مقارنة موجزة مهمة
بين مذهب ابن تيمية ومذهب ابن عربي
في مسألة عذاب النار

الفصل الأول: خلاصة قول ابن تيمية في فناء النار
أولا: ابن تيمية يقول بأن عذاب النار فيه ألم حسيٌّ ونفسي.
ثانيا: ابن تيمية يقول إن النار التي يتعذب فيها الكفار الذين هم أهلها تفنى بعد فترة. ولم يقل ابن تيمية بأن عذاب أهل النار يتحول إلى عذوبة، وأنهم يبتهجون بما يقاسون فيها، بل أطلق القول بالعذاب الأليم لهم ما داموا فيها...
ثالثا: وإذا عذب الله الكفار في النار ووصلوا إلى مرحلة معينة ووقت معين، أفنى الله تعالى النارَ عند ذلك الوقت....
في هذه المرحلة، إذا فنيت النار، هل يفنى أهلها الذين كانوا فيها...
لا يوجد تصريح فيما نعلم من ابن تيمية بأنهم يفنون معها ويندثرون، وعدم تصريحه بفناء أهل النار مع تصريحه بفنائها هي في نفسها قد يظهر منه أنهم يبقون بعد فنائها. (وفيهم إبليس وسائر الكفار من الإنس والجن)، فهنا احتمالان:
إما أن يقول بفنائهم، ويحتاج إلى دليل لإثبات ذلك، ولم نعثر على نص يدلنا على قول ابن تيمية بهذا الاحتمال.
وإما أن يبقوا بعد فناء النار... فأين يذهبون بعد ذلك... لم أعثر له على تصريح بأنهم يدخلون الجنة ويتمتمون فيها مع أهل الجنة، ولكن هذا هو الأليق بكلامه، فلم يصرح بأنهم يفنون، ويستحيل أن يبقوا خارج النار وخارج الجنة هكذا لا في عذاب ولا في نعيم...ويترجح هذا الاحتمال عند ذكر بعض الأصول الأخرى في قوله. وأيا ما كان فقوله بناء على أي من الاحتمالين شنيع.
وعدم تصريحه بفناء أهلها مع قوله بفنائها يجعلنا نتحير في مصير أهلها... أيفنون معها! أم سيبقون هناك بلا عذاب أم يخرجون منها ويدخلون الجنة... جميع هذه الاحتمالات لا دليل عليها وبعضها أشد من بعض في الشناعة.
(هذا هو قول ابن تيمية باختصار ومعه ابن قيم الجوزية الذي قام بتوضيحه في عدة كتب ولكني نسبته لابن تيمية لأنه الأصل فيه)
الفصل الثاني: قول ابن عربي
أولاً: إن أهل النار الذين هم أهلها من الكفار والزنادقة ومعهم الأبالسة والشياطين وغيرهم خالدون فيها لا يخرجون منها.
ثانيا: يدوم العذاب الأليم الحسيّ فترة معينة محدودة ثم ينتهي...بعد ذلك. وهذا مع بقاء صورة العذاب التي تدوم ولكن ينقطع حكمها وأثرها.
ثالثاً: في هذه المرحلة:
-إما أن ينقطع عنهم الألم الحسيّ، ويبقى الألم النفسي المعنوي وقد يسمى الألم الخياليّ المبني على خوف رجوع العذاب الحسيّ إليهم.
-وإما أنْ ينقلب تعذيبهم بالألم الحسي بعد انقطاع الألم الناتج عنه إلى عذوبة مع بقاء صورته، مع وجود ألم نفسي أيضاً، وهذا هو الذي يفيده كلام ابن عربي في مختلف المواضع في كتبه: الفتوحات والفصوص وغيرهما، وقال بوجود ألم نفسيٍّ سببه سخط الله عليهم، وذلك مع انقطاع الألم الحسي المترتب على العذاب أصلاً.
وهكذا يبقون في جهنم خالدين فيها أبدا لا يخرجون منها، بحيث إنهم لو عرضت عليهم الجنة تألموا بالنظر إليها، ولو دخلوا الجنة لتألموا، ولذلك يبقون في جهنم لأنهم أهلها ولَها خُلِقوا...
تعقيبٌ:
هذا جملة قول ابن تيمية وجملة قول ابن عربي، ولا التفات من حيث الأدلة والنظر لمن ادعى بطلان نسبة هذين القولين إليهما، لضعف مستنده جداً، وذلك مع غضِّ النظر عن تفاصيلَ كثيرة تعتور هذه القولين.
الفصل الثالث: بعض مخالفات قول ابن تيمية لأدلة الكتاب والسنة ولأهل السنة:
أولا: قوله بانقطاع العذاب عن الكفار أصلا بعد فترة معينة.
ثانيا: قوله بفناء النار صورة وحكماً، وما يستلزمه ذلك من خروج أهل النار من النار. وهو معارضة واضحة لأدلة القرآن والسنة، ولأصول أهل السنة. ولم يقل ابن عربي بهذا القول.
ثالثا: ما قد يتبع قوله بفناء النار من أن الكفار بعد ذلك يدخلون الجنة، كما أسلفنا...وهذا معارضٌ للقرآن ولأهل السنة والجماعة. فإن تبين أنه لا يقول به، أُلغي.
وإن قال إن الكفار يخرجون من ثم لا يدخلون الجنة ولا يفنون، فهذا يحتاج لدليل، وإن قال إنهم يفنون احتاج لدليل أيضاً، والأدلة لا تسعفه.
الفصل الرابع: بعض ما يعارض به قول ابن عربي أدلةَ الكتاب والسنة وأهل السنة:
أولاً: قوله إن العذاب الأليم الحسيَّ يبقى عليهم فترة معينة ثم ينقطع عنهم. وهذا متوافق مع قول ابن تيمية على الأقل خلال الفترة التي قال ابن تيمية إنهم يعذبون فيها. بغض النظر عن الانقلاب المذكور أو عدمه. فانقطاع العذاب الحسيّ حاصل على الرأيين.
ثانيا: قوله إنَّ العذاب الأليم يتحوَّلُ عذوبةً بعد ذلك في النار إلى أَبَدِ الآباد مع بقاء صورته.
ثالثاً: إن أهل النار يأبون الدخول في الجنة لو عرضت عليهم ويتألمون لذلك، ويبقون في النار، ولم نرَ ابن تيمية يقول ذلك ولا يلزم ذلك على قوله.

الفصل الخامس: مواضع الاتفاق والاختلاف بين القولين
تحقق الوفاق بين الطرفين في المعنى التالي:
أنَّ كُلّا منهما يقول إنه بعد انقطاع العذاب والألم الحسيّ، وهذا القدر من الاتفاق قطعيٌّ.
أما مسألة تحول العذاب إلى عذوبة: أو تحولهم من العذاب إلى التنعم
-فابن تيمية بناء على أن الكفار يدخلون الجنة بعد انتهاء العذاب والألم في النار، يلزمه أن يقول: إنّ هذا المكان هو الجنة بناء على افتراض أنه يقول بخروج أهل النار منها مع بقائهم وعدم فنائهم.
-أما ابنُ عربي فإنه يصرِّحُ بأنَّ هذا المكانَ الذي يتلذذ فيه أهل النار هو النار نفسها لأنه لا يقول بخروج أهل النار منها.
وأما مواضع الاختلاف بينهما فقد تبينت مما مضى.
ملاحظة 1:
توجد بالطبع تفاصيل أخرى كان من الممكن ذكرها، وهذه الأصول لا تقل أهمية عما ذكرناه، كبعض ما يبني عليه الاثنان قوليهما في انقطاع العذاب المتضمن للألم الحسي عن أهل النار، مما يستلزم انتهاء العذاب، وما هي الأدلة التي يبني عليها كل واحد منهما قوله في هذه المسألة وغير ذلك من لوازم هذه المسألة، لم نذكرها هنا، لأن القصد كان إلى إظهار بعض جهات التوافق والاختلاف بين قوليهما مما هو من المعاني الظاهرة، وبعض ما يخالف فيه كل واحد منهما أهلَ السنة لا على سبيل الاستقصاء.
ملاحظة 2:
نسبة المذهب المذكور لابن عربي مبنيٌّ على ما تدلُّ عليه نصوصه الكثيرة الموجودة في كتبه المختلفة وكلها يدلُّ على أنه اختار هذا المذهب ورجحه، وعلى عدم قناعتنا بأن له تأويلا غير متعسف ولا متكلف بحيث يكون موافقاً لمذهب أهل السنة، وعلى عدم قناعتنا بأن هذه الأقوال مما دسَّ عليه في كتبه. وعلى قناعتنا بان ظاهر هذا المذهب مخالف لأدلة القرآن والسنة في هذا الباب، كما أنه مخالف لمذهب أهل السنة كما هو مصرح به في كتبهم.
توجيه وإرشاد:
نحن ندرك تماما أنَّ من حقِّ المخالف أنْ يخالفَ في أيّ جهة من هذه الجهات، وندرك أن من حقنا مخالفته أيضا، وأعتقد أن العبرة في ذلك كلِّه بالدليل الكافي المثبت لكل ما ندعيه. أو يدعيه، ولكن إدراكنا أنَّ هذا حقٌّ له لا يعني أنه مصيبٌ فيه، بل هو مخطئٌ، وظنُّ أن حكْمَنا عليه بالخطأ احتكارٌ للحقِّ، غلطٌ في الحكم وقصورٌ في النظر، ودليلٌ على عدم النضوج المعرفيِّ، وهو دالٌّ على أمور أخرى -لا نريد ذكرها- لا تليق بمن يزعم طلب العلم أو المنافحة عنْ أهل العلم كائنا من كانوا.
والله الموفق



https://www.facebook.com/saeedfodeh/...801?__tn__=K-R