النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: فائدة: مثال على اهتمام الإمام الرازي في التفسير الكبير بالبلاغة

  1. #1

    فائدة: مثال على اهتمام الإمام الرازي في التفسير الكبير بالبلاغة

    فائدة:
    مثال على اهتمام الإمام الرازي في التفسير الكبير بالبلاغة
    مع اهتمامه العظيم بوجوه التفسير الأخرى

    اعتدنا عندما نرى بعض المتحدثين في التفسير أن يصفوا التفسير الكبير للإمام الرازي بأنَّ أهمَّ ميزاته أنه اهتم بالعقليات في القرآن الكريم، وقد يقول قائلهم: إذا أراد الواحد الاطلاع على التفسير الذي يظهر الإعجاز البلاغي في القرآن، فعليه أن يهتم بنحو الكشاف، لا بنحو تفسير الرازي الذي ملأه بما هو غريب عن هذا الفنّ! وكأن الرازي لم يهتمَّ بصنعة البيان والبلاغة! وربما يشنعون عليه في العبارة فيقولون إنه أدخل في التفسير ما ليس منه فأتخم كتابه بالفلسفة وعلم الكلام، ونحو هذه الأوصاف التي إنما تنبئ عن عدم معرفهم بالتفسير الكبير، وعن استهانتهم بعلم التوحيد في نفسه، أو عدم إدراكهم أن أعظم مقاصد القرآن تكمن في هداية الناس إلى مسائل علم التوحيد، فالاهتمام بها بشتى طرق الإظهار والبيان هو خدمة عظيمة للقرآن الكريم.
    وقد اعتنى الإمام الرازي في تفسيره بكشاف الزمخشريِّ اعتناء كبيراً، حتى إن القارئ يتوهم أنه بنى تفسيره الكبير على شرح الكشاف، ويخطئ من يقصره على هذا الفهم، أو على وظيفة الشارح يريدون الغض من قيمة تفسيره لكونه تبعا له! مع أنا لا ننكر اهتمامه العظيم بتفسير الزمخشري العالم الأريب في هذا الفنّ ومنزلته، بل إننا نقول ما من معنى بلاغي أو معنى دقيق في الزمخشري إلا وتجده مودعا في تفسير الرازي، وكثيرا ما يناقش الإمام الرازي آراء صاحب الكشاف فيرد عليها أو يؤيدها أو يقيدها أو يزديه على ما ذكره الزمخشريّ وجوهاً...الخ. ولا ننسى أن للإمام الرازي اهتماما بالبلاغة حيث قام بتلخيص كتابي الجرجاني في كتاب له شهير (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) فهو صاحب طريقة في البلاغة أيضا وأحد المؤسسين لهذا العلم.
    وسنورد مثالاً واحدا يبين كم هو مهم ألا نستهين بما في التفسير الكبير من هذه الجهة الخطيرة، وأن علينا ألا نتعجل في الحكم عليه مقلدين بعضَ من سبق دون تحقيق ولا تدقيق.
    المثال مختصراً:
    قوله تعالى في سورة الأنعام (إن الله فالق الحب والنَّوى، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحيّ) [95].
    يستغرب القارئ عندما يلاحظ النظم القرآني عبَّر في المحلِّ الأول بقوله (يخرج) بصيغة الفعل وفي الثاني بقوله تعالى (مخرج) بصيغة اسم الفاعل. وهذه المواضع لا يتركها الرازي هكذا دون بحث، ولذلك فقد قام بدرسها وتحليلها مستعينا بأقوال العلماء وقوانين اللغة، ونورد ههنا كلامه، فقال قال الإمام الرازي: "البحث الثالث: أن لقائل أن يقول: إنه قال أولاً: {يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } ثم قال : { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب في اختيار ذلك؟
    قلنا: قوله: { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } معطوف على قوله : { فَالِقُ الحب والنوى } وقوله : { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } كالبيان والتفسير لقوله : { فَالِقُ الحب والنوى } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله {يحيي الأرض بعد موتها}.
    [قال الإمام الرازي]
    وفيه وجه آخر: وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان. وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلاً في كتاب «دلائل الإعجاز» فقال: قوله: {هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء} إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله: {يَرْزُقُكُمْ} لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة. وأما الاسم فمثاله قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} [الكهف: 18] فقوله: {باسط} يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة.
    إذا ثبت هذا فنقول: الحي أشرف من الميت، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي. والله أعلم بمراده". انتهى كلامه.
    والوجه الأول الذي ذكره هو خلاصة ما قرره الزمخشري في تفسيره عندما قال: "فإن قلت: كيف قال: (مُخْرج الْمَيّتِ مِنَ الْحَىّ) بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله: (يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيّتِ) قلت: عطفه على (فالق الحب والنوى)، لا على الفعل. ويخرج الحيَّ من الميت: موقعة موقع الجملة المبينة لقوله: (فَالِقُ الْحَبّ وَالنَّوَى) لأنّ فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحيّ من الميت، لأنّ النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله (يحيي الأرض بعد موتها)". انتهى، ووجَّه الطيبيُّ اختيارَ الزمخشري بأنه لو عطفنا (مخرج) على (يخرج) لا على (فالق) لفات غرض التعميم الذي تعطيه الآية من إرادة يخرج الحيوان والناميَ من النُّطَفَ والبَيْضِ والنَّوَى.
    ولكن الإمام الرازي لم يكتف بما ذكره الزمخشري رحمه الله، بل أضاف وجها آخر لم يذكره الزمخشري، وهو الوجه الثاني الذي ذكره بقوله: "وفيه وجه آخر..." الخ، وبغض النظر عن مدى دقة هذا الوجه وعن موافقة العلماء المدققين للإمام في هذا الوجه أو معارضتهم له فيه، فإن مرادنا أن نبين أن في التفسير الكبير ما لا يليق بدارس التفسير أن ينكره من هذه المباحث.
    وقد جرى البيضاوي على ما أفاده الزمخشري فقال في تفسيره: (ومخرج الميت من الحيّ) ومخرج ذلك الحيوان والنبات. ذكره بلفظ الاسم حملاً على فالق الحبّ فإنّ قوله (يخرج الحيَّ) واقع موقع البيان له". وهو كما ترى تقرير موجز لما ذكره الكشاف. ولم يذكر القاضي توجيه الرازي هنا وكأنه ضعفه كما صرَّح به العلامة القونوي في حاشيته عليه بعدما قرر توجيه الزمخشري، وذلك مع أن البيضاوي كثيرا ما يذكر ما يفيده الإمام الرازي كما يعلمه من له اطلاع على تفسيره العظيم الفائدة من أوله إلى آخره، وعلل العلامة الطيبي ردَّ ما اقترحه الإمام من عطف (مخرج) على (يخرج) بأنه: "يمنعه ورود الجملة الثانية مفصولة عن الأولى على سبيل البيان، ولو عطفت الثالثة على الثانية كانت بيانية مثلها، لكنها غير صالحة له، لأن (فالق الحب والنوى) ليس متضمنا لإخراج الميت من الحيّ".
    وأشار العلامة الشربيني إلى قوة توجيه الزمخشري بقوله: "تنبيه: مخرج معطوف على فالق كما قاله الزمخشري"، ثم أشار إلى صحة ما ذكره الإمام الرازي من ناحية نحوية فقال: "ويصح عطفه على (يخرج) لأن عطف الاسم المشابه للفعل صحيح كعكسه، وهو عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل كقوله تعالى (إنّ المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسناً) فأقرضوا معطوف على (المصدقين) لشبهه بالفعل لكونه اسم فاعل و(مخرج) شبيه بالفعل لكونه اسم فاعل".
    وكذلك قوى صاحب الانتصاف رأي الإمام الرازي ووافقه فيه من ناحية بلاغية ونحوية فبين أن الأصل المطرد في غير آية من آيات القرآن أن يذكرا بصيغة الفعل لا اسم الفاعل كما في قوله تعالى (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي)، ونحوها ، وعطف أحد القسمين على الآخر كثيراً يدل على أنهما توأمان مقترنان :"وذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه وروده إلى (فالق الحب والنوى)، فالوجه والله أعلم أن يقال: كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله (فالق الحب) و (فالق الإصباح) و (جاعل الليل) و (مخرج الحي من الميت) إلا أنه عدل عن اسما لفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده وهو قوله (يخرج الحي من الميت) إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضي...[وذكر أمثلة ثم قال] ثم هذا المقصد إنما يجيء فيما تكون العناية به أقوى ولا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه، وهو أيضا أول الحالين والنظر أول ما يبدأ فيه، ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحيّ ناشئ عنه، فكان الأول جديراً بالتصدير والتأكيد في النفس، ولذلك هو مقدم أبداً على القسم الآخر في الذكر على حسب ترتيبهما في الواقع، وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه أن اسم الفاعل في معنى الفعل المضارع، فكل واحد منهما يقدر بالآخر، فلا جناح في عطفه عليه والله أعلم".
    وذكر الفاضل العلامة الشهاب الخفاجي توجيه اختيار الإمام الرازي وصاحب الانتصاف من جهة النحو والبيان والبديع، فقال: "(قوله [أي قوله البيضاوي] حملا على فالق الحبّ الخ) أي عطفا عليه لا على يخرج الحيّ لأنه بيان لفالق الحب والنوى، وهذا لا يصلح للبيان وإن صحَّ عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه كقوله (صافات ويقبضن). [وشرع في توجيه رأي الإمام الرازي وصاحب الانتصاف فقال] والإمام وصاحب الانتصاف جعلاه معطوفا على يخرج الحي من الميت وفيه من البديع التبديل، كقوله تعالى (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) وإنما عدل إلى صيغة المضارع في يخرج ليدلَّ على تصويره وتمثيله واستحضاره، واشتماله على زيادة فيه لا يضرّ ذلك بكونه بيانا، كما أن مخرج الميت من الحي بيان مع شموله للحيوان والنبات. وله وجه، وحجته أنه ورد في آيات أخر معطوفا عليه هكذا (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحيّ) فيبعد قطعها عن نظائرها، وإنما عدل إلى المضارع لتصويره واستحضاره لكونه أول في الوجود وأعظم في القدرة". انتهى. قلتُ: أشار سنان في حاشيته على القاضي إلى ما ذكره العلامة الشهاب من صنعة التبديل والعكس وفائدتها من حيث المعنى.
    والمسألة تحتمل كلاما أكثر من هذا كما لا يخفى، ولكن أرجو أن يكون فيما أوردت كفاية للدلالة على المطلوب. والله الموفق
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. جزاكم الله خيرا على الإفادة .
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

  3. #3
    شكرا لك شيخ هاني ....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •