النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تعليقات على الحِكَم العطائية

  1. #1

    تعليقات على الحِكَم العطائية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ و سلِّم على سيِّدنا محمد و على آله و صحبه .....

    أما بعد ....

    فقد جرت على بالي خواطر قبل أيام، و عزمتُ اليوم على تقييدها في المنتدى، و لكني كرهتُ كرهًا أن تكون خِلوًا من التشرُّف بأي نصٍّ من نصوص الأئمة الصُّوفيَّة المحقِّقين، و لذلك اجتهدتُ أن أجد حِكمًا عطائية ألصق بها هذه الخواطر إلصاقًا! فتكون كالتعليق عليها أو تعقيبًا ....

    و لأحدكم كلُّ الحقُّ أن يتعجَّب من جسارتي على التعليق على أشهر متن من متون التصوف عند أهل السنة، و لكن و الله هذه الخواطر ليس مأذونًا لها بالنشر إلا بعد أن يتم الإقرار عليها من قبل من له أهلية .... أنا هنا أتكلَّم بين مشائخ و طلبة علم ... فالظن أنهم إن رأوا في كلامي خطأ صريحًا ينبغي أن لا يوجد فسينبهوني على ذلك و لا شك ....

    و على الله توكلتُ .........

    ---------------------------------------

    قال ابن عطاء السكندري:

    مَا صَحِبَكَ إِلَّا مَنْ صَحِبَكَ وَ هُوَ بِعَيْبِكَ عَلِيْم، وَ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا مَوْلَاكَ الكَرِيْمِ، خَيْرُ مَنْ تَصْحَبُ مَنْ يَطْلُبُكَ لَا لِشَيْءٍ يَعُوْدُ مِنْكَ إِلَيْهِ.


    هل خطر ببالك، أن هذا اللطيف الخبير، المطَّلِع على خبايا نفسك، النافذ إلى أسرار روحك، سرُّك عنده علانية، ما من خطرة سوء تمر عليك، في حال طاعة أو معصية، في نعمة أو نقمة، في جدٍّ أو هزل، كان لها ألف باعث أو كان لها نصف باعث، كلُّ هذا مُسْتَطَر، كلُّ هذا محاسَبٌ عليه، هذا الواحد الأحد، قد أحاط بك علمًا، هل تعلم ماذا يعني قد أحاط بك علمًا؟ يعني يعلم كم نعمة أسبغها عليك، ظاهرة و باطنة، ابتداءً من نفخ الروح، ثم يحفُّك بعنايته، يصنعك على عينه، في ظلمات ثلاث، تُخلَق شيئًا شيئًا، ملَّكك العقل، فالقلب، فالعينين، فاللسان، فالشفتين، فالأذنين إلخ قذف في قلب أمِّك عاطفة عليك لا تطيق أن تصرفها إلى نفسها، فضلًا عمن سواها، كفلها بك، تستمرُّ النعم تتوالى عليك، إلى أن تكبر فتكون مقتدرًا على العصيان و التجبُّر في الأرض، فتبدأ تبطش و تتكبر و تحتقر و تظلم و تقذف و تقتل، فإن انصرفتَ إلى الطاعة، لعب بك العجب و الزهو، و ظننتَ في نفسك الفضل على خلق الله، بمن فيهم من لهم حق عليك، و تبدأ في مشوار الطريق إلى الله تمارس المعاصي، من حين تفتح عينيك، إلى أن تغلقهما، تعصي عن تعمد و وعي في الكثير من الأحيان، تتذكر نعم الله تعالى عليك، فتمضي، حتى إذا ما علوت في الأرض و طغيتَ، قصمك بمصيبة ينكسر منها خرطومك، يحار فيها قلبك، يكل منها عقلك، تشل فيها جوارحك، يفارقك فيها الأصدقاء، يضجر منك ذووك و أقاربك، لم فعل هذا؟ لأنه يرحمك، نعم، يرحمك، بعد كلِّ هذا الذي فعلتَه، يشفق عليك من بعدك عنه، يرأف بك من الضلال الذي أنت فيه، فعل هذا، و هو الملك، و أنت عبد السوء، فعل هذا، و هو الغنيُّ عنك، و أنت الفقير إليه، هو المتقرِّب إليك، و أنت المعرض عنه، هو المنعم عليك، و أنت الكافرِ بها، هو الآمرك بالأوامر، و أنت المرتكب النواهي. لا جرم إنها رحمة الله تعالى التي وسعت كلَّ شيء. إنها رحمة واجب الوجود، التي ليس في طوق الممكن الوجود أن يتصوُّرها بعقله الحادث. إن هذا العليم الرحيم، مَن صفاتُه التي ذكرتُ، بعد فَعَلاتك التي ذكرتُ، هو من ستر قبائحك و شنائعك عمن حولك، هؤلاء الناس الذين يثنون عليك و "يَشْرُقُونَ" باسمك، و يضربون المثل بك، و يغرُّونك بنفسك، و يزيدونك سوءًا على سوئك، و هلاكًا على هلاكك، أفسدوك بجهلهم، و رحمتهم بك و مودتهم لك الكاذبة، و أصلحك الله تعالى، العليم بجحودك و كفرك لنعمه، بمحض رحمته الغامرة، و جوده الفيَّاض. هل تعلم ما يمكن أن يفعله هؤلاء الناس الذي يتلبَّسون بالرحمة و الود، لو اطَّلعوا على خبيثة من خبائثك؟ و الله لهجروك بلا رجعة، لشتموك، لاستقذروا الجلوس معك، لاستقرفوا ذكر اسمك حتى، لأنهم مخلوقون، و رحمتهم مخلوقة، طارئة، عارضة، متغيِّرة بتغيِّر الأحوال. و أما رحمة واجب الوجود فهي القديمة التي لا يؤثر بها حادث، التي سبقت غضبه، ما زاده علمه فيك إلا رحمة بك، و إلا تفضُّلًا عليك.


    و إلى لقاء.

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  2. #2
    قال ابن عطاء الله السكندري:

    مَا نَفَعَ القَلْبَ مِثْلُ عُزْلَة يَدْخُلُ بِهَا مَيْدَانَ فِكْرَة

    الخلوة مستحبة، من جهة أنها تصفِّي النفس من الكدورات، و تحلِّق فيها الروح التي كبلتها الشهوات، و تلتفت فيها النفس إلى ما اقترفته من سيئات، و كما ورد في الحديث النبوي {((يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ))}، و الجملة الأخيرة مرتبطة و متعلقة بالتي قبلها، فلو أن الإنسان بقي مخالطًا للناس بجسده و قلبه، أشغلوه و أفسدوه، فما عاد يدرك أنه في نقصان، و ما عاد يحس أنه في انحدار، فكل من حوله على نفس المرتبة من المعاصي و الفساد فأنى يصيبه ندم؟ و كيف يشعر بتقصير؟ و لكنه لو لزم بيته، أو اعتزل الخلق لفترة، لتفكر في حاله، و علم كم هو مفرِّط في جنب ربه، فحينها "يبكي على خطيئته"، و يسعى إلى التغيير، فإن رأى نفسه بعد ذلك قادرًا على مخالطة الخلق مع محافظته على هذا المستوى فعل.

    و الكثير من حمقى العصر يتهم الصوفية من أهل السنة المحققين أنهم منقطعون عن العالم معتزلون عن الخلق لا يعرفون شيئًا، و لا يباشرون أسباب الحياة، و لا يفهمون شيئًا من التعامل مع عباد الله أو أداء المعاملات. ثم يأتون استشهادًا لكلامهم إما بمواقف لأناس خارجين عن مذهب السنة،أو حالات قليلة، أو مقيدة بظروف معينة، و لا يُقاس عليها و تجعل قاعدة من القواعد!!

    شوفوا أيها الوهابية يا من يريد منكم أن يفهم و يعقل -و أما من لا يريد فالكلام ليس موجَّهًا له-:

    العزلة هي دواء، يأخذه المؤمن على قدر الحاجة، فإن كان متلطِّخًا بالمعاصي من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه، أو وضعه الله تعالى في شرار الخلق أو مكان فساد متطاير، أو كان لا يدري ما يُراد منه و لا ما الذي يعمل، أو كان مقصِّرًا و لا يدري كيف الرجوع، أو كان مبعثر الأولويات، أو نحو هؤلاء من الحالات، هذا الإنسان، لن يتمكن من إصلاح حاله -عادةً- إلا بالعزلة.

    يعني بربكم، حين أقسم الله تعالى بالنفس اللوامة، هل تعتقد حضرتكم أن هذه النفس اللوامة تمارس اللوم في عرس مثلًا؟ ديوانية؟ عيد؟ سفر مع الأصدقاء؟ بالطبع لا، لن يكون هذا إلا بالخلوة.

    الخلوة تختلف من وجوه. فالإنسان العالي القوي الإيمان العاقل، يقضي أوقاتًا غير قليلة في اللوم و التفكر، و محاسبة النفس، و الإقرار بالمعاصي، و ذكر نعم الله تعالى عليه، و البكاء من هذا كله، لم شُرع لنا القيام في الليل! لأن في الليل غالب الناس نيام فتصفو النفس و يخلو البال.

    و من وجه آخر سبق ذكرُه، هو اختلاء الإنسان بقدر معاصيه و تقصيره.

    ربما ظن هؤلاء أن الخلوة تعني أن نذهب إلى الصحراء مع قربة ماء نرعى الشاء و نعتزل الأزواج و الأولاد و نولي ظهرنا الأهل و الأحباب! و نهمل الأشغال و الواجبات! نعم، هم هكذا يظنون!

    كلا، الخلوة لها مقصد، إن حصل هذا المقصد المرتبط بحقيقة الخلوة ثبتت المنفعة. فلو أن الإنسان جلس مع نفسه بعد فريضة الفجر مثلًا إلى طلوع الشمس و ملأ الوقت بالذكر و الدعاء و التفكر فهذا يعتبر خلوة حتى لو باشر أعماله و خالط ناسه طوال اليوم. ربما يحتاج إلى نصف ساعة في اليوم، و ربما ساعتين، واحدة في أول اليوم و الثانية في آخره. ربما يحتاج إلى أيام، ربما يحتاج إلى شهور، و لربما أعوام ….. و الله اللطيفٌ الخبير.

    و بالإضافة إلى هذه الفوائد العظيمة للعزلة، فهي تقوي العلاقة بين العبد و ربه و لا شك، و تعزز إيمانه، و تنتعش روحه، و يجدد فيها نيته، و يزداد هدفه وضوحًا أمام عينيه، و تصفو النفس لتلقي العلوم، و تتهذب الأخلاق للتعامل مع الخلق.

    و إلى لقاء.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  3. #3
    اللهم أمضِ لنا هجرتنَا -هذه المرة-، و لا تردّنا على أعقابنا! آمين.

    قال الإمام ابن عطاء الله السكندري:

    "لا تطلبْ منه أن يخرجك من حالةٍ ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج."

    فإن العاقل حتى لو كان مشغولًا بالتجارة و البيع، فعساه خيرًا -له- من أن ينشغل بالإفتاء في الشريعة و نحوه، فلعل انشغاله بها يفتنه في دينه، و يجرئه على شرع الله، و يُنسيه الغاية من الانشغال بالدين أساسًا، و هو التقرب من الله و إقامة شرعه بين الناس.
    و إن الله تعالى لو علم أنك تصلح لنشر الدين، و أن في ذلك صلاحًا لك، و لغيرك، لأدخلك فيها، بمعونته و تيسيره و توفيقه، فانشغلْ بالتجارة و البيع انشغالًا لا يلهيك عن ذكر الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة خائفًا من يوم تتقلب فيه القلوب و الأبصار، هو خيرٌ لك من التصدر في الدين بقلب سقيم. و إن الله لو أراد خيرًا لك في هذا، فستمتحنه في قلبك، استفتِه إذ تهتم دومًا بإصلاحه، و سترى الخيرة جليةً في نفسك و حولك، و ستطمئن إلى ما هو الأصلح.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •