النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: موقف الجيلي من عذاب أهل النار

  1. #1

    موقف الجيلي من عذاب أهل النار

    بسم الله الرحمن الرحيم
    موقف الجيلي
    من عذاب الكفار في النار

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
    مقدمة:
    سنحاول في هذا البحث الموجز بيان موقف الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتاب الإنسان الكامل( ) من عذاب النار وأهلها، وعلاقة ذلك بابن عربي، وفيما إذا كان له تأثر به أم لا، وما إذا كان يوافقه أو يخالفه؟
    والغرض من هذا البحث أساساً ليس مجرد دراسة آراء الجيلي الموافق في كثير من الأصول لمدرسة ابن عربي، بل المراد منه زيادة على ذلك إظهار أن كثيرا من التصورات والآراء والتعليلات التي يقررها في هذه المسألة، فيها خلاف واضح مع طريقة أهل السنة في معالجة الأمور، وفي فهم النصوص، وفي استنباط الأدلة واعتماد الأحكام.
    وبالتالي فإنه من الواضح أن ينتج لدى هذه المدرسة آراء وأحكام ومناهج استدلالية مخالفة لبعض آراء أهل السنة، وأن هذه الآراء يستحيل عند أهل العقل أن يقال إنها ظهرت عرَضا في كلامهم (أي كلام ابن عربي والجيلي...الخ) وأنهم لم يقصدوا المعاني الظاهرة منها، فإن كل من يقرأ كلامهم، يعرف تماما خطأ هذا التصور، فإنهم يبنون على قواعد وتصورات خاصة بهم، ويبنون مذهبا خاصا بهم، بغض النظر وافق أهل السنة أو خالفهم، فهم يعتقدون في أنفسهم أنهم بلغوا درجة من القدرة والعلم بحيث يصح لهم أن يقولوا في الدين قولا خاصا، ولهم الحق في ذلك، ولكن ليس لهم الحق أن يزعموا أنهم موافقون في الأصول لأهل السنة، كما أنه ليس لبعض المنتسبين إلى أهل السنة الحق أن يزعموا أن هذه المدرسة مع كل ما نلاحظه في آرائها من اختلافات وما في تعليلاتها من اعتبارات، وما في أحكامها من تناقضات مع أهل السنة أنَّ أتباعها موافقون لأهل السنة! أو أنهم لم يقصدوا في كلامهم الظاهر الخلاف لأهل السنة ما يظهر لنا منه، وأنه لا بد أن يكون هناك وجه أو معنى خاص عرفناه أو لم نعرفه وذلك الوجه أو المعنى موافق لأهل السنة، لا يجوز ذلك مع كل ما نراه من تصريحات بمخالفة آراء أهل السنة وأحكامهم ومناهجهم في النظر والاستدلال. وما مسألة عذاب أهل النار إلا مثال واحد على ما نقول.
    ومع ظهور هذا الأمر، بل مع تصريح كبراء هذا المذهب والعارفين به أنهم لا يبالون بمخالفتهم لقواعد أهل السنة بمعنى أنهم لا يقيدون أنفسهم بها بل إن لهم قواعد وأصولاً أخرى رجحت في نظرهم، وإن لهم تصورات خاصة بهم، إلا أننا نستغرب عندما نرى بعض المنتسبين لأهل السنة يصرون مع ذلك كله على أن هؤلاء تابعون لأهل السنة! ولا ندري ما هي أصول أهل السنة التي بناء عليها يصح هذا الفهم الغريب للنصوص المتعلقة بعذاب أهل النار، وبطريقة التخريج للنصوص التي لا نرى لها ما يشابهها في المناهج المعتبرة عند أهل السنة.
    ونستغرب من حرص بعض المنتسبين لأهل السنة الذين يبذلون كل جهد لتأويل كلام ابن عربي في بعض المسائل، وسيبذلون كل ما يطيقون كذلك لتأويل كلام الجيلي، فقط لأنهم اعتقدوا أن الأصل أنه موافق لأهل السنة، حسنا لو كان الأصل هو ذلك، أفلا يجوز عقلا وواقعا أنه بعدما قطع أشواطا من النظر والتأمل بطريقته التي اعتمدها، توصل إلى أمور وأحكام وتصورات مخالفة لأهل السنة! نعم إن ذلك جائز، فإذا كان هذا محتملا بل واقعاً، فمن أين يجب علينا أن نبقى على القول بأن فلاناً هو دائما موافق لأهل السنة، إلى أن يصل بعضهم إلى اعتبار أقواله معتبرة عند أهل السنة لمجرد انتسابه إلى أهل السنة بوجه ما، دون ان يكون هناك مراجعة للقواعد والأدلة التي بنى عليها تلك الأقوال!
    وقد بينا أن هناك فرقا بين أن يكون بعض العلماء قد قال قولا مخرَّجا على أصول أهل السنة، وبين أن يكون بعض علماء أهل السنة ممن يعتبر نفسه مجتهدا إلى درجة أن يسلك من مسالك النظر ما يخالف أهل السنة في نتائجه أو في دلائله، وهو من حيث هو مجتهد في نظر نفسه، ينبغي عليه الالتزام بقوله ما دام يعتبره أرجح من قول أهل السنة، هذا متصور، ولكن غير المتصور أن ترى بعض أهل السنة الذين ينظرون في قوله، ويرون تباعد رأيه عن رأي أهل السنة، ويعرفون الافتراق بين مناهجه النظرية والدلالية وبين ما اعتمده أهل السنة، بحيث يفضي به ذلك إلى مخالفة أهل السنة في بعض الأحكام، تراهم مصرين على القول بأنه ما دام من أهل السنة ولو في ابتداء أمره فينبغي علينا أن نعد قوله موافقاً لأهل السنة! وأيضاً ينبغي علينا أن نقول إن قوله معتبر عند أهل السنة ولا يجوز لنا أن نقول بغلطه فيه! هذا التصرف مستغرب جداً ومخالف بلا ريب للأصول الفقهية والعقدية والقواعد المرعية والمناهج السديدة.
    ومن جهة أخرى: نستغرب عندما نرى بعض هؤلاء مصراً على أن هذه الأقوال الظاهرة في مخالفة أهل السنة، لا بدَّ أن يتمّ تأويلها، وحملها على معانٍ موافقة لأهل السنة، حتى لو أدى ذلك إلى إكراه نصوصه وكلامه وقسرها على خلاف دلالاتها، حتى وإن كان ذلك بغير قرائن راجحة، مع رؤيتهم رجحان وظهور عباراته في المعاني المذكورة.
    ونستغرب أيضا عندما نرى بعض المنتسبين لأهل العلم يحاولون إجبار غيرهم على السير في هذا المسار على سبيل التعيين، أعني: إنهم يرفضون قول من يقول:
    [إن رأي ابن عربي غير قابل للتأويل تأويلا راجحا غير متعسف، بل إنه ظاهر فيما ينسب إليه من معنى بحسب الدلالات المعتبرة، وبحسب ألفاظه الواردة بعدة أساليب وفي غير موضع، وأن ظهور هذه المعاني ثابت من عدة جهات بحيث يكون محاولة تأويلها مكابرة أو قريبا منها.
    ويقول هؤلاء: إن ما يُزْعَمُ أنه مدسوس لم تقم عندنا شواهد كافية على أنه مدسوس عليه، بل إن الظواهر والقرائن على ثبوت نسبته لابن عربي هي الأكثر ثبوتا والأرجح.
    ويقول هذا الفريق من الباحثين والعلماء: قول ابن عربي في نفسه باطل، باعتبارين:
    الاعتبار الأول: من حيث بطلان ما يستدلون به عليه من معاني الآيات والأحاديث.
    والاعتبار الثاني: من حيث إنه غير متوافق أيضاً مع أصول أهل السنة والجماعة.
    أي إنهم يقولون: بأن نسبة الكلام لابن عربي ثابتة، ولا موجب للتشكيك فيها، ودلائله على المعاني محل الخلاف ظاهرة أيضا، فلا مجال لتأويلها تأويلا معتبراً، وإن هذه المعاني نفسها غير صحيحة باعتبار أدلة الكتاب والسنة، وباعتبار القواعد التي صرح بها أهل السنة والأحكام التي قرروها]
    نقول: نستغرب أن يوجد أناس يحاولون قَسْرَ مَنْ يقول بهذا القول على تغيير رأيه، وإلا فإنه يكون من المفسدين الطاعنين في الأشخاص والذين يحاولون عمل فتنة، ويطعنون في الصوفية هكذا على العموم، ويقدحون في أولياء الله تعالى! وكأن أولياء الله تعالى يصح لهم أن يقولوا ما يخالف ظاهر كلام الله تعالى وهم في صحوهم!؟ لا مرة واحدة بل مرات ومرات، ومع ذلك فإن على الجميع أن يسكتوا ولا يخالفوهم في ذلك أبداً، ولا يعترضوا عليهم!
    نعم إننا نرى أن موقف هذه الطائفة المتعنتة المتشددة المنكرة على أصحاب هذا الرأي المبين آنفاً موقف باطل أخلاقيا وعلمياً.
    وأيضا لنا أن نستغرب من بعض العلماء عندما يصرون على القول بأن هذه المسائل الواردة في كتب ابن عربي أو الجيلي أو غيرهما مدسوسة عليهم، وبعضهم يقول إنها قد دسها بعض اليهود عليهم! وهذا يبعث على الاستغراب، ولعمر الحق إن هذا الرأي إن لم يؤيده قرائن علمية كافية فإنه غير معتبر، ولا ينبغي الالتفات إليه أصلاً.
    وقد يقول قائل: إننا ما دمنا افترضنا أن فلانا من أهل السنة، إذن يستحيل أن يصدر عنه ما يخالف أهل السنة خصوصا في الأصول والمسائل العظيمة كهذه المسألة، ويقولون إن هذا الاعتبار كافٍ في نظرهم لأن يقولوا إن جميع ما ورد عنه مما يخالف أهل السنة، إما مدسوس عليه، أو ينبغي تأويله، إن أطقنا تأويله وحمله بحسب قوانين التأويل المعتبرة فذاك -وقد مرَّ بيان الرأي في هذا المسلك-، وإلا فلنفرض أن لعباراته معاني لا ندركها نحن، فإنهم يستعملونها بحسب اصطلاحات خاصة لا ندريها ولا نعرفها، ولكنها قطعا لا تدل في نهاية الأمر على ما يخالف أهل السنة.
    والحقيقة أن هذا الموقف أشد ما يبعث صاحبه عليه شدة الحرص على عدم الحكم بأن فلانا خرج عن أقوال أهل السنة، أو أنه قال قولا يعتبره هو مخالفا لدلائل القرآن، وبناء على حسن ظنه وثقته بفلان تراه جازما بأن هذه العبارات قلت أو كثرت، لا بد من حملها على ما لا يخالف أهل السنة، نعم هكذا! سواء عرفنا لها معنى معينا، أو لم نعرف، وسواء كان لدينا قرينة خاصة راجحة على هذا الحمل أو لم يكن إلا حسن ظننا وثقتنا بفلان.
    ولكن نحن نعتقد أن هذه النظرة لا تقوى على الصمود علمياً ولا تقف أمام النقد الجاد، فإن المجتهد العالم قد يخالف أهل السنة، وقد يخالف الفهم السائد عند أهل السنة لنصوص القرآن والسنة، وذلك راجع كما ترى إلى قناعته بسداد منهجه وصحة رؤيته، فهو عندما يقول ما يقول، لا يعتقد أنه مخالف للقرآن ولا أنه مصادم للحق، ولا أنه قائل بما لا ينبغي القول به، بل إنه يكون معتقدا بسلامة رأيه، ويكون عارفا أن رأيه هذا قد يصدم كثيرا من الناس الذين يعتبرونه من أهل السنة، لما فيه من الخلاف معهم.
    فقولنا: إنه لا يمكن أن يخالف أهل السنة، ولا القرآن، ولا السنة -بحسب ما نفهمها نحن-، لا يكفي إذن للاعتماد عليه لكي نقول إنه لا بدَّ أن يكون موافقاً للمعاني والطرائق المعتمدة عند أهل السنة ولطريقتهم في فهم الآيات والنصوص الشرعية، فقد يكون هناك مصدوق آخر عنده لمعاني الكتاب والسنة، بل إن ذلك هو الاحتمال الراجح خصوصا مع كثرة النصوص الواردة عنه والموجودة في كتبه من النصوص المخالفة في دلالاتها الظاهرة لأهل السنة ولطريقة فهمهم للكتاب والسنة، أنه يعتقد أن ما يدلي به هو الحق، وأنه غاب عن أعلام أهل السنة، وأنه تنبه لأمر قد لا يكونون انتبهوا إليه! وأنه إذ يقول به فإنه يقول بما يعتقد أنه الحق.
    وبناء عليه لا يصح أن يقال:
    إنه لا يمكن أن يخالف مذهب أهل السنة. وبناء على ذلك ينبغي اتخاذ الموقف التالي من عباراته ومسائله التي قال بها، وذلك بأن يقال:
    (هذه العبارات والمسائل التي تناولها في كتبها وبسط بحثه فيها، مما فيها خلاف ظاهر مع مذهب أهل السنة، هي إما مدسوسة عليه، أو مؤولة محمولة على معنى خاصٍّ، أي إن هذه العبارات باعتبار معناها الظاهر من الدلالات المعتبرة والذي نعلم أنه مخالف لأهل السنة ولأدلة القرآن الكريم:
    -إما أن يكون لها معنى آخر نستطيع تعيينه وتمييزه ولو بتكلف ولو بأدنى احتمال.
    -أو تكون هذه العبارات دالة على معنى غير معين عندنا ولا نعرفه نحن، بل صاحب الكلام يعرفه، وعلينا إهمال جميع الدلالات اللغوية والسياقية التي تنافي هذا الأمر! )
    هذا مع كل ما نراه من تفاصيل يبديها في تجلية رأيه وبيان أحكامه وإظهار مستنده في ذلك كله، بحيث يكون مجموع ذلك كله وأفراده دالا على ذلك المعنى الظاهر المرفوض من أعلام أهل السنة ابتداءً، وتكون تلك القرائن والأساليب والتعبيرات بحيث لو اطلع عليه أي باحث أو أي عالم يندثر عنده بعد قراءتها احتمالُ أن يكون هذا الكلام مدسوساً عليه، ويبطل عنده أن يكون هذا الكلام مؤولا مصروفا عن ظاهره سواء إلى معنى معين عندنا أو إلى معنى غيره مجهول عندنا غير معين.
    لا شكَّ في غرابة هذا الموقف، ولا ريب في خروجه عن قواعد العلم المطردة.
    ويبدو أن بعض ما يحملهم على اللجوء إلى هذا الموقف خوفهم من مسارعتهم هم أو مسارعة بعض الناس إلى التكفير لمجرد معرفتهم بأنه يقول بهذه الأقوال على ظاهرها! فيندفعون إلى التلبس بكل هذه الطرائق التي نراها غريبة من ناحية علمية لدفع تهمة التكفير.
    ولكن ماذا لو قيل لهم:
    إنه حتى لو ثبتت هذه الأقوال إليه فليس التكفير بلازم بالضرورة، لأن الحكم بالتكفير له قوانينه الخاصة، فقد يدرأ التكفير لشبهة خاصة، أو قرينة خاصة، وهذه القرائن قد تكون غير مندرجة بالضرورة في القرائن والدلالات اللفظية التي كنا نبحث فيها من ناحية الكشف عن المعنى الذي يريده ابن عربي أو غيره من كلامه. فبيان معنى الكلام يعتمد على القرائن التي تُظْهِرُ المعاني، إما الحقيقة الوضعية أو الاستعمالية العرفية أو قرائن أخرة متصلة أو منفصلة، ولكنها كلها ينبغي أن تكون ظاهرة مرجحة لذلك الصرف! فإن كانت قرائن ضعيفة أو غير ذات تعلق بوظيفة إظهار المعنى المراد من الكلم المنظوم، فلا يلتفت إليها في حال إرادة الكشف عن المعنى الدلالي أو السياقي للكلام، ولكن قد تكون تلك القرائن معتبرة في دفع الكفر عنه. هذا احتمال.
    واحتمال آخر:
    قد لا يكون هو أصلاً مقتنعًا بلزوم الكفر على قوله، وهذا هو الظاهر وإلا لما قاله وقرره، نحن نعلم أنه لم يقله إلا لاعتقاده بصوابه وأرجحيته، وبالتالي فإنه قد لا يلتفت كثيرا لمن يكفره بناء على ما يراه هو -أي المكفِّر- لأن هذا الرأيَ غير معتبر عند صاحب هذا الرأي أصلاً.
    ومن ناحية أخرى، فلو لم تكن المسألة مستلزمة بالضرورة للتكفير، ألا يكفي في خطورتها كونها مخالفة لظواهر النصوص، وألا يدفع كونها مرجوحة أيَّ واحد من أهل العلم لأن يضعها في محلها الصحيح، أي: من حيث كونها مبنية على طرائق غير معتبرة أصلا عند أهل السنة والجماعة! وذلك بأن يحكم عليها بانه غلط أو خطأ أو نحو ذلك...فإذا قال بهذا الرأي فلانٌ من الناس، ألا ينبغي الردُّ عليه لمجرد أنه اعتمد على أدلة مرجوحة أو ضعيفة جداً في الوصول إلى ما قال! فضلا عن أن تكون منزلة تلك الأدلة أدنى من ذلك.
    إن مجموعة من المسائل التي قال بها ابن عربي قد لا يلزم عليها التكفير أصلا، ولكن ينبغي الردُّ عليها والكشف عن ضعفها على الأقل من وجهة نظر أعلام أهل السنة والمفسرين المعتبرين لديهم، حتى لو كانت هذه المسألة أو المسائل معتبرة وقوية في نظر ابن عربي نفسه، ولا أظنُّ أن ذلك مما يستغرب ولا يستبعد أصلاً.
    وقد يقول قائل: إن إثبات مخالفة ابن عربي لأهل السنة في بعض المسائل، هو في الحقيقة محاولة لهدم التصوف! أو القدح في الأولياء!
    وهذا الزعم مع انتشاره على ألسن بعض الناس الذين يبدو أنهم لا يحسنون صنعة العلم، بل لا يبرعون إلا في الإشاعات الباطلة، إلا أنه مما تضحك منه الثكلى. بيان ذلك:
    أنا لو فرضنا أن ابن عربي ومن تبعه يقول بمجموعة من المسائل، وثبت فعلا أن هذه المسائل تعارض عقيدة أهل السنة، نقول لو ثبت ذلك، فمن أين يثبت أن الحكم بغلط ابن عربي فيها، يستلزم الحكم على الصوفية والأولياء جميعا بالخطأ والغلط، ومن أين يستلزم ذلك القدح في الأولياء وفي التصوف على ما يزعم هؤلاء المغرضون.
    نقول أولا: إن مقام التصوف المبني على أصول صحيحة من ناحية العقيدة والفقه والتأصيل محفوظ عند أهل السنة بما لا يقدر واحد على نفيه، وقد كتب في ذلك أعلام العلماء مثل الكلاباذي والقشيري والشيخ زكرياء وغيرهم من أعلام أهل السنة. وأظنُّ أن هذه المقدمة متفق عليها لا ينكرها منكر متبع لأهل السنة.
    أما ما يتعلق بالجواب عن السؤال فنقول اختصاراً:
    إن الصوفية المنتسبين لأهل السنة والملتزمين بمذهبهم مخالفون لابن عربي في هذه المسائل الموجودة في كتبه التي تعارض مذهبَ أهل السنة، ولا يوافقونه عليها، ويرفضون أن يتبعها واحد من المريدين الملتزمين بأهل السنة أصلاً، ولذلك، فإنهم كما هو معلوم يمنعون أتباعهم من قراءة أكثر كتب ابن عربي لما فيها من أمثال هذه المسائل، حفاظا عليهم من أن يغتروا بها، وأكثر طلاب العلم لأجل هذه التحذيرات الشائعة بين مدارس أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين، ومن شتى المدارس الرفاعية النقشبندية والجيلانية والغزالية وغيرهم لا يقرأون كتب ابن عربي ولا يعرفون ما فيها.
    وأيضاً: فقد صرح أكثر الصوفية من المتقدمين والمتأخرين من المحافظين على مذهب أهل السنة بالنكير على القائل بهذه المسائل، مثل مسألة تحول العذاب إلى عذوبة، بل كثير منهم وصفها بأنها كفر بما جاء به الله تعالى في الكتاب العزيز، وأنكروا على القائل بها، غاية الأمر عند هؤلاء أن كثيرا منهم يستبعد أن يكون ابن عربي قائلا بها فعلاً، بناء على طريقة الدس أو التأويل كما مضى، أما من حيث المعنى، فالكل موافق لنا في الإنكار على القائلين بهذه المسائل الباطلة.
    فإن افترضنا أن ابن عربي يقول بهذه المسائل، أقول لو افترضنا، ذلك. وثبت أن هذه المسائل باطلة.
    وثبت أن أكثر الصوفية والأولياء لا يقولون بها، وينكرون على من يقولون بها.
    فمن أين يلزم بناء على ذلك أن إثبات قول ابن عربي بها هو في الحقيقة قادح في الصوفية هكذا بإطلاق، أو في الأولياء، أو أن هذا المسلك يهدم التصوف!
    أليس من الظاهر أنَّ هذه الطريقة العجيبة من التفكير تتضمنُ كما هائلاً من المغالطات والتلبيسات المفضوحة!؟
    غاية ما يلزم أن هؤلاء الذين كانوا يبرئون ابن عربي من القول بهذه المسائل الباطلة أو الخاطئة، كانوا مخطئين في ذلك الموقف.
    ومن أين يستلزم ذلك القدحَ في التصوف وفي الأولياء؟
    ومن أين يستلزم ذلك هدمَ التصوف أيها العقلاء؟!
    لا يقول بالاستلزام إلا صاحب غرض أو هوى كما هو ظاهر!
    ما الغرض من عرض رأي الجيلي في هذه المسألة؟
    لما رأينا كثيرا من المشايخ يستغربون من إبداء رأينا في قول ابن عربي، ورأينا أن ابن عربي يقول فعلاً بهذه المسألة، ويقولون: لا داعي لأن تبالغوا في وجهة نظركم، فإن ثبت ما تقولون، فغايته أن واحدا من الناس هو ابن عربي قال بها، وليس في ذلك كثير من الخطر، فها نحن ننبه الناس من اتباع كتب ابن عربي، ونحذرهم من الاغترار به في ذلك. فالأمر مقصور عليه ولم نرَ أحدا تأثر به في هذا القول.
    نقول:
    إن هذا الرأي يعتمد على أن هذا الرأي مقصور على ابن عربي، وأنه لم يتابعه فيه أحد، لأن الأمر عندهم مبنيٌّ على كشف خاص أو ذوق خاص لابن عربي. فلا حاجة للخوف الشديد من هذا الأمر إذن.
    والحقيقة أن هذا الموقف يحتاج قائله لأن يتنبه إلى أن ابن عربي أولا لم يبن رأيه على مجرد كشف، بل ناقش الحجج الشرعية التي يحتج بها أهل السنة على ما يقولون. وأقام في مقابلها حججاً بناء على تأويله وفهمه للنصوص الشرعية، وأضاف الكشف إلى ذلك مع تعليلات عقلية خاصة بمذهبه.
    ونحن نرى أن هذا عبارة عن مذهب متكامل في هذه المسألة لأنه يحتوي على الحكم والتصور والدليل. ونرى أن هذا المجموع كله قد انتقل من ابن عربي لبعض الصوفية الذين راق لهم طريقة ابن عربي ومذهبه وفهمه لذلك كله. فقوله انتشر بين مجموعة معينة من الناس منهم من ينتسب لأول الأمر لأهل السنة ومنهم من حاله ليس كذلك. فأردنا إعطاء مثال واحد فقط على بعض الصوفية المشهورين من المتأثرين بابن عربي في أدلته وكشفه وذوقه، وقد اتبعه في أغلب ما قرره في هذه المسألة، ونراه قد صرح بذلك تصريحا، وإن كان له بعض التقييدات في بعض الجهات، ولكنه من ناحية عامة متابع لابن عربي في أكثر تأصيلاته فيها. ونعتقد أن إعطاء مثال على المتأثرين بابن عربي بواحد بوزن الجيلي له اعتبار عظيم عند العقلاء.
    فهو من جهة يدلُّ على أن بعض الصوفية ممن يعتقد فيه أنه موافق لأهل السنة قد خالفهم أيضا في هذه المسألة تبعا لابن عربي، ومن جهة أخرى فهذا يدل على أن لهذا الرأي امتدادا في هذا المجال بعد حياة ابن عربي، ولا يبعد أيضا أن يكون هذا الاتجاه موجودا حاضرا عند هؤلاء حتى هذه اللحظة الزمانية التي نعيشها، بل نحن نعرف بيقين تحقق ذلك بين بعض المنتسبين للصوفية في بعض البلاد العربية وغير العربية. ولسنا الآن في معرض ذكر مَنْ قام بمتابعة ابن عربي سواء في هذه المسألة أو في غيرها من الأصول المخالفة لأهل السنة. ومع ذلك تراهم ينادون في ظاهر الأمر أنهم من أهل السنة ولا يقولون إلا بقول أهل السنة. فغرضنا الأصليُّ مناقشة المسائل لا التشنيع على الناس، وذكر ابن عربي والجيلي كان لازماً لما لا يخفى.
    ولا يخفى ما لهذا الأمر والاعتبار من أثر عظيم غير محمود في تماسك مواقف أهل السنة وحسن عملهم في نشر مذهبهم بين العامة والخاصة، خصوصا إذا طرحت أمثال هذه المسائل التي تمسُّهم في صميم اعتقاداتهم التي لا يعرف كثير من الناس أنهم يقولون بها. ويتعللون بقولهم: إننا لا نعلن ذلك للعامة لما قد يلزم عن معرفة العوام لأمثال هذه المسائل في هذه الأحوال التي نعيشها من أثر سلبي، ويرون ذلك من الحكمة! ولذلك قد نراهم ينتظرون ظروفا أخرى تتيح لهم التصريح عما يعتقدون، بل إننا رأينا مَنْ يصرِّحُ بهذا المعنى على صفحات الإنترنت في بعض المسائل.
    ويمكننا أيضا إعطاء مجموعة من الأمثلة على من وافق ابن عربي في طريقته في فهم هذه المسألة وتقريرها، ليعرف الباحثون أن لدراسة هذه المسألة أثرا مهما، وأن البحث فيها ليست بحثا في فراغ، لاعتقادهم أن صاحب هذا القول قد مات، ولا حاجة لنا إلى إعادة البحث في هذه المسألة مع موت صاحبها، نعم المنظر الأشهر -لهذه المسألة- قد مات، ولكن يبدو أنه ما زالت مجموعات متوالية حريصة على الحفاظ على هذه العقائد والأفهام من خلال عباءة أهل السنة والجماعة.
    فنحن نحذر أهل السنة وغيرهم من الحريصين على اتباع الشرع الشريف من اتباع هذه الأقوال والتصورات الباطلة المبنية على أدلة متهاوية لأجل أن فلانا قال بها، كما نحذر المستهينين بطرح هذه البحوث بحجة أنه لا قائل بها وأن النقاش فيها نقاش مع أموات.
    فنقول للفريق الأول:
    احذر أن تتابع رأي من تبين أن قوله باطل ودليله متهاو لأجل أنه فلان، فأنت مكلف بما كلفك به ربك.
    ونقول للفريق الثاني:
    قد تحسن الظن ببعض الناس ممن تعتقد فيهم سلامة الجوهر فتظن أنهم موافقون لأهل السنة! ليصبح حسنُ ظنك بهم طريقا لهم لصرفك عن الحق الظاهر من الكتاب والسنة تدريجياً بناء على تلبسك بمحبتهم وخوفك من مخالفة أمرهم، أو قد يكون حسن ظنك بهم مما يقوي اعتقادك بما يرشدونك إليه من اعتقادات باطلة في نظر أهل السنة، وأنت غافل عن ذلك.
    وإذا أضفنا لذلك كله ما نراه من نشاط هائل لموجة الإلحاد في هذا العصر، مع حرصهم على إثارة أي مسألة من شأنها أن تعينهم في نظراتهم المشككة في الدين، ومع ما نلاحظه ونرصده من ظهور دعوة التعددية الدينية الفلسفية التي وإن بدأت في الغرب، إلا أننا صرنا نجد حاليا مناصرين لها هنا وهناك من بني جلدتنا، ونحن على علم بأن هؤلاء يعرفون أن هذه المسائل قد قال بها فلان وفلان من المسلمين، ولا ريب في أن هؤلاء سوف يسرون جدا إذا لم يجدوا أحداً يجرؤ على تخطئة من قال بهذه المسائل لكونه صوفيا أو وليا من أولياء الله تعالى، بل إنهم قد يعملون على ترسيخ هذا الموقف في نفوس الناس، بالتشنيع والتهويل، والاتهامات الباطلة! وكأن أولياء الله لا يخطئون أو كأنهم معصومون، وسوف يكون سكوتنا عن تخطئة أمثال ابن عربي مع قوله بها محفزًا لهم لاستعمالها في نشر شبهاتهم في التعددية وما يترتب عليها، ونحن نعلم أن ابن عربي لا يريد التعددية التي نشير إليها، ولكن هؤلاء لن يتوقفوا عند قصد ابن عربي وما يعتقد به، بل سوف يستعملون المسائل التي قال بها كما يستعملون المسائل التي قال بها غيره لإغراء الناس بالتسليم لنظرتهم التعددية، وهو ما سيجلب الوبال على الدين كله.
    فإذا قمنا بالإعلان عن غلط هذه المسألة ولم نتوقف في تخطئتها حتى وإن كان بعض العلماء قد قالوا بها، فبعض العلماء قد يغلطون، فإننا نكون قد حققنا منهجية أهل السنة على وجه الحقيقة بالتنبيه على أغلاط بعض العلماء في علم التوحيد وفي غيره من العلوم، ولم يكن يمنعهم مكانة العالم سواء كان متكلما أو صوفيا أو أصوليا أو فقيها عن الإعلان عن غلطه فيما قرره. فإن هذا سيكون حائط سد ووقاية عظيمة لدين المسلمين من خطر نراه وشيكا.
    والله هو المستعان وعليه التكلان، ونسأل الله تعالى حسن الختام.


    يتبع.............
    موقف الجيلي من عذاب أهل النار.pdf
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    الصورة المحمدية هي النور الذي خلق الله منه الجنة والجحيم
    تكلم الجيلي في الباب الثامن والخمسين في الصورة المحمدية وأنها النور الذي خلق الله منه الجنة والجحيم، والمحتد الذي وجد منه العذاب والنعيم.
    قال في (2/46) : "اعلم وفقك الله لمعرفته وجعلك من أهل قربته، أن الله خلق الصورة المحمدية من نور اسمه البديع القادر، ونظر إليه باسمه المنان القاهر، ثم تجلى عليها باسمه اللطيف الغافر، فعند ذلك تصدعت لهذا التجلي صدعين، فصارت كأنها قسمت نصفين، فخلق الله الجنة من نصفها المقابل لليمين، وجعلها دار السعادة، ثم خلق النار من نصفها المقابل للشمال وجعلها دار الأشقياء أهل الضلال، وكان القسم الذي خلق منه الجنان هو المنظور إليه باسمه المنان، فهو لسرِّ تجلي اللطيف محل كل كريم عند الله شريف، والقسم الذي خلق الله منه النار وهو المنظور إليه باسمه القاهر، وهو لسر تجلي الغافر يشير إلى قبول أهلها إلى الخير في الآخر".
    فما هو هذا الخير في الآخر!؟
    يقول الجيلي: إن أهل النار كلما عذبهم الله تعالى بأنواع العذاب خلق لهم قوة على تحمل هذا العذاب، ليذوقوا عقابه، وهكذا مع كل عذاب تزداد قواهم، فاستمع لما يقول مكملا كلامه السابق: (2/47): "كما قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن النار "أن الجبار يضع فيها قدمه، فتقول قط قط، فينبت فيها شجر الجرجير" وسرّ هذا الحديث هو أن الله كلما خلق لأهل النار عذاباً خلق لهم قوة على حمل ذلك العذاب، وإلا لهلكونا، وانعدموا، واستراحوا من العذاب، فلا بد أن يخلق لهم قوة على حمل ما أنزله بهم من العذاب ليذوقوا عقابه، وهو قوله تعالى (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) فبتبديل الجلود تجدد لهم قوى لم تكن عندهم، فيقولون في أنفسهم لعله يعذبنا بما هو كيت وكيت، لاستشرافهم على ما جعله في قابلية تلك القوة من حمل العذاب، فيوجده الله عندهم فيحلون بذلك ويعذبون به، فكشفهم الذي وقع في أنفسهم هو بمثابة المبشر لهم بالعذاب بذلك، ويعذبون به، فكشفهم الذي وقع في أنفسهم هو بمثابة المبشر هم بالعذاب ليكون إهانة على إهانة، كما أن أهل الجنة أيضا يبشرون بنعيمهم قبل وقوعهم فيه" اهـ، لاحظ هنا النقطة المهمة وهي أن الله تعالى يعطيهم قوى ليتحملوا العذاب فوق العذاب، وتأمل بعد قليل فائدة هذا القول عند الجيلي، فإن تلك القوة تصبح نعمة من عند الله تعالى لهم، لا يسترجعها لأنها موهوبة بيد المنة، وهذه القوى هي السبب في ظهور القوة الإلهية التي عندها يضع الجبار في النار قدمه! إلى أن يقول الجيلي (2/47): "ثم إن أهل النار إذا زال عنهم عذاب وتجدد لهم غيره، لا تزول عنهم القوى الأولى لأنا موهوبة بيد المنة، ولا يسترجع الحق في هبته، والعذاب نازل بهم بيد القهر، فله أن يرفعه ويجعل غيره، ثم لا يزالون يزدادون قوة بقوة كل عذاب حتى ينتهوا إلى أن يظهر فيهم أثر تلك القوى قوة إلهية، فإذا ظهرت فيهم تلك القوة الإلهية جبرتهم إلى أن يضع الجبار قدمه في النار، لأن صفات الحق لا تظهر في أحد فيشقى بعدها"اهـ.
    إذن إذا ظهرت فيهم قوة الحق لا يشقون بعد ذلك. وعدم الشقاء ينافي العذاب، ولكن لنرى كيف لا يشقون وهل ينتهي عنهم العذاب كليا من كل وجه أم يبقى منه وجه؟
    رحمتي سبقت غضبي
    قال الجيلي (2/48): "اعلم أنه لما كانت النار غير أصلية في الوجود زالت آخر الأمر، وسر هذا أن الصفة التي خلقت منها مسبوقة، والمسبوقة فرع للسابق، وذلك قوله: "سبقت رحمتي غضبي" فالسابق هو الأصل والمسبوق فرع عنه، ألا ترى كيف لما كانت الرحمة أصلا انسحب حكمها من أول الوجود إلى آخره، ولم يكن الغضب منسحبا من أول الوجود إلى آخره، لأن إيجاده للمخلوق من العدم رحمة لا غضب عليه، لأنه لم يأت بذنب حتى يستوجب به الغضب، ألا تراه قال سبحانه (ورحمتي وسعت كل شيء) ولم يقل: وغضبي وسع كل شيء؛ لأنه أوجد الأشياء رحمة منه، فلهذه النكتة لم ينسحب الغضب أيضا إلى آخر الوجود، والسر في هذا أن الرحمة صفة ذاتية له سبحانه، والغضب صفة ليست بذاتية" الخ" اهـ.
    يفهم من هذا أن هناك فارقا بين الرحمة والغضب، ونرى ههنا تشابها كبيرا بين الأصول التي يبني عليها الجيلي والتي يقررها ابن عربي كما في فتوحاته، وتفسير الغضب وسبق الرحمة للغضب يتوافق فيها ابن عربي والجيلي مع ابن تيمية وتابعه ابن القيم كما تبين في مناقشاته في قوله بفناء النار.
    فلنكمل بيان الجيلي للنار وجهنم. فقد قال (2/48): "ثم اعلم أن النار لما كان أمرها عارضا في الوجود جاز زوالها، وإلا لكان مستحيلاً، وليس زوالها إلا إذهاب الإحراق عنها، وبذهاب الإحراق عنها تذهب ملائكتها، وبذهاب ملائكتها ترد ملائكة النعيم، فينبت بورود ملائكة النعيم في محلها شجر الجرجير وهو خضرة وأحسن لون في الجنة لون الخضرة، فانعكس ما كان جحيما إلى أن صار نعيما، كما في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام...الخ) اهـ.
    هو يتكلم الآن عن أن النار ستذهب خاصية الإحراق عنها، وبزوال الإحراق يأتي النعيم بورود ملائكة النعيم. إذن ستصبح النار نعيما خضرة فيها ملائكة النعيم. ولنكمل كلامه فقد قال (2/48): "كما في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال الحق سبحانه وتعالى لناره (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) فصارت رياحين وجنات، ومحلها باقٍ على ما هو عليه، ولكن ذهبت النار، وإن شئت قلت: لم تذهب النار ولكن انتقل ألم العذاب إلى الراحة، فكذلك الجحيم يوم القيامة، فهي زائلة وإن شئت قلت: إنها على حالها باقية، ولكن انتقل أمر عذاب أهلها إلى الراحة، فهو كذلك" اهـ .
    إذن النار والجحيم في الآخرة تنقلب إلى راحة لأهلها، وليس هذا بالطبع في أول الأمر بل في آخره كما يقرره ابن عربي أيضا.
    النار مخلوقة من اسم القهار
    والنار مخلوقة في رأي الجيلي من اسم الله القهار كما في ص48، وقد مرَّ أنه يقول إن النار غير أصلية في الوجود، ولذلك تزول آخر الأمر، وأنّ السر في ذلك أن الصفة التي خلقت منها النار مسبوقة، والمسبوق فرع للسابق، يشير إلى قوله "سبقت رحمتي غضبي". وهذه الأصول التي يبني عليها الجيلي كلها لها مدخلية في بناء رأيه الذي يقول به، ولذلك فإننا نقول إن قولهم بفناء ألم النار أو تحولها إلى عذوبة آخر الأمر، مبني على أصول يمكن أن يتم التدبر فيها والنظر هل هي وجيهة او لا، وليس الأمر كما يزعم بعضهم كشفا فقط أو ذوقاً، بحيث لا يصح لغيرهم أن يناقشوهم فيما يظهر لهم في التجليات الكشفية.
    تجليات الله السبعة على النار
    والله عند الجيلي تجلى على النار سبعة تجليات فصارت هذه التجليات أبواباً لها، فالتجلي الأول باسمه المنتقم، والتجلي الثاني باسمه العادل، والثالث باسمه الشديد، والرابع بصفة الغضب، والخامس باسمه المذلّ، والسادس باسمه ذي البطش، والسابع باسمه ذو عقاب أليم، قال الجيلي (2/50) يشرح هذه الحالة: " فانفتح فيها واد يسمى جهنم دركاتها ثلاث وعشرون ألف ألف درك وأربعون ألف درك، بين كل درك ودرك أحقاب لا تكاد أن تتناهى إلاَّ في القدرة، وأما على ترتيب الحكمة فلا، وهو لأن القدرة قد تبرز ما لا يتناهى متناهيًا، وتظهر وتبرز الشيء اليسير المتناهي بلا نهاية، وكل أحوال القيامة أو أكثرها من طريق القدرة، لأن الدنيا دار الحكمة والآخرة دار القدرة، حتى أن الحال الواحد من أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة يجده صاحبه منسحباً من الأزل إلى الأبد، لا يجد لذلك من آخر ولا أول، فيكون فيه مثلاً بقدر ما بين الأزل إلى الأبد، وهو آن واحد ووقت واحد غير متعدد، ثم ينتقل منه إلى غيره كما يريد االله تعالى، وهذا سرّ عجيب لا يكاد العقل أن يقبله، بل لا يطيقه، لأن العقل منوط بالحكمة والكشف منوط بالقدرة، فلا يعرفه إلاَّ صاحب كشف، ثم إن الحق خلق باب هذه الطبقة من الكفر والشرك، قال االله تعالى : (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) فعذابهم شرّ العذاب، لأن جهنم لا يتناهى أمر عذابها، وهذا معنى قوله: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد)لعدم التناهي".
    ثم قال في ص52: "واعلم أن أهل كل طبقة لا يخرجون منها حتى يخوضوا جميع دركات تلك الطبقة جميعها، فمنهم من يسهل االله عليه خوضها ومنهم من يعسره عليه، فإذا قطع الرجل جميع الدركات حينئذ يضع الجبار قدمه في النار فيكون ما قد سبق بيانه في الحديث". اهـ، وأظنه يشير بعبارته الأخيرة إلى ما يحصل في العذاب من تغير وتبدل في أثره!
    أفلاطون قطب للزمان يملأ العالم الغيبي نوراً
    قال الجيلي ص52: "ثم اعلم أن أهل النار قد ينتقلون من طبقة إلى طبقة غيرها، فينتقل الأعلى إلى الطبقة الأدنى تخفيفا عليه، وقد ينتقل الأدنى إلى الأعلى تشديداً في عذابه، كل ذلك على قدر ما يريده الله تعالى لأهل العذاب من الزيادة والنقصان، ..." اهـ، ثم قال في الفقرة نفسها ص52: "ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافراً فرأيته وقد ملأ العالم الغيبي نورا وبهجة، ورأيت له مكانة لم أرها إلا لآحاد من الأولياء فقلت له من أنت؟ قال: أنا قطب للزمان وواحد الأوان، ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشى"اهـ. إذن أفلاطون ليس كافرا إلا عند أهل الظاهر، وله بهجة، وهو قطب للزمان في عرف الجيلي. ولو اكتفى بالقول بأنه ليس كافراً، لأمكن أن نتعقله لإمكان فرض عدم وصول نبي إليه ولكونه مثلا من أهل الفترة، ولكن إذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يكون أيضا قطبا للزمان! ومالئا العالم نورا وبهجة! ولا أدري هل رآه في النار وهو المناسب لذكره في بابها! فهل يكون في النار بعض أقطاب الزمان!؟ كيف يمكن أن نفهم ذلك كله على قوانين الإسلام...؟! مع علمنا بمقالات أفلاطون!؟
    أنواع لذات أهل النار:
    قال الجيلي في (2/53): "ثم اعلم:
    1-أن لأهل النار لذة فيها تشبه لذة المحاربة والمضاربة عند من خلق لذلك، فإنا قد رأينا كثيرا من الناس يتلذذون بالمحاربة والمضاربة وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك، ولكن الربوبية الكامنة التي هي في النفس تحملهم على خوض ذلك.
    2-ثم إن لهم لذة أخرى تشبه لذة من به جرب، فيحكه، فهو وإن كان يقطع من جلد نفسه يتلذذ بذلك الحك، فهو بين عذاب ولذة.
    3-ولهم لذة أخرى تشبه لذة الجاهل المستغني برأيه، ولو أخطأ مثاله فيما قد شهدناه" اهـ
    هذه بعض أنواع اللذات التي تعرض لأهل النار في النار، ومهما قيل في أنها في الحقيقة ألم، ولكنه يقول إنهم يتلذذون بها، فالمحارب يتلذذ بالمحاربة لأنه يعلم أن غايته منها الخير، ومن أين للجيلي أن لأهل النار لذة مثل هذه اللذة، والجاهل المستغني برأيه إنما يتلذذ لأنه يكون محجوباً، أما أهل النار فلا حجاب عن إثمهم ومعصيتهم، فأعمالهم الباطلة تنكشف لهم بما فيها من باطل، فكيف يمكن أن نفهم أن لهم لذة كلذة الجاهل!
    4-ثم قال: "ولهم أي لأهل النار لذة أخرى تشبه لذة العاقل بعقله عند تخطئته للجاهل الذي وافقته الأقدار وساعده تقلب الليل والنهار، فهو وإن كان لا يستحسن الأمور التي حصلت للجاهل لا يرضى بحالته ولا يصنع مثل صنع الجاهل مما تحصل به تلك السعادة، بل يبقى خائضاً في بحار شقاوته ولازما لرياسة نفسه باقيا على ما يقتضيه عقله وفكره، متلذذا بحالة نفسه مستنفراً من حالة الجاهل.
    5-ثم لهم لذة مختلفة حتى إني اجتمعت بجماعة هم في أشد العذاب من النار فرأيتهم في تلك الحالة والجنة تعرض عليهم وهم كارهون لها، هذا حال طائفة.
    6- ورأيت طائفة بعكس هؤلاء يتمنون نفسا من أنفاس الجنة أو شربة من مائها، فلا يوافقهم القدر في ذلك، وهم الذين قال الله عنهم إنهم يقولون لأهل الجنة (أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)، يعني الطعام (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين).
    أجناس أهل النار
    ثم اعلم أن جميع ما ذكرناه ليس بمنسحب على أهل النار، بل هم أنواع وأجناس:
    1-فمنهم المتلذذ في عذابه.
    2-ومنهم من عذابه محض ليس فيه لذة، البتة، بل أشد ما يكون من النفور في أنفسهم.
    3-ثم منهم من آل به إلى العذاب وفور عقله الذي كان له في دار الدنيا، ومنهم من آل به إلى العذاب وفور جهله فيها، ومنهم من آل به إلى العذاب عقائدهم، ومنهم من آل به إلى العذاب أعماله، ومنهم من آل به إليها كلام الناس في حقه بثناء ما لم يكن فيه، ومنهم من آل به إليها كلامهم بما فيه من القبائح، أو من المحاسن أو بما ليس فيه من المساوي.
    وأمر أهل النار غريب جدا وهو سر قوله (هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي).
    ثم اعلم أن من أهل النار أناساً عند الله أفضل من كثير من أهل الجنة، أدخلهم دار الشقاوة ليتجلى عليهم فيها فيكون محل نظره من الأشقياء، وهذا سرّ غريب وأمر عجيب، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد". اهـ.
    إذن هذه هي أصناف أهل النار في رأي الجيلي.
    هذه أنواع أهل النار، ومراتبهم وأنواع عذابهم أو لذتهم في النار، مع ذكر الأسباب التي أودت بهم إلى النار.
    فبعضهم يتلذذ وبعضهم يتعذب ويتألم، وبعضهم يرفض دخول الجنة ويكرهها وهي تعرض عليه! وهذا فعلا أمر غريب عجيب، فحتى لو فرضنا لذة أهل النار، فكيف يمكن أن نتعقل أن أهل النار يصبحون إلى حالة يرفضون دخول الجنة في حال عرضها عليهم، ويفضلون البقاء في النار إلا إذا كان مكثهم في النار أكثر لذة من دخلوهم الجنة! وبعضهم على العكس من ذلك وهكذا.
    ونرى أن هذه الأقسام فيها تفصيل أكثر مما ذكره ابن عربي في بعض المواضع، وأكثر كلام ابن عربي فيه تصريح بأن العذاب ينقطع عنهم جميعا، ولكنا نرى أن الجيلي يقسمهم فبعضهم يتلذذ في عذابه، وبعضهم يتعذب بلا لذة في عذابه.
    بعض أهل النار أفضل من كثير من أهل الجنة عند الله
    بل إن في أهل النار قسما هم أفضل من كثير من أهل الجنة عند الله تعالى، وهذا في غاية الغرابة فعلاً!؟ فكيف يمكن أن يكون في أهل النار، من هو أفضل عند الله تعالى من كثير من أهل الجنة!؟ تفسير ذلك عند الجيلي سهل ميسور: "أدخلهم دار الشقاوة ليتجلى عليهم فيها فيكون محل نظره من الأشقياء، وهذا سر غريب وأمر عجيب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد"اهـ. نعم يفعل الله تعالى ما يشاء ويحكم ما يريد، ولكن ألم يخبرنا في كتابه أنه لا يظلم أحداً، وأنه يستحيل أن يدخل النار إلا من استحقها بفعله أو عناده أو إبائه عن الانقياد لله تعالى، فمن أين يعرف الجيلي أن بعض أهل النار أفضل عند الله تعالى من كثير من أهل الجنة؟! وما معنى الأفضلية ههنا!؟
    من الواضح أن مسألة التجليات ولزوم وجود تعلقات للصفات الإلهية أي لزوم كونها فاعلة، ومسألة الترتبات بين الصفات لها مدخلية أكيدة هنا، ولسنا في محل مناقشة آراء الجيلي، بل نكتفي فقط بعرضها ولفت النظر إلى وجود الإشكاليات في بعضها. ونترك النقد التفصيلي للحريصين على ذلك.
    وضع إبليس في نظرية الجيلي:
    كان إبليس كما يقر الجيلي في أول أمره قد خلق وأتباعه من نفس محمد صلى الله عليه وسلم قال (261): "اعلم أن الله تعالى لما خلق النفس المحمدية من ذاته، وذات الحق جامعة للضدين، خلق الملائكة العالين من حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه عزازيل، قد عبد الله تعالى قبل أن يخلق الخلق بكذا كذا ألف سنة"، ثم لما أمره الله تعالى بالسجود ورفض بحجته الشهيرة أنه خلق من نار، وآدم من طين، وعبر عنها الجيلي بأنه : "التبس الأمر على إبليس، فظنَّ أنه لو سجد لآدم كان عابداً لغير الله، ولم يعلم أن من سجد بأمر فقد سجد لله، فلهذا امتنع، وما سمي إبليس إلا لنكتة هذا التلبيس الذي وقع فيه فافهم" انتهى، ونحن نعلم أن الملائكة وإبليس لم يكن هناك شبهة لديهم في أن الله تعالى أمرهم بأن يعبدوا غيره، ولا يوجد هناك ما لأجله يفترض ذلك، فالسجود سجود تكريم كما هو واضح، والتعليل الذي احتج به إبليس لا يخدم هذا التعليل الذي أورده الجيلي، فقد قال إبليس: "أأسْجُدُ لمن خلقتَ طينا"، وقال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"، إذن الأمر ليس كما أورده الجيلي هنا أن إبليس ظنَّ أنه إن سجد لآدم كان عابدا لغير الله تعالى، فلم يكن الأمر أمر عبادة أصلاً، بل أبى واستكبر عن تكريم من أمره الله بتكريمه، كما نص عليه الله تعالى فقال (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)، والذي نلاحظه أن ظاهر تعليل الجيلي مخالف للمنصوص عليه في الآيات القرآنية، وهذا يحتاج لتدبر وتأمل! فهو غريب!
    وتأمل كيف يقول إن النفس المحمدية خلقت من ذاته بهذا التعبير الغريب، ولن نقف هنا عند هذه الفكرة، لأن غرضنا التعليق أساسا على ما له علاقة مباشرة بالمسألة محل البحث.
    وعلى كل حال فلا نريد كما قلنا مناقشة الجيلي ههنا، بل المراد مجرد عرض آرائه في هذه المسألة.
    إذن هذا ما كان عليه إبليس في أول أمره، وسوف نرى أن الجيلي سيرتب على ذلك أمرا بعدُ، فتعالوا نرَ ما الذي يريده!
    قال الجيلي (2/62): "فاللعنة بطريق الأصالة على إبليس وبطريق التفريع على غيره، وقوله (إلى يوم الدين) حصر، فإذا انقضى يوم الدين، فلا لعنة عليه، لارتفاع حكم الظلمة الطبيعية في يوم الدين، وقد مرًّ تفسير يوم الدين في الباب الموفي أربعين من هذا الكتاب، فلا يلعن إبليس أي لا يطرده عن الحضرة إلا قبل يوم الدين لأجل ما يقتضيه أصله، وهي الموانع الطبيعية التي تمنع الروح عن التحقيق [كذا، ويمكن أن تكون التحقق] بالحقائق الإلهية، وأما بعد ذلك فإن الطبائع تكون لها من جملة الكمالات، فلا لعنة بل قرب محضٌ، فحينئذ يرجع إبليس إلى ما كان عليه عند الله من القرب الإلهي وذلك بعد زوال جهنم، لأن كل شيء خلقه الله لا بد أن يرجع إلى ما كان عليه، هذا أصل مقطوع به فافهم".
    إذن رجع إبليس في آخر أمره إلى القرب والعبادة لله تعالى، والمحبة له ويكون الله تعالى راضيا عنه كما كان أول أمره!؟
    فصل: مقامات أهل الأديان والعبادات
    يتحدث الجيلي في هذا الفصل عن أحوال أصناف الناس من العالمين كعباد الأوثان والثنوية والمؤمنين والكفار الخ، ويمهد لذلك بذكر بعض الأصول التي يبني عليها فهمه هذا، وطريقته في تأويل بعض آيات القرآن الكريم، لتنتج عنده بعض الأحكام الغريبة المفاجئة.
    ونراه هنا يسرد قصة الطوائف العشرة التي جمعت أصول أهل الدنيا ويبين أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك تعلق كبير بموضوعنا.
    كل من في الوجود مطيع لله تعالى
    يعتقد الجيلي أن جميع الموجودات مفطورون على عبادة الله تعالى، مجبولون على ذلك قال في (2/119): "اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته، فهم مجبولون على ذلك، مفطورون عليه من حيث الأصالة، فما في الوجود شيء إلا وهو يعبد الله تعالى بحاله ومقاله وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع الله تعالى، لقوله تعالى للسموات والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)، وليس المراد بالسموات إلا أهلها، ولا بالأرض إلا سكانها، وقال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ثم شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدونه بقوله " كل ميسر لما خلق له"، لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته، وهم ميسرون لما خلقوا له، فهم عباد الله بالضرورة، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، لأن الله تعالى متجل باسمه المضل، كما هو متجل باسمه الهادي، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم".
    يظهر هنا جليا أن الجيلي يبني على تأويلات غير بينة لبعض الآيات الكريمة، فإن قوله تعالى (إلا ليعبدون) أي إلا لآمرهم بعبادتي، وليس إلا لأُحَصِّلَ فيهم جَبْلًا أو جبرا عبادتي، ولكن لما فهمها الجيلي على نحو آخر، لزم عنده، أن جميع من في السموات والأرض لا يملكون إلا أن يكونوا عابدين لله تعالى، فهم مجبولون على ذلك.
    وكذلك نراه يبني على القاعدة التي نراها في كتب ابن عربي، أعني ان صفات الله تعالى لا بد أن يكون لها أثر، ولا معنى لقدرة لا مقدور لها، وهو قريب من المعنى الذي يدندن حوله ابن تيمية وأنتج عنده القدم النوعي للعالم، ولا نريد ههنا نقد مقولاتهم، ولكن مجرد لفت النظر إلى هذه التشابهات في الأصول. وإذا كانت الصفات لا بد لها من متعلقات، إذن لا بد أن يكون هناك منعم عليه ومعاقب، وإذا فعلنا القانون الآخر الذي يذكره الجيلي وابن عربي أعني أن الرحمة أصل لأنها راجعة لذات الله تعالى، علمنا لم يقولون إن مآل جميع الخلق كافرهم ومؤمنهم الرحمة إما بصورة كلية أو جزئية. وهذا الأمر قد ينتج بعض التعارض بين كون الله تعالى فاعلا مختارا وبين ضرورة فاعلية الصفات وظهور آثار لها.


    يتبع....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    اختلاف الناس لاختلاف أرباب الأسماء والصفات
    وعلى كل حال فلنستأنف قراءة ما يقرره الجيلي. فقد قال (2/119): "واختلف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات، قال الله تعالى (كان الناس أمة واحدة) يعني عباد الله مجبولين على طاعته من حيث الفطرة الأصلية، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه الهادي، وليعبده من يخالف الرسل من حيث اسمه المضل، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب، ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ، ولكن حسنه الله عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر، وهذا معنى قوله (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده، وهو عين ما اقتضته صفاته، فهو تعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك، بل هو سبحانه يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله، فكل من في الوجود عابد لله تعالى مطيع لقوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحوداً وغير ذلك، فلا يفقهه كل أحد" اهـ.
    إذن كل واحد في المخلوقات عابد لله تعالى مهما كان وصفه كافرا أو جاحدا أو منكرا أو مؤمنا...الخ، وكلهم مطيع لله تعالى! وهذا لا ريب أن ظاهره مخالف للقرآن الكريم، فإذا كان له تأويل يرفع هذا التناقض والتعارض بناء على قرائن كافية، وإلا فهو في غاية الغرابة!
    فهم في الحقيقة مطيعون عابدون، ولكنا نحكم عليهم بحسب ما يظهر لنا منهم أنهم كافرون أو مخالفون! والحكم للحقيقة في نهاية الأمر عن قرب أو عن بعد، كما سترى.
    ونرى أن الجيلي يبني هنا على قاعدة وأصل وهو أن الله تعالى جامع الأضداد وبناء على ذلك فما نراه من التنوع راجع لأصله وهو عين الذات.
    الطوائف العشرة التي هي أصول الافتراق في الناس جميعاً
    ذكر مجموعة من الفرق وقال إنها أصول الملل المختلفة جميعاً، ومدار الجميع على هذه العشر الملل، وهذه الأصول هي: الكفار، والطبائعية، والفلاسفة، والثانوية، والمجوس، والدهرية، والبراهمة، واليهود، والنصارى، والمسلمون، [انظر: الإنسان الكامل، (2/122)] فهذه عشرة فرق وملل هي أصول الاختلاف في الناس، ثم قال (2/122): "وما ثم طائفة من هذه الطواف إلا وقد خلق الله منها ناسا للجنة وناسا للنار، ألا ترى أن الكفار في الزمن المتقدم من النواحي التي لم تصل إليها دعوة رسل ذلك الوقت منقسمون على عاملِ خيرٍ جزاهُ الله بالجنة، وعاملِ شرٍّ جزاه الله بالنار، وكذلك أهل الكتاب....فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يعبد، لأنه خلقهم لنفسه لا لهم، فهم له كما يستحق، ثم إنه سبحانه أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف".
    ثم شرع في بيان كيف أن كل طائفة من هذه الطوائف قد عبدت الله تعالى من حيث تجلت فيهم أسماؤه وصفاته، وما آثار هذه العبادة في الآخرة.
    أولاً: الكفار
    يقول (2/122): "فإنهم عبدوه بالذات، لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره، والكفار من جملة الوجود، وهو حقيقتهم، فكفروا أن يكون لهم رب، لأنه تعالى حقيقتهم، ولا رب له بل هو الرب المطلق، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها" اهـ.
    كأنه يعني أن الكفار الذين أنكروا الإله هم في الحقيقة عبدوه، لأنهم لما استقلوا بأنفسهم ولم يلتفتوا إليه، كانوا ملتفتين إليه وعابديه من حيث إنهم قدسوا أنفسهم، فإن الحق حقيقة وجودهم، (فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم) أي كفروا أن يكون لهم رب غير ذواتهم.
    ثم قال شارحا أحوال عابدي الأوثان: "ثم من عبد منهم الوثن فلسر وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرات الوجود، فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها، فما عبدوا إلا الله، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم، ولا يحتاج إلى نياتهم لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا بد لها أن تظهر على ساق مما هو الأمر عليه وذلك سر اتباعهم للحق في أنفسهم، لأن قلوبهم شهدت لهم بأن الخير في ذلك الأمر، فانعقدت عقائدهم على حقيقة ذلك، وهو عند ظن عبده به، وقال عليه الصلاة والسلام "استفت قلبك ولو أفتوك المفتون"اهـ.
    فهم من حيث هم عابدو أوثان فإنما عبدوها لأنهم اعتقدوا فيها الألوهية، إذن هم عبدوا الله تعالى من حيث اعتقدوا ألوهيته في الأوثان! ففي حال عبادتهم الأوثان ما عبدوا إلا الله "فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها فما عبدوا إلا الله"! ولكن هذا الذي قاله الجيلي هنا ومن قبله غيره ليس بسرّ، أعني أن الكفار لما عبدوا الأوثان أو الكواكب أو أي أمر غير الله تعالى إنما عبدوها لأنهم اعتقدوا فيها الألوهية، هذا أمر واضح، فلا يعبد الواحد إلا ما يعتقد فيه أنه يستحق العبادة أصلاً، ولكن أليس على هذا الأمر عنفهم الله تعالى وحكم عليه بالكفر والخروج عن الحق، وتوعدهم بالعذاب الأليم! فقد توعدهم الله بالعذاب لأنهم نسبوا الألوهية لما لا يستحقها وعبدوه بناء على اعتقادهم الفاسد هذا، فكيف يتسنى للجيلي أن يجعل ما لأجله حكم عليهم بالكفر والعذاب الأليم سببا في فرحهم كما سنرى بعدُ؟!
    ثم لو فرضنا أن الحق حقيقة كل موجود كما يعتقد الجيلي بناء على وحدة الوجود، أي إن الوجود الحق الذي قام به كل موجود ومنها الأوثان هو الحق، لو فرضنا هذا صحيحاً، فعبد الكفار هذا الصنم فهل عبدوه من هذه الحيثية، أي هل عبدوه لأنهم لاحظوا هذا الأمر الذي قرره الجيلي؟ يقول الجيلي: هذا لا يهم في حكمنا وموقفنا، فسواء لاحظوه واعتقدوه أو لا، وسواء كانت نيتهم مستورة أم لم يكن، فإن الحقيقة هي كذلك، والعبرة بالحقيقة لا بهذه الأمور والاعتقادات والنوايا. ولذلك قال: "فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها، فما عبدوا إلا الله، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم ولا يحتاج إلى نياتهم، لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا بد لها أن تظهر على ساق مما هو الأمر عليه"، إذن فلا يفتقر في هذه المعرفة لا إلى علمهم ولا إلى نياتهم، لأن هذه العبادة عبادة وجودية لازمة لهم، ولو كانت اختيارية لافتقرت إلى نياتهم، وبناء على ذلك يحاسبهم الله تعالى في الآخرة.
    ثم قال الجيلي (2/122): "وقال تعالى (كل حزب بما لديهم فرحون) يعني في الدنيا والآخرة لأن الاسم لا ينفك عن المسمى فهو سماهم بأنهم فرحون، ووصفهم بهذا الوصف، والوصف غير مغاير للموصوف، بخلاف ما لو قال فرح كل حزب بما لديهم، كان هذا صيغة الفعل، ولو قال: يفرح على صيغة المضارع كان يقتضي الانصرام، وأما الاسم فهو لدوام الاستمرار، فهم فرحون في الدنيا بأفعالهم وفرحون في الآخرة بأحوالهم، فهم دائمون في الفرح بما لديهم، ولهذا لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه بعد اطلاعهم على ما ينتجه من العذاب لما وجدوه من اللطيفة الملذوذة في ذلك، وهي سبب بقائهم فيه، فإن الحقّ تعالى من رحمته إذا أراد تعذيب عبد بعذاب في الآخرة أوجد له في ذلك العذاب لذة غريزية يتعشق بها جسد المعذب، لئلا يصح منه الالتجاء إلى الله تعالى، والاستعاذة به من العذاب، فيبقى في العذاب ما دامت تلك اللذة موجودة له، فإذا أراد الحق تخفيف عذابه، فقده تلك اللذة فيضطر إلى الرحمة، وهو تعالى شأنه أنه يجيب المضطر إذا دعاه". انتهى.
    إذن هؤلاء الكفار يكونون فرحين في الآخرة، والعذاب يكون لهم عذوبة ولذة غريزية يتعشقها جسدهم! تدوم لهه هذه اللذة ما دام العذاب.
    فإذا أراد الله تخفيف العذاب ماذا يفعل: يجعل الكافر المعذَّب يفقد تلك اللذة التي تكون مع عذابه، فيصبح متألماً، فيضطر المعذَّب إلى رحمة الله، والله كما تعلمون يجيب دعوة الداعي إذا دعاه! فيرحمه!
    مع كل ما في هذا التصور من غرابة، إلا أننا ما زلنا نقول نحن ههنا يهمنا بيان رأيه، كما هو، مع بعض التعليقات القليلة.
    والسر في ذلك التصور الغريب أن عبادة الكفار لله تعالى عبادة ذاتية: "وهي وإن كانت تؤول بهم إلى السعادة فإنها طريق الضلال، لبعد حصول سعادتها، فإنها لا تنكشف لصاحبها الحقائق إلا بعد خوض طباق النار الأخروية جميعها جزاء بما خاض في الدنيا طباق النار الطبيعية بالأفعال والأحوال والأقوال على مقتضى البشرية، فإذا استوفى ذلك قطع طريقه إلى الله تعالى، لأنه نودي من بعد فيصل ذلك إلى سعادته الإلهية، فيفوز بما فاز به المقربون من أول قدمٍ، لأنهم نودوا من قرب، فافهم" اهـ.
    إذن الفارق بين المؤمنين بالإٍسلام كما سنرى وبين الكفار هو بعد الطريق وقربه، فالمؤمنون يصلون إلى سعادتهم عن قرب، والكفار يصلونها عن بُعْدٍ بَعْدَ أن يتخطوا طباق النار؟! ونترك التعليق للقراء والعلماء والمهتمين.
    هذه هي أحوال الكفار في الآخرة في نظرية الجيلي التي تقترب من نظرة ابن عربي كما هو واضح، ولكن لنركز أكثر ههنا على الجيلي.
    ثانيا: الطبائعية
    قال الجيلي (2/123): "وأما الطبائعية فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع، لأن الأربعة الأوصاف الإلهية التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، أصل بناء الوجود، فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان، فالرطوبة مظهر الحياة والبرودة مظهر العلم، والحرارة مظهر الإرادة، واليبوسة مظهر القدرة، وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها سبحانه وتعالى فلما لاح لسائر أرواح الطبيعيين تلك اللطيفة الإلهية الموجودة في هذه المظاهر، وعاينوا أثر أوصافه الأربعة الإلهية ثم باشروها في الوجود على حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة، علمت القوابل من حيث الاستعداد الإلهي أن تلك الصفات معان لهذه الصور، أو قل أرواح لهذه الأشباح، أو قل ظواهر لهذه المظاهر، فعبدت هذه الطبائع لهذا السرّ فمنهم من علم ومنهم من جهل، فالعالم سابق والجاهل لاحق فهم عابدون للحق من حيث الصفات، ويؤول أمرهم إلى السعادة، كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بنى أمرهم عليها" انتهى.
    إذن الطبائعية أيضا يؤول أمرهم إلى السعادة، كما آل أمر من قبلهم بظهور حقائق المظاهر التي بنى أمرهم عليها وعبدوها، ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن حقيقة هذه المظاهر هي ذات الموصوف بها سبحانه! فهم كانوا يعبدون الحق وهم لا يعلمون ولذلك يؤول أمرهم إلى السعادة بعد أن يمروا في العذاب الذي يتلذذون به، ومن ثم إلى الرحمة الإلهية الدائمة، على النسق الذي ذكر عليه حال الكفار.
    ثالثا: الفلاسفة
    ذكر الجيلي أن الفلاسفة عبدوه من حيث أسماؤه تعالى فقال (2/124): "وأما الفلاسفة فإنهم عبدوه من حيث أسماؤه سبحانه وتعالى، لأن النجوم مظاهر أسمائه وهو تعالى حقيقتها بذاته، فالشمس مظهر اسمه الله، لأنه الممدّ بنوره جميع الكواكب، كما أن الاسم الله تستمد جميع الأسماء حقائقها منه..."، وأكمل يبين على طريقته كيف أن كل كوكب مظهر لبعض أسماء الله تعالى: كالقمر، وزحل، والمريخ والزهرة، وعطارد، ثم قال: "وما لا يعلم من الكواكب الباقية فإنها مظاهر أسمائه التي لا يبلغها الإحصاء، فلما ذاقت ذلك أرواح الفلاسفة من حيث الإدراك الاستعدادي الموجود فيها بالفطرة الإلهية، عبدت هذه الكواكب لتلك اللطيفة الإلهية الموجودة في كل كوكب، ثم لما كان الحق حقيقة تلك الكواكب اقتضى أن يكون معبودا لذاته فعبدوه لهذا لسرّ، فما في الوجود شيء إلا وقد عبده ابن آدم، وغيره من الحيوانات كالحرباء فإنها تعبد الشمس، وكالجعل يعبد النتانة وغيرهما من أنواع الحيوانات، فما في الوجود حيوان إلا وهو يعبد الله تعالى، إما على التقييد بمظهر ومحدث، وإما على الإطلاق فمن عبده على الإطلاق فهو موحد، ومن عبده على التقييد فهو مشرك، وكلهم عباد الله على الحقيقة لأجل وجود الحق فيها، فإن الحق تعالى من حيث ذاته يقتضي أن لا يظهر في شيء إلا ويعبد ذلك الشيء، وقد ظهر الحق في ذرات الوجود، فمن الناس من عبد الطبائع، وهي أصل العالم، ومنهم من عبد الكواكب، ومنهم من عبد المعدن، ومنهم من عبد النار، ولم يبق شيء في الوجود إلا وقد عبد شيئا من العالم، إلا المحمديون فإنهم عبدوه من حيث الإطلاق بغير تقييد بشيء من أجزاء المحدثات فقد عبدوه من حيث الجميع، ثم تنزهت عبادتهم عن تعلقها بوجه دون وجه من باطن وظاهر، فكان طريقهم صراط الله إلى ذاته، فلهذا فازوا بدرجة القرب من أول قدم، فهؤلاء الذين أشار إليهم الحق بقوله (أولئك ينادون من مكان قريب)، بخلاف من عبده من حيث الجهة وقيده بمظهر كالطبائع أو الكواكب أو كالوثن أو غيرهم، فإنهم المشار إليهم بقوله (أولئك ينادون من مكان بعيد) لأنهم لا يرجعون إليه إلا من حيث ذلك المظهر الذي عبدوه من حيث هو، ولا يظهر عليهم في غيره، وذلك عين البعد الذي نودوا إليه من حيث هو، وبعد الوصول إلى المنزل يتحد من نودي من قريب ومن نودي من بعيد، فافهم"اهـ.
    وسوف نوضح أفكار الجيلي التي ذكرها هنا في نقاط تيسيرا لفهمها:
    أولاً: بما أن الكواكب التي ذكرها الجيلي وما لم يذكره منها كل واحد منها مظهر لبعض أسماء الله تعالى وصفاته، ولا أدري كيف جعل المشتري مثلا مظهرا لاسم الرب، والقمر مظهرا للرحمن، وجعل الشمس مظهرا لاسم الجلالة المعظم، والمريخ مظهر القدرة والزهرة مظهر الإرادة، إلا لاعتبارات سخيفة لا ينبغي الالتفات إليها، كما قال إن الشمس يمد الكواكب بنوره، والقمر لأنه أكمل الكواكب يحتمل نور الشمس! والمشتري أسعد كوكب في السماء، والزحل مظهر الواحدية لأن كل الأفلاك تحت حيطته، كما يظهر من الصورة، وأما عطارد عند الجيلي فهو مظهر العلم لأنه الكاتب في السماء!
    وهذا كله بناء على تصور مغلوط قديم لمواضع الكواكب والنجوم وعلى خيالات لا قيمة لها. والمناسبات المذكور في كلامه لا يليق أن يبنى عليها كما هو واضح في الكلام الذي يقرره هنا.
    ومعلوم أن ذلك لا دليل عليه أصلا، وأهل السنة ومعهم معظم الفرق الإسلامية يقولون إن الله تعالى يخلق الكواكب بقدرته، ويخصص كل واحد منها بصورته التي هو عليها بإرادته.
    وترتيب الكواكب التي تكلم عليها ترتيب غير صحيح بحسب نفس الأمر، والمفروض بعتباره كاشفا أن يعيد ترتيب الكواكب، ويعلم مكان فلك زحل والشمس. والسؤال الأهم من ذلك ألم يصل كشف لما وراء هذه الكواكب فلم ينكشف له ولا لغيره الكواكب الأخرة في المجموعة الشمسية، فضلا عن الكواكب والشموس الأخرى في العالم كله. وبعد ذلك كله يزعمون أن هذا كله نتيجة الكشف، وأن ما يقولونه حق وواقع!


    وأما باعتبار الفلك الحديث: فهذه هي مواقع الكواكب بحسب قربها من الشمس التي تبين أنها في مركز المجموعة الشمسية.

    وهذا يبين أن الجيلي وغيره من الذين يزعمون اعتمادهم على الكشف وأن ما يقولونه ظاهر لا شك فيه، فيه ما فيه، وإنما كانوا يعتمدون في هذه التصورات المغلوطة على الفلك القديم الذي لم يسلمه كثير من المتقدمين، كما لم يسلم أكثر المتكلمين بتصور الفلاسفة القدماء عن العالم، ولا على الأصول الكلية التي بنوا رأيهم عليها، كما فعل بعض المنتسبين للتصوف من هذه المدرسة، واستعاروا منهم مفاهيم وأحكاماً وإن أسموها بأسماء أخرى في بعض الأحيان! ولا نستطيع أن نسلم لمن يزعم منهم أنه نال هذا العلم! عن طريق الكشف الإلهيّ وأنه لا يقول إلا بالحق في نفس الأمر! فكل هذه دعاوى لا يمكن التسليم بها، كما لا يمكن لنا أن نوافق من يزعم دفاعا عنهم أن لها رموزا ومعاني لا نفهمها فإن هذا لا دليل عليه أيضا، ولا يبعث القائلين على أن يقولوا ذلك إلا محبتهم لدفع الحكم بالغلط على رؤساء هذه المدرسة، ولكن المحبة لا تكفي معيارا للعلم كما هو ظاهر، ولا يمكن التسليم بأن كل هذه الفقرات والتعليلات والمباني والتأصيل مدسوس في كتبهم عليهم، وأنهم بريئون من ذلك كله! فهو مسلك لا يوجد عليه أدلة! كما أن تأويل مثل هذه العبارات تأويلا متعسفا أو متكلفًا، غير مبني على قواعد مرعية ومن دون وجود قرائن كافية لحملها على محامل مرضية مخالف للعلم.
    ونحن نعتقد أن مسايرة هذه الطرق غير المبنية على أسس معرفية كافية عقلا ولا نقلاً لا يؤول إلا إلى نتائج وخيمة على فكر أهل السنة، ولذلك نحاول أن نلفت أنظار المهتمين من المشايخ والعلماء والدارسين إلى بعض الإشكالات التي تشتمل عليها هذه المدرسة. مع إدراكنا أن لهم موافقات مع أهل السنة لا تخفى، ولكن هذه المسائل التي يخالفون فيها أهل السنة أيضا مسائل أصلية سواء في علم التوحيد أو غيره من العلوم الشرعية عندهم، وليست عرضية ولا زائدة على مذهبهم، فلا بدَّ من مراعاة ذلك.
    ونحن إذ نقول ذلك لا ننكر حقهم في الفهم وصياغة ما يريدون من تصورات ونظريات، ولكن غاية ما نطمح إليه هو أن يتم التمييز بين نتاج أعمالهم وفكرهم أو كشفهم، فليسموه ما شاءوا أن يسموا! وبين ما يقرره أهل السنة والجماعة المعتبرين من المتقدمين والمتأخرين من أهل النظر والكلام والفقه والأصول والتصوف المعتبر عند أهل الحقّ.
    ثانيا: لا ندري ما معنى كون الجعل يعبد النتانة، والحرباء تعبد الشمس! فهذا كلام غريب عجيب.
    ثالثا: قوله إن الحق حقيقة تلك الكواكب مبني على تصوره الفاسد وقاعدته الموهومة من وحدة الوجود، أي أن الوجود في الكون واحد وكل ما نراه ونشاهده إن هو إلا مظاهر للوجود الواحد الحق الذي يظهر بهذه المظاهر وهي أحكام الممكنات، فالله تعالى لا يوجد شيئا من عدم، بل يظهر بمظاهرها المعدومات، والوجود يبقى وجودا، والمعدوم يبقى عدما، ولا يبرز الله شيئا إلى الوجود، لأن الوجود أصلا واحد وواجب، وهو الحق، ولا يمكن إيجاد شيء أصلا وجودا حقيقيا، فكل ما نسميه بالوجود إن هي إلا مظاهر إضافية ونسب.
    رابعا: كل الناس يعبدون الله إما بتقييد او بإطلاق، فمن عبده بإطلاق فهو الموحد، ومن عبده بلحاظ ذاته في شيء من المخلوقات فهو قد قيده، فهو مشرك، ولكن هذا لا يمنع أنهم كلهم عباد الله على الحقيقة لا مجازاً، لأن الحق موجود في الأشياء!!
    خامساً: كان من الواجب واللازم أن يعبد كل ما ظهر الله تعالى فيه، فلذلك ما من شيء في العالم إلا وهو معبود من بعض الموجودات.
    سادساً: ولكون الكفار والمشركين لم يعبدوا الحق ملاحظين إطلاقه بل بلحاظ تقييده، فقد بعد عليهم الخلاص قليلا في الآخرة، وامتدت عليهم مسافة السعادة والفرح كما تقدم، وهذا هو المناداة عليهم من مكان بعيد، بخلاف المحمديين الذين عبدوه بإطلاقه، فينادون من مكان قريب.
    سابعا: في الآخر وفي آخر الأمر يرجع كل واحد إلى الحقيقة التي عبدها عن قرب أو عن بعد، وذلك بعد أن يمر بمراحل تتقوى فيه القوى الإلهية والمظاهر الروحية، وهذا هو قوله: "وبعد الوصول إلى المنزل، يتحد من نودي من قريب ومن نودي من بعيد" فافهم! فالكل فرح مسرور في الآخرة آخر الأمر كما مرَّ مراراً. والاتحاد في الأحوال الباعثة على السعادة والفرح واجب لازم لا ريب فيه في نظرية الجيلي.
    هذا هو خلاصة ما قرره الجيلي تبعا لبعض أصول لابن عربي مع أسلوبه الخاص وإضافاته وتلخيصه لما تباعدت أركانه في كلام ابن عربي.
    رابعا: الثنوية
    والثنوية لهم نصيب من المعرفة أيضا ولهم نصيب من عبادة الله تعالى، قال الجيلي (2/125): "وأما الثنوية فإنهم ما عبدوه من حيث نفسه تعالى، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية وظهر في الوصفين بالحكمين، وظهر في الدارين بالنعتين، فما كان منسوبا إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار، وما كان منسوبا إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة، فعبدوا النور والظلمة لهذا السر الإلهيّ الجامع للوصفين والضدين والاعتبارين والحكمين كيف شئت من أي حكم شئت، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه، فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه سبحانه وتعالى، فهو المسمى بالحق وهو المسمى بالخلق، فهو النور والظلمة"اهـ.
    كلام غريب عجيب لا يليق بمتشرع، بل أقرب للأساطير منه إلى الدين الحقّ. وعلى كل حال فأنت ترى أن الجيلي يعتقد أنَّ الثنوية إنما عبدوا النور والظلمة لأن النور والظلمة مظهران من مظاهر الله تعالى، سواء كان ذلك معلوما منويا مقصوداً عندهم أو لا، وبالقطع سيكون مآلهم إلى الفرح والسرور في آخر الأمر كما هو الحكم في غيرهم، لأن مآلهم إلى الفرح لا يتوقف على قصدهم عبادة الله تعالى ولا على علمهم بهذه الأسرار! التي يذكرها الجيلي، وإن لم يذكر ذلك في هذه الفقرة بصريح العبارة.
    خامساً: المجوس
    قال الجيلي (2/125): "وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصات وأرفعها، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها، لا تقاربها طبيعة إلا وتستحيل إلى النارية لغلبة قوتها، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا ويندرج فيها ويضمحلّ، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذات الله تعالى".
    وقال (2/126): "فالنار في الطبائع مظهر الواحدية في الأسماء، فلما انتقشت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شمّ سواه، فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار"اهـ. ولا حول لا قوة إلا بالله!
    إذن المجوس إنما عبدوا النار لأن حقيقتها هو الحق تعالى، وآخر أمره إلى السعادة وإن كان الأمر بالنسبة لهم فيه بعد ولذلك ينادون من مكان بعيد، ولكنهم في آخر الأمر يتحدون مع غيرهم في السعادة والفرح كل واحد كما يليق به.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    سادساً: الدهرية
    قال الجيلي (2/126): "وأما الدهرية فإنهم عبدوه من حيث الهوية، فقال عليه الصلاة والسلام "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر"اهـ.
    تأمل كيف يحمل الدهر حملا حقيقيا على الله تعالى، وأما مفسرو الحديث على طريقة أهل السنة فقالوا أطلق اسم الدهر على الله تعالى لأن الله تعالى هو مقلب الدهر، وليست هوية الله الدهر، وهو إطلاق مجازي كما هو ظاهر. ولكن ها نحن نرى الجيلي يستنبط منه ما يستنبط. وما دامت الدهرية قد عبدت الله من حيث عبدوا الدهر وسلموا له أحوالهم، فهم فرحون في آخر الأمر.
    سابعاً: البراهمة
    قال الجيلي (2/126): "وأما البراهمة فإنهم يعبدون الله مطلقا لا من حيث نبي ولا من حيث رسول، بل يقولون إن ما في الوجود شيء إلا وهو مخلوق لله، فهم مقرون بوحدانية الله تعالى في الوجود، لكنهم ينكرون الأنبياء والرسل مطلقا، فعبادتهم للحق نوع من عبادة الرسل قبل الإرسال، وهم يزعمون أنهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام...وقد اشتهر بينهم أن من قرأ الجزء الخامس من كتابهم لا بد أن يؤول أمره إلى الإسلام فيدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه طائفة أكثر ما يوجدون ببلاد الهند...وثم أناس يتزيون بزيهم ويدعون أنهم براهمة وليسوا منهم، وهم معروفون بينهم بعبادة الوثن، فمن عبد الوثن فلا يعدُّ من هذه الطائفة عندهم"اهـ.
    إذن عبادة البراهمة تشبه عبادة الرسل قبل الإرسال، فهم مقرون بوجود الله لكنهم ينكرون الرسل والأنبياء مطلقاً.
    ولا أعرف عن الكتاب الذي عندهم وفيه في الجزء الخامس منه أن من قرأه سيؤول أمره إلى الإسلام، لم أسمع بذلك من قبل، إلا إذا كان يتحدث عن بعض التوافقات بين ما في الإسلام وعند الهندوسية عن الحكايات عن آدم، وبعض الأنبياء وبعض الأوصاف التي يقال إنها أقرب ما تكون لأوصاف سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.، ونرجو أن يكون كلامه هذا صحيحاً!
    وعلى كل حال، فهذا ما قرره الجيلي مما يتعلق بالبراهمة.
    تنبيه: حكم عام يتعلق بجميع الأجناس السابق ذكرها
    ثم ذكر الجيلي حكما عاماً يشمل جميع الأجناس التي سبق ذكرها، وهو كلام مهم. نورده كاملا، قال الجيلي (2/126): "وكل هذه الأجناس السابق ذكرها لما ابتدعوا هذه التعبدات من أنفسهم كانت سببا لشقاوتهم، ولو آل بهم الأمر إلى السعادة، فإن الشقاوة ليس إلا ذلك البعد الذي يثبتون فيه قبل ظهور السعادة، فهي الشقاوة فافهم"، انتهى
    إذن غاية أمر جميع هذه الأجناس هو السعادة كما ترى بنص واضح صريح، والفارق بينهم وبين المؤمنين والمسلمين، إنما هو في بعد المسافة من السعادة، فهم ينادون من مكان بعيد، بخلاف المسلمين الذين ينادون من مكان قريب.
    قال الجيلي (2/126): "وأما من عبد الله على القانون الذي أمره به نبيه كائنا من كان من الأنبياء فإنه لا يشقى، بل سعادته مستمرة تظهر شيئا فشيئاً، وما أتى على أهل الكتاب إلا أنهم بدلوا كلام الله وابتدعوا من أنفسهم شيئا، فكان ذلك الشيء سببا لشقاوتهم، وهم في الشقاوة على قدر مخالفتهم لأوامر الله تعالى وسعادتهم على قدر موافقتهم كتابه تعالى، فإن الحق لم يرسل نبيا ولا رسولا إلى أمة إلا وجعل في رسالته سعادة من تبعه منهم" انتهى.
    وكلامه في المؤمنين المتبعين للأنبياء والرسل لا تعليق عليه.
    ثامناً: اليهود
    قال الجيلي (2/126): "وأما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد الله تعالى ثم بالصلاة في كل يوم مرتين، وسيأتي بيان سر الصلاة في محله إن شاء الله تعالى، ويتعبدون بالصوم ليوم كنورا( ) إذ هو اليوم العاشر من أول السنة وهو يوم عاشوراء....[إلى أن قال] ولو أخذنا في الكلام على سرّ مأكولهم ومشروبهم الذي سنه لهم موسى أو لو أخذنا في الكلام على أعيادهم وما أمرهم فيها نبيهم وفي جميع تعبداتهم وما فيها من الأسرار الإلهية خشينا على كثير من الجهال أن يغتروا به فيخرجوا عن دينهم لعدم علمهم بأسراره، فلنمسك عن إظهار أسرار تعبدات أهل الكتاب، ولنبين ما هو أفضل من ذلك وهو أسرار تعبدات أهل الإسلام، فإنها جمعت المتفرقات..." انتهى.
    يعني إنه لم يذكر أسرار تعبدات اليهود فربما اغتر بها العوام من المنتسبين إلى الإسلام وخرجوا عن دينهم، لأنهم لا يعلمون أسرار دينهم، ولذلك عزف عن ذكر أسرار تعبدات اليهود.
    وبعدما نسخت شريعة اليهود، فما يتخالف منها مع شرائع الإسلام هل يبقى لها أسرار بحيث أنه لو كشف يغتر بها المسلمون لو عرفوها؟! هذا مجرد سؤال لن نقف عنده ههنا، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر؟
    تاسعاً: النصارى
    قال الجيلي (2/127): "وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى، فهم دون المحمديين وسببه أنهم طلبوا الله تعالى فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس، ثم قالوا بعدم التجزئة، ثم قالوا بقدمه على وجوده في محدث عيسى، وكل هذا تنزيه في تشبيه لائق بالجناب الإلهي، ولكنهم لما حصروا ذلك في هؤلاء الثلاثة نزلوا عن درجة الموحدين، غير أنهم أقرب من جميع من شهد الله من أنواع المخلوقات، فشهودهم ذلك في الحقيقة العيسوية يؤول بهم إذا انكشف الأمر على ساق أن يعلموا أن بني آدم كمراءٍ متقابلات يوجد في كل منها ما في الأخرى، فيشهدون الله تعالى في أنفسهم، فيوحدونه على الإطلاق فينقلون إلى درجة الموحدين لكن بعد تجاوزهم على صراط البعد، وهو ذلك التقييد والحصر المتحكم في عقائدهم"اهـ.
    ثم شرع في بيان أهم عباداتهم.
    ونرى مما ذكره عن النصارى أن خطأهم كان من حيث إنهم قيدوا الحق في الثلاثة المذكورين، فالتقييد هو غلطهم، وهو مبني على تشبيه الله تعالى بالمخلوقات، ولكن هذا ليس باطلا من هذه الجهة، لأن التنزيه في التشبيه هو الحق عند الجيلي والأصل الذي يستمد منه! كما هو معلوم، بل غلطهم أنهم حصروا ذلك في الحقيقة العيسوية، ولو أنهم أطلقوا ذلك في كل أبناء آدم، واعتقدوا فيهم ما اعتقدوه في عيسى لسلموا، لأنهم يشهدون حينئذ توحيد الله تعالى في أنفسهم أيضا لا في الحقيقة العيسوية فقط، وإذا فعلوا ذلك فإنهم "يوحدونه على الإطلاق فينقلون إلى درجة الموحدين" ولكن هذا لا يحصل لهم إلا بعد جوازهم على صراط البعد، فالمسافة التي ابتعدوا بها عن الحق كما يراه الجيلي، لا بد أن يرجعوا فيها ليصلوا إلى التوحيد الحق بالصورة التي أشار إليها.
    عاشراً: المسلمون
    قال الجيلي (2/128): "وأما المسلمون فاعلم أنهم كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس) لأن نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم خير الأنبياء، ودينه خير الأديان، وكل من هو بخلافهم من سائر الأمم بعد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبَعثِه بالرسالة كائنا من كان فإنه ضالٌّ شقي معذب بالنار، كما أخبر الله تعالى، فلا يرجعون إلى الرحمة إلا بعد أبد الآبدين، لسر سبق الرحمة بالغضب وإلا فهم مغضوبون، لأن الطريق التي دعاهم الله تعالى إلى نفسه بها طريق الشقاوة والغضب، والألم والتعب، فكلهم هلكى قال الله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وأي خسارة أعظم من فوت السعادة المنزلة لصاحبها في درجة القرب الإلهي، فكونهم نودوا من بعدٍ هو خسارتهم، وهو عين الشقاوة والعذاب الأليم، ولا يعتد بدينهم ولو كان صاحبه يصل بعيد مشقة لأنه دين الشقاوة، فما شقوا إلا باتباع ذلك الدين.
    ألا ترى مثلاً إلى من يعذب في الدنيا ولو يوما واحدا بأنواع عذاب الدنيا وهو كخردلة وأقل من عذاب الآخرة، كيف يكون شقياً بذلك العذاب؟ فما بالك بمن يمكث أبد الآبدين في نار جهنم، وقد أخبرك الله تعالى أنهم باقون فيها ما دامت السموات والأرض، فحينئذ يدور بهم الدور ويرجعون إلى الشيء الذي كان منه البدء وهو الله تعالى فافهم، والمسلمون كلهم سعداء بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم"اهـ.
    ثم قال الجيلي (2/129): "فالمسلمون على الصراط المستقيم وهو الطريق الموصل إلى السعادة من غير مشقة والموحدون من المسلمين، أعني أهل حقيقة التوحيد على صراط الله وهذا الصراط أخصُّ وأفضل من الأول، فإنه عبارة عن تنوعات تجليات الحق تعالى لنفسه بنفسه، والصراط المستقيم عبارة عن الطريق إلى الكشف عن ذلك، فالمسلمون أهل التوحيد والعارفون أهل حقيقة وتوحيد، وما عدا هؤلاء فكلهم مشركون. سواء في جميع الملل التسع الذين ذكرناهم، فلا موحد إلا المسلمون، ثم إن الله تعالى تعبد المسلمين من حيث اسمه الرب، فهم مقتدون بأوامره ونواهيه، لأن أول آية أنزلها الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (اقرأ باسم ربك) قرن الأمر بالربوبية لأنها محله، ولذلك افترضت عليهم العبادات، لأن المربوب يلزمه عبادة ربه، فجميع عوام المسلمين عابدون لله تعالى من حيث اسمه الرب لا يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك، بخلاف العارفين فأنهم يعبدونه من حيث اسمه الرحمن لتجلي وجودها الساري في جميع الموجودات عليهم، فهم ملاحظون للرحمن فهم يعبدونه من حيث المرتبة الرحمانية، بخلاف المحققين فإن عبادتهم له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله لثنائهم عليه بما يستحقه من الأسماء والصفات التي اتصفوا بها، لأن حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به من الاسم أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها، فهم عباد الله المحققون، والعارفون عباد الرحمن، وعامة المسلمين عباد الرب"اهـ.
    ولا نريد ذكر باقي كلامه ههنا، وإن كان فيها ما فيه، لأنَّ محلَّ بحثنا هو المتعلق من كلامه بمسألة أصحاب النار، وتأمل كلامه حيث قال: "وكلُّ مَنْ هُوَ بخلافهم مِنْ سائر الأمم بعد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبَعثِه بالرسالة كائنا من كان فإنه ضالٌّ شقي معذب بالنار، كما أخبر الله تعالى، فلا يرجعون إلى الرحمة إلا بعد أبد الآبدين، لسر سبق الرحمة بالغضب وإلا فهم مغضوبون" انتهى.
    لتعرف أنه يبني على ما تقدم من أصول، ويصرح بأن سائر الأمم الأخرى وإن كانت غير مقبولة من حيث الدين، فهذا لا يعني أنهم معذبون دائما، لأن فيهم حقا وإن كانوا لا يعرفون ولا يقصدونه، وعذابهم في النار إنما هو في أول الأمر، لا في آخره فإنهم في آخره فهم مرحومون.
    أقوال الجيلي المتفرقة في مسألة عذاب النار:
    تكلم الجيلي في مسألة عذاب أهل النار وأيلولتهم إلى الرحمة في مواضع أخرى غير ما ذكرناه قبل، وها نحن نورد أهم ما جاء في كلامه:
    قال الجيلي (1/35): "واعلم أن اسمه الرحمن على وزن فعلان، وهو يكون في اللغة لقوة اتصاف المتصف به، وظهوره عليه، ولذا وسعت رحمته كل شيء حتى آل أمر أهل النار إلى الرحمة". انتهى
    وقال في (1/84): "ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه ورحمة سابقة ليصح للوجود بذلك اسم الطاعة فيكون سعيداً، وإلى هذا أشار بقوله في مخاطبته للسماء والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) فحكم للأكوان بطاعته، فإنها أتت غير مكرهة تفضلا منه وعناية، ولذلك سبقت رحمته غضبه لأنه قد حكم لها بالطاعة والمطيع مرحوم، فلو حكم عليها بأنها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلا، لأن القدرة تجبر الكون على الوجود، إذ لا اختيار لمخلوق، ولكان الغضب حينئذ أسبق إليها من الرحمة، لكن تفضل فحكم لها بالطاعة لأن رحمته سبقت غضبه، فكانت الموجودات بأسرها مطيعة، فما ثم عاصٍ له من حيث الجملة في الحقيقة، وكل الموجودات مطيعة لله تعالى، كما شهد لها في كتابه بقوله (أتينا طائعين) وكل مطيع فما له إلا الرحمة، ولهذا آل حكم النار إلى أن المطيع يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط فتزول فينبت في محلها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسنبين ذلك في هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالى". انتهى.
    يصرح بوضوح من دون رمز ولا تعقيد لفظي بأن كل ما في العالم مطيع لله، على وجهة نظره وبحسب فهمه، ويصرح بأن مآل النار أن ينبت فيها الجرجير، أي تصبح رحمة لمن فيها من أهلها.
    قال الجيلي في (1/103): "واعلم أن كل شيء من الممكنات له أبد، فأبد الدنيا يتحول [كذا ولعلها: بتحول] الأمر إلى الآخرة، وأبد الآخرة يتحول [لعلها: بتحول] الأمر إلى الحق تعالى، ولا بد أن يحكم بانقطاع الآباد آباد أهل الجنة وآباد أهل النار، ولو دامت وطال الحكم ببقائها، فإن أبدية الحق تلزمنا أن نحكم على ما سواه بالانقطاع، فليس لمخلوق أن يسايره في بقائه"اهـ.
    وقال الجيلي (1/103): "واعلم أن الحال الواحد من أحوال الآخرة سواء كان من أحوال المرحومين أو من أحوال المعذبين، فإن له حكم الأزلية والأبدية، وهذا سر عزيز يذوقه من وقع فيه، ويعلم أنه لا انقطاع له أبداً، وهذه حال واحدة، لكنه قد ينتقل من تلك الحال إلى حال غيرها، وقد لا ينتقل، فإذا انتقل منه إلى حال آخر غيره كان هذا الحكم لحاله الواقع فيه أيضا، ولا ينقطع هذا الحكم ولا يختل عن أحوال الآخرة، وهذا أمر شهودي ليس للعبد فيه مجال لأنه محل ذلك، وسيأتي بيان هذا الكلام في موضعه من ذكر الجنة والنار إن شاء الله تعالى"اهـ.
    النعلان والقدمان
    يقول الجيلي (2/5): "اعلم هدانا الله وإياك وآتاك من الحكمة ما آتانا أن القدمين عبارة عن حكمين ذاتيين متضادين، وهما من جملة الذات بل هما عين الذات، وهذان الحكمان هما ما ترتبت الذات عليهم كالحدوث والقدم والحقية والخلقية والوجود والعدم والتناهي وعدم التناهي والتشبيه والتنزيه وأمثال ذلك، مما هو للذات من حيث عينها ومن حيث حكمها الذي هو لها، ولذلك عبر عن هذا الأمر لأن القدمين من جملة الصورة، وأما النعلان فالوصفان المتضادان كالرحمة والنقمة والغضب والرضا وأمثال ذلك، والفرق بين القدمين والنعلين أن القدمين عبارة عن المتضادات المخصوصة بالذات والنعلان عبارة عن المتضادات المتعدية إلى المخلوقات، يعني أنها تطلب الأثر في المخلوقات، فهي نعلان تحت القدمين، لأن الصفات العقلية تحت الصفات الذاتية، وكون النعلين من ذهب هو نفس طلبها للأثر، فهي ذاهبة، أي سارية الحكم في الموجودات، فلها الحكم في كل موجود وجد، بأي نوع كان من الموجودات، وإذا علمت معنى النعلين وعلمت المراد بالقدمين، ظهر لك سر الحديث النبوي وهو أن الجبار يضع قدمه في النار فتقول قط قط، وأنها تفنى حينئذ، فينبت موضعها شجر الجرجير، أو كما قال، وسنومئ إلى ذلك في آخر الكتاب في الباب الذي نذكر فيها جهنم، حسبما أمكن من التصريح أو الكناية فافهم هذا المعنى"اهـ.
    ومن الواضح ارتباط هذا الكلام بما نقلناه عنه من قبل في الباب الذي ذكره، ونتيجة هذا السر الذي سيذكره أن النار تتحول عذوبة بحسب الأنواع والأجناس التي ذكرناها.
    وصف عام فيه ذكر مآل أهل النار في رأي الجيلي
    وقال الجيلي واصفا أهل النار في أواخر كتابه (2/112): "ثم اعلم أن أطباق الأرض إذا أخذت في الانتهاء دار الدور عليها في الصعود، كما أن أهل النار إذا استوفوا ما كتب عليهم وخرجوا، لا يخرجون إلا إلى مثل ما ينتهي إليه حال أهل الجنة من كريم المشاهدة والتحقق بتحقق المطالعة إلى أنوار العظمة الإلهية"اهـ.
    وهذا نص واضح آخر في أن أهل النار ينتهي بهم الأمر إلى السعادة وكريم المشاهدة كما هي سعادة أهل الجنة، ويتمتعون بمطالعة أنوار العظمة الإلهية.

     
    خاتمة
    ما أردناه في هذا البحث إنما هو استعراض رأي الجيلي في مسألة واحدة، وهي مسألة عذاب أهل النار وما يؤول إليه حالهم من النعيم والفرح وغيره مما ذكره، وأشرنا إلى بعض القواعد والأصول التي يعتمد عليها في نظرته هذه، ورأينا كيف أن الجيلي يتكلم على هذه المسألة في أبواب شتى، لا في باب واحد فقط، فالمسألة لها علاقة بخلق العالم، وصفات الله، وأعمال العباد، وكيفية نشأتها عنهم، والجبر والقدر ...الخ، وهذا يثبت بصورة قاطعة أن رأي الجيلي في هذه المسألة ليس مجرد إلهام أو كشف أو شطح أو مجرد رأي عابر، بل هو مبني على تصور خاص له يوافق فيه إلى حد كبير تصور ابن عربي، كما هو ظاهر، بل هو يستمد منه كثيراً، ويعتمد قوله، كما أن له بعض الآراء الخاصة أيضاً.
    وهذا يبين أن رأي هذه المجموعة من الصوفية ينبني على فهم معين لعلم التوحيد، وطريقة خاصة في فهم العالم، وصفات الله تعالى وحقيقة التكليف ونحو ذلك، ومن الظاهر أن هذا الفهم بحسب النظر فقط في مسألة عذاب أهل النار يتخالف تخالفا ظاهرا مع طريقة أهل السنة في فهم الآيات القرآنية وصفات الله تعالى، وحقيقة فهمهم لحقيقة خلق العالم وأفعال المكلفين.
    ولو أردنا لأظهرنا عدة مسائل تكشف عن الاختلاف الحاصل بين مدرسة ابن عربي ومدرسة أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين، ليس ذلك في مسألة عذاب أهل النار فقط، فهذه المسألة وإن كانت تكشف بوضوح هذا المعنى، فإنها تكشف أيضا عن بعض الأصول الخاصة التي تقول بها هذه المدرسة أعني مذهب ابن عربي الحاتمي ومن يتبعه، وأن له أصولا وفروعا تتخالف مع بعض القواعد من منهج أهل السنة ومع طريقة فهمهم ومع بعض الأحكام والتصورات المعتبرة عندهم، وذلك في عدد لا بأس به من المسائل.
    ونحن نعلم أن بعض العلماء أو الباحثين قد يقولون في الجيلي ما قالوه في ابن عربي، من أن هذه المسائل قد دست في كتبه، أو أن لها معاني أخرى غير مفهومة لنا، أو نحو ذلك، ونحن قد بنينا بحثنا هذا على ما هو الظاهر من كلام الجيلي، فإن ثبتت شواهد كافية على تحقق الدسّ أو ظهرت قرائن كافية ترجح جانب التأويل الصارف لها عن ظواهرها بحيث تكون متلائمة مع مذهب أهل السنة كما يفترض، فأهلا بالوفاق. وإلا فإن المسألة لا بد أن تأخذ مجراها من البحث العلميّ.
    ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وغيرنا للكشف أكثر عما تشتمل عليه هذه المدرسة التي يعتقد كثير من المنتسبين لأهل السنة أنهم لا يخالفونهم في أصول ولا في فروع، يزعمون أنهم منضوون تحت رأي أهل السنة، والبحث الجاد يكشف عن خلاف ذلك بكل يسر.
    والله تعالى أعلم وأحكم
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب.
    كتبه سعيد فودة
    12 رمضان 1441هـ.
    5-5-2020م.

     
    الفهرست


    بسم الله الرحمن الرحيم
    موقف الجيلي من عذاب الكفار في النار 1
    مقدمة: 1
    ما الغرض من عرض رأي الجيلي في هذه المسألة؟ 11
    الصورة المحمدية هي النور الذي خلق الله منه الجنة والجحيم 15
    رحمتي سبقت غضبي 16
    النار مخلوقة من اسم القهار 18
    تجليات الله السبعة على النار 18
    أفلاطون قطب للزمان يملأ العالم الغيبي نوراً 19
    أنواع لذات أهل النار: 20
    أجناس أهل النار 21
    بعض أهل النار أفضل من كثير من أهل الجنة عند الله 22
    وضع إبليس في نظرية الجيلي: 23
    فصل: مقامات أهل الأديان والعبادات 25
    كل من في الوجود مطيع لله تعالى 25
    اختلاف الناس لاختلاف أرباب الأسماء والصفات 26
    الطوائف العشرة التي هي أصول الافتراق في الناس جميعاً 27
    أولاً: الكفار 28
    ثانيا: الطبائعية 31
    ثالثا: الفلاسفة 32
    رابعا: الثنوية 37
    خامساً: المجوس 38
    سادساً: الدهرية 39
    سابعاً: البراهمة 39
    تنبيه: حكم عام يتعلق بجميع الأجناس السابق ذكرها 40
    ثامناً: اليهود 41
    تاسعاً: النصارى 41
    عاشراً: المسلمون 42
    أقوال الجيلي المتفرقة في مسألة عذاب النار: 44
    النعلان والقدمان 46
    وصف عام فيه ذكر مآل أهل النار في رأي الجيلي 47
    خاتمة 48
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •