النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: تعليق على النقاط التي اعتمدها أصحاب صفحة الدفاع عن الشيخ الأكبر في مسألة عذاب النار

  1. #1

    تعليق على النقاط التي اعتمدها أصحاب صفحة الدفاع عن الشيخ الأكبر في مسألة عذاب النار

    بسم الله الرحمن الرحيم
    تعليق على النقاط التي اعتمدها أصحاب صفحة
    الدفاع عن الشيخ الأكبر
    في مسألة عذاب النار
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه
    أما بعد،
    فقد رأيت منشوراً لفت نظري نشره بعض المشايخ -وفقهم الله لكل خير- في صفحة الدفاع عن الشيخ الأكبر، ولما كان لهذا الكلام علاقة فيما نشتغل فيه، فقد أحببت مشاركتهم في البحوث والنظر في هذا الموضوع المهم، لنتعاون على البرّ كما أمرنا الله تعالى، وقد بادرت إلى كتابة هذه الورقات حالما قرأت ما نشروه قراءة كاملة، وهو اليوم قبل الإفطار، وأسأل الله تعالى أن يكون فيما نكتبه فائدة، مع تمنياتنا لهم ولجميع المسلمين بالتوفيق في دنياهم وآخرتهم.
    ونبدأ الكلام دون تطويل حفظا لوقت المهتمين المتابعين:
    وسنحاول البيان قدر ما استطعنا مع الإيجاز، وإن كان في كلامنا تكرار فإنما هو للحرص على إظهار المعنى المراد، ورجاؤنا عندهم إن رأوا في كلامنا خللا أن يذكروا لنا رأيهم، ويحسنوا الظنَّ بما نريد، فلا نريد إلا الخير لنا ولهم بإذن الله تعالى وتوفيقه.
    قال فخر الدين الازهري: "السادة الأعضاء الكرام
    مسألة استعذاب عذاب النار بعد التألم بها حِقَبًا الواردة عن سيدنا الشيخ الأكبر مسألة انفرد بها الشيخ على هذا النحو، والكلام في جوازها العقلي خارج عن البحث، لأنها من جملة الممكنات، وإنما الكلام في حكمها الشرعي. وقد اتفق المشايخ في المجموعة على ألا تكون المجموعة مروجة لقول سيدنا الشيخ محيي الدين هذا، وأن يكون تعاملنا مع هذه المسألة هو كالتالي:
    1- بيان مأخذ المسألة عند الشيخ، أي من أي وجه أو دليل أخذها
    2- نقل كلام العارفين عليها ممن يشرحون مأخذ الشيخ فيها
    3- دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها، ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء وأن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة.
    4- إفساح المجال لمن يقول بدسها، فالقول بدسها رأي شائع بين العلماء أيضاً.

    فهذه هي الطرق التي تنتهجها المجموعة في التعامل مع هذه المسألة، والمتحصل لدينا أنه لا أحد ممن استشرناهم من الأفاضل يقول بها.
    نفعنا الله بعلوم سيدنا الشيخ محيي الدين ورضي عنه اللهم آمين".
    وهذه صورتها:


    ولنا تعليق على بعض هذه النقاط:

    ذكر في النقطة الثالثة أن هؤلاء الإخوة الطريقة التالية:
    "دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها، ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء وأن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة."
    1-نعم نقول معكم لسنا مع السعي لتكفير الشيخ ابن عربي، ولا غير الشيخ ابن عربي ما دام هناك احتمال لعدم التكفير، وإن قطعنا ببطلان رأيه، وهذا ما نصرح به دائما، ولكن لا يخفى على نظركم أنَّ التكفير ليس هو المرتبة الوحيدة في إظهار المخالفة للآراء التي يقول بها العلماء، فليس الأمر منحصرا بين الموافقة والتكفير، يعني أن الأمر لا ينحصر : بين إما أن توافق أو تكفر، لا، فهناك الخطأ والابتداع، والابتداع مراتب كما أن الخطأ مراتب، ولا يلزم الحكم بالتكفير على الحكم بالخطأ بالضرورة، وكل منهما قد يكون في أصول الدين وقد يكون في فروعه، وهذه المراتب كلها ينبغي أن تأخذ حقها عند أهل الشريعة والملتزمين بالنصوص الشرعية والقواعد المعتبرة عند أهل السنة، فضلا عن سائر الفرق الإسلامية.
    فإن لم يكن القول موجبا للتكفير، فهل هو صحيح راجح أو ضعيف مرجوح، وهل الخلاف في هذه المسألة في أصول الدين أو في فروعه. وهل الخلاف فيها معتبر بحيث يجوز لنا عده من آراء أهل السنة التي يجوز للناس اتباعها على إطلاقها، أو أنَّ الأمر على غير ذلك. أظنُّ أن هذا يحسن بنا التنبيه عليه أيضاً في بحوث على هذا المستوى من الخطورة والأهمية.
    وبعبارة أخرى: هل يصح أن يكون هذا الرأي معتبراً ليقال بعد ذلك إن لأهل السنة مثلا قولين في أهل النار: القول الأول أنهم خالدون في النار معذبون بالألم الحسي والمعنوي، والقول الثاني: أنهم يعذبون فترة ثم ينقلب العذاب عذوبة أو ينقطع العذاب الحسي ويبقى النفسي.
    ترى .... هل المسألة بهذه الصورة؟!
    2- أنتم نرى أنتم ترفضون أيضا أن يقال: إن الشيخ انحرف عن الدين، وهذا نفهمه نحن على النحو التالي: فأنتم ترفضون أن يقال إن ابن عربي انحرف عن الفهم الراجح أو الصحيح للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وترفضون القول بأنه انحرف عن أهل السنة أيضا في هذه المسألة. فها أنتم تقولون إن من وظائفكم التي تتبرعون بها :"دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها".
    إذن فانتم ترفضون أيضا أن يقال بأن الشيخ انحرف عن الدين القويم، ورفضُ الانحراف، معناه رفض أنه أخطأ أصلاً في هذه المسألة، لأنَّ الانحراف ينطلق في الأساس على الخطأ، سواء في الأصول أم في الفروع، أعمَّ من أن يكون كفرًا أو لا، فظاهر التعبير: رفضُ إطلاق القول بأن في قوله انحرافًا هكذا على الإطلاق.
    ومن المعلوم أن أهل السنة بدّعوا من قال بأن أهل النار لا يعذبون في النار، والظاهر من العذاب هو المصاحب للألم، بل هو الأصل فيه، وعذاب بلا ألم لا معنى له، فالقول بعذاب في الظاهر مع العذوبة في الحقيقة كلام متناقض أصلاً.
    والقول بأنَّ الألم الحسيّ ينعدم بعد فترة، مخالف لما في الكتاب من أنَّ عذابهم دائم، وأن النار دار العذاب المتضمن للألم، وإرادة الألم الحسي أصالة لأن الاتفاق حاصل على وقوع الألم النفسي يوم القيامة.
    ونحن هنا لا نريد أن نناقش المسألة، بل نناقش ما التزموا به.
    إذن فمنهجكم رفض القول بالانحراف=الخطأ والتغليط، ويتضمن رفض الاعتراف بأن هذا القول غلط باعتبار الشريعة، أو باعتبار أهل السنة، وإنما نذكر أهل السنة لأنكم وافقتم على كون الشيخ ابن عربي راجعا في مذهبه لأهل السنة أعمَّ من أن يكون أشعريا أو غير أشعريّ.
    قال د. محمد نصار: " وقلنا في نقاشات سابقة إن وضع عقيدة العوام في بداية الفتوحات تعني:
    1- صلاحية هذه العقيدة للمسلم في نفسها وكونها كافية في العموم بذاتها
    2- كونها مبدأ للولوج إلى المعرفة المتحصلة بالسلوك
    3- كون انتساب الشيخ هو لأهل السنة وعدم جواز ربطه بأي إطار آخر
    ومناقشات الشيخ مع الأشاعرة في الكتاب لا تختلف كثيرا بعد ذلك عن مناقشات الأشاعرة مع بعضهم وإنما حصل التركيز على كلام الشيخ ووصمه بالمخالفة والانحراف فبدا الأمر أكبر مما يحتمل." انتهى كلامه، وهذه صورته:

    فأنتم تعتقدون أن الشيخ ملتزم بإطار أهل السنة مطلقا أعم من أن يكون أشعريا أو ماتريديا أو غير ذلك، ونحن نرحب فعلا بأن يكون الشيخ كذلك، ولو كان كذلك فنحن أول من سيسر فعلا، ونحن أصلا لا ننفي موافقة الشيخ ابن عربي لأهل السنة في كثير من الموارد، ولكن هذا كله لا ينفي أن الشيخ قد قال أقوالا فيها مخالفة لأهل السنة أصولا أو فروعاً بهذا المعنى أيضا، فلا أظنُّ أحدا من أهل السنة قال بانقلاب العذاب عذوبة مثلا، أو قال بأن الألم الحسي ينقطع عن أهل النار سواء التذوا أو لا، فيا ليت الإخوة الأفاضل يبينون كيف يكون الشيخ موافقا لأهل السنة، وأعني بأهل السنة : قواعد أهل السنة وأقوالهم في ذلك، ولا أعني أن واحداً أو غيره من المنتسبين لأهل السنة وافقه أو لا، فالعبرة ها هنا بالقواعد وطرق الاستدلال الموصلة للنتائج، لا لأعيان الناس، فمجرد نسبة القول لواحد من علماء أهل السنة ولو كانت نسبة صحيحة، لا يستلزم أن هذا قول لأهل السنة إلا إذا كان موافقا لأصولهم، وهذا أمر لا يخفى.
    4- يا ليت المشايخ أعضاء المجموعة يبينون لنا كيف يقولون إنهم لا يفتحون باب الترويج لهذا القول، ومع ذلك يصرون على رفض أن يقال إن هذا القول منحرف عن الدين، فلا ندري السبب الذي جعلكم تقولون بمنع إطلاق الانحراف على تلك الآراء، وكيف يمكنكم تصحيح موقفكم بأنكم لا تروجون وأنتم تمنعون القول بخطأ القول أصلاً.
    فمجرد القول إن هذا القول لا يصح وصفه بالانحراف عن الدين، قد يحتمل فتح باب الترويج إن لم يكن لأنفسكم من حيث إنكم لا تقولون به، وكذا من حيث إنكم لا تحضون الناس على القول به، فهذا قد يفتح الباب لأناس آخرين غفلوا عن مخالفته لأهل السنة وسمعوكم تقولون إنه غير منحرف عن الدين، فأجازوا لأنفسهم بناء على ذلك القول به... ألا ترون أن إصراركم على القول بأنه ليس انحرافا عن الدين، قد يفتح الفرصة مفتوحة للاحتجاج برأيكم هذا ليتخذ أحدهم رأيَ ابن عربي قولاً له خصوصا أن بعضكم يقول إنه لم يخرج عن أصول أهل السنة بالمعنى الشامل لأهل السنة...وإن كان لديكم مقصود مفصل يزيح هذا الإشكال فنرجو أن تذكروه.
    5-نفهم أيها المشايخ من منشوركم أن مسألة تحول العذاب إلى عذوبة لم تعد في نظركم مجرد ذوق عَصِيٍّ على أفهام المحجوبين!! أو الظاهريين كما تقولون!؟ أو أنه لا يقدر على فهمها إلا الذائقون أو العارفون الذين بلغوا أطوارا من المراتب والأحوال ورأوا المشاهد! وهو ما كنا نسمعه كثيراً وما زال يردده بعض المتابعين حتى الآن، فأنتم تقولون حالياً أنكم تأخذون على عاتقكم: "بيان مأخذ المسألة عند الشيخ، أي من أي وجه أو دليل أخذها" انتهى كلامكم، إذن صارت المسألة في نظركم -على الأقل من جهة معينة- مسألة علمية.
    ومعنى أنها مسألة علمية:
    أي يمكن النظر فيها من حيث الأدلة التي تفضي إليها، وليست مجرد كشف أو ذوق لا يتعارض مع ظواهر الأدلة لأنه لا يتكلم في الاعتقادات ولا من أبواب الأحكام التي تقع في مستوى الأحكام العقائدية، وأعتقد أن هذا منحىً مهمّ من أنحاء التطور الحاصل على مواقفكم، وإن كان عين ما كنا نقول به منذ عقود، أعني: إن كثيرا مما يقوله ابن عربي في هذه المسألة -وفي مجموعة أخرى من المسائل التي قد نعارضه فيها- ليس مجرد ذوق أو كشف أو أحوال لا علاقة لها بالعقيدة، بل هو مبني أيضا على أفهام معينة لنصوص الكتاب والسنة وتأويلات خاصة نرى نحن أنها غير متوافقة مع طريقة أهل السنة في النظر وفي الاعتبار. ونرى أنها من حيث المنهج ومن حيث النتيجة متعارضة مع أصول أهل السنة، ولذلك نصرح بأن هذا القول -وأمثاله مما قد نورد أمثلة أخرى له- لا يصح أن ينسب لأهل السنة. من حيث المنهج الاستدلالي أو من حيث النتيجة التي وصل إليها. والله تعالى أعلم.
    والحال أنكم كنتم تشنعون علينا وما زلتم أو ما يزال بعضكم يشنع علينا بأنا نعترض على الشيخ في أمور ذوقية، وأنه ينبغي ترك الأذواق لأصحابها، وأن من لم يذق لا يصح له أن يتكلم، ومع عدم تسليمنا أصلا بما كنتم تدَّعون! فإن اعترفتم الآن أن المسألة على الأقل من بعض وجوهها علمية لها مآخذ، إذن يمكننا نحن وغيرنا من أهل العلوم الظاهرية أن نناقش الشيخ في رأيه أو نعارضه بأدلة تُظْهِرُ عدم سلامة استدلالاته، وعدمَ توافق أقواله مع طرق فَهْمِ الدلالات النصية المعتبرة عند أهل السنة، فضلا عن القواعد الأصولية المرعية.
    6-وأما قولكم بأنكم ستقومون أيضا: "ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء" اهـ، فلا ندري ما معنى قولكم على نحو من الأنحاء! هل تقيدون هذا النحوَ: بكونه نحوا معتبرًا عند أهل السنة ودلائل الشريعة، أو أنه يكفي أن يكون على أيِّ نحو كان؟
    أي إننا نسألكم: ألا ينبغي اعتبار جهة موافقته لأهل السنة أو لا، وموافقته لأدلة القرآن والسنة أو لا!؟
    نحن لا نظنُّ إلا أنكم تريدون التقييد الذي عنيناه وذكرناه، وهذا بناء على ما أطلقتموه في بعض مكتوباتكم من أن ابن عربي ملتزم بأهل السنة عموما.
    وفي هذا الخصوص، فقد قمنا ببيان نقلٍ عن الإمام الأشعري يذكر فيه أن بعض الفرق القديمة قد قالت بقول شبيه بهذا القول فعلا، كما ذكرناه في كتاب أصحاب النار، فهل هذا يحقق غرضكم من إثبات "أنه مسبوق بهذا القول على نحو من الأنحاء".
    ألا يلزم بيان أن هذا النحو موافق أو مخالف لأهل السنة بالمعنى الشامل لهم ولغيرهم، ولقواعدهم المعتبرة، ولنصوص الكتاب والسنة قبل ذلك كله، أليس هذا هو المرجع الذي تريدون وضع ابن عربي فيه، فالنحو الذي لا بد من تبيينه إذن يجب أن يكون مقيداً بهذه الجهة....فإن فعلتم ذلك نكون شاكرين لكم...ونحن بالانتظار.

    ....يتبع
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2

    7-قولكم إنكم ستقومون أيضاً ببيان: "أن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة" انتهى كلامكم. أي إنكم تريدون عقد المقارنة بين قول ابن تيمية بفناء النار، وبين قول ابن عربي بانقلاب عذاب النار إلى عذوبة أو انقطاعه، وكأن مجرد ترجيح أن هذا خير من ذاك، أو العكس كافٍ للدفاع عنه. بل قد يكون كل من القولين باطلا في أصله، ولكن من بعض الجهات، واحد منهما أفضل من الآخر. فهل هذا يفي بغرضكم أن تقولوا: إن ابن تيمية قال أقوالا أشد فسادا من قول ابن عربي. ولو فرضنا ذلك صحيحا، فهل قول ابن عربي بمعناه المذكور مقبول ولا يعدّ انحرافا عن المرجعية المعتبرة عند أهل السنة.
    وقد كنا كتبنا في المقارنة بين قول ابن تيمية وبين قول ابن عربي في هذه المسألة، ربما ننشره قريبا لنتساعد في تبين الأصول والأحكام التي اتفق فيها الاثنان أو اختلفا، وقد تكون أمثال هذه المقارنات مساعدة على زيادة الكشف عن فساد القولين، لا عن التوسل بها لتقريب القول بهما أو بأحدهما.
    وهذا كله بغض النظر عن العبارات المجملة المستعملة في هذه العبارة وعدم تسليط التحليل النقدي على هذه العبارات الإجمالية وغير المفيدة في هذا المقام نحو: "مقبولون في مذهبهم في الجملة"!!، فكونهم مقبولين في مذهبهم في الجملة!! لا يستلزم كون قولهم هذا في هذه المسألة مقبولا كذلك، مع أن هذا القول ليس من خواص مذهب الحنابلة المنتسبين لأهل السنة أصلا، ولا ينبغي أن يعتبر أن للحنابلة أصلاً عقيدة بإزاء عقيدة أهل السنة تقول إن عذاب النار منقطع، بل هم موافقون لأهل السنة، ومن ضمنهم، ولم يعتبر الإمام أحمد ولا مذهبه هذه المسألة مقبولة في الجملة. كما أنّ المرجع في هذه المسائل أعني العقائدية ينبغي أن يكون باعتبار القواعد والأقوال المعتبرة عند أهل السنة، وليس قول ابن تيمية معتبرا بحيث يفتى به ولا يعتمد من حيث الدليل والترجيح لا عند الحنابلة ولا عند أهل السنة من غيرهم فهو قول شاذ عند عموم أهل السنة بمختلف أطيافهم كما هو معلوم! وإنما تم الترويج له في الأزمنة المتأخرة!؟
    كما أن قولكم: "قوله فيها خير من قول غيره"، قد علقنا على معناه من قبل.
    وقولكم: "وبعض أئمتهم مقبولون في مذهبهم الحنبلي"اهـ، فقد بينا أن قبول ابن تيمية وابن القيم مثلاً في الفقه، في بعض الأقوال كثرت أو قلت أو غلبت، لا يستلزم مطلقا كون قولهم هذا أعني القول بفناء النار معتبراً ولا مقبولا عندهم، فهو قول في علم التوحيد الذي يشترك الحنابلة فيه مع عموم أهل السنة، فهو ليس متفرعا على قواعدهم الفقهية العملية الخاصة حتى ينسب إليهم من حيث كونهم حنابلة.
    ولنفرض أنه مقبول عند بعض الحنابلة كما قبله ابن تيمية وهو من الحنابلة، وكذا من تأثر به، فإننا نحيل نظركم إلى أن القبول والاعتبار في العلم لا يكون بأن يقال فلان قال بهذا القول، فكم من قول قاله أعلام بل أئمة ولكنه رفض بعد أن تبين للنقاد عدم اتساقه مع الأدلة الظاهرة. فليس مجرد تصحيح نسبة القول لأحد الأعلام عند بعض المذاهب بمسوغ لعدِّ هذا القول مقبولاً بحجة أن القائل به مقبول في الجملة!
    ولم أقصد من التعليق على هذه العبارات الهائمة الإجمالية إلا لفت أنظاركم إلى أن البحث في هذا الأمر لا يلائمه هذه الضوابط أو الإرشادات.
    8- لو سُلِّمَ قولُكم بأنَّ بعضهم سبَقَ ابنَ عربي بنحوٍ ما !! في هذا القول، وأن قوله أهون من قول غيره، وأن غيره هذا الذي قال بقول أخطر منه كان مقبولا من حيث هو عالم في الفروع أو الأصول بوجه ما عند الحنابلة، مع ملاحظة أن كونه معتبرا بوجه ما لا ينافي أبداً أن يصدر عنه قول مخالف لأصول أهل السنة من الحنابلة وغيرهم بوجه ما آخر...أترون هذه طرقاً وضوابط قويمة كافية للتسليم بأن هذا القول الذي سلمتم نسبته لابن عربي غير منحرف عن الشريعة!؟ يعني: هل هذه الاعتبارات كافية للقول بأنه غير منحرف عن أهل السنة في بعض الأقوال، أو غير منحرف عن قواعد الفهم المعتبرة في الشريعة عند علماء أهل السنة؟! كما هو الأصل المفترض لديكم...
    وأخيراً،
    أرجو من المشايخ وطلاب العلم إعادة النظر في هذه الحيثيات غير الخافية علينا أصلا، وكنا قد قمنا ببيان بعضٍ منها كما أشرنا، وأرجو منهم الالتفات إلى أنها غير كافية لتصحيح القول بأن ابن عربي غير مخالف لأهل السنة في هذا القول.
    ونقترح لكم ولأنفسنا مسلكاً آخر لعلكم تعيدون النظر فيه لاحتمال كونه أقوم وأقرب:
    أن يتم البحث في اختيارات ابن عربي من حيث كونها موافقة أو غير موافقة: للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، بالفهم المعتبر عند المفسرين وشراح الحديث الأعلام الملتزمين بمناهج الاستدلال والفهم المعتبرة عند أهل السنة، فقد أعلنتم أنكم تبنون كلامكم على قبول مرجعية أهل السنة، وأن ابن عربي موافق لهم.
    وتطلقون البحث من هذه الجهة التي هي أجدى في نظري مما اقترحتموه.
    فإما أن يكون موافقا في المنهج والأحكام الكلية التي ثبت وجودها في كتبه، ولم يثبت أنها مدسوسة، فحينئذ أعلنوا كيفية التوافق هذه للعلماء ولطلاب العلم، ليستفيد الجميع من بحوثكم العلمية هذه، ولينظروا فيها، وسنعمل معكم على ذلك.
    وإما أن يتبين أنه مخالف لهم ولو في بعض القواعد والأصول النظرية والاستدلالية والمناهج الموصلة إلى الأحكام، فحينئذ يتم الإعلان: أن ابن عربي -بناء على ملاحظة طرقه في البحث، والنظر والاستدلال، وبعض الأحكام التي يقول بها- يعتبر صاحب مذهبٍ مستقل لا يصحُّ نسبَتُه هكذا بإطلاق إلى أهل السنة، بل الأصل أننا نقيد الكلام فيه، فنقول وافقهم في كذا وخالفهم في كذا.
    وقد ينتج البحث موافقته التامة لأهل السنة سواء في المسائل أو في الدلائل، وحينئذ تكونون قد قدمتم للأمة خدمة لا مثيل لها...
    فأقترح عليكم إدراج هذه الحيثية في جهات عملكم، فإنها أضبط كما يبدو لي من الجهات التي التزمتم بها، ورغبتم بالقيام بها، وأكثر موافقة مع غرضكم الذي أعلنتم عنه. وهو أنه موافق لأصول أهل السنة.
    فإذا كان غرضكم معرفة إن كان ابن عربي يوافق أهل السنة وبأيِّ مقدار -كليا أو جزئياً- يفعل ذلك، فنحن معكم في ذلك.
    وأما إذا كان غرضكم مجرد محاولة درء مخالفته أو الحكم عليه بأنه أخطأ ولو في مسألة واحدة! وذلك باستحضار شهادات علماء لتقواه ودينه وكونه مقبولا هكذا على سبيل العموم، أو وليا كبيرا أو أنه بلغ المراتب العليا في التصوف....الخ هذه الحيثيات! فلا إشكال في استحضار ذلك كله.
    ولكن ألا ترون أن هذه الشهادات الإجمالية كلها لن تجدي نفعا عندما يتم بيان بعض المسائل التفصيلية التي يظهر أن ابن عربي مخالف فيها لظواهر القرآن والسنة وقواعد أهل السنة؟!

    وما أعلنتم عنه من أنكم لن ترضوا بالقول بأن بعض أقواله فيها انحراف عن الدين، فبناء على أي معنى أطلقتم قولكم هذا؟ هذا شرط اشترطتموه على أنفسكم -وهو مخالف لما يظهر لنا ولكم- من وجود بعض المسائل الإشكالية، وقد اعترف العلماء المتقدمون والمتأخرون بذلك، حتى إنَّ شراح الفصوص والمعلقون على آرائه المختلفة أقروا بذلك، وما يدلُّ على ذلك محاولات بعضهم توجيه ما ذكره فإنَّ ذلك كان بمشقة أعلنوا عنها في غير موضع، أو محاولتهم تأويلها بعد أن عجزوا عن الإقرار بما فيها، أو نفي ثبوتها عنه للعجز عن قبولها وتأويلها، فكثير من العلماء الملتزمين بمذهب أهل السنة الذين يحسنون الظنَّ به من المتقدمين والمتأخرين أفصحوا عن معارضتهم للآراء المنسوبة له بناء على ملاحظة معناها التي تظهر دلالتها فيها كعذاب النار وتحولها إلى عذوبة أو انقطاع، ونحن نوقف حمل تلك المعاني على خلاف ظاهرها على قرائن كافية، لا على مجرد الاعتقاد بديانته وتقواه وتصوفه واشتهاره من هذه الحيثية بين الناس، وهذا متوافق مع ما نقوله نحن أيضاً.
    ولا يخفى عليكم أن جزم أهل السنة بوجود آراء باطلة في كتبه هو الذي دفع بعضهم للبحث عن توجيه آرائه لمعانٍ مقبولة إن قدروا، أو اتخاذ موقف من المواقف التالية:
    أولا: حمَلَهُ بعضهم على الدس:
    وبغض النظر عن وجود دلائل كافية على نظرية الدس هذه أو لا، فإن كل من قال بدس هذه المواضع فهو قطعا يرفض نسبتها أصلا لابن عربي لما يرى فيها من انحراف عن الدين وأدلته وانحراف عن أهل السنة. وبناء على ما يسلمه مسبقا من أن ابن عربي موافق لأهل الحق، إما اعتمادا على العقيدة التي أظهرها ابن عربي لعوام الناس حيث اعتبر ما بدده مخالفا لما قدمه، فنفاه بدعوى الدس، أو نفى إرادة ابن عربي لظاهره لدعوى التأويل، أو لغير ذلك من الاعتبارات.

    ثانياً: الحمل على التأويل لدفع الإشكالات عن كلامه:
    لو تأملنا أيضا في بعض مواقف أهل السنة من جهة أخرى، فإنهم قاموا بكل ما يطيقون من قوى لتأويل أقواله محلِّ الخلاف والنفور ومنها قوله في مسألة عذاب النار، أقول حاولوا جهدهم لإعادة تأويلها بصورة تكون غير منافرة لقول أهل السنة، وهذا صعب جداً، كما لا يخفى عليكم، إن لم يكن أكثر من ذلك كما أرى. وكذلك حاول بعضهم مع تعسُّفٍ ما أمكنه الجهدُ لبيانِ كيف أن هذا القول لابن عربي لا يتعارض مع صرائح القرآن وأدلته القطعية، وهذا عَسِرٌ جدًا أيضا خصوصا على أصول البحث والنظر والاستنباط والقواعد المعتبرة عند أهل السنة.
    ثالثا: دعوى أن هذه الطريقة موافقة لأهل التصوف والعرفان وإن كانت ظواهر الأدلة تأباها:
    ومع غرابة ذلك بعد التسليم أن هذه المسائل علمية لا ذوقية، ومع ظهور فساد ما فيها من تعميم ذلك على الصوفية، أقصد أنه ليس جميع الصوفية من أهل السنة وافقوا ابن عربي على أقواله محل الخلاف كما هو بينٌ، إلا أنه قد حاول بعضهم أيضا دعوى أن هذا النحو الذي اتبعه ابن عربي من النظر والاستدلال والتوجيه وإن كان خلاف قول طريقة المتشرعين المعتبرة من أهل السنة، إلا أنه يوافق الصوفية أو العرفاء أو نحو ذلك، ونحن نرى خلل هذه الدعوى أيضا، فلا يوافق ابنَ عربي في هذه الطريقة جميع الصوفية، بل كل صوفي وافق أهل السنة في الأصول فلن يوافقه في هذه الآراء، وأما بعض الصوفية الموافقين له في الأصول لطريقته فقد يوافقونه في ذلك.
    رابعا: هناك علماء أعلنوا عن بطلان ما يقرره ابن عربي، بناء على ما توصلوا إليه من صحة نسبة الكلام له في الكتب المنسوبة إليه، وعدم ظهور أدلة دس هذه النصوص في كتبه، وظهور معانٍ باطلة بالنظر لأدلة الشريعة وأصول أهل السنة، فلم يجدوا طريقا إلا إعلان بطلان ما وجدوه من هذه الآراء.
    خامسا: قد يخاطر بعضهم بأن يقول إن آراء ابن عربي تتوافق مع الأصول المعتبرة عند أهل السنة، ولا تتخالف مع أحكامهم العقدية ولا مع ظواهر دلالات القرآن الكريم المفهومة بحسب هذه المناهج والطرائق، كما أنها لا تتعارض مع القواعد والأدلة العقلية التي قررها أهل السنة. وهذا أيضا كما أرى اقتراح قد يقبله بعضهم لأول النظر، ويشرع في تطبيق المسائل بناء عليه، ولكني بحسب ما يظهر لي أراه صعب المنال عسر الهضم يلزم صاحبه للتعسف والتكلف الذي يظهر بعد إعادة الدراسة والنظر أن مسلكه الذي اتبعه ضعيف جداً لا يعتبر عند أولي النظر والتحقيق، ولا عند أهل الأصول الملتزمين بطرائق الاستدلال المعتبرة الذين يحسنون تطبيقها على مواردها.
    ملاحظة منهحية:
    هذه هي الطرق التي تخطر في بالي الآن، ولكن أريد أن ألفت نظركم إلى أن الطريقة المعتمدة على فرض الدسِّ، وأن هذا ليس من كلامه أصلاً بناء على أن ما تشتمل عليه تلك النصوص المدسوسة يتعارض مع الأحكام المعتبرة عند أهل السنة، أقول: هذه الطريقة تتعارض مع ما تقترحونه من موقف يجزم بالمعارضة ضدَّ مَنْ يقول إن ظاهر كلامه باطل وهو لا يسلم بالدسِّ، وذلك لأن العلماء ما لجأوا إلى طريقة الدس إلا بعد عجزهم عن قبول هذه الآراء المتناثرة في كتبه، وأفترض أنهم كذلك عجزوا عن تأويلها تأويلا مقبولا معتبراً غير متعسِّف ولا متكلَّف لتتوافق مع مذهب أهل السنة.
    فأرجو منكم إعادة النظر في ذلك...
    ولذلك لم يكن من المعتمد عند أعلام أهل السنة الذين ليسوا على طريقة ابن عربي القبول بظاهرها بدون تأويل يرجعها إلى أصول أهل السنة، كما حاول بعضهم ولم ينجحوا في نظرنا! وهؤلاء العلماء لم يكونوا يمنعون الحكم على هذه الآراء بأنها معارضةٌ أو منحرفةٌ عن قواعد الشريعة وعن أصول أهل السنة كما فعلتم أنتم، إلا إذا كان قصدكم معنى آخر لم يظهر لنا.
    فنرجو منكم بيانه لنتعاون معكم في خدمة مذهب أهل الحق.

    والله تعالى أعلم وأجل
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
    كتبه سعيد فودة
    اليوم الأول من رمضان الخير عام 1441هـ.


    http://www.aslein.net/showthread.php?t=19786
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •