النتائج 1 إلى 14 من 14

الموضوع: في زمن البطالات، انغمس بالذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه

  1. #1

    في زمن البطالات، انغمس بالذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده، صلِّ و سلم على سيد الحوادث

    إلى كتاب الله الذي لا تبلى مودّتُه،

    أهدي هذا الرابط!

    فتحته اليوم في الأزهريين و لعل الله أن ينفع به هنا!


    إلى لقاء.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  2. #2
    بسم الله، اللهم اعصمنا من شر الشيطان و شر أنفسنا.

    تأملات. سأبدؤها بِ:

    الآية الأولى:

    {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}

    {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} السؤال الغرض منه الاستنكار، أو الاستهزاء، أو التخويف، و كلها، في حقيقتها، مستحيلة على الله تعالى، و لكنها تُقاس بِالغاية منها.
    {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}، إنك تذكرهم بالله تعالى، و هم يخوفونك بمن هو دونه، أي، كل شيء سواه.

    {و لَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} إنهم الكفار يُقرّون لك أن الله تعالى هو خالق السماوات و الأرض، فجادلهم الآن، و قل:

    {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ}

    أرأيتم إلى هؤلاء الذين تدعون من دون الله، لو أن الكون استجمع شرّه، و أجمع سحرَه، أرأيتكم لو قصدتم طغاةَ الأرض، أو حلّ عليكم غضب رحمائها، ثم وحّدوا كل هذه القوى، للقضاء عليك، هل كنتم يا كفار قريش ستضروني؟ أرأيتم طيب لو جمعتم رحمات السماوات و الأرض، تعرفوا على رحمات الأرض هنا و ثمة، الأم مع رضيعها الوحيد بعد دهر من الوجع و الأمل، العصفورة على بيضتها بعد أن أكلت القطة البقية في قَرٍّ و قسوة، تكاتفوا برحماتكم جميعًا، ثم صبّوها جميعها علي، ألا إن الله لو لم يردها لي، فلن تحصل.

    {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ }، هو يكفيني عن كل شيء.

    {عليه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}، و هو كافي كلّ من توكل عليه من بعدي، صلى الله عليه و سلم.

    و إلى لقاء.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  3. #3
    بسم الله، اللهم لا تحرمنا حفظك و صن جوارحنا بحلمك.

    قال الله سبحانه و تعالى:

    {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}

    فالإنسان إذا عُدِمَ النصيحةَ أو احتار في فهم نصائح الناس له، تأمل في قصص الأنبياء، فاهتدى بها إلى ما فيه خيرٌ له، بإذن الله.

    قال الله تعالى، على لسان نبيه نوح عليه السلام:

    {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}

    سيدنا نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا. يدعو قومه، أنشأه الله عالَمًا وحده، من الخير و الهدى، يواجه عالَمًا آخر، منغمسًا عنه في الكفر و الضلال و الباطل. و كلما استعمل طريقة في دعوتهم إلى الخير واجهوه بالاحتقار و الاستهزاء و الحطّ من قدره. 950 سنة، لا يشغله إلا شغل واحد، فقط. كيف أهدي قومي؟ كيف أوصل لهم رسالة الله، دعا، كما وصلنا في القرآن، ليلًا، و نهارًا، و سرًّا، و علانيةً، وعدهم لو أنهم فقط استغفروا من آثامهم، و التي غطت أرض الله، لأرسل الله السماء عليهم مدرارًا ..... إلى آخر الآيات.

    و بعد هذا العالَم الذي قضاه، وحده، يواجه فيه العالَم الآخر، يقول الله سبحانه مخبرًا عن حاله:

    {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}

    زجره قومه، من هم أحوج الناس إليه و هو غنيٌّ عنهم.

    و بعد كل هذا الذي لاقاه، لم يسعه إلا أن يدعو بدعاء من ثلاث كلمات:

    {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}

    دعا من يسمع و يرى، دعا من هو بصير بالعباد لم تخفَ عليه خافية من مثقال ذرة من تعب سيدنا نوح في الدعوة، من يعلم أن قومه لن يؤمنوا .....

    فجاءت القاضية.

    {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ }

    انقرضت بشرية بأسرها، انفتحت أبواب السماء، نصرةً لعبده نوح.

    {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا}

    أبواب السماء ليست كافية، فتفجرت الأرض عيونًا.

    {فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}

    قدّره الله سبحانه و تعالى منذ الأزل، و كان تحقق شرطه في الواقع، دعوة، مؤلفة من ثلاث كلمات.

    { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ }

    بعين الله سبحانه تجري سفينة في وقت غرقت فيه جميع الأرض و {هي تجري بهم في موجٍ كالجبال}.

    نعم إن المؤمن لَيتعلم الصبر و احتمال الأذى، يتعلم أن الله سبحانه لا ينسى، بل يُنسِي، نعم! يُنسيك الحزن و الهم و الوجع، و الضيم و التعاسة، و أن العاقبة لمن دعا الله بصدق و بذل وسعه في إصلاح نفسه، و غيره.

    و إلى لقاء.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  4. #4
    بسم الله، اللهم نورَك.

    بعد أن فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه و سلم و عيّره المشركون على ذلك، أنزل الله سورة الضحى تثبيتًا له و تأكيدًا:

    وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى

    يقسم الله تعالى بأمرين يقينيين، يراهما رسول الله صلى الله عليه و سلم عينَ اليقين، فهو لا ينكر رؤية الضحى، و الذي يجيء بعد الليل، و هذا التقلّب من الظلمة، إلى النور، لا يقدر رسول الله إنكارهما، فكذلك اصطفاء الله له.

    مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى

    باستعمال المشركين لكلمة "قلى"، فأكد له الله سبحانه أنه، و إن بدا -للمشركين- أن الله تركه فهذا الفتور هو قضاء من الله سبحانه، فيه حكمة، و إن خفيَت عن الناس.

    وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى

    و قبل أن يبشر الله سبحانه رسوله بما سيرضيه و يرضي عظمته في الدنيا، بشره بأكبر من ذلك، فإن الآخرة لَهي أفضل له مما سيعطيه في الدنيا.

    وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى

    و إن كانت "سوف" تستعمل للشيء البعيد حصولُه، فإنك سترضى يا محمد -صلى الله عليه و سلم-.

    أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى


    لم يكتفِ الله سبحانه و تعالى بتبشيره بالعطاء طمأنةً له، فذكره بنعمه عليه سبحانه، و التي تمت أصلًا فهو لا يحتاج أن ينتظر شيئًا يحصل مستقبلًا للاطمئنان. و بعد تذكيره بنعمه عليه سبحانه، فحضه سبحانه، بعد أن اصطفاه على الخلق أجمعين، على الأخلاق العظيمة، و السورة منزّلة لرسول الله و أمته من بعده. فإن آتى الله العبد النعم الجسيمة، فينبغي ألا يتكبر على الضعفاء من خلقه، حتى لو علم بأنه خير منهم.


    فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ

    و الله يعلّم الناس كيف يتعاطَون مواهب الله لهم، فالإنسان مجبول على حب الجاه و التفرد و إثبات النفس، فلم يمنع الله ذلك، إذا لم يكن فيه إيذاء للغير أو بأخلاق رديئة تُنسيه أنها مواهب قد تُسلب منه كما أتت إليه.

    وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

    أظهر نعمك هذه أيها العبد، و تفنّن و أحسِن إبرازها، بدون إغفال ملاحظة أنها من ربّك، و أنها منه، و إليه صائرة.

    و إلى لقاء.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  5. #5
    بسم الله، اللهم أعوذ بك من شر نفسي.

    قال الله تعالى في سورة النساء:

    {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}

    نهى الله سبحانه، مخاطبًا كلا الجنسَين، الفضل الذي خصه لكلَيهما على حدة، فقد استعمل كلمة البعض و أضافها إلى كاف الخطاب ثم استعمل كلمة جرّ و أضافها أيضًا مبهمة على ذات الكلمة -"بعض"- و لم يحدد، فهي مشتركة بين الجنسين. فأكد أن لكليهما نصيبًا من الفضل يختص به من حيث هو جِنس محدد. فالأمنية بشيء خص الله به الجنس الآخر مرفوضة، فإن راودت نفس الشخص بشيء متوفر في الآخر مما حسب أنه بالنسبة له كمالًا، فخيرٌ له و أحق به، أن يسأل الله من فضله، فالله واسع الفضل، و هو يعطي العبد ما يعينه على تحقيق الكمال الخاص به. و هو سبحانه بكل شيء عليم، عليم بخطرات قلبك، عليم بآمالك التي رسمتَها لنفسك، عليم بطموحك مما تتوهم أنه يميزك.

    اللهم إنا نسألك من فضلك، فلا تحرمنا.


    إلى لقاء
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  6. #6
    اللهم أذقنا الحقيقة و إن كانت ظروف الحياة تعاند ذلك.

    قال الله تعالى:

    فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ

    و هل ثمة أجمل من التأمل في قصة الكريم بن الكريم بن الكريم عليه السلام؟

    في الآية يظهر أسلوب "الاكتفاء"، عبر حذف بعض الحقيقة، و هذا الأسلوب يُستعمَل إجلالًا و تعظيمًا لما سبق قولُه. و في سورة الرعد مثلًا قول الله جل ذكره عن القرآن:

    وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىظ° غ— بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا.

    فحُذف في الآية جواب لو، تعظيمًا لشأن القرآن.

    و هكذا هنا في الآية بسورة يوسف. حذف الله جواب لما، تهويلًا لما فعله إخوة يوسف به بلا حق و لا رحمة و خيانة لما ائتمنهم أبوهم عليه. و لسبب ذلك، و لأن يوسف لم يزل غلامًا مظلومًا ذا مستقبل مجهول جدًّا، مستقبل يعرف الله أنه سيكون أليمًا و طويلًا و مليئًا بإيذاء الناس له، أوحى الله سبحانه و تعالى إليه في هذه اللحظة:

    وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ

    فثبته الله تعالى في لحظة الضعف هذه، حتى يطمئن إليها كلما أصابه بلاء بعد بلاء إلى أن يصل إلى مرحلة التمكين النهائية.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  7. #7
    قال الله تعالى:

    {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}

    دهاء سيدنا يوسف واضح حيث يوظفه لإظهار قيمته العليا -خالصةً من غير شائبة-، و عن استحقاق تام. إذ لما طلبه الملك لم يرتضِ الخروج من السجن حتى تثبت براءته، و بلسان متهميه، امرأة العزيز بالمقام الأول.

    إيمانه بقيمته و تفرده عالٍ جدًّا كما يليق بمن اصطفاهم الله سبحانه لنفسه، إذ لما ...

    قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ

    فوصفه الملك بأنه مكين أمين، فلم يرضَ ذو الكمال عليه السلام حتى بأن يعطيه وظيفة يختارها الملك بنفسه، و لم يغترّ بتلك الصفتين اللتين أطلقهما له! بل هو يعرف إمكانياته و الذي يُحسِنه، للحد أنه هو من يحدد الوظيفة التي تناسب طاقاته فقال:

    قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ

    و أطلق صفتين على نفسه بدلًا من اللتين قالهما الملِك، حيث هو أعلم بها:

    إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  8. #8
    اللهم خذ إليك أنفسنا الرديّة و أبدلنا بنفسٍ خيرٍ منها.


    ......... و في نهاية الدهاء الذي خططه يوسف عليه السلام حتى يصل إلى مرحلة التمكين،

    قال الله تعالى:


    فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ

    سيدنا يوسف لم يأخذ بحقه من إخوته أول ما رآهم، بل انتظرهم إلى أن أوصلهم لأن يقولوا "العزيز"، و أن ما يفعله لهم الآن؟ إنما تصدق و تفضّل منه لهم، بلسانهم. الآن في لحظة الضعف و المذلة هذه من طرفهم، و لحظة العزة التي توصل إليها، بإمكانه أن يحاسبهم على ما فعلوه به. الآن.

    ققال عليه السلام:

    قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ

    جاهلون، جاهلون حقيقتَه و قيمته، و بأنه خير منهم، و هكذا "علّمهم" سيدنا يوسف قيمة ذاته، بالتجربة و البرهان. فلما أقرّوا له:

    قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ

    فلم يستمر سيدنا يوسف في إذلالهم، لقد كان كافيه حيث هو نبي مصطفى أن يعرفوا قيمته الحقيقية من لدن الله، و الآن إذ تحققوا، قال:

    قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ

    نعم، أما اليوم إذ علموا من هو عند الله تعالى و عند أبيهم، سامحهم على كل ما اجترأوا عليه.


    و أن من طرفه ليس في النفس شيء عليهم، و أما بالنسبة لخالقهم، فـَ

    يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  9. #9
    بسم الله،

    قال الله تعالى في سورة الأنبياء:

    بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ

    تأملوا ... تجدوا في الآية توضيح قلق كفار قريش الشديد ترددَهم ارتباكَهم، لقد رجّهم رسول الله صلى الله عليه و سلم! سارعوا في تلقيبه بغير عقل لا يهم! إنما يريدون أن يلقبوه بأي شيء، حتى يُفلتوا من الحقيقة الجليّة، بأنه نبي من عند الله.

    بلبلة!

    حالم لا مفترٍ لا شاعر!

    أرأيتكم لو كنتم مقتنعين بأنه حالم أو شاعر أو مفترٍ حقًّا، فأي معنى يبقى لطلبكم آية كما يفعله الرسل؟!
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  10. #10
    القاعدة الأولى من قواعد الهداية القرآنية، في عصر الظلمات و أمواج الفتن:

    {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}

    صُبّ اهتمامك إن تفرّق همُّك على شيء كما لا تفعل مع شيء آخر: لا تشرك بالله. فهذا الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله، و أما سوى ذلك، فهو معلَّق بمشيئة أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين!

    فقط أنت مهمتك أن تطهر قلبك من الشرك بالله سبحانه و تعالى.

    تعرف؟ أحبب من شئت و ما شئت، اتخذ أخلةً من الناس و لا حرج بذلك من حيث هو، و لكن تذكر، لا، تشرك. تذكر دائمًا هذا، أكثرَ من تذكرك و انشغالك بأي شيء آخر.

    تعلق قلبك أشد التعلق و أنفذه بزوجك الغانية بابنك الوحيد بوارف ظلالك؟ حسنًا! و لكن لا، تشرك.

    اعبد الله لا تشرك به شيئًا أي؟ أحبّ حبيبك بمراعاة أنه لا يملك لك ضرًّا و لا نفعًا، حيث هو فانٍ و الله دائم لا يموت، حيث هو تحت تصرّف الله يقبضه عنك متى يشاء، حيث يبسط قلبه إليك حيث يصرف قلبه عنك و متى شاء، حاول ما اسطعت، أن لا تُغضب اللهَ به، حاول ... أن تبتغي رضا الله تعالى حتى على حساب سخطه. أحبب من شئت، و لكن موحِّدًا.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  11. #11
    القاعدة الثانية من قواعد الهداية القرآنية:

    {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}

    هذه هي النجاة الحقيقية.

    تفنّن في عباداتك، أتقن -فيما يظهر لك- تعاملك مع الناس، أقمِ الحلال و الحرام بقلبٍ أسود مريضٍ يحتقر و يتكبر و يتجبر، يبغض يحقد، قلب يعيث فيه الناس خيرُِهم و شرُّهم فسادًا! زاهد المظهر، و القلب كل أمانيه امرأة سوءٍ حسناء، أو بيت منيف، أو مطامع دنيوية يحرم نفسَه منها ظاهرًا، يظن ظنًّا، أنه بذلك خير من المؤمن الغني المُظهِر لغناه، المحدِّث بنعمة الله.

    أيُّ دينٍ هذا.

    و لقد و الله رأينا من هؤلاء قديمًا و معاصرًا.

    نفوسٌ تَعَاف منها -لا أقول المتدينون فقط- بل كل نفس شريفة.

    الإنسان الشريف لا يرضى هذا الحال الوضيع لنفسه. أن يعيش في وهم. وهم الدين. و كل عضو فيه ينطق بالدنيا.

    الإنسان الشريف صادق مع نفسه و ربه و دينه و الله. ما يُقدِم على طاعة إلا بصدق و إقبال. ما عنده صدق و إقبال فلا حاجة لهذه النفس الشريفة أن تظهر بمظهر الدين عند الناس و الله. اكتفاء! نعم. اكتفاء. مستغنية بالله و بنفسي و بما آتاني الله تعالى من الدين. لا حاجة لي أن أتظاهر بالدين فضلًا أن أبيع ديني من أجل كلمات مديح صدقت أو كذبت!

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  12. #12
    هل ما زلتِ على الوعد أنفال، بأنه كتاب لا تبلى مودته؟

    نعم و الله!


    ***

    ما عاقبة من قال {أنا ربكم الأعلى} يا جماعة؟

    معروفة طبعًا، و مُوَثَّقة، و إن كان الأمر -كما قال أبو حامد الغزالي- في داخل كلِّ إنسان "أنا ربكم الأعلى"، قَدَر على أن يقمعها أو لم يقدر، فإن فرعون جَلَّاها كما لم يفعل أحد قبله.

    أي شيء ينتظر ملكك يا فرعون، أي شيء، حيث أنت تقتِّل الأبناء و تستحيي النساء، أي شيء يا فرعون.

    إن الذي كنت تحذره، يا طاغية الأرض، لَهُو رَبِيبُ مُلكِك.

    لقد رضيتَ، طواعيةً، أن تربّيه عسى أن ينفعك أو تتخذه ولدًا.

    يا للسخرية! ما هُو بنافعِك يا فرعون و لن تتخذه ولدًا!!

    لِم يا فرعون تَخِذت نفسك ضُحْكة حيث أجمعتم و النبي موسى أن {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} أما كان كافِيك أن تهزمك أفعى النبي موسى وحيدًا حيث لا يهزأ الناس بك؟ و لكن صدق الله!

    {وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ }

    من يا فرعون ستُلقي عليه إيمانك و تسلِمُه ثقتك من؟؟؟

    {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}

    طيب و من أول من خان عبادتك و صَدَعَ توقعاتك؟ من؟؟

    {وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}

    اللهم لا تجعلنا {آية} تتمسخر عليها الناس إلى قيام الساعة!!

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  13. #13
    ربِّ زدني علمًا ...

    و لكن ما هو العلم المطلوب؟ ما هو العلم الحقيقي من هو -بنظر الله- العالِم؟

    يقول الله تعالى:

    {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}

    كل علم يصير إلى أن يزعج قلبك عن النعاس ليلًا حيث الناس ناعمون به، علم يورّث قلبك خشية، و رجاءً.

    هو لا يحذر الله هو شغله الآخرة، إنما علمه بالله انتهى به إلى أن يرجو رحمتَه في هذا اليوم العسير.

    هل يستوى هذا العالِم -و لعله جاهل بكثير من العلوم الدينية و الدنيوية على حدٍّ سواء- مع الذي أوتي ما أوتي من علم الدين و الدنيا فلا ينتبه مرةً في حياته -وحيدًا- إلى أن يركع ركعات بالليل ساقه إليها رهبة و رغبة؟!
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  14. #14
    إنني قد غبت عن هذا الرابط طويلًا، و إن شاء الله سأرجع إليه قريبًا.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •