تصحيح العلاقه بين الدين والمجتمع والدوله: نقد اسلامى لمذهب الخلط بين اقامه الدين وحراسته
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
اولا: تمهيد (ملخص الدراسه): هذه الدراسه هى قراءه نقديه اسلاميه لمذهب الخلط بين اقامه الدين " اى الالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الإسلام "، وحراسته " اى حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي" ، من خلال جعله وظيفة الدولة هي اقامه الدين وليست حراسته ، ومن اهم ممثليه مذهب التفسير السياسى للدين " الذى يعبر عنه البعض خطا بمصطلح الاسلام السياسى ". ، ويترتب علي المذهب القائم على الخلط بين المفهومين السابقين تقديم تصور" بدعى " لطبيعه العلاقه بين الدين والمجتمع والدوله ،يستند الى العديد من المفاهيم البدعيه ومنها:اولا: اولويه التغيير السياسى على التغيير المجتمعى "لارتباط الاول بالدوله والثانى بالمجتمع"، وهو ما يخالف منهج المعرفه الاسلامي الذى يقول باولويه المعرفه الذاتيه " ومثال لها الايمان" على الفعل الموضوعى" ومثال لها العمل الصالح" (الا الذين امنوا وعملوا الصالحات)،كما يخالف منهج التغيير الاسلامى ( ومثال له السيره النبويه القائمه على اولويه مرحله الدعوه" المرحلة المكية " على مرحله الدوله " المرحله المدنية " ) ، ثانيا: منظور جزئى لاقامه الديبن ، مضمونه أن اقامه الدين هو مسئوليه جماعه أو جماعات معينه، تنفرد به دون المجتمع ، وانه مقصور على مجال معين من مجالات الحياة (كالمجال السياسى مثلا)، ثالثا: ويترتب على ذلك تكفير المجتمعات المسلمة " صراحة أو ضمنا ". وتنتهى الدراسه الى ان هذا المذهب يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ووظيفتها، والذى يتسق مع تمييز النصوص بين مفهومى اقامه الدين وحراسته، وتحديدها للمسئول - الاصلى والتبعى – عن تطبيق كل منهما، والذى مضممونه ان المسئول عن اقامه الدين أصلا هو المجتمع المسلم ، أما وظيفة الدولة فهي حراسته- ودون أن تنفرد بذلك - ويترتب علي هذا المذهب تقديم تصور اسلامى " صحيح " للعلاقه بين الدين والمجتمع والدوله، يستند الى العديد من المفاهيم المتسقه مع النصوص ومنها : اولا: اولويه التغيير الاجتماعي " المتضمن للتغيير الفكري/ العقدي" على التغيير السياسى، وان السعي لأقامه المجتمع المسلم "المسئول عن اقامه الدين" ، ينبغي أن يكون سابقا على السعي لأقامه الدولة الاسلاميه "المسئوله عن حراسته" – حيث ان اقامه الشى "اى ايجاده " سابق على حراسته "اى حفظه" وهو ما يتسق مع منهج المعرفه و التغيير الاسلاميين . ثانيا: المنظور الشامل لاقامه الدين ، والذي مضمونه أن اقامه الدين مسئوليه المجتمع المسلم كله،وانه يشمل كافه مناحي الحياة ،وغير مقصور على مجال معين "كالمجال السياسى مثلا". ثالثا: عدم تكفير المجتمع المسلم. واخيرا تعرض الدراسه لطبيعه العلاقه بين الدين والدوله فى المنظورين السياسيين الغربى والاسلامى ، انطلاقا من تقرير النصوص عموم مفهوم الاستخلاف- ذو المضمون المتصل بالدين واظهاره- وما يترتب علي ذلك من إسناد السلطتين الدينية والسياسية للجماعة ، وتمييزها بين اقامه الدين وحراسته . حيث توضح ان الفكر السياسى الغربي قدم حلين لمشكله العلاقة بين السلطتين الدينية " ككمثل للدين" ، والسياسية"كممثل للدوله " وهما: ا/ الخلط والتطابق "مذهبى الثيوقراطيه و الكهنوتية": وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية علاقة تطابق وخلط ، ومضمونه إسناد السلطتين: الدينية "المطلقه والمقيده " والسياسية إلى فرد أو فئة ، ينفرد أو تنفرد بها دون الجماعة (الحاكم فى الثيوقراطيه ورجل الدين فى الكهنوت)، وبينت الدراسه ان هذا الحل مرفوض إسلاميا لاسباب متعدده اهمها انه يتعارض مع عموم مفهوم الاستخلاف - وما يترتب عليه من إسناد للسلطتين الدينية والسياسية للجماعة - فضلا عن انه يجعل وظيفة الدولة اقامه الدين وليست حراسته ، وبالتالي يلزم منه منظور جزئي لاقامه الدين يقصر مسئوليته على جماعه معينه (الحكام فى الثيوقراطيه او رجال الدين فى الكهنوت الدين ، و يقصرمجاله على مجال معين (المجال السياسى). ب/ الفصل "العلمانية:" وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطه الدينية "كممثل للدين" والسلطه السياسية "كممثل للدوله "علاقة فصل. وبينت الدراسه ان هذا الحل مرفوض اسلاميا للعديد من الاسباب اهمها ان هذا الحل يلغى احد وظائف الدوله فى المنظور السياسى الاسلامى ، وهى وظيفه حراسه الدين " اى حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي". ثم تعرض الدراسه اخيرا للحل الذى يتسق مع جوهر المنظور السياسى الاسلامى، وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية:اولا: علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه) ،لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم وقواعد كليه كالشورى والعدل والمساواه, ثانيا: علاقة تمييز (وليست علاقة فصل كما في العلمانية )،لان الإسلام يميز بين التشريع كوضع الهى ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير .................................................. .....................
ثانيا: متن الدراسه التفصيلى :
تعريف الدين : الدين لغة له عده معاني منها : الطاعة والجزاء. أما اصطلاحا فقد ورد في القران الكريم بعده معاني أيضا ومنها: الملك والسلطان كما في قوله تعالى: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك)(يوسف:76)،والحكم كما في قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)(الأنفال:39)، والجزاء كما في قوله تعالى: (مالك يوم الدين(.
إظهار الدين ومفهوم الاستخلاف: ويتصل الدين وإظهاره بمفهوم الاستخلاف كمفهوم كلى قررته العديد من النصوص كقوله تعالى﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾، وقوله (صلى الله عليه وسلم) ( إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) (مسلم: ذكر/ 99/ الترمذي/ فتن36). فمضمون هذا المفهوم هو إظهار دين الله تعالى في الأرض، يقول الماتريدى (وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه) ( تأويلات أهل السنة، ج 1).
عموم المفهوم والجمع بين المسئوليه المشتركه وتوزيع الادوار: وهذا المفهوم يتصف بالعموم الذى يلزم منه ان اظهار الدين هو مسئوليه مشتركه ( تشمل المجتمع والدوله "كممثل للمجتمع" )، مع توزيع الادوار- منعا لتداخل الصلاحيات وتضاربها- والاخير يتحقق من خلال تمييز النصوص بين مفهومى اقامه الدين وحراسته، وتحديدها للمسئول - الاصلى والتبعى – عن تطبيق كل مفهوم منهما.
أقامه الدين –اصلا- مسئوليه المجتمع: حيث تقرر النصوص أن اقامه الدين هي – أصلا- مسئوليه الجماعة (المجتمع المسلم) ، ويدل على هذا عموم الآيات الداعية إلى اقامه الدين ، قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)( الشورى: 14) ، ورد في تفسير الطبري (وَعَنَى بِقَوْلِهِ ” أَنْ أَقِيمُوا الدِّين ” أَنْ اعْمَلُوا بِهِ عَلَى مَا شَرَعَ لَكُمْ وَفَرَضَ , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل فِي قَوْله ” أَقِيمُوا الصَّلَاة ” وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل)، كما ورد في تفسير القرطبي (.. وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ” أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ” أَيْ اِجْعَلُوهُ قَائِمًا ; يُرِيد دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقَرًّا مِنْ غَيْر خِلَاف فِيهِ وَلَا اِضْطِرَاب). ومضمون اقامه الدين هو التزام المجتمع المسلم بمفاهيم وقيم وقواعد الإسلام، ورد في تفسير القرطبي ( ” أَنْ أَقِيمُوا الدِّين ” وَهُوَ تَوْحِيد اللَّه وَطَاعَته , وَالْإِيمَان بِرُسُلِهِ وَكُتُبه وَبِيَوْمِ الْجَزَاء , وَبِسَائِرِ مَا يَكُون الرَّجُل بِإِقَامَتِهِ مُسْلِمًا . وَلَمْ يُرِدْ الشَّرَائِع الَّتِي هِيَ مَصَالِح الْأُمَم عَلَى حُسْن أَحْوَالهَا , فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَة مُتَفَاوِتَة) . أما مسئوليه الدولة عن أقامه الدين فهي مسئوليه تبعيه (باعتبارها ممثل للمجتمع).
وظيفه الدولة حراسه الدين - وليس اقامته- دون انفراد: أما وظيفة الدولة "كممثل للمجتمع" في المنظورالسياسى الاسلامى فهي حراسه الدين، والمقصود بالدين هنا الإسلام كنظام ملزم للعلاقات بين الأفراد في المجتمع ، ومضمون حراسه الدين هنا هو حفظ النظام القانوني الاسلامى وقوه الإلزام فيه ، وما يقتضيه هذا الإلزام من تشريع (تقنين) واداره وقضاء تنفيذ وردع … وضمان نفاذ قواعده. وقد أشار علماء أهل ألسنه إلى هذه الوظيفة من وظائف الدولة من خلال تركيزهم على مفهوم حراسه الدين عند تعريفهم للامامه ، يقول الماوردي (_الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (الأحكام السلطانية)، ويقول ابن تيمية ( يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها . فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ، ولا بد لحراسة الدين من رأس) (السياسة الشرعية ، ص 165 ) .
شمول المفهوم: غير أن مفهوم حراسه الدين هو اشمل من المعنى السابق ، المتصل بحفظ قواعد الإسلام، إذ يتعداه إلى حفظ مفاهيم وقيم الإسلام ، وهو معنى متصل بالمجتمع المسلم ، والعلماء كطليعة للمجتمع المسلم ، يقول ابن تيمية (فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ الدين وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين)( الرد علي المخالف من أصول الإسلام،ص8).
نقد مذهب الخلط بين اقامه الدين وحراسته: بعد العرض السابق عن تمييز النصوص بين مفهومى اقامه الدين وحراسته، وتحديدها للمسئول - الاصلى والتبعى – عن تطبيق كل منهما، نقدم فيما يلى نقد لمذهب الخلط بين اقامه الدين وحراسته .
مذهب التفسير السياسى للدين "الاسلام السياسى" : واهم ممثل لهذا المذهب هو مذهب التفسير السياسى للدين "والذى يعبر عنه البعض خطا بمصطلح الاسلام السياسى " ، وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، لينتهى الى الالتقاء مع مذهبى الكهنوت والثيوقراطيه، ومفارقه المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه)، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة…. .وعلاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير، ومرجع هذا التطرف في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ،وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج).
مضمون المذهب: هذا المذهب يجعل وظيفة الدولة هي اقامه الدين وليست حراسته ، وهو هنا يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ووظيفتها،والقائم – اتساقا مع النصوص كما اشرنا اعلاه - على أن المسئول عن اقامه الدين أصلا هو المجتمع المسلم ، أما وظيفة الدولة الاسلاميه فهي حراسته- ودون أن تنفرد بذلك-
تصور بدعى للعلاقه بين الدين والمجتمع والدوله: ويترتب علي المذهب تقديم تصور" بدعى " لطبيعه العلاقه بين الدين والمجتمع والدوله ،يستند الى العديد من المفاهيم البدعيه ومنها:
اولا: اولويه التغيير السياسى على التغيير المجتمعى "لارتباط الاول بالدوله والثانى بالمجتمع"، وهو ما يخالف منهج المعرفه الاسلامي الذى يقول باولويه المعرفه الذاتيه " ومثال لها الايمان" على الفعل الموضوعى" ومثال لها العمل الصالح" (الا الذين امنوا وعملوا الصالحات)،كما يخالف منهج التغيير الاسلامى ( ومثال له السيره النبويه القائمه على اولويه مرحله الدعوه" المرحلة المكية " على مرحله الدوله " المرحله المدنية " ) . فالاخير يقول باولويه التغيير الاجتماعي " المتضمن للتغيير الفكري/ العقدي" على التغيير السياسى، وبالتالى فان السعي لأقامه المجتمع المسلم " السئول عن اقامه الدين" ينبغي أن يكون سابقا على السعي لاقامه الدولة الاسلاميه"المسئوله عن حراسته "فاقامه الشى "اى ايجاده" سابق على حراسته "اى حفظه"..
ثانيا: منظور جزئى لاقامه الديبن ، مضمونه أن اقامه الدين هو مسئوليه جماعه أو جماعات معينه، تنفرد به دون المجتمع ، وانه مقصور على مجال معين من مجالات الحياة (كالمجال السياسى مثلا). وهو ما يخالف المنظور الشامل لاقامه الدين –الذى قررته النصوص واقره العلماء- والذي مضمونه أن اقامه الدين مسئوليه المجتمع المسلم كله،وانه يشمل كافه مناحي الحياة ،وغير مقصور على مجال معين "كالمجال السياسى مثلا".
ثالثا: ويترتب على المفهومين اعلاه تكفير المجتمعات المسلمة " صراحة أو ضمنا ". وهو ما يخالف قاعده " عدم جواز تكفير المخالف في المذهب" التى قررها علماء اهل السنه ، ردا على مذهب الخوارج البدعى،و انطلاقا من تقريرهم اباحه الخلاف في فروع الدين الاحتهاديه المتغيره دون أصوله النصيه الثابته، وبالتالي يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية : 1/186).
العلاقة بين الدين والدوله: فيما يلى تعرض لطبيعه العلاقه بين الدين والدوله فى المنظورين السياسيين الغربى والاسلامى ، انطلاقا من تقرير النصوص عموم مفهوم الاستخلاف- ذو المضمون المتصل بالدين واظهاره- وما يترتب علي ذلك من إسناد السلطتين الدينية والسياسية للجماعة - كما سنوضح ادناه- وتمييزها بين اقامه الدين " الالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الإسلام " كمسئوليه للمجتمع اصلا، وحراسته " حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي" كوظيفة للدولة دون ان تنفرد بها.
اولا: الفكر السياسى الغربى "الخلط او الفصل": قدم الفكر السياسى الغربي حلين لمشكله العلاقة بين السلطتين الدينية " ككمثل للدين" ، والسياسية"كممثل للدوله " وهما:
ا/ الخلط والتطابق "مذهبى الثيوقراطيه و الكهنوتية": وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية علاقة تطابق وخلط ، ومضمونه إسناد السلطتين: الدينية "المطلقه والمقيده " والسياسية إلى فرد أو فئة ، ينفرد أو تنفرد بها دون الجماعة (الحاكم فى الثيوقراطيه ورجل الدين فى الكهنوت).
نقد: هذا الحل مرفوض إسلاميا للاتى:
• الإسلام - وخلافا لهذا المذهب - يميز بين التشريع كوضع الهي ثابت ، والاجتهاد ككسب بشرى متغير.
• وهو يتعارض مع عموم مفهوم الاستخلاف ، وما يترتب عليه من إسناد للسلطتين الدينية والسياسية للجماعة - كما سنوضح ادناه-
• فضلا عن انه يجعل وظيفة الدولة اقامه الدين وليست حراسته ، وبالتالي يلزم منه منظور جزئي لاقامه الدين يقصر مسئوليته على جماعه معينه (الحكام فى الثيوقراطيه او رجال الدين فى الكهنوت الدين ومجاله على مجال معين (المجال السياسى)
• ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه ” اى التحليل و التحريم بدون نص قطعي" حتى يتم اسنادها الى الحكام او العلماء او غيرهم قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) (النحل:116).وقال تعالى ﴿ يَا أيُّهَا الَّذِينَ امنوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ (المائدة : 78)، يقول الإمام الشوكاني في تفسير الايه (لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله، ولا تعتـدوا فتحـلوا ما حرم الله عليكم،فهو اعتداء في الحالتين ﴾.
• ان الحكام و العلماء لا ينفردون فى الاسلام بالسلطة الدينيه المقيده” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ،لان هذه السلطة المقيدة مخوله بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها الحكام والعلماء- فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)،
• كما ان السلطه السياسية – التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- مخوله بموجب الاستخلاف العام ايضا لجماعه المسلمين ، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله اذا جار، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 )، ويقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) , واتساقا مع ما سبق فان طاعه الحكام فى المنظور السياسى الاسلامى ليست مطلقه – كما فى الثيوقراطيه- بل مقيده مشروطه قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما الطاعة في المعروف لا طاعة في معصية).
ب/ الفصل "العلمانية:" وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطه الدينية "كممثل للدين" والسلطه السياسية "كممثل للدوله "علاقة فصل
نقد: هذا الحل مرفوض إسلاميا للاتى:
• هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي للمشكلة الذى ىجعل العلاقه بين الدين والدوله علاقهوحدهوارتباط "وليس خلط"، وتمييز " وليس فصل" كما سنوضح ادناه.
• ان جوهر الدعوة إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة- التى يشكل الاسلام هيكلها الحضارى - ،و أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه ، بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، وهو جوهر التغريب.
• هذا الحل يلغى احد وظائف الدوله فى المنظور السياسى الاسلامى ، وهى وظيفه حراسه الدين " اى حفظ قواعد النظام القانوني الإسلامي".
ثانيا.المنظور السياسى الاسلامى "الجمع بين الوحده"الارتباط" والتمييز": أما الحل الذى يتسق مع جوهر المنظور السياسى الاسلامى، فهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية:
اولا: علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه) ،لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم وقواعد كليه مصدرهاالوحى كالشورى والعدل والمساواه..
ثانيا: علاقة تمييز (وليست علاقة فصل كما في العلمانية )،لان الإسلام يميز بين التشريع كوضع الهى ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير ، ثبت في صحيح مسلم عن حديث بريده بن الحصيب قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)، ولما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) حكماً حكم به ، فقال :هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال (لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب).
واستنادا الى عموم مفهوم الاستخلاف والمنظور الشامل لاقامه الدين فان هذا الحل يقوم على إسناد كل من السلطه الدينية "المقيده" والسلطه السياسية الى الجماعة"المجتمع المسام" . فالسلطة الدينية المقيده "التى عبر عنها القران بمصطلح الامر بالمعروف والنهى عن المنكر" مخوله بموجبهما- للجماعة قال تعالى :﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما إسنادها لسواها (كالعلماء ) فمن باب التخصص لا الانفراد. كما أن السلطة السياسية ( التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر ) مخوله بموجبهما أيضا للجماعة قال تعالىوأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار) (الأحكام السلطانية: ص7)، ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين.).
ويترتب على ما سبق ان المنظور السياسى الاسلامى يتجاوز كل من الثيوقراطيه التى تقول بدينيه السلطه والتشريع – وبهذا تنفى مدنيه السلطه - كما يتجاوز العلمانيه التى تقول بمدنيه السلطه والتشريع- فتنفى دينيه التشريع. فيقول بمدنيه السلطة " من خلال تقريره ان الحاكم نائب ووكيل عن الجماعه ، لا ينفرد دونها بسلطه دينيه او سياسيه " ، ودينيه التشريع من خلال تقريره ان مصدر التشريع – والمقصود بالتشريع هنا اصوله- القواعد الاصول التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله .
- الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات
https://drsabrikhalil.wordpress.com