النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حول دعوى المعترض المتسرّع أننا نسبنا ابن عربي لفرقة الباطنية والزندقة المستلزمة للكفر

  1. #1

    حول دعوى المعترض المتسرّع أننا نسبنا ابن عربي لفرقة الباطنية والزندقة المستلزمة للكفر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حول دعوى المعترض المتسرّع
    أننا نسبنا ابن عربي لفرقة الباطنية والزندقة المستلزمة للكفر

    لا يليق بمن يزعم البحث العلمي أن يتخابط بهذه الصورة....
    عندما يسألنا أحد الناس طالباً رأيَنا في كلام مَنْ يقول: "يرى بعض الأفاضل أن تعدّد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام.. إلى آخر كلامه الذي تجدونه في منشوره على الرابط التالي:
    https://www.facebook.com/10000472095...427478408/?d=n
    ولكن السائل اختصر الكلام، فقال: "سُئل الشيخ سعيد فودة وفقه الله تعالى عن قول البعض بالمعنى: (إنّه لا فرق بين عقيدة العوامّ وعقيدة الخاصة وخلاصة الخاصة، إلا من حيث الإجمال والتفصيل، أو من حيث تعدد طرق الإثبات بالدليل الظاهر والكشف فهي في النهاية عنده عقيدة إسلامية واحدة). اهـ
    وكما هو معلوم:
    فإن الكلام على ثلاث عقائد أو بهذه الأسماء هو قول الشيخ ابن عربي، والأخ الذي يبدي رأيه هنا يقول إنّ العقيدة عند الشيخ ابن عربي مستويات كما هي عند أهل السنة مستويات، مستوى مجمل للعوام، وآخر مفصل لطلاب العلم والخاصة. أو أنّه مستويات من حيث طرق الإثبات، فمستوى العامة دليله عقلي، ومستوى الخاصة دليله الكشف".
    فقلت في الجواب:
    "هذا الكلام كلام هزيل كما أراه؛ لأن المراد بعقيدة العامة وعقيدة الخاصة وخلاصتهم، والفرق بين هذه العقائد ليس هو كما قيل من حيث الإجمال والتفصيل. فإن التفاوت بالإجمال والتفصيل من حيث المعرفة بعقيدة أهل السنة هو الأصل، بل هو الأصل في كل مذهب. وليس هذا الموضوع محل خلاف أصلا لكي يذكر ههنا أو يجاب به!!
    بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدل على أحكام وتصورات معينة، والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة يراد بها أحكام وتصورات أخرى مخالفة للأحكام المعطاة للعوام بل هي مناقضة لها أحياناً.
    فهذا هو المقصود بلا ريب بالعقيدة الظاهرة والعقيدة الباطنة وتعدد مستوياتها بين العوام والخواص وخلاصة الخاصة وليست هي عقيدة واحدة...
    ونؤكد مرة أخرى أن محل الإنكار ليس هو الإجمال والتفصيل، بل هذا أمر يكاد يقرب من المعلوم من الدين بالضرورة كما أنه من المعلوم بالضرورة من كل مذهب عقدي أو فقهي أو أصولي أو صوفيّ... إلخ، ولا يغفل ذلك إلا مجادل أو غافل أو مستخف بمقام الكلام والنزاع، فلا يصح حمل النزاع على هذا المعنى أصلاً..." الخ ما قلناه.
    فقد جاء الكلام عن قضية الظاهر والباطن في جوابنا موافقاً لسؤال السائل عن مراتب العقيدة بحسب تدوينها في كتب ابن عربي، خصوصاً كتاب الفتوحات المكية، والعلاقة بين تلك العقائد المبثوثة فيه.
    وقد ورد لفظ [الباطنية] أيضاً في كلام الشيخ حدارة قبل أن أذكر رأيي في كلامه الذي سئلت عنه، فقد قال: "يرى بعض الأفاضل أنّ تعدد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام..." انتهى كلامه.
    فهو كان ينسب لبعض الأفاضل -قبل أن أجيب عن تساؤل السائل أصلاً- أنهم يقولون: إن عقيدة ابن عربي زندقة وباطنية، ويبدو أنّ هذا الأصل الذي يصدر عنه هو ما علق بذهنه لما بادر بالردّ عليّ، واتهامي بما اتهمني به.
    ومن هنا لزم تنبيه الفضلاء من المتابعين والقراء أنّ ورود لفظ الظاهر والباطن في جوابنا إنما نريد به أنه أظهر عقيدته التي ظاهرها قد يوافق أهل السنة والتي هي موجودة في أول كتاب الفتوحات المكية، ذكرها للعامّة وأظهرها للخلق أجمعين، فقال في الفتوحات (1/36): "وصلٌ يتضمن ما ينبغي في العموم وهي عقيدة أهل الإسلام مسلمة من غير نظر إلى دليل ولا إلى برهان"، وهذه العقيدة التي أشهد عليها الخلق أجمعين.
    ثمّ قال ابن عربي في الفتوحات (1/38) بعد أن انتهى من ذكر عقيدة العموم: "ثم أتلوها إن شاء الله بعقيدة الناشية الشادية، ضمنتها اختصارَ الاقتصاد بأوجز عبارة، نبهت فيها على مآخذ الأدلة لهذه الملة، مسجعة الألفاظ، وسميتها برسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم، ليسهل على الطالب حفظها، ثم أتلوها بعقيدة خواص أهل الله من أهل طريق الله من المحققين أهل الكشف والوجود، وجردتها أيضاً في جزء آخر سميته المعرفة، وبه انتهت مقدمة الكتاب.
    وأمّا التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب، مستوفاةً مبينة، لكنها كما ذكرنا متفرقة، فمن رزقه الله الفهم فيها يعرف أمرها، ويميزها من غيرها، فإنه العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى، تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي، والله الموفق لا رب غيره". اهـ.
    وبعد أن انتهى من ذكر (وصل في اعتقاد أهل الاختصاص من أهل الله بين نظر وكشف)، وفيها بعض مواضع تستحق إعادة النظر وفيها بعض مواضع خلافه مع عقيدة أهل السنة، ربما نبيّنها لاحقاً إن شاء الله تعالى، قال (1/47): "وأما عقيدة خلاصة الخاصة في الله تعالى فهو أمر فوق هذا جعلناه مبدّداً في هذا الكتاب لكون أكثر العقول المحجوبة بأفكارها تقصر عن إدراكه لعدم تجريدها". اهـ
    ومن المعلوم أنّ هذا المستوى الرابع الذي يقول إنه بدّده في أثناء الكتاب وقد وصفه بالأوصاف التالية:
    أولاً: أكثر العقول محجوبة عنه.
    ثانياً: أنه يشتمل على ما هو فوق ما ذكره سابقاً.
    ثالثاً: سبب كون أكثر العقول محجوبة عنه هو أنها متعلّقة بأفكارها، ولأنها غير متجرّدة.
    رابعاً: وصف هذه العقيدة المبددة في أثناء الكتاب فقال: هي "العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها مرمى".
    خامساً: جعلها لخلاصة الخاصة، وهذا يفيد أنه يحض عليها أصحابه ومن هم مثله أو يوافقونه في المشرب والطريق والعقيدة.
    وهذا الذي بدّده في ثنايا الكتاب وجدنا في بعضها قوله بتحوّل العذاب إلى عذوبة، وهذا مخالف لأهل السنة والجماعة ولنصوص القرآن الكريم.
    والمفروض بالباحث عن الحق الطالب الإنصاف لو رأى في هذه العقيدة التي بددها وفرقها ابن عربي في أثناء الفتوحات ووصفها بهذه الأوصاف: أقول لو رأى الواحد تخصيصا أو زيادة أو مخالفة لما هو مذكور في عقيدة العوام أو أمورا غير مبحوثة أصلا في عقيدة العوام أن يقوم بتقديم ما هو مذكور في هذه العقيدة المبددة على ما هو مذكور في عقيدة العوام، لا العكس، لأن ابن عربي وصف ذلك بأنه العلم الحق وليس وراءها مرمى، وأنه جعلها لخلاصة الخاصة...أي من هم مثل نفسه في الفهم والذوق.
    ولم يأتِ في كلامنا أصلاً لفظ الباطنية بهذه الصيغة، بل جاء لفظ الظاهرة والباطنة وصفاً للعقيدة: أي قلنا : عقيدة ظاهرة، عقيدة باطنة، ومن يتمعّن في كلامنا يعلم علماً ظاهراً أننا نريد بلفظ [ظاهرة] قطعاً الإظهار أي كونها ظاهرة للناس وكون تناولها والوصول إليها قريبا للناس لكي يطلعوا عليها جميعاً، ولذلك قلنا: "بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدلّ على أحكام وتصورات معينة"، يعني تلك العقيدة التي تقرب ألفاظها وينظمها صاحبها، ويمكن للعامة الاطلاع عليها لكونها في مفتتح الكتاب، كعقيدة العوام التي وضعها ابن عربي في بدء الفتوحات.
    وأما لفظ [باطنة]؛ فقصدنا به تلك العقيدة التي بدّدها وأخفاها عن أعين من لا يستحقّ، ومن لا يستأهل معرفتها، أو لا يطيق ذلك؛ لكون نفوسهم محجوبة أو غير ذلك من أسباب، فقلت في الجواب نفسه: "والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة يراد بها أحكام وتصورات أخرى مخالفة للأحكام المعطاة للعوام، بل هي مناقضة لها أحياناً، فهذا هو المقصود بلا ريب بالعقيدة الظاهرة والعقيدة الباطنة وتعدد مستوياتها بين العوام والخواص وخلاصة الخاصة وليست هي عقيدة واحدة...".
    فكلامي ظاهر في أن المراد بالباطنة هنا كونها ليست في متناول الأيدي ولا يقع عليها الواحد بسهولة بل لا يعثر عليها إلا مَنْ يُجهد نفسه في قراءة الكتاب لطوله وعمق مباحثه فلا يطيق ذلك عامة الناس، وهذا واقع مشاهد، ولذلك رأينا أن كثيراً من الناس إذا قلنا لهم إن ابن عربي يقول بكذا وكذا، بادر إلى نفي ذلك عنه، لأنه لا يعرف عنه إلا العقيدة التي أعلن عنها وأظهرها في أول الكتاب، وهذا واقع مشهور، مع أنه وصف تلك العقيدة المبدّدة في ثنايا الكتاب بأنها (العلم الحق والقول الصدق)، ولم يصف ابن عربي عقيدة العوام ولا ما بعدها بالطبع، بهذا الوصف.
    فالبطون ههنا يراد به ابتداءً الخفاءُ عن الأعين، لا لكونها رمزية تحتاج إلى فكّ رموز ونحو ذلك، ولا لكونها تشتمل على مصطلحات غريبة غير معروفة أو سرية كما عرف عن بعض الفرق الباطنية، بل لكونها بعيدة عن المتناول، وخفيّة عن الأعين بهذا اللحاظ الذي ذكرناه، أي من حيث كونها مبددة في أثناء سفر كبير الحجم ككتاب الفتوحات المكية، فإن الكلام أصلا دائر حوله لا على غيره من الكتب ومتعلق بابن عربي لا بغيره من العلماء، وكتبه المنشورة التي يتم النقاش حول بعض ما فيها متداولة معروفة بين أيدي الناس، ومع ذلك فإن العثور على حقيقة عقيدة خلاصة الخاصة عسر صعب غير مبذول إلا لبعض الناس، وهذا هو المفهوم المراد من الباطن مقابل الظاهر، ولذلك يقال ظاهر الجدار، وباطنه، وظاهر القول وباطنه، ويراد بالباطن ههنا ما يقارب مفهوم حقيقة الشيء، ولذلك يطلق على بدن الإنسان أنه ظاهر، وأما نفسه وما فيها من عقائد وعواطف فهي باطنه الذي تكمن فيها حقيقته، فمعرفة الظاهر لا يغني عن سبر الباطن.
    فالحاصل مما سبق؛ أن استعمال لفظ الظاهر والباطن في جوابنا إنما جاء بحسب الإطلاقات اللغوية المعهودة لهذين اللفظين فقط، وقد تكون متوافقة أيضا مع بعض الاصطلاحات المستعملة في بعض العلوم أو الجهات، والأصل فيها المعنى اللغوي.
    يعلم الله تعالى أننا لم نرد غير ذلك، وكلامنا لا يدلّ أصلاً على سواه.
    أمّا دعوى أننا أردنا بالظاهر والباطن أنّ ابن عربي باطني زنديق أو أن ما يقرره فهو مستلزم للكفر؛ فهذا لم يخطر لنا على بال عندما كتبنا تلك الكلمات، ولا تفيده دلالاتها الوضعية ولا تفيده طريقة استعمالنا لها، وإنما هو انطباع نفسيّ حصل لهذا المعترض من كلام آخر أجنبيّ علق في نفسه واستصحبه عندما قرأ كلامنا المذكور وليس من كلامنا نفسه.
    وتعنّتَ المعترضُ بزعمه أنّ ما أوردتُه هو استعمال لمصلح الباطنية، فقد قال: "تعريف عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة... هو تعريف للباطنية... فاستعمال تعريف للباطنية يريد به تعريفاً آخر غيره.. لا بدّ أن يبينه ليحمل عليه". انتهى.
    نقول له: نحن لم نستخدم تعريف عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة التي يستعملها الباطنية، وقصر الوصفين فقط على الباطنية الزنادقة الذين يجب إكفارهم غلط صريح من المعترض، ودالّ على قصور علمه، وضعف اطّلاعه. فضلا عن دلالته على أغراض غير سوية أخرى مضمرة في نفسه يدل عليها لحن كلامه.
    بل إننا وصَفْنا ما أظهره ابن عربي في أوّل كتابه، بأنه عقيدة ظاهرة، لسهولة الوصول إليه من العوامّ والخواص، ووصفنا ما أورده وبدّده في ثنايا كتابه وجعله للخواصّ بأنه باطن، أيْ يعسر على العوامّ الوصول إليه، فضلاً عن تقبّله إذا وصلوا إليه، لا لكونه رمزياً، أو نحو ذلك، فكلام ابن عربي أغلبه ليس رمزياً، بل هو بناء نظري له أصول ومبادئ وأحكام، بل العسر فيه لصعوبة قبول معانيه ومبانيه عند الاطلاع عليها، ولبُعد كثير من الأفهام عن تعقل تلك المعاني وبنائها النظريّ.
    إذا تبين ذلك؛ فمن أين يصحّ أن يقال على هذا الاستعمال إنه من تعريفات العقيدة الباطنية؟ بل الحقّ أنّ هذا الحكم من صاحبه تسرّع ظاهر من المعترض، كعادته التي صار لها مصدوقات ظاهرة كثيرة.
    وكذلك قولُه في مقالٍ آخر: "ومعلومٌ أنّ الذين لهم عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة هم الباطنية كالقرامطة والاسماعيلية.. وهم زنادقة.. فادعاء عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي اتهامه بالباطنية والزندقة...
    فإن لم يرد الشيخ سعيد رمي الشيخ ابن عربي بالباطنية والزندقة... فلينزل مقالاً يخبرنا به ماذا يريد من نسب عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي، وتخريج ذلك وفق القواعد وتعريفات الملل والنحل..." انتهى كلامه.
    أقول: يبدو أنّ هذا المعترض قد سيطر عليه مصطلح الباطنية الوارد في كلامه هو ابتداء، وغلب على عقله وفهمه، فتوهّم أنا عندما استعملنا الظاهر والباطن أننا أردنا تلك المعاني التي ذهب إليها ذهنه وكأنه يترصّدها، ونحن لو أردنا ذلك لاستعملنا مصطلح الباطنية الذي ورد في كلامه، فقد قال: "يرى بعض الأفاضل أنّ تعدد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام..." انتهى كلامه، وترون هنا أنه هو من استعمل لفظ (الباطنية)، لا نحن، ثم سيطر لفظه هو على ذهنه، فتوهّم كلامنا على شاكلته، لا على ما يتبادر إليه كلامنا بحسب سياقه وموضوعه.
    ولكنا لم نلتفت أصلا لهذا المصطلح [أعني الباطنية] الذي أورده في كلامه، لعدم ملاءمته الكلام عن ابن عربي أصلاً، واكتفينا بوصف العقيدة بكونها ظاهرة أي قريبة إلى التناول وإلى الاطلاع عليها، أو باطنة أي بعيدة عن ذلك. كما ذكرنا غير مرة.
    ثمّ تسرّع كعادته وزعم أن مجرد نسبة عقيدة ظاهرة وأخرى باطنة له بالمعنى الذي وضحناه نحن -لا المعنى الذي استصحبه المعترض في ذهنه- هو اتهام له بالباطنية والزندقة، وهذا تسرع آخر....كما هو ظاهر. فإننا في جوابنا السابق قلنا: "والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة"، وهذا في مقابل قولنا: "بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدل على أحكام وتصورات معينة"، فنحن نتكلم عن إطلاق عقيدة في الظاهر، أي في ظاهر الكتاب، وعقيدة أخرى تورد في الباطن أو تترك للخاصة أي تجدها في باطن الكتاب، ثم هي ليست مجموعة في محل واحد بل مبددة متفرقة، وهذا سبب من أسباب خفائها عن كثير منهم، لا سيما مع طول الكتاب وعسر قراءة جميعه لأكثر الناس. وفضلا عن ذلك فإن ابن عربي على وجه الخصوص لم يقتصر على ذكرها في الفتوحات بل ذكر كثيرا منها في كتبه الأخرى كالفصوص وإنشاء الدوائر وغيرها.
    وهذا الذي بدّده أي فرقه ووزعه في أثناء الكتاب هو ما وجدنا فيه بعض المواضع يذكره ابن عربي ويعتقد به من انقلاب العذاب عذوبة، ووجدنا فيه أموراً أخرى غير ذلك مما يخالف في ظاهره ما ذكره أهل السنة والجماعة، ولا نقول إنه يخالف ما ذكره هو في أوّل كتابه إلا بقيد موافقة ما ذكره هناك لعقائد أهل السنة.
    وهذا كلام ظاهر، لا يتبادر منه ما توهمه هذا المعترض الهَجوم المتسرع المبادر إلى الطعن والاتهام لغيره بغير حق ولا رويّة.
    ثم إننا بعد ذلك قلنا: إذا كانت هذه العقيدة الظاهرة تخالف وتعارض أو تناقض العقيدة الباطنة المتروكة للخواص ولو أحياناً أي في بعض المواضع والأحكام، وهذا يعرف منه أنه لا يشترط أن تكون المخالفة في جميع الأحكام كما قد يفهمها المتسرع، فهذا ليس اختلافاً في مستوى الإجمال والتفصيل، بل يحصل ههنا نوع آخر من الاختلاف، كما وضحناه.
    وقلنا: إنه لا يجوز حمل كلام ابن عربي على الاختلاف في الإجمال والتفصيل، لأنّ هذا النوع من الاختلاف لا يحصل فيه تناقض في الأحكام، وما هو حاصل عند ابن عربي هو تناقض في الأحكام -ولو في بعضها كثر هذا البعض أو قلَّ- لا مع عقيدة العوامّ التي ذكرها في أوّل كتابه، بل مع عقيدة أهل السنة ومع آيات القرآن الكريم.
    وضربنا على ذلك مثلاً أثبتناه منذ سنوات عديدة، ولم نكن نسمع لهذا المعترض يومها اسماً لا في ردّ على وهابية ولا علمانية ولا غيرهم أصلاً، وهذا المثل ما زال صحيحاً حتى الآن، وما يحاول زعمه المعترض من إثبات أن ما يقول به ابن عربي في هذه المسألة لا يتعارض مع المذكور في القرآن أحياناً، أو من أنه ليس فيه نفي تحول العذاب إلى عذوبة أحياناً أخرى، أو من أن هناك في كلامه ما يتعارض مع هذا، ولذلك يجب تأويله حيناً آخر... الخ.
    أقول: كلها محاولات فاشلة، فقد اعترف مرّة بأنّ تحول العذاب إلى عذوبة يتعارض مع القرآن الكريم، ومرّة بأنه يتعارض مع إجماع المسلمين، ومرة قال: إنه لا ينافي نصوص الكتاب وهكذا، فهو ما يزال متخابطاً في توجيه كلام ابن عربي، لأنه في الحقيقة لا يزال يتعرف على حقيقة عقيدة ابن عربي، وليس متقناً لها بعدُ، وهذه فرصة له ليحاول إدراكها والتعرف عليها، ولذلك نرى أن النصوص التي يأتي بها ويزعم أنها قاطعة خارقة حارقة قاصمة! لا تدلّ عند ابن عربي أي بحسب تفسير ابن عربي نفسه لها إلا على ما نثبته له نحن، لا على ما ينفيه هذا المعترض، ولذلك نراه في كل مرة يتفاجأ، وهو محتار كيف يفعل. لا يدري ما يقول، ويحاول نقل النقاش من مسألة إلى أخرى، وأما مواضع الإشكال والنصوص التي يدور عليها البحث فهو يتقافز عنها بطريقة ظاهرة.
    سؤال: لماذا دعا المعترض إلى أن نظهر تعريف الظاهر والباطن من علم الفرق والملل على وجه الخصوص؟!
    قال المعترض يدعونا لبيان كلمة الظاهر والباطن الواردة في جوابنا: "فلينزل مقالاً يخبرنا به ماذا يريد من نسب عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي، وتخريج ذلك وفق القواعد وتعريفات الملل والنحل..." انتهى.
    التساؤل ههنا:
    عندما تدعو فلاناً لبيان مراده من كلمة معينة، هل من الأدب أن تحجر عليه وتقول له: من أين يبين معنى الكلمة التي استعملها؟ وبناء على أي استعمال ومعنى وحيثية يفعل ذلك؟ من الظاهر أن هذا تجاوز للأدب وتحجير وتسرع، بل هناك في الحقيقة أمر آخر وراء ذلك، كما لا يخفى...
    لمَ لمْ يقل: هات لنا تعريفات الظاهر والباطن من كتب اللغة وكتب المصطلحات مثلاً؟ هذا إذا كان استعمالنا لهاتين اللفظتين قد جرى منّا على سبيل الاصطلاح أصلاً، وقد وضّحنا ذلك بما لا خفاء فيه، وهذا أعمّ من طلبه منا لأنْ نخبره بالمراد بالعقيدة الظاهرة والباطنة من كتب الملل والنحل نعم من هذه الكتب وبناء على هذا المنحى من التعريف الاصطلاحي على وجه الخصوص؟
    وكان اللائق به أصالةً أن يطلب توضيح المراد فقط، وهو من حقّه عند المباحثة، وهو ما يسمى في علم آداب البحث والمناظرة بتحرير المراد، هذا عند المباحثة، أما عندما يكون الأمر تهجّماً على الناس وتسوراً بغير حق، فلا لياقة فيه أصلاً من أي جهة.
    تساؤلنا: لم عدل عن اللائق به وأصرّ على خصوص هذا السؤال بهذا التحجير والتعسف؟
    إنه يعلم تماماً أن استعمالي للفظ "الظاهر والباطن" هنا أعمّ بصورة جلية من أن أريد بها الظاهر والباطن المتعلق بالملل والنحل أو المساوي لتعريف [الباطنية]، وقد أوردنا ذلك فيما ذكرناه من تعريفات للفظي الظاهر والباطن، في مفردات القرآن، والمصطلحات للكفوي والسيد الشريف والتهانوي وغيرهم، وذكر بعض هؤلاء ما يتعلق بالظاهر والباطن المتعلق بالملل والنحل، كما ستراه بعدُ.
    ولكن استعمال لفظ الظاهر والباطن غير مقصور على المعنى المستعمل في هذا المجال فقط [أعني الباطنية فرقةً أو نحلةً الذين اشتهر في العرف أنهم زنادقة]، كما يعلمه كل مطلع، وقد وضحنا ذلك.
    والمعترض يريد التحجير علينا، والتعسف في الفهم، والتلبيس على الناس بأننا لما استعملنا هذين اللفظين إنما استعملناهما بما يوافق ما يتعلق بالملل والنحل، مع أن الموافق لذلك التعريف والأقرب لذلك ليس الظاهر والباطن، بل الباطنية والظاهرية، وأنا لم أستعمل الثاني بل الأول، لأننا كنا نتكلم على مستويات في التعليم ومراتب مختلفة للبيان والتفصيل لها، وهل يسمى كل مرتبة منها عقيدة وإذا سميت كل مرتبة عقيدة، فمتى يصحح ذلك حقيقة أو لا يصح.
    أرأيتم لِمَ حاول -لغرض في نفسه- أن يدفعنا دفعاً لاستخراج التّعريف الذي يؤدي غرضه من التشنيع علينا، ويسدّ على القراء احتمال أن يفهموا كلامنا على نحو آخر غير موافق لزعمه هو، مع أن استعمال الظاهر والباطن في المعنى الذي أردناه نحن وبيناه (أي الظاهر: بمعنى الجلاء والظهر وقرب الاطلاع، وما هو مرحلة علمية ومرتبة معينة يطلع عليها عامة الناس وخاصتهم، بخلاف الباطن: الذي هو خفاء في الفهم، وعسر في الاطلاع عليه لتبدده وخفاء مبانيه كما أوضحناه، مما يستدعي أن يختص به الخواص أو خلاصة الخاصة كما فعل ابن عربي) أقرب لأن يكون مراداً لنا جداً من إرادة ذلك المعنى المتعلق بالملل والنحل والذي يحاول المعترض أن يصرف الأذهان إليه بكل ما يقدر عليه من أساليب التشنيع والمغالطة، لظهور أننا نتكلم على مرتبتين في العلم والتعليم لا على فرقتين.
    فتعالوا معا نتعرف على بعض استعمالات هذين اللفظين الاصطلاحين عند ابن عربي أولاً، ثم نقرأ ما أورده أصحاب التعريفات.


    https://www.facebook.com/saeedfodeh/...639?__tn__=K-R

    22-4-2020م
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    بعض موارد الظاهر والباطن عند ابن عربي:
    فلنتأمل معاً في قول ابن عربي: "وقد أجمع أصحابنا أهل الكشف على صحة خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في آي القرآن: "إنه ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن وحد ومطلع" اهـ.
    وقال ابن عربي عن كلمة آمين: "وورد في الشرع الجهر بها والإخفاء، لأن الأمر ظاهر وباطن، فالباطن يطلب الإخفاء، والظاهر يطلب الجهر، غير أن الظاهر أعمّ، فإذا جهر بها فقد حصل حظّ الباطن، وإذا أسرّ بها لم يعلم الظاهر ما جرى، والباطن خصوص، والإسرار بها خاص لخاص، والظاهر عموم فالجهر بها عامّ لعام وخاص". انتهى.
    وقال ابن عربي: "فكل ما في الكون من ظاهر ... وباطن فيه فمن نعمته" انتهى.
    وقال ابن عربي: "وذلك أن الكون ظلمة والنور هو الحق المبين، والنور والظلمة لا يجتمعان كما لا يجتمع الليل والنهار، بل كل واحد منهما يغطي صاحبه ويظهر نفسه، فمن رأى النهار لم ير الليل، ومن رأى الليل لم ير النهار، فالأمر ظاهر وباطن، وهو الظاهر والباطن، فحق وخلق، فإن شهدت خلقاً لم تر حقاً، وإن شهدت حقاً لم تر خلقاً، فلا تشهد خلقاً وحقاً أبداً، لكن يشهد هذا في هذا، وهذا في هذا؛ شهود علم، لأنه غشاء ومغشي".
    وقال ابن عربي: "وللإنسان ظاهر وباطن" انتهى.
    ليس في كلام ابن عربي من استعمال الظاهر والباطن سواء في حق المخلوقات أو المعلومات ما فيه نصّ على أنه يريد معنى فرقة الباطنية المتلازمة مع الزندقة والكفر، وليس فيه ما يدل على ما يريده هذا المتعنت من أن لفظ الظاهر والباطن مختص أصلا بفرقة [الباطنية]، بل هو استعمال أقرب لأن يكون بحسب المعنى اللغوي للفظ الظاهر والباطن، وهو قريب مما استعملنا فيه هذين اللفظين من قبل.
    وتأمل قوله: والظاهر يطلب الجهر، فالجهر عامّ لعامّ وخاصّ، والباطن خصوص والإسرار بها خاص لخاص.
    أليس هذا ما كنا نتكلم عليه في وصفنا مراتب عقائده التي رتبها؟ خصوصاً الرتبة الرابعة التي بدّدها وجعلها لأهلها لا لعوام الخلق... فالظاهر ما كان سهل الإدراك، والباطن وعر المدرك، وهو يكاد ينطق بمعنى الباطن كما استعملناه في جوابنا الذي اعترض عليه المعترض ولبس على القراء ونسب لنا ما لم نقله افتراء... لا شيء ممّا في ذلك فيه استلزام للباطنية المستلزمة للكفر أصلاً كما يرغب به المعترض.
    ذِكْرُ بعض ما جاء في كتب المصطلحات من تعريف الظاهر والباطن:
    ولنذكر بعض ما هو وارد في المصطلحات للظاهر والباطن، مع أنّ ما بيناه قبلُ كافٍ في المقام:
    قال العلامة الراغب الأصفهاني: "والعلم الظاهر والعلم الباطن تارة يشار بهما إلى المعارف الجلية والمعارف الخفية، وتارة إلى العلوم الدنيوية والعلم الأخروية...، وقوله (نِعَمه ظاهرةً وباطنة) يعني بالظاهر نقف عليها، وبالباطنة ما لا نعرفها" انتهى.
    إذن؛ فكلمة الظاهرة والباطنة تدلّ على مرتبتي جلاء المعلومات وظهورها، وخفاء المعلومات وتفاوت المراتب في الوقوف عليها، وهو المعنى الذي أردناه في كلامنا كما مضى.
    قال الكفوي: "والظاهر والباطن في صفة الله تعالى، لا يقال إلا مزدوجين كالأول والآخر، وهو الظاهر: آية لكثرة آياته ودلائله، والباطن: ماهية لاحتجاب حقيقة ذاته عن نظر العقول بحجب كبريائه. وقال بعضهم: الظاهر إشارة إلى معرفتنا البديهية...، والباطن: إشارة إلى معرفته الحقيقية".
    وقال الجرجاني: "الظاهر هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة، ويكون محتملاً للتأويل والتخصيص، والظاهر ما ظهر للسامع بنفس الكلام، كقوله تعالى: (أحل الله لكم البيع)، وقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم)، وضده الخفي، وهو ما لا ينال المراد إلا بالطلب كقوله (وحرم الربا)".
    وجاء في المعجم الفلسفي لجميل صليبا: الباطن خلاف الظاهر، وهو من أسماء الله. وفي التنزيل: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن}. وقيل: الباطن هو علم السرائر والخفيات. وقيل: هو المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم. وقيل: هو العالم بكل ما بطن، يقال: بطنت الأمر إذا عرفت باطنه، والباطني: هو الرجل الذي يكنّ اعتقاده، فلا يظهره إلا لمن يثق به. وقيل: هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، وقيل: هو الذي يحكم بأنّ لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً، فلفظ الباطنيّ [المنسوب للباطن] يدل إذن على ثلاثة معانٍ:
    الأول: الباطني هو الداخليّ، يطلق على التعليم الذي يلقى داخل المدارس على طلاب بلغوا من العلم درجة تمكنهم من تفهم مسائله العويصة...، ويسمى التعليم الذي يصرح به للعامة بالتعليم الظاهري.
    والثاني: الباطني هو الخاصُّ، ويطلق على كل تعليم تختص به عدداً محدوداً من السامعين، فلا تظهره إلا لنفسك أو الذين يقومون منك مقام نفسك، لاعتقادك أن الحق مضنون به على غير أهله، وأنه يجب أن يصان عن المتبذلين والجاهلين، فلا يبلَّغ إلا إلى من رزقه الله فطنة وقادة ودربة وعادة.
    والثالث: والباطني هو الخفي، وهو المخصص بمعرفة الأسرار والخفيات كعلم الجفر، أو علم الحروف... أو كعلم السحر والطلسمات وعلوم العرافة والتنجيم وغيرها.
    [أقول: ثم ذكر جميل صليبا تعريفين آخرين، وليسا معنيين للفظ الباطني كما مرّ، ولذلك قال: يدل إذن على ثلاثة معانٍ، فالمعنيان اللذان يذكرهما لاصطلاح آخر لا لمصطلح الباطني (سعيد)].
    والرابع: العقل الباطن عند المحدثين هو اللاشعور والاستبطان أو التأمل الباطني...الخ.
    والخامس: والباطنية فرقة تحكم بأنّ لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً، ولهم أسماء كثيرة فيسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، والتعليمية، والإسماعيلية، وقد يطلق أيضاً على بعض المتصوفة، وقد خلط بعض الباطنية كلامهم ببعض كلام الفلاسفة... الخ".
    ومن تأمل حقّ التأمل عرف مما سقناه أن أغلب المعاني المفهومة من اسم الظاهر والباطن هي مراتب علمية، أو تعليمية... الخ وهي في أصولها راجعة إلى المعاني اللغوية، وهذا كله يتنافى مع ما زعمه المعترض من ضرورة الاستلزام بين إطلاق لفظ الظاهر والباطن وبين الباطنية المتزندقة المستلزمة للكفر، بل هذا من تسرعه وافترائه فقط، ومن الظاهر أنه مما يهواه!
    أما بخصوص مصطلح الباطنية الوارد في كلام جميل صليبا:
    فمع أننا لم نستعمل اللفظ (الباطنية)، بل لفظ العقيدة الظاهرة في مقابل الباطنة، وهذا يرجح إرادتنا للمعاني التعليمية واختلاف المراتب في إيقاف الناس على المعلومات، بل هو الظاهر منها في سياق كلامنا؛ لا يجوز للمعترض حمله مع معرفته بسياق كلامنا إلا عليه، أو على معنى الظاهر البين والباطن الخفي بالحيثيات التي ذكرناها أيضاً، وقد بينا ذلك غير مرة.
    أقول: مع أننا لم نستعمل لفظ (الباطنية)، إلا أنا نقول ههنا:
    ليست جميع المعاني المرادة بلفظ الباطنية [لا مجرد الباطن أو الباطني] تدلّ بالضرورة على الزندقة والكفر، فليست كل فرقة تقول بأنّ لكل ظاهر باطناً كافرة، ولا كل فرقة تقول إنّ لكل تنزيل تأويلاً كافرة، بل هذا راجع للمعاني التي يقولون إنها باطنة...، كما أن إطلاق لفظ [الباطنية] على بعض الصوفية لا على جميعهم لا يستلزم بالضرورة تكفير هذه الفرقة، إلا إذا كانت آراؤها كفراً.
    هذا كلّه مع ملاحظة أننا لم نستعمل في جوابنا أصلاً لفظ الباطنية، بل الظاهر والباطن في سياق وصف مراتب العقيدة.
    ولو سألْنا هذا المعترض المتسرع الذي اعتدنا كونه متسرعا هجوما على الأحكام والمعاني بدون تريث ولا تفهم، لو سألناه عن السبب الذي لأجله أصرَّ على حمل كلامنا على إرادة الباطنية المرادف للزنادقة، لما قدر على توجيه كلامه بعدما ذكرناه إلا بأن يأتي بأي كلام لكي يقال ردّ فلان على فلان...، إلا إذا صرح عن فساد قصده وسوء ظنه وتغرضه لنسبة ما لا نقوله إلينا، ولو بدون وجه حقّ ولا قرينة كافية، وظنه القبيح بأنه وجد ما يمسكه علينا ليشنع علينا بين من يصفقون له ويصفق لهم ممن بدت منهم كلمة البغضاء والاتهام.
    وما يقوم به حالياً من محاولات فاشلة لتأويل كلام ابن عربي في مسألة العذاب والعذوبة وصرفها عما ننسبه لابن عربي موافق أيضاً لذلك، فهو غير مبني على قواعد أو قرائن، بل ليس منبئاً إلا عن جهل بكلام ابن عربي نفسه.
    وكان ينبغي أن يتأنى قبل أن يحكم أو ينسب ذلك الفهم المغلوط إلينا، فلو فرضنا جدلاً أنه سَمِعَنا نقول: إن ابن عربي باطنيٌّ، لا مجرّد أن نقول: إن له مستويات من العقيدة بعضها ظاهر وبعضها باطن، لما جاز له أن يحمله بالضرورة على الزندقة والكفر، بل على إخفاء التعاليم عن العوام عن طريق تفريقها وتبديدها، لاعتقاده أنه لا يستأهل الاطلاع على بعض المراتب إلا أهلها، وهذا المعنى هو ما ينصّ عليه ابن عربي أصلاً كما نقلناه عنه، لأننا إنما نتكلم عن ابن عربي الذي نعرف بالضرورة أنه فعل ذلك، والذي كتب كتاب الفتوحات، وقال في أوله: إنه صنف مراتب للعقيدة بعضها للعوام يطلع عليها الخاصة أيضاً، وبعضها لا يطلع عليها إلا خاصة الخاصة، وكلامنا جاء في هذا السياق، لا في سياق الفرق والملل.
    فدعواه التلازم الظاهر بين وصفنا لمراتب العقيدة عند ابن عربي بالظاهرة والباطنة، وبين كون ذلك اتهاماً لابن عربي بالزندقة والكفر مجرّد تسرع آخر وقع فيه وتعدٍّ علينا وتجاوز للأدب والعلم، لا أدري ما الذي يدفعه إليه إلا حبّ أن يقول: أنا أصبتُ وبينت غلط فلان ورددت على فلان، وانظروا إليّ أيها الناس، فها أنا ذا قد قمت بذلك. وليقول لأصحابه وللمصفقين: ها أنا قد قمت بالمهمة التي تشرئب أعناقكم إليها، فبادروا بتهنئتي وتقديم طقوس التبجيل والتكريم لي.
    ولو أنه كان سأَلَنا عن مرادنا قبل الاندفاع بالحكم علينا لقلنا له مرادنا، ولكنه كأنه يتصيد الكلام تصيداً ويحمله على غير محامله، كما فعل غيره من قبل، وهذا عهدنا بهذه المجموعة التي تخالفنا في هذه المسألة.
    هذا مع أننا نبهناه قبل أن يكتب مقالته هذه أنه يسيء إلينا، وينسب لنا ما لا نقوله، ونبه إلى ذلك بعض الأفاضل، ولكنه هائج مستنفر لا يلتفت إلى قول أصلاً، ولا نظنُّ أنه سيلتفت إلى ما قلناه هنا، بل سيقول كما اعتدنا منه إنه مجرد محاولة للتبرير، وهذا كله مبناه سوء ظنه وغرضه الذي صار ظاهراً وقلة قدرته على التدبر في الألفاظ والمعاني، ولكننا نبين ما نبينه للقراء المنصفين، والمتابعين الباحثين، ولتوضيح المسائل، وبيان الحدود الفاصلة بين كل مسألة ومسألة.
    وأعتقد أننا بما قلناه أظهرنا لكل منصف فساد ما زعمه المعترض وبطلان تفسيره لكلامنا من أصله.
    هل القول بأن مراتب العقيدة عند ابن عربي متخالفة في بعض الأحكام يستلزم بالضرورة الحكم عليه بالكفر؟
    من الظاهر لكل ذي عقل أنّ التخالف في المراتب، غايته أن يستلزم التناقض، وبعض التناقض والتخالف بدعة، وبعضه خطأ، وليس كل تناقض مستلزماً للكفر، ولكن الكفر له أحكامه الخاصة التي نرجع فيها للشريعة، وقد ذكرنا ذلك دائماً في كتبنا، وفي دروسنا المنشورة على الشبكة، ولا ريب في أنّ المعترض سمعها وفهمها، ولكنه وغيره يسمع ما نقول، ويكرّر كثيراً منه، ولكنه ينكر اطّلاعه على ذلك. بل كثيرا ما نراه يعيد ما بحثناه منذ سنين عديدة وتباحثنا فيه مع بعض الأفاضل على صفحات الشبكة بدون أن يشير لذلك أصلا كأنه هو أول من التفت لذلك! وهذا ما يبعث على الاستغراب والتعجب.
    ونستفيد من هذه الفرصة للتذكير بما كنا نتعرض له من الاتهام بالتكفير، وذلك خلال ردودنا على الوهابية الذين كانوا دائماً يتهموننا كذباً وزوراً بتكفير ابن تيمية، افتراءً منهم وكذباً محضاً يستحلّونه في حقّ من يخالفهم، وذلك لما لم يكن هذا المعترض مذكوراً أصلاً في عداد من يظهر عقيدة أهل السنة في أصل أو فرع، فكنا كلما قلنا لهم: إن ابن تيمية يعتقد عقائد باطلة، يقولون لنا: إذن أنت تريد تكفيره، أو تضمر تكفيره ولا تعلن عن ذلك.
    وهذا بالضبط هو المسلك الذي يتبعه هذا المعترض المتغرض ومن معه.
    وكنا نقول لهم ولغيرهم من الذين يحسنون الظنّ في ابن تيمية: إنه لا يصرح دائماً بما يعتقد به بوضوح، وإذا فعل ذلك فليس في كل كتاب يبين مراده صراحة، وعندما يحيل الناس تراه يحيلهم للواسطية والحموية ونحوهما، وهي كتب إجمالية كتبها لعامة الناس، ليس فيها كثير من تفاصيل المسائل المختلف فيها، ولكنا نجد مخالفاته الظاهرة المفصلة الجلية مذكوراً بعضها في رده على تأسيس التقديس، وبعضها في المنهاج، وبعضها درء التعارض، وهكذا...، ونذكر جميعاً قصة أبي حيان لما تحايل على بعض أصحاب ابن تيمية لينظر في بعض كتبه التي لا يُطلع ابن تيمية عليها إلا خاصته والمقربين منه، أكان هذا اتهاماً له بالزندقة، أو هو نوع خاصّ وطريقة خاصة من التعليم يمارسها ابن تيمية، فكان يُظهر بعض آرائه لعامة الناس، ويخصّ خاصة أصحابه ببعضٍ منها، أو يودع الواضح المجمل المحتمل حمله على عدة وجوه في المتون التي يرسلها لعامة الناس، أما تصريحاته بالجهة والحدّ وحلول الحوادث والتحيز والقدم النوعي ونحو ذلك من المسائل التي فيها حصل الخلاف فهذه يذكرها في كتب مطولة خاصة، لا يكاد يحسن قراءتها إلا الأقلون.
    هل هذا اتهام له بالزندقة والباطنية التي يقصدها هذا المعترض؟ الموجبة للكفر، أم اتهام له بطريقة مخاتلة ومنهجية خاصة في نشر التعاليم التي يقول بها بين الناس...؟!
    تساؤل:
    لماذا نرى المعترض حريصاً كل الحرص على أن ينسب إلينا أننا نكفر ابن عربي، كما كنا نرى التيمية حريصين على أن ينسبوا لنا تكفير ابن تيمية، هذا مع علمه تماماً أننا نصرح كما يعلم أصحابه والمصفقون له والمشجعون من وراء ستار، فبعضهم في الظاهر وبعضهم من الباطن، وقبل أن يتناول القلم ليكتب وقبل أن نعرف اسمه الذي ما سمعنا به إلا قريباً، نقول: إنه يعلم أننا نعلن عدم تكفيرنا لابن تيمية أو لابن عربي، مع إعلاننا صراحة بأننا نحكم عليهما بأنهما يخالفان عقيدة أهل السنة في مسائل معينة...، أما التكفير فلا.
    وقد اعتدنا من بعض الناس أن يتجنوا علينا بأننا نكفر ابن تيمية، أو نكفر ابن عربي، ولا نرى هذا المعترض إلا متابعاً لهم في هذه الطرق المخالفة للشريعة وللحكمة وللأخلاق وللأعراف المرعية بين البشر.
    ربما كان هو يعتقد أنه إن سلم أن ابن عربي يقول بانقلاب العذاب عذوبة فيلزمه كفره، ولذلك يصارع مصارعة لإثبات أن نصوص ابن عربي الدالة على ذلك يجب حملها عل محامل أخرى، خوفاً من أن يلتزم تكفيره.
    ولكنه يتناسى أنّ ابن تيمية وابن قيم الجوزية وكذلك القرضاوي قالوا قولة لا تقل شناعة عن مقولة ابن العربي، فإنهم قالوا: إنّ النار تفنى ولا تدوم أصلاً، فخالفوا إجماع المسلمين على بقاء الجنة والنار، ولم يقولوا لنا أين يذهب الكفار بعد فناء النار وبعد تخلصهم من آفاتهم وانحرافاتهم عن طريق التعذب بالنار، أَيَفْنَوْنَ أيضاً؟! فهو خلاف آخر للإجماع ولنصوص الكتاب والسنة، أم يخرجون من النار، فإذا خرجوا فأين يبقون بعد ذلك، وما ثم دارٌ إلا الجنة، وأنه يلزمهم لزوماً ظاهراً من قولهم بأنّ الكفار مآلهم إلى الدخول في الجنة بعد خراب النار وفنائها، يتلذذون ويتنعمون فيها طبعاً.
    ولم نسمع من هذا المعترض ولا من أصحابه لزوم تكفير ابن تيمية ولزوم تكفير القرضاوي.
    أما ابن عربي فلم يقل بكل ما يقولون به، بل قال ببقاء النار، وبقاء أصحابها فيها، غاية ما قال إنّ عذاب الكفار يزول، ثم يبقى عذابهم النفسيّ، أو ينضمّ إليه استعذابهم للنار بدل تألمهم منها.
    ولو عددنا المعاني التي خالف فيها ابن تيمية أهل السنة والإجماع في هذه المسألة لرأيناها أكثر وأشد من المعاني التي خالف فيها ابن عربي ذلك.
    فنقول:
    إذا كنت تعتقد لزوم التكفير: فأي الكلامين أولى بالتكفير إذن؟ أكلام ابن عربي أم كلام ابن تيمية والقرضاوي ومن وافقه؟
    ولِمَ لَمْ نَرَكَ هجمت هجوماً على من لم يكفر ابن تيمية، سواء كنا نحن أو غيرنا، وألزمته إلزاماً بإكفاره، وقد حصل الاتفاق على أنّ من قال بذلك فهو مبتدع أصلاً، اتفاقا بين أهل السنة، وحصل نزاع في إكفار من قال بهذا القول.
    أما القرضاوي؛ فلم نرك أصلاً عرجتَ عليه لا ردًا ولا تبديعاً ولا تكفيراً مع تصريحه بفناء النار، كما قال ابن تيمية وتبعا له...!؟
    أعتقد أنّ هذه نقطة يحسن بهذا المعترض وبغيره أن يتأمل فيها جيداً.
    دعواه بأنه ينقدنا بالطريقة التي ننقد فيها ابن عربي:
    أما ما يقوله من أنه يحاكمنا بالطريقة التي نحاكم بها ابن عربي، فيا ليته يفعل ذلك، نحن لا ننسب لابن عربي إلا ما كتبه هو في كتبه، وما ينصّ صراحة على دلالته بلا لبس ولا إجمال، وعندما يقول لنا قائل: إنه لم يُرِدْ هذا المعنى، لأنه قال كذا وكذا مما يعارضه، نتوقف حتى نفهم هذا النص الذي يعارض فهمنا به، لكي نظهر له صوابه أو غلطه، ولم يأت أحد حتى الآن يظهر لنا أننا غلطنا في المسألة التي نحن فيها، وهي تحول العذاب إلى عذوبة، ولم يظهر لنا أحد أن هذه الدعوى توافق القرآن، أو لا تخالف أهل السنة... لم يأت أحد بشيء أبداً، فضلاً عن هذا المعترض العجول.
    نعم يا ليته نقدنا كما ننقد نحن ابن عربي، يا ليته اكتفى بذكر النصوص الظاهرة في كلامنا، ولم يتعلق بأوهامه التي تعلق بها مرة تلو أخرى...، ونحن ما زلنا ملتزمين حدود الشرع والبحث وآدابه وقواعد العلم، ولكنه لا يلتزم ذلك أصلاً.
    ويا ليته يفي ولو مرة واحدة بما يقول ويفاخر به من أنه أتى بنصّ قاصم أو صريح يدلّ على ما يقول... أبداً لم يفعل شيئاً من ذلك، ولن يفعل.

    كتبه
    سعيد فودة
    وليس لنا إلى غير الله حاجة ولا مذهب
    22-4-2020م
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •