار إليه علماء أهل السنة ، يقول الغزالي في مسألة " إذا بويع لإمامين" (أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة... ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح). ويقول ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة)، ومن أقوال الفقهاء ( الأكثرية مدار الحكم عند فقدان دليل أخر) .
كيفية قيام السلطة فى زمان ومكان معينين اجتهاد: أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين ، فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها ، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، بشرط عدم تناقضها مع اصول الدين النصيه الثابته.
الفلسفة الاقتصادية: كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفة اقتصادية تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،والتى تضبط النشاط الاقتصادى للمجتمع ومنها:
أولا:التوحيد وإسناد ملكيه المال لله تعالى:طبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب اسناد ملكيه المال(اى حق التصرف المطلق فيه ) لله تعالى وحده - لان الملكيه من صفات الربوبيه - قال تعالى (واتوهم من مال الله الذي أتاكم) .
ثانيا:الاستخلاف واستخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال: وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعه فى الانتفاع بالمال، قال تعالى (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )،وهو ما يتحقق من خلال :
ا/ تقرير أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلأ والنار (روه احمد وأبو داود).
ب/ تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها - وهو ما يقابل القطاع العام ودوره القيادى فى الاقتصاد - قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( لو أن عناقا " عنزا "ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة).
ج/ أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية ، فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد - القطاع الخاص بالمصطلح الاقتصادى المعاصر- بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.
الفلسفة الاجتماعية: كما تستند فلسفه الاستخلاف الى فلسفه اجتماعيه تنطلق من جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، والتى تضبط النشاط الاجتماعى للمجتمع ومنها:
اولا: الاستخلاف الاجتماعى واطواره: الاستخلاف الاجتماعى هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين، ومن أدلته قوله تعالى﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ﴾ ( الأعراف:74). وهو شكل من اشكال الاستخلاف التكوينى ، الذى مضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، لانه اودع فيه أمكانيه معرفه والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، كما فى قوله تعالى﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾(يونس: 14). والاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار نامية خلال الزمان، وهي :
(ا) طور الاسره : وقد ردت الاشاره اليه فى العديد من الايات كقوله تعالى ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ ، والاسره أيضا وحده تكوين أساسيه لكل الأطوار التالية، وبالتالي غير قابله للتجاوز.
(ب) طور العشيرة: وقد وردت الاشاره اليه فى قوله تعالى﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾.
(ج - د ) أطوارالقبيلة والشعب: وقد وردت الاشاره اليهما فى قوله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).
(ه) طور أمه التكوين" أو الطور القومي": وهنا يجب التمييز "وليس الفصل" بين دلالتين لمصطلح امه:
ا/ أمه التكليف : و مناط الانتماء إليها العقيدة .
ب/أمه التكوين : ومناط الانتماء إليها معيارين:
أولا:معيار اللسان "اللغه": وقد وردت الاشاره اليه فى العديد من النصوص كقوله تعالى ( وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)( الروم:22 )، تشير الايه إلى معيار الانتماء إلى أمه التكوين " الطور القومي" وهواللسان، كما تشير إلى معيار الانتماء إلى الأطوار القبلية - وهو النسب المتضمن للون - واتساقا مع هذا المعيار نجد بعض النصوص التى تشير الى ان معيارالانتماء للعروبه هو اللسان العربى وليس النسب العربى كقوله ( صلى الله عليه وسلم) (يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي )(رواه ابن عساكر:3/ 203) ، ورغم أن الحديث تعرض للنقد من جهة الإسناد، إلا أن بعض العلماء اقروا بصحته من جهة الدلالة "المعنى" ، فعلى سيبل المثال يقول الإمام ابن تيميه عن الحديث أن (...معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه )( الاقتضاء ، طبع الأنصار ، ص169) ...
ثانيا:الاستقرار في الأرض الخاصة "الديار": وقد وردت الاشاره اليه فى العديد من الايات كقوله تعالى:﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾( الممتحنة:8) .
(و) طور العالمية: وهو غايه الاستخلاف الاجتماعى النهائيه ، ووحدات تكوينه هى الامم.
ثانيا:التوازن بين الفرد والجماعه: الفلسفه الاجتماعيه الاسلاميه تقوم على التوازن بين الفرد والجماعة ، من خلال التأكيد علي ان الجماعة بالنسبة للفرد ، كالكل بالنسبة للجزء، تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه ، وهو ما اشارت اليه العديد من النصوص ، كقوله (صلى الله عليه وسلم) (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ) اخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، " 4/ 1999" ، برقم: "2586"، والبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس ) ، فهى وسط بين الفلسفات الاجتماعية الفردية، التي تتطرف فى التاكيد على الوجود الفردى لدرجه الغاء الوجود الجماعى " كالفلسفة الليبرالية " ، والفلسفات الاجتماعية الجماعية ، التى تتطرف فى التاكيد على الوجود الجماعى لدرجه الغاء الوجود الفردى" كالفلسفة الماركسية ".
________________________
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com