الجوهرة السابعة والخمسون

قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله تعالى: وَأَخِي : في ستة أوجه

أظهرها: أنه منصوب عطفاً على " نفسي " والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع مِلْكي لنفسي دون غيرنا.

الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على اسمِ " إنَّ " ، وخبرُه محذوفٌ للدلالة اللفظية عليه أي: وإنَّ أخي لا يملك إلا نفسَه.

الثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على محل اسم " إنَّ " لأنه بعد استكمالِ الخبر، على خلافٍ في ذلك، وإن كان بعضُهم قد ادَّعى الإِجماعَ على جوازِه.

الرابع: أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ للدلالة المتقدمة، ويكون قد عَطَف جملةً غيرَ مؤكدة على جملة مؤكَّدة بـ " إنَّ "

الخامس: انه مرفوع عطفاً على الضمير المستكنِّ في " أملك " ، والتقدير: ولاَ يَمْلِكُ أخي إلا نفسَه، وجاز ذلك للفصلِ بقوله: إِلاَّ نَفْسِي وقال بهذا الزمخشري ومكي وابن عطية وأبو البقاء وردَّ الشيخ هذا الوجهَ بأنه يلزم منه أن موسى وهرون لا يملكان إلا نفسَ موسى فقط، وليس المعنى على ذلك ". وهذا الردُّ ليس بشيءٍ، لأنه القائلَ بهذا الوجهِ صرَّح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف، وأيضاً اللَّبْسُ مأمونٌ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يتبادر إلى ذهنه انه يملك أمرَ نفسِه.

السادس: أنه مجرورٌ عطفاً على الياء في " نفسي " أي: إلا نفسي ونفسَ أخي، وهو ضعيفٌ على قواعد البصريين للعطف على الضمير المجرور مِنْ غيرِ إعادةِ الجارّ وقد تقدَّم ما فيه.

الجوهرة الثامنة والخمسون

وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله: وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ فيه ثلاثة أوجه.

أظهرُها: أنه مجرورٌ عطفاً على اسم الله تعالى أي: وفي سبيل المستضعفين.

والثاني: ـ وإليه ذهبَ الزجاج والمبرد ـ أن يكونَ مجرواً عطفاً على نفس " سبيل ". قال أبو البقاء ـ بعد أَنْ حكاه عن المبرد وحده ـ: " وليس بشيء " كأنه لم يظهر لأبي البقاء وجهُ ذلك، ووجهُ أنَّ تقديرَه: " وفي خلاص المستضعفين "

والثالث ـ وإليه ذهب الزمخشري ـ: أن يكونَ منصوباً على الاختصاص تقديره: وأَخُصُّ من سبيلِ الله خلاصَ المستضعفين، لأنَّ سبيلَ اللَّهِ عامٌّ في كلِّ خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخيور. والجمهورُ على " والمستضعفين " بواو العطف، وقرأ ابن شهاب: " في سبيل الله المستضعفين " وفيها تخريجان، أحدُهما: أن يكونَ حرفُ العطف مقدراً كقولهم: " أكلت لحماً تمراً سمكاً " والثاني: أن يكونَ بدلاً من " سبيل الله " أي: في سبيلِ الله سبيلِ المستضعفين، لأنَّ سبيلَهم سبيلُ الله تعالى.

الجوهرة التاسعة والخمسون

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ


قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ : فيه خمسةُ أوجه،

أحدهما: - وهو الظاهر- أنَّ " مِنْ " متعلقة بقوله " أخذنا " والتقدير الصحيح فيه أن يقال: تقديرُه: " وأَخَذْنا من الذين قالوا: إنَّا نصارى ميثاقهم " فتوقع " الذين بعد " أَخَذْنا " وتؤخِّر عنه " ميثاقهم " ولا يجوز أن تقدِّر " وأَخَذْنا ميثاقَهم من الذين " فتقدم " ميثاقَهم " على " الذين قالوا " وإنْ كان ذلك جائزاً من حيثُ كونُهما مفعولين، كلُّ منهما جائزُ التقديم والتأخيرِ، لأنه يلزم عودُ الضميرِ على متأخر لفظاً ورتبة، وهو لا يجوز إلا في مواضعَ محصورةٍ، نصَّ على ذلك جماعةٌ منهم مكي وأبو البقاء

الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ قامَتْ صفتُه مَقامه، والتقدير: " ومن الذين قالوا إنّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم " فالضمير في " ميثاقهم " يعود على ذلك المحذوف.

والثالث: أنه خبر مقدم أيضاً، ولكن قَدَّروا المبتدأ موصولاً حُذِف وبقيت صلتُه، والتقدير: " ومن الذين قالوا: إنَّا نصارى مَنْ أخذنا ميثاقهم " فالضمير في " ميثاقهم " عائد على " مَنْ " والكوفيون يجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك. ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا، وقَدَّره عندهم: " ومن الذين قالوا: إنَّ نصارى مَنْ أخذنا " وهذا التقدير لايؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط، بل يجوز أن تكونَ " مَنْ " المقدرةُ نكرةً موصوفةً حُذِفت وبقيت صفتُها، فيكون كالمذهب الأول.

الرابع: أن تتعلِّق " مِنْ " بـ " أخذنا " كالوجه الأول، إلا أنه لا يلزَمُ فيه ذلك التقديرُ، وهو أن توقع " من الذين " بعد " أخذنا " وقبل " ميثاقهم " ، بل يجوز أن يكون التقدير على العكسِ، بمعنى أنَّ الضميرَ في " ميثاقهم " يعودُ على بني إسرائيل، ويكون المصدرُ من قوله " ميثاقهم " مصدراً تشبيهياً، والتقدير: وأخذنا من النصارى ميثاقاً مثلَ ميثاق بني إسرائِيل كقولك: " أخَذْتُ من زيد ميثاق عمرو " أي: ميثاقاً مثل ميثاق عمرو، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري فإنه قال: " أَخَذْنا من النصارى ميثاقَ مَنْ ذُكِر قبلَهم من قوم موسى أي: مثل ميثاقِهم بالإِيمان بالله والرسل.

الخامس: أنَّ " من الذين " معطوف على " منهم " من قوله تعالى: " ولا تزال تَطَّلِعُ على خائنةٍ منهم أي: من اليهود، والمعنى: ولا تزال تَطَّلع على خائنةٍ من اليهود ومن الذين قالوا إنَّا نصارى، ويكون قوله: ٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ على هذا مستأنفاً. وهذا ينبغي ألاَّ يجوز لوجهين، أحدهما: الفصلُ غيرُ المغتفر. والثاني: أنه تهيئةٌ للعامل في شيء وقطعه عنه، وهو لا يجوز.