نحو فهم صحيح لموقف الدين الاسلامى من مكافحه الاوبئه
د.صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد: تهدف الدراسه الى تصحيح الافتراضات الخاطئه عن موقف الدين الاسلامى من مكافحه الاوبئه ، والتى تتضمن:
اولا: افتراض ان الدين الاسلامى – شانه شان العديد الفلسفات والمذاهب- ينظر للصحة نظره سلبيه ويمنع العلاج ويحط من مكانه الطب"المتضمن للطب الوقائى المعنى بمكافحه الاوبئه "، ويعتبر الامراض " والاوبئه " ظاهره ايجابيه – أو على الأقل أمر واقع – يجب القبول بها.
ثانيا: وهذا الافتراض الخاطىْ يستند الى فهم خاطى لعديد من المفاهيم الاسلاميه كالقضاء والقدر والتوكل والابتلاء.
ثالثا: افتراض ان الطب الاسلامى هو شكل من أشكال الطب البديل،اى الذي يستخدم مكان علم الطب " المتضمن للطب الوقائى " أي كبديل عنه ، وبالتالى فان التوجيهات الاسلاميه العامه فى مجال الطب الوقائى ومكافحه الاوبئه هى بديل عن الطب الوقائى المعاصر والاساليب العلميه المعاصره لمكافحه الاوبئه .
رابعا: افتراض ان الطب النبوي ينحصر في الوصفات الطبية ، التي داوى بها الرسول (صلى الهع عليه وسلم ) نفسه أو أوصى أصحابه (رضي الله عنهم) بها ، وبيانه (صلى الله عليه وسلم) للخصائص الصحية و الطبية النافعة لبعض المواد الطبيعية .وأن كل ما ورد في السنة في هذا المجال يفيد الوجوب ، وانه يجب الاكتفاء به دون غيره من أساليب طبية يقررها علم الطب.
خامسا:افتراض ان الدين الاسلامى يرفض الاساليب العلميه لعلاج الامراض ومكافحه الامراض. ويقرالاساليب الخرافيه.
تصحيح الافتراضات الخاطئه:
اولا: النظرة الايجابية للصحة والطب: فلسفه الطب الاسلامى تعارض المذاهب والفلسفات التي تنظر للصحة نظره سلبيه وتمنع العلاج وتحط من مكانه الطب"المتضمن للطب الوقائى المعنى بمكافحه الاوبئه "، وتعتبر المرض"والاويئه" ظاهره ايجابيه – أو على الأقل أمر واقع – يجب القبول بها ، لأنها تركز على البعد الروحي للإنسان وتتجاهل بعده المادي للإنسان، أو لأنها قائمه على أساس جبري يلغى حرية الاراده الانسانيه. فهي تنظر إلى الصحة نظره ايجابيه ، وتحث على العلاج " ومكافحه الاوبئه " ، وتعلى من مكانه الطب ، وتعتبر المرض "والاوبئه" ظاهره سلبيه يجب تغييرها – استنادا إلى جمع التصور الاسلامى للوجود بين البعدين الروحي والمادي للإنسان “بمفهوم الوسطية ” ،وانطلاقا من ان تقرير المنهج الاسلامى أن العلاقة بين الاراده الالهيه المطلقة، والاراده الانسانيه المحدودة، علاقة تحديد وتكامل وليس إلغاء وتناقض .اى ان الاراده الالهيه تحد الاراده الانسانيه –تكوينيا من خلال السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وتكليفيا من خلال مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية- كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ، ولكن لا يلغيه .قال تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) فالايه لا تنفى وجود مشيئة إنسانيه،و لكنها تجعل موافقتها للمشيئة الالهيه شرط لفاعليتها.
الصحة نعمه إلهيه: اتساقا مع ما سبق أشارت النصوص إلى أن الصحة – التي عبرت عنها بمصطلح” المعافاة “- من اكبر النعم إلالهيه، التي تستوجب الشكر في الدنيا ، والسؤال عن كيفيه توظيفها في الاخره: روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( من أصبح معافى ، في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ). قال تعالى (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) قال بعض السلف الصالح في تفسير الايه” أي عن الصحة، لذا حث النصوص على طلب الصحة “العافية ” ،يقول الرسول(صلى الله عليه وسلم) ” اسألوا الله العافية، فإنه ما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة ” .
ثانيا:الفهم الصحيح للمفاهيم الاسلاميه (القضاء والقدر والتوكل والابتلاء):
القضاء والقدر:
تعريف:القضاء والقدر يتعلقان بظهور فعل الله تعالى المطلق (الربوبية ) في عالم الشهادة من جهة الإيجاد ،اى ظهور صفه الإيجاد فيه .فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهه الإلزام (الحتمية)، اى وجوب نفاذ فعله المطلق، يقول تعالى ( وكان على ربك حتما مقضيا ). أما القدر فيدل على فعل الله المطلق من جهه التحقق . ولما كان ظهور فعله المطلق تعالى في عالم الشهادة يتم من خلاله السببية، اى تحققه بتحقق السبب وتخلفه بتخلف السبب، فان الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق إلا عند ما يوفر أسباب ( شروط) تحققه، وهو معنى القدر في الاستعمال القرانى (إنا كل شئ خلقناه بقدر )(القمر : 49 )
لا يلزم من القضاء والقدر الجبر:وطبقا للتعريف السابق فان كون الفعل المطلق لله تعالى لازم النفاذ (القضاء) ، او تحققه في عالم الشهادة ( القدر) ،لا يترتب عليه ان الإنسان مجبور على فعله . ولتوضيح ذلك نوضح العلاقه بين صفتي العلم والإرادة الإلهيتين والفعل الانسانى:
أولا: الإرادة الالهيه والفعل الانسانى : الإرادة الالهيه على نوعين:
الإرادة التكليفية : وتظهر من خلال القواعد الأمر والناهية التي اوجب الله تعالى على الإنسان التزامها في شرعه وهى بالتالي لا جبر فيها ، قال تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) تشير الايه الى اوامر تكليفيه فى امكان البشر طاعتها او مخالفتها ، وتاخذ الامكانيه الاخيره شكل الشرك وعقوق الوالدين اللذين اشارت اليهم النصوص، قَالَ الرسول (صلى الله عليه وسلم)( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ).
الإرادة التكوينية :وتظهر فى السنن الالهيه التي تحكم حركة الوجود بما فيه الفعل الانسانى، وهى أيضا لا يترتب عليها إجبار الإنسان على فعله او إلغائه، إذ أن هذه السنن هي شرط للاراده الانسانيه، اى يتوقف عليها نجاح الفعل او فشله ، وللإنسان ان يحترم حتميتها فينجح في تحقيق ما يريد، أو لا يحترم حتميتها فيفشل.
ثانيا:العلم الالهى والفعل الانسانى : أما علم الله المطلق بالفعل الانسانى فلا يترتب عليه أيضا إجبار الإنسان عليه، إذ ان الله تعالى يعلم بان الإنسان سيقوم بالفعل المعين بما أودع فيه من حرية الإرادة ، وعلى مقتضى الأسباب التي وضعها تعالى لحدوث الفعل، يقول الشوكانى ( فاحمل أحاديث الفراغ من الفضاء على تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وليس في خلاف ذلك لما وقع فى الأزل، ولا مخالفة لما تقدم العلم به ، بل هو من تقييد المسببات بأسبابها، كما قدر الشبع والاكل والري بالشرب، وقدر الولد بالوطأ، وقدر حصول الزرع بالبذر)

مفهوم التوكل : التوكل من المفاهيم الاسلاميه التي حث عليها الكثير من النصوص منها قوله تعالى(وعلى اللهِ فليَتَوَكَّلِ المتوكِّلونَ)(المائدة: 23)،و جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة له فقال:يا رسول الله أأرسل ناقتي وأتوكل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم(أعقلها وتوكل)(رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة). وهو مفهوم لا يتناقض مع حريه الاراده الانسانيه او السببية او الأخذ بالأسباب، لان مضمونه ليس إلغاء الاراده الانسانيه ،بل تقييدها بالاراده الالهيه في شكلها التكليفى، بمعرفه والتزام القواعد الأمر والناهية التي جاء بها الوحي. ،وشكلها التكويني بمعرفه والتزام سببيه السنن الالهيه التي تحكم حركة الوجود. لذا تعرض العلماء بالنقد للفهم الخاطئ للتوكل بمعنى إلغاء الفعل والاراده الانسانيهوعدم الأخذ بالأسباب.يقول الإِمام الغزالي: (قد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب وتركُ التداوي والاستسلامُ للمهلكات. وذلك خطأ لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إِليه فكيف يُنال ذلك بمحظورة)( الأربعين في أصول الدين، ص246).
مفهوم الابتلاء:
ا/ الابتلاء غير مقصور على ما هو سلبي : إذا كانت بعض النصوص قد قررت أن المرض هو ابتلاء الهي ، إلا إن مفهوم الابتلاء في الاسلام غير مقصور على الظواهر السلبية- كما يتصور البعض- بل هو امتحان واختبار للاراده الانسانيه الحرة- ألمكلفه- وهو يكون بما هو سلبي “كالمرض… “. وما هو ايجابي”كالصحة…” قال تعالى” لنبلونكم بالخير والشر فتنه”.وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم )(عجبت لامر المؤمن كله خير ان أصابه خير شكر ، وان أصابه شر صبر)،لذا أقرت بعض النصوص تقديم الشكر على العافية ” الصحة” على الصبر على الابتلاء “المرض قال أبو الدرداء لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ” لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر” فقال الرسول(صلى الله عليه وسلم ) ( الله يحب معك العافية ).
ب/ليس مصدر كل ابتلاء الغضب الالهى: كما قررت بعض النصوص ان مصدر الابتلاء ليس بالضرورة غضب الهى على إنسان معين ، بل قد يكون مصدره حب الله تعالى لهذا الإنسان المعين، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (ما أحب الله قوما إلا ابتلاهم ، وعلى قدر الابتلاء يكون الجزاء، فمن رضي له الرضا ومن سخط له السخط ) ، ذلك ان المرض يكفر الذنوب ويرفع الدرجات إذا تلقاه المسلم من غير نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ” .
ج/ الهدف من الابتلاء توبه العاصى وليس الانتقام منه: كما قررت النصوص ان الابتلاء بالامور السلبيه كالامراض والاوبئه يهدف الى توبه العاصى وليس الانتقام منه، قال تعالى( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ( الروم : 41) ،وقال تعالى(وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)( السجده: 21 )، قال ابن عباس (يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه)(تفسير ابن كثير).
ثالثا: الطب الاسلامى شامل يجمع بين العلاج المادى والروحى والاخير مكمل وليس بديل:
الفهم الصحيح لمصطلح "الطب الاسلامى" مصطلح الطب الاسلامى يشمل ثلاثة مجالات :
أولا: مجال فلسفه الطب : التي تتضمن المفاهيم “الكلية المجردة ” التي تسبق- وفى ذات الوقت يستند إليها – البحث العلمي في الظواهر الصحية والطبية السلبية والايجابية (الجزئية العينية ) .
ويشير المصطلح فى هذا المجال الى النصوص التي تبين موقف الإسلام الايجابي من الصحة والطب ،وفلسفته في الرعاية الصحية ،والقيم الاخلاقيه الطبية الاسلاميه …
ثانيا:مجال علم الطب: الذي يتضمن الدارسة العلمية- التجريبيه – النظرية للظواهر الصحية والطبيه (الجزئية العينية ). ويشير المصطلح فى هذا المجال الى النصوص التي تبين الخصائص الصحية و الطبية النافعة لبعض المواد الطبيعية ، وهي بمثابة أدله لإثبات إعجاز القران الكريم والسنه النبويه ، وفى نفس الوقت فان هذه النصوص هي بمثابة أمثلة مضروبة للناس، من أجل حثهم على البحث العلمي في هذه المواد الطبيعية – وغيرها من مواد طبيعيه – وخصائصها الصحية والطبيه ، وليس الاكتفاء بما في النصوص،كما يشمل هذا المجال النصوص الواردة في الحث على التداوى.
ثالثا: مجال فن الطب : الذي يتضمن الأساليب الصحية والطبيه العملية- التطبيقية “المتضمنة للخبرة الطبية” . ويشير المصطلح هنا الى الخبره الطبيه فى التاريخ الاسلامى واجتهادات المسلمين فى مجال الطب والصحه.
مذاهب في طبيعة الطب الاسلامى: إذا كانت فلسفه الطب الاسلامى قائمه على أن للإنسان بعدين ” روحي و مادي “،فان هناك مذهبين في تحديد طبيعة العلاقة بين هذين البعدين، و طبيعة العلاقة بين الإمراض والعلل والمرتبطة بهذين البعدين، وبالتالي تحديد طبيعة الطب الاسلامى .
مذهب الطب الاسلامى كطب بديل “الخلط بين البعدين الروحي والمادي” : المذهب الأول يقوم على الخلط بين البعد الغيبي الروحي للإنسان ،والأمراض والعلل المرتبطة به، والتي يكون علاجها بالقران.و البعد المادي (العضوي والسلوكي) للإنسان ،و الأمراض المرتبطة به (كالأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب والأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي)، والتي يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي…فهذا المذهب يرى أن الطب الاسلامى(الذي يقصره على العلاج بالقران)هو شكل من أشكال الطب البديلAlternative Medicine ) ،اى الذي يستخدم مكان علم الطب أي كبديل عنه.ويستند هذا المذهب إلى ورود عده آيات تصف القران بأنه شفاء.
تقويم :
أولا: هذا المذهب يركز على البعد الروحي للإنسان ويلغى بعده المادي ، وبالتالي فانه لا يعبر عن الموقف الحقيقي لفلسفه الطب الاسلامى ،من العلاقة بين البعدين المادي والروحي للإنسان ،والقائم على ضرورة تحقيق التوازن بينهما .
ثانيا:كما أن الآيات التي يستدل بها هذا المذهب تدل على أن القران علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد الروحي الغيبي للإنسان والمرتبط بعلاقته بالله تعالى ،ولكن لا تدل على أنه علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد المادي(العضوي والسلوكي) له،وهو الأمر الذي تشير إليه كتب التفاسير،فعلى سبيل يقول ابن كثير في تفسير الايه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا )(الإسراء:82) (… أَيْ يُذْهِب مَا فِي الْقُلُوب مِنْ أَمْرَاض مِنْ شَكّ وَنِفَاق وَشِرْك وَزَيْغ وَمَيْل فَالْقُرْآن يَشْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلّه وَهُوَ أَيْضًا رَحْمَة يَحْصُل فِيهَا الْإِيمَان وَالْحِكْمَة وَطَلَب الْخَيْر وَالرَّغْبَة فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ … ).
ثالثا:كما أن الرسول(صلى الله عليه وسلم ) حث على التداوى، وهذا ما يعنى انه صلى الله عليه وسلم لم يقصر العلاج على العلاج بالقران الكريم.
مذهب الطب الاسلامى كطب شامل ” الارتباط والتمييز بين البعدين الروحي والمادي”: أما المذهب الذي يعبر- فيما نرى – عن الموقف الحقيقي لفلسفه الطب الاسلامى ، من العلاقه بين البعدين الروحي والمادي للإنسان، والقائم على ضرورة تحقيق التوازن بينهما – فهو المذهب الثاني الذي يرى أن البعد الغيبي الروحي للإنسان لا يلغى البعد المادي، له ولكن يحده ، وان العلاقة بينهما علاقة وحده لا خلط وتمييز لا فصل.وانه يجب التمييز (لا الفصل) بين نوعين من الأمراض أو العلل:
الأولى:ترتبط بالبعد العضوي (الأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب) والسلوكي (الأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي) للإنسان والسنن الإلهية التي تضبط حركته. وهنا يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي قال تعالى ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) …وفى تفسير ابن كثير( أي: إذا وقعت في مرض فإنه لايقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه).و قال صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء” البخاري.ورواه أيضا النسائي وابن ماجة مع الزيادة : “علمه من علمه وجهله من جهله” وأخرجه أيضا بهذه الزيادة ابن حبان والحاكم وصححاه.
الثانية:تربط بالبعد الغيبي الروحي للإنسان،ويكون علاجها بمعرفة والتزام القواعد الموضوعية المطلقة التي مصدرها الوحي. وهنا يأتي العلاج بالقرآن…غير أن هذا لا يعني إلغاء العلاقة بين النوعين من العلل، فما هو روحي يحد ما هو مادي ولا يلغيه، وبالتالي فإن العلاج الروحي بالقران يحد العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب فيكمله ولكن لا يلغيه. وطبقا لهذا المذهب فان الطب الاسلامى هو شكل من أشكال الطب الشامل comprehensive Medicine الذي يجمع بين العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب،والعلاج الروحي الذي يقدمه القران،وان الأخير هو شكل من أشكال الطب المكمل Medicine Complementary اى الذي يُستخدم مع علم الطب أي يكمله .
رابعا: الطب النبوي غير محصور في الوصفات الطبية اوصى بها الرسول (صلى الله عليه وسلم ) :
الطب النبوي ومذاهب تفسيره: الطب النبوي هو كل ما قررته ألسنه ألقوليه والفعلية والتقريرية في كل ماله صله بالصحة والطب.
مذاهب تفسير الطب النبوي:ومع ثبوت الطب النبوي فان هناك مذهبين في تحديد طبيعة الطب النبوي:
مذهب الحصر:وهو يحصر الطب النبوي في الوصفات الطبية ، التي داوى بها الرسول (صلى الهب عليه وسلم )نفسه أو أوصى أصحابه (رضي الله عنهم) بها . وبيانه (صلى الله عليه وسلم) للخصائص الصحية و الطبية النافعة لبعض المواد الطبيعية .وهذا المذهب يرى أن كل ما ورد في السنة في هذا المجال يفيد الوجوب ، وانه يجب الاكتفاء به دون غيره من أساليب طبية يقررها علم الطب.
تقويم:
أولا:إن الطب النبوي أكثر شمولا من المجالين المذكورين أعلاه، كما سنوضح عند الحديث عن مذهب الشمول .
ثانيا:لا يفيد كل ما ورد في السنة عن الطب –وغيره من المجالات – الوجوب ، فبعضه يفيد الوجوب، وبعضه يفيد الندب” الاستحباب “، وبعضه يفيد الاباحه .
ثالثا:أن الطب النبوي لا يمنع التداوى بأساليب طبية غير الأساليب التي يقررها،وهو ما يستفاد من جمله الأحاديث الحاثة، على التداوى ، دون تعيين لأساليب طبية معينه .
رابعا: ان وصفات طبية ، داوى بها الرسول (صلى الها عليه وسلم )نفسه أو أوصى أصحابه (رضي الله عنهم) بها،وهذه الوصفات الطبيه وارده على سبيل المثال لا الحصر والدليل على ذلك:
ا/ عموم الأحاديث الواردة في الحث على التدواى.
ب/ استعانة الرسول ( صلى اله عليه وسلم) بأهل الخبرة في مختلف الفنون ومنهم الأطباء : قالت عائشة(رضى الله عنها)(“كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات، وكنت أعالجها له).
ج/ تقرير كثير من العلماء عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية – ومنها التصرفات المتصلة بفن الطب- فقد استندوا إلى العديد من الادله ومنها حديث تأبير النخل : ( إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر). يقول الشيخ شاه ولي الله الدهلوي:أن علوم النبي على قسمين:أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة والآخر: ما ليس من باب تبليغ الرسالة... قال: ومنه الطب. و يقول ابن خلدون(الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل ليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب،ووقع في ذكر أحوال النبي "ص" من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجِبِلَّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل)
خامسا: الدين الاسلامى يدعو للعلم ويرفض الخرافه: الاسلام كدين يدعو إلى العلم و انتهاج التفكير العلمي القائم على ان هناك قوانين (سنن الالهيه) تضبط حركه الأشياء والظواهر والإنسان، وان مضمونها هو السببية التي تقوم على علاقة التلازم بين السبب والمسبب . يرفض الخرافة والتفكير الخرافي الذى يقوم على إنكار وجود قوانين (سنن الالهيه) تضبط حركه الأشياء والظواهر، اى امكانيه انقطاع باضطرادها،وإنكار مضمونها اى إنكار السببية التي تقوم على علاقة التلازم بين السبب والمسبب . فقد ورد النهى عن كثير من أنماط التفكير الخرافي ،التي كانت سائدة في المجتمع العربي الجاهلي:كالكهانة ( من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد بريء مما انزله الله على محمد)( رواه الطبراني)،والتنجيم (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبه من السحر)( رواه أبو داود وابن ماجه)،والعرافة (من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاه أربعين يوما)،والتطير(العيافه والطيرة والطرق من الجبت)،والسحر(...ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر...).
إثبات السببية جزء من العقيدة الاسلاميه : اتساقا مع ما سبق فان إثبات السببية إذا هو جزء من العقيدة الاسلاميه ، فهى مضمون السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، والتي هي فى التصور الاسلامى للوجود ظهور صفاتي للربوبية ، فهى تندرج تحت مفهوم " توحيد الربوبيه " ، يقول ابن حجر (إن الدنيا دار الأسباب ( . اتساقا مع هذا دعى العلماء الى الاخذ بالاسباب، ولكنهم ميزوا بين (الاخذ بها) و(الركون اليها)،والفارق بينهما ان الاول التزام بالاسباب مع الاعتقاد انها مظهر للفعل الالهى المطلق "الربوبيه"، اما بينما الثانى الاخذ بها مع الاعتقاد انها قائمه بذاتها ومستقله عن الفعل الالهى المطلق.
سادسا: موجهات مكافحه الاوبئه فى الاسلام: اتساقا مع ما سبق وضع الاسلام الكثير من القواعد والموجهات العامه للطب الوفائى ومكافحه الاويئه ومنها:
الوقاية من الأمراض المعدية: فقد أشارت النصوص إلىكثير من اساليب الوقايه من الأمراض المعدية ، وتشمل : ا/عدم مخالطه المريض بمرض معدى للاصحاء قال (صلى الله عليه وسلم) (لا يورد ممرض على مصح). ب/ عدم مخالطه الاصحاء للمريض بمرض معدى قال (صلى الله عليه وسلم) (إن من القرف التلف) والقرف هو ملامسه المريض بمرض معدى، والتلف هو العدوى. ج/ وضع مساحه امان فى التعامل مع المصاب بمرض معدى قال(صلى الله عليه وسلم) (اجعل بينك وبين المجذوم قدر رمح أو رمحين).. د/النهى عن العطس في وجوه الناس، فكان (صلى الله عليه وسلم ) إذا عطس غطى وجهه بكفيه أو طرف ثوبه. ه/ منع البصق قال (صلى الله عليه وسلم)(البصق على الأرض خطيئة وكفارتها ردمها)..
الحجر الصحي: كما أشارت النصوص إلى قاعدة الحجر الصحي للوقاية من الاوبئه : لما خرج عمر (رضي الله عنه) إلى الشام ووصل إلى سرع ، بلغه أن الوباء قد وقع بها، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال: ” إذا “سمعتم به (أي الوباء الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه” فرجع عمر .إذ يقول- صلى الله عليه وسلم-: (إذا سمعتم بالوباء بأرض فلا تقدموا إليه، فإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه).

الحث على النظافة : حثت الكثير من النصوص على النظافه قال تعالى(فثيابك فطهر)، وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (النظافة شطر الإيمان) ،وتشمل هذه النصوص الحث على نظافة البدن والطعام والشراب، و الشوارع والبيوت و مصادرالمياه كالأنهار والآبار.
منع الأغذية الضارة بالصحة : كالميتة والدم ولحم الخنزير ...
الحث على العلاج: قال الرسوب(صلى الله عليه وسلم) (.. تداووا عباد الله فإن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له دواء.. إلا داء واحداً) قالوا ما هو: (قال: الهرم) أي كِبَر السن.
التفسير الصحيح لحديث( لا عدوى): يفهم البعض حديث (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والكلمة الحسنة) فهم خاطىء مضمونه ان المسلم لايصاب بالعدوى ، وبالتالى لا داعى لاتخاذ تدابير احترازيه لمنع العدوى، وهذا الفهم يستند الى تفسير خاطى لمفاهيم القضاء والقدر والتوكل، مضمونه ان هذه المفاهيم يلزم منها الجبر والغاء حريه الاراده الانسانيه ور السببيه ، والاخذ بالاسباب,بينما التفسير الصحيح رفض اعتبار العدوى - وغيرها من الاسباب- قائمه بذاتها ومستقله عن الفعل الالهى المطلق "الربوبيه" - لانها مظهر لهذا الفعل الالهى - وبالتالى فان الحديث لا يتعارض مع اتخاذ التدابير الاحترازيه لمنع العدوى والتى اشارت اليها الكثير من النصوص والدليل على هذا ان الرسول (صلى الله عليه وسلم) جمع بين النهى عن العدوى بهذا الفهم فى قوله (لا عدوى) وبين الحث على اتخاذ تدابير احترازيه فى قوله( وفرّ المجذوم كما تفر من الأسد) ،حيث قال: ( لا عدوى ولا طيرة.... وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد).
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة الموقع التالي:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com