صفحة 1 من 8 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 119

الموضوع: اسرار العطف فى كتاب الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597

    Cool اسرار العطف فى كتاب الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والصلاة والسلام علي أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

    لاينتبه الكثير من طلاب علم التفسير لأثر العطف فى كتاب الله علي المعنى

    لذلك رأيت ان اجمع بعض جواهر اسلوب العطف فى كتاب الله لكى تكون نواة وبذرة للبحث فى اسرار هذا الاسلوب فى القرآن

    ارجو من الله ان يكون خالصا لوجهه الكريم انه ولي ذلك والقادر عليه

    الجوهرة الأولي

    { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

    وماانزل علي الملكين عطف علي ماذا؟؟

    اعلم اخى الحبيب اختلف اهل التفسير وتفرقوا الى قسمين

    الأول:

    قال ان ما نافية وانها عطف على وما كفر سليمان

    وان فى الاية تقديم وتاخير اى وماكفر سليمان وما انزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت .

    ومن ذهب الى هذا الراى الامام القرطبى فى تفسيره قال ان الملكين هما جبريل وميكائيل

    قال القرطبي فى تفسيره:


    قوله تعالى: وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ «ما» نفي؛ والواو للعطف على قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر؛ فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ . هذا أوْلَى ما حُملت عليه الآية من التأويل


    الرأی الثانى:

    قال اصحاب هذا الراى اخی الحبيب ان ماموصولة والملكين هاروت وماروت ومنهم الامام الطبرى

    قال الأمام الطبري:


    اختلف أهل العلـم فـي تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ فقال بعضهم: معناه الـجحد وهي بـمعنى «لـم»...

    فتأويـل الآية علـى هذا الـمعنى الذي ذكرناه عن ابن عبـاس والربـيع من توجيههما معنى قوله: وَمَا أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى: ولـم ينزل علـى الـملكين، واتبعوا الذي تتلوا الشياطين علـى ملك سلـيـمان من السحر، وما كفر سلـيـمان ولا أنزل الله السحر علـى الـملكين ولكنَّ الشَّياطينَ كفرُوا يعلـمونَ الناسَ السحرَ ببـابل هاروت وماروت، فـيكون حينئذ قوله: ببـابل وهاروت وماروت من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

    فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديـم ذلك؟ قـيـل: وجه تقديـمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين علـى ملك سلـيـمان وما أنزل علـى الـملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلـمون الناس السحر ببـابل هاروت وماروت. فـيكون معنـيًّا بـالـملكين: جبريـل وميكائيـل لأن سحرة الـيهود فـيـما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر علـى لسان جبريـل وميكائيـل إلـى سلـيـمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبـيه مـحمداً أن جبريـل وميكائيـل لـم ينزلا بسحر قط، وبرأ سلـيـمان مـما نـحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلـم الناس ببـابل، وأن الذين يعلـمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فـيكون هاروت وماروت علـى هذا التأويـل ترجمة علـى الناس ورداً علـيهم.

    وقال آخرون: بل تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزلَ علـى الـمَلَكَيْنِ «الذي»....

    قال أبو جعفر: فمعنى الآية علـى تأويـل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت الـيهود الذي تلت الشياطين فـي ملك سلـيـمان الذي أنزل علـى الـملكين ببـابل وهاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله، سنذكر ما روي من الأخبـار فـي شأنهما إن شاء الله تعالـى.

    وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لـملائكته أن تعلـمه الناس؟ قلنا له: إن الله عزّ وجلّ قد أنزل الـخير والشرّ كله. وبـيَّن جميع ذلك لعبـاده، فأوحاه إلـى رسله وأمرهم بتعلـيـم خـلقه وتعريفهم ما يحلّ لهم مـما يحرم علـيهم وذلك كالزنا والسرقة وسائر الـمعاصي التـي عَرَّفُهموها ونهاهم عن ركوبها، فـالسحر أحد تلك الـمعاصي التـي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها.

    قالوا: لـيس فـي العلـم بـالسحر إثم، كما لا إثم فـي العلـم بصنعة الـخمر ونـحت الأصنام والطنابـير والـملاعب، وإنـما الإثم فـي عمله وتسويته.

    قالوا: وكذلك لا إثم فـي العلـم بـالسحر، وإنـما الإثم فـي العمل به وأن يضرّ به من لا يحلّ ضرّه به.

    قالوا: فلـيس فـي إنزال الله إياه علـى الـملكين ولا فـي تعلـيـم الـملكين من علـماه من الناس إثم إذا كان تعلـيـمهما من علّـماه ذلك بإذن الله لهما بتعلـيـمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر وإنـما الإثم علـى من يتعلـمه منهما ويعمل به، إذْ كان الله تعالـى ذكره قد نهاه عن تعلـمه والعمل به.

    قالوا: ولو كان الله أبـاح لبنـي آدم أن يتعلـموا ذلك، لـم يكن من تعلـمه حَرِجا، كما لـم يكونا حَرِجَيْن لعلـمهما به، إذْ كان علـمهما بذلك عن تنزيـل الله إلـيهما...

    والصواب من القول فـي ذلك عندي قول من وجَّه «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى معنى «الذي» دون معنى «ما» التـي هي بـمعنى الـجحد. وإنـما اخترت ذلك من أجل أن «ما» إن وجهت إلـى معنى الـجحد، فتنفـي عن الـملكين أن يكونا منزلاً إلـيهما. ولـم يَخْـلُ الاسمان اللذان بعدهما أعنـي هاروت وماروت من أن يكونا بدلاً منهما وترجمة عنهما، أو بدلاً من الناس فـي قوله: يعلّـمون النّاسَ السِّحْرَ وترجمة عنهما. فإن جُعلا بدلاً من الـملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله: وَما يُعَلِّـمانِ مِنْ أَحَدٍ حتـى يَقُولا إنَّـما نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَـيَتَعَلّـمُونَ مِنْهُمَا ما يُفَرّقُونَ بِهِ بَـيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ لأنهما إذا لـم يكونا عالـمين بـما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه، فما الذي يَتَعَلَّـم منهما مَنْ يفرّق بـين الـمرء وزوجه؟

    وبعد، فإن «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إن كانت فـي معنى الـجحد عطفـاً علـى قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ فإن الله جل ثناؤه نفـى بقوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ عن سلـيـمان أن يكون السحر من عمله، أو من علـمه أو تعلـيـمه. فإن كان الذي نفـى عن الـملكين من ذلك نظير الذي نفـى عن سلـيـمان منه، وهاروت وماروت هما الـملكان، فمن الـمتعلـم منه إذا ما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه؟ وعمن الـخبر الذي أخبر عنه بقوله: وَما يُعَلِّـمَانِ مِنْ أحَدٍ حتـى يَقُولاَ إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ؟ إن خطأ هذا القول لواضح بَـيِّنٌ.

    وإن كان قوله «هاروت وماروت» ترجمة عن الناس الذين فـي قوله: وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ فقد وجب أن تكون الشياطين هي التـي تعلـم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنـما تعلـمت السحر من هاروت وماروت عن تعلـيـم الشياطين إياهما.

    فإن يكن ذلك كذلك، فلن يخـلو هاروت وماروت عند قائل هذه الـمقالة من أحد أمرين: إما أن يكونا مَلَكين، فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بـالله والـمعصية له بنسبته إياهما إلـى أنهما يتعلـمان من الشياطين السحر ويعلـمانه الناس، وإصرارهما علـى ذلك ومقامهما علـيه أعظم مـما ذكر عنهما أنهما أتـياه من الـمعصية التـي استـحقا علـيها العقاب، وفـي خبر الله عزّ وجلّ عنهما أنهما لا يعلـمان أحداً ما يتعلـم منهما حتـى يقولا: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ما يغنـي عن الإكثار فـي الدلالة علـى خطأ هذا القول. أو أن يكونا رجلـين من بنـي آدم فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلـم به والعمل من بنـي آدم لأنه إذا كان علـم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلـم، فـالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبـيـل إلـى الوصول إلـى الـمعنى الذي كان لا يوصل إلـيه إلا بهما وفـي وجود السحر فـي كل زمان ووقت أبـين الدلالة علـى فساد هذا القول.

    وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بنـي آدم، لـم يعدما من الأرض منذ خـلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر فـي الناس. فـيدعي ما لا يخفـى بُطُولُهُ.

    فإذا فسدت هذه الوجوه التـي دللنا علـى فسادها، فبـين أن معنى: ما التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بـمعنى «الذي»، وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الـملكين ولذلك فتـحت أواخر أسمائهما، لأنهما فـي موضع خفض علـى الردّ علـى الـملكين، ولكنهما لـما كانا لا يجرّان فتـحت أواخر أسمائهما.

    فإن التبس علـى ذي غبـاء ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لـملائكة الله أن تعلـم الناس التفريق بـين الـمرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلـى الله تبـارك وتعالـى إنزال ذلك علـى الـملائكة؟ قـيـل له: إن الله جل ثناؤه عرّف عبـاده جَميعَ ما أمرهم به وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلـم منهم بـما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر علـى غير ذلك، لـما كان للأمر والنهي معنى مفهوم فـالسحر مـما قد نهى عبـاده من بنـي آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علـمه الـملكين اللذين سماهما فـي تنزيـله وجعلهما فتنة لعبـاده من بنـي آدم كما أخبر عنهما أنهما يقولان لـمن يتعلـم ذلك منهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ لـيختبر بهما عبـاده الذين نهاهم عن التفريق بـين الـمرء وزوجه وعن السحر، فـيـمـحّص الـمؤمن بتركه التعلـم منهما، ويُخزي الكافر بتعلـمه السحر والكفر منهما، ويكون الـملكان فـي تعلـيـمهما من علّـما ذلك لله مطيعين، إذ كانا عن إذن الله لهما بتعلـيـم ذلك من علـماه يعلـمان
    وقد عُبد من دون الله جماعةٌ من أولـياء الله، فلـم يكن ذلك لهم ضائرا إذْ لـم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والـمعبود عنه ناهٍ، فكذلك الـملكان غير ضائرهما سحر من سحر مـمن تعلـم ذلك منهما بعد نهيهما إياه عنه وعِظَتهما له بقولهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ إذ كانا قد أدّيا ما أُمر به بقـيـلهما ذلك.

    انتهى كلام الطبري


    واصحاب هذا القول القائل انها موصولة اخى الحبيب اختلفوا ما الموصولة معطوفة على ماذا؟

    قال الامام الرازى فى تفسيره

    ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال.


    الأول: أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً.

    وثانيها: أنه عطف على قوله: مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ أي واتبعوا ما تتلوه الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين لأن السحر منهما هو كفر وهو الذي تلته الشياطين، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما،

    وثالثها: أن موضعه جر عطفاً على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين
    وهو اختيار أبي مسلم ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما

    وقال السمين:

    قوله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ }: هذه الجملةُ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ السابقةِ من قولِه: " ولمَّا جاءَهم " إلى آخرها.

    وقال أبو البقاء: " إنها معطوفةٌ على " أُشْرِبوا " أو على " نَبَذَ فريقٌ " ، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على " نَبَذَ " يقتضي كونَها جواباً لقولِه: { وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ } واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِّباً على مجيء الرسولِ بل كان اتِّباعُهم لذلك قبله، فالأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم....

    قوله: { وَمَآ أُنْزِلَ } فيه أربعةُ أقوالٍ

    أَظْهَرُها / أنَّ " ما " موصولةٌ بمعنى الذي محلُّها النصبُ عطفاً على " السِّحْر " ، والتقديرُ: يُعَلِّمُون الناسً السحرَ والمُنَزَّلَ على المَلَكَيْن.

    الثاني: أنها موصولةٌ أيضاً ومحلها النصبُ لكنْ عطفاً على { مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ } والتقديرُ: واتَّبعوا ما تَتْلوا الشياطينُ وما أُنْزِل على المَلَكَيْن وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ، ولا حاجَةَ إلى القولِ بأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً.

    الثالث: أنَّ محلَّها الجَرُّ عطفاً على " مُلْكِ سليمان " والتقديرُ: افتراءً على مُلْكِ سُلَيْمان وافتراءً على ما أُنْزِلَ على المَلَكْين. وقال أبو البقاء: " تقديرُه: وعلى عَهْدِ الذي أُنْزِل ".

    الرابع: " أنَّ " ما " حرفُ نفيٍ، والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ المنفيَّةِ قبلها، وهي { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } ، والمعنى: وما أُنْزِل على المَلَكَيْنِ إباحةُ السِّحْرِ.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثانية

    إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

    اعلم اخى الحبيب ان من ذهب ان الذى انزل الله سكينه عليه هو الحبيب ظن ان ايده بجنود معطوف على انزل الله سكينته وهو الظاهر ومادام ايد الحبيب بالجنود اذن انزل سكينته على الحبيب لان المعطوف والمعطوف عليه يجب ان يكونوا واحد .

    ولكن اخى الحبيب ان تدبرت الاية جيدا وجدت ان ايده بجنودعطف على نصره الله وهو الحبيب وليس عطف على فانزل الله سكينته.

    اذن اخى الحبيب الذى انزل الله سكينته عليه هو الصديق.وان الذى جاء بعد نصره الله هو شرح لهذا النصر وقت الهجرة.ثم ذكرهم الله بموقف اخر وهو واقعة بدر فقال وايده بجنود لم تروها

    قال الرازی فی تفسيره

    فإن قيل: وجب أن يكون قوله: فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول.

    قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال.

    وقال السمين:

    قوله: { وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا } الجمهورُ على رفع " كلمة " على الابتداء، و " هي " يجوزُ أَنْ تكونَ مبتدأ ثانياً، و " العُلْيا " خبرها، والجملة خبر الأول، ويجوز أن تكونَ " هي " فصلاً و " العليا " الخبر. وقُرِىء " وكلمةَ الله " بالنصب نسقاً على مفعولَيْ جَعَلَ، أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبو البقاء: " وهو ضعيفٌ لثلاثة أوجه، أحدها: وَضْعُ الظاهرِ موضعَ المضمر، إذ الوجهُ أن تقولَ: وكَلِمَتُه. الثاني: أن فيه دلالةً على أنَّ كلمة الله كانت سُفْلى فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أن توكيدَ مثلِ ذلك بـ " هي " بعيد، إذ القياسُ أن يكونَ " إياها ". قلت: أما الأولُ فلا ضعفَ فيه لأنَّ القرآنَ ملآنُ من هذا النوع وهو مِنْ أحسنِ ما يكون لأن فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر وهو أن يكون الشيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالث فـ " هي " ليست تأكيداً البتة إنما " هي " ضمير فصل على حالها، وكيف يكون تأكيداً وقد نَصَّ النحويون على أن المضمر لا يؤكد المظهر

    وقال القرطبي

    وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا } قيل: لا إلٰه إلاَّ الله. وقيل: وعْد النصر. وقرأ الأعمش ويعقوب «وكلِمة اللَّهِ» بالنصب حملاً على «جعل». والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة قال: لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول غلام أبي فلان. وقال أبو حاتم: نحواً من هذا. قال: كان يجب أن يُقال وكلمته هي العليا. قال النحاس: الذي ذكره الفرّاء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه:
    لا أرى الموتَ يسبِق الموتَ شيءٌ نغّص الموت ذا الغِنَى والفقِيرَا
    فهذا حسن جيّد لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة، وهي أن فيه معنى التعظيم قال الله تعالىٰ:{ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } [الزلزلة: 1 ـ 2] فهذا لا إشكال فيه....

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثالثة

    وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

    قال ابن كثير


    وإنما قال ههنا: يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ليكون ذلك تفسيراً للنعمة عليهم في قوله: يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ثم فسره بهذا؛ لقوله ههنا:
    ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
    [البقرة: 40] وأما في سورة إبراهيم، فلما قال:
    وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ
    [إبراهيم: 5] أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك:
    يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ
    [إبراهيم: 6] فعطف عليه الذبح؛ ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الرابعة

    يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

    قال السمين الحلبي فی الدر المصون

    قوله: وَصَدٌّ فيه وجهان، أحدُهما مبتدأٌ وما بعده عطفٌ عليه، و " أكبرُ " خبرٌ عن الجميعِ. وجاز الابتداءُ بصدّ لأحدِ ثلاثةِ أوجهٍ: إمَّا لتخصيصِه بالوصفِ بقولِه: عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وإمَّا لتعلُّقِه به، وإمَّا لكونِه معطوفاً، والعطفُ من المسوِّغات. والثاني: أنه عطفٌ على " كبيرٌ " أي: قتالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ، قاله الفراء. قال ابن عطية: " وهو خطأٌ لأنَّ المعنى يسوقُ إلى أنَّ قوله: " وكفرٌ به " عَطْفٌ أيضاً على " كبيرٌ " ، ويَجِيءُ من ذلك أنَّ إخراجَ أهلِ المسجدِ منه أكبرُ من الكفرِ، وهو بَيِّنٌ فسادُه ". وهذا الذي رَدَّ به قولَ الفراء غيرُ لازم له؛ إذ له أن يقول: إنَّ قولَه " وكفرٌ به " مبتدأٌ، وما بعده عطفٌ عليه، و " أكبرُ " خبرٌ عنهما، أي: مجموعُ الأمرين أكبرُ من القتال والصدِّ، ولا يلزَمُ من ذلك أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ أكبرَ من الكفر، بل يلزمُ منه أنه أكبرُ من القتالِ.

    في الشهرِ الحرامِ.

    وهو مصدرٌ حُذِفَ فاعلُه ومفعولُه؛ إذ التقديرُ: وصَدُّكم - يا كفارُ - المسلمين عن سبيلِ الله وهو الإِسلامُ.

    و " كفرٌ " فيه وجهان، أحدُهما: أنه عطفٌ على " صَدّ " على قولنا بأن " صداً " مبتدأٌ لا على قولنا بأنه خبرٌ ثان عن " قتال " ، لأنه يلزَمُ منه أن يكونَ القتالُ في الشهرِ الحرامِ كفراً وليس كذلك، إلا أَنْ يرادَ بقتالِ الثاني ما فيه هَدْمُ الإِسلامِ وتقويةُ الكفرِ كما تقدَّم ذلك عن بعضِهم، فيكونُ كفراً، فَيَصِحُّ عطفُه عليه مطلقاً، وهو أيضاً مصدرٌ لكنه لازمٌ، فيكونُ قد حُذِفَ فاعلُه فقط: أي: وكُفْرُكم. والثاني: أن يكونَ مبتدأً كما يأتي تفصيلُ القولِ فيه. والضميرُ في " به " فيه وجهان، أحدُهما:/ أنه يعودُ على " سبيل " لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني أنه يعودُ على الله، والأولُ أظهرُ. و " به " فيه الوجهان، أعني كونَه صفةً لكفر، أو متعلقاً به، كما تقدَّم في " فيه ".

    قوله: وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ الجمهورُ على قراءته مجروراً. وقرىء شاذاً مرفوعاً. فأمَّا جرُّه فاختلف فيه النحويون على أربعةِ أوجهٍ، أحدها: - وهو قولُ المبرد وتبعه في ذلك الزمخشري وابنُ عطية، قال ابن عطية: " وهو الصحيحُ - أنه عطفٌ على " سبيلِ الله " أي: وصَدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجد ". وهذا مردودٌ بأنه يؤدِّي إلى الفصلِ بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي تقريرُه أنَّ " صداً " مصدرٌ مقدَّرٌ بأَنْ والفعلِ و " أَنْ " موصولٌ، وقد جعلتم " والمسجدِ " عطفاً على " سبيلِ " فهو من تمام صلته، وفُصِل بينهما بأجنبي وهو " وكفرٌ به ". ومعنى كونِه أجنبياً أنه لا تعلُّق له بالصلةِ. فإن قيل: يُتَوَسَّعُ في الظرفِ وحرفِ الجر ما لم يُتَّسَعْ في غيرِهما. قيل: إنما قيل بذلك في التقديمِ لا في الفصلِ.

    الثاني: أنه عطفٌ على الهاءِ في " به " أي: وكفرٌ به وبالمسجِد، وهذا يتخرَّج على قول الكوفيين. وأمَّا البصريون فيشترطون في العطفِ على الضميرِ المجرورِ إعادةَ الخافض إلا في ضرورة، فهذا التخريجُ عندهم فاسدٌ. ولا بد من التعرُّض لهذه المسألة وما هو الصحيحُ فيها. فأقولُ وبالله العون: اختلف النحاةُ في العطفِ على الضمير المجرورِ على ثلاثةِ مذاهبَ: أحدُها - وهو مذهبُ الجمهور من البصريين -: وجوبُ إعادةِ الجار إلا في ضرورةٍ. الثاني: أنه يجوزُ ذلك في السَّعَةِ مطلقاً، وهو مذهبُ الكوفيين، وتَبِعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيين.

    والثالث: التفصيلُ، وهو إنْ أُكِّد الضميرُ جاز العطفُ من غيرِ إعادةِ الخافِض نحو: " مررت بك نفسِك وزيدٍ " ، وإلا فلا يجوزُ إلا ضرورةً، وهو قولُ الجَرْميّ. والذي ينبغي أنه يجوزُ مطلقاً لكثرةِ السماعِ الوارد به، وضَعْفِ دليل المانعين واعتضاده بالقياس.

    أما السَّماعُ: ففي النثرِ كقولِهم: " ما فيها غيرُه وفرسه " بجرِّ " فرسه " عطفاً على الهاء في " غيره ". وقوله:
    تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
    في قراءة جماعةٍ كثيرة، منهم حمزةُ، وستأتي هذه الآيةُ إن شاء الله، ومنه:
    وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
    [الحجر: 20] فـ " مَنْ " عطف على " لكم " في قولِه تعالى: لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وقولُه:
    مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ
    [النساء: 127] عطف على " فيهِنّ " وفيما يُتْلى عليكم ". وفي النظم وهو كثيرٌ جداً، فمنه قولُ العباس بن مرداس:
    930 ـ أَكُرُّ على الكتيبةِ لا أُبالي أفيها كان حَتْفي أم سواها
    فـ " سواها " عطفٌ على " فيها " ، وقولُ الآخر:
    931 ـ تُعَلَّقُ في مثلِ السَّوارِي سيوفُنا وما بينها والأرضِ غَوْطٌ نَفانِفٌ
    وقول الآخر:
    932 ـ هَلاَّ سَأَلْتَ بذي الجماجم عنهمُ وأبي نُعَيْم ذي اللِّواء المُحْرِقِ
    وقول الآخر:
    933 ـ بنا أبداً لا غيرِنا تُدْرَكُ المُنَى وتُكْشَفُ غَمَّاءُ الخطوبِ الفَوادِحِ
    وقول الآخر:
    934 ـ لو كانَ لي وزهيرٍ ثالثٌ وَرَدَتْ من الحِمامِ عِدانا شَرَّ مَوْرودِ
    وقال آخر:
    935 ـ إذا أَوْقدوا ناراً لحربِ عَدُوِّهمْ فَقَدْ خابَ مَنْ يَصْلَى بها وسعيرِها
    وقال آخر:
    936 ـ إذا بنا بل أُنَيْسانَ اتَّقَتْ فِئَةٌ ظَلَّتْ مُؤَمَنَّةً مِمَّنْ يُعادِيها
    وقال آخر:
    937 ـ آبَكَ أيِّهْ بيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشُوَرِ
    وأنشد سيبويه:
    938 ـ فاليومَ قَرَّبْتَ تهجُونا وَتشْتِمُنا فاذهبْ فما بك والأيام مِنْ عَجَبِ
    فكثرةُ ورودِ هذا وتصرُّفُهم في حروفِ العطفِ، فجاؤوا تارة بالواو، وأخرى بـ " لا " ، وأخرى بـ " أم " ، وأخرى بـ " بل " دليلٌ على جوازِه. وأمّا ضَعْفُ الدليل: فهو أنهم منعوا ذلك لأنَّ الضميرَ كالتنوين، فكما لا يُعْطف على التنوين لا يُعْطَفُ عليه إلا بإعادة الجار. ووجهُ ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلةِ ألاَّ يُعْطَفَ على الضمير مطلقاً، أعنى سواءً كان مرفوعَ الموضعِ أو منصوبَه أو مجرورَه، وسواءً أُعيد معه الخافِضُ أم لا كالتنوين.

    وأمَّا القياسُ فلأنه تابعٌ من التوابعِ الخمسةِ فكما يُؤَكَّدُ الضميرُ المجرورُ ويُبْدَلُ منه فكذلك يُعْطَفُ عليه.

    الثالث: أن يكونَ معطوفاً على " الشهر الحرام " أي: يسألونَك عن الشهرِ الحرامِ وعن المسجدِ الحرام. قال أبو البقاء: " وضَعُفَ هذا بأنَّ القومَ لم يَسْأَلوا عن المسجدِ الحرام إذ لم يَشُكُّوا في تعظيمِه، وإنما سَأَلوا عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ لأنه وَقَعَ منهم، ولم يَشْعُروا بدخولِه فخافُوا من الإِثمِ، وكانَ المشركونَ عيَّروهم بذلك " ولا يَظْهَرُ ضَعْفُه بذلكَ لأنه على هذا التخريجِ يكونُ سؤالُهم عن شيئين، أحدُهما القتالُ في الشهر الحرامِ.

    والثاني: القتالُ في المسجد الحرام، لأنهم لم يَسْأَلوا عن ذات الشهر ولا عن ذاتِ المسجدِ، إنما سألوا عن القتالِ فيهما كما ذَكَرْتُم، فَأُجيبوا بأنَّ القتالَ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ وصَدُّ عن سبيلَ الله تعالى، يكون " قتال " أَخْبر عنه بأنه كبيرٌ، وبأنه صَدٌّ عن سبيل الله، وأُجيبوا بأنَّ القتالَ في المسجد الحرامِ وإخراجَ أهلِه أكبرُ من القتالِ فيه. وفي الجملةِ فَعَطْفُه على الشهرِ الحرامِ متكلَّفٌ جداً يَبْعُدُ عنه نَظمُ القرآنِ والتركيبُ الفصيحُ.

    الرابع: أَنْ يتعلَّقَ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه المصدرُ تقديرُه: ويَصُدُّون عن المسجدِ، كما قال تعالى:
    هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ
    [الفتح: 25] قاله أبو البقاء، وجَعَله جيداً. وهذا غيرُ جيد لأنه يَلْزَمُ منه حذفُ حرفِ الجرِ وإبقاءُ عملهِ، ولا يجوزُ ذلك إلا في صورٍ ليس هذا منها، على خلافٍ في بعضها، ونصَّ النحويون على أنَّه ضرورةٌ كقوله:
    939 ـ إذا قيل: أيُّ الناسِ شَرُّ قبيلةٍ أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ
    أي: إلى كليب فهذه أربعة أوجه، أجودها الثاني.

    وأمَّا رفعُه فوجهُه أنَه عَطْفٌ على " وكفرٌ به " على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه " وكفرٌّ بالمسجدِ " فَحُذِفَتْ الباءُ وأُضيف " كفرٌ " إلى المسجدِ، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، ولا يَخْفَى ما فيه من التكلُّفِ، إلا أنه لا تُخَرَّجُ هذه القراءةُ الشاذةُ بأكثرُ مِنْ ذلك.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الخامسة

    وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ

    قال الرازی

    وقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ فيه قولان:

    القول الأول: أنه معطوف على محل لكم، والتقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين.

    والقول الثاني: أنه عطف على قوله: مَعَـٰيِشَ والتقدير: وجعلنا لكم معايش ومن لستم له برازقين، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة:

    الاحتمال الأول: أن كلمة «من» مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم والعبيد، وتقرير الكلام أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد، وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الخادم والمخدوم، والمملوك والمالك فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة، وأعطى القوة الغاذية والهاضمة، وإلا لم يحصل لأحد رزق

    والاحتمال الثاني: وهو قول الكلبي قال: المراد بقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ الوحش والطير.

    فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة من مختصة بمن يعقل؟

    قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن صيغة من قد وردت في غير العقلاء، والدليل عليه قوله تعالى:
    وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ
    [النور: 45]. والثاني: أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقاً على الله حيث قال:
    وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا
    [هود: 6] فكأنها عند الحاجة تطلب أرزاقها من خالقها فصارت شبيهة بمن يعقل من هذه الجهة، فلم يبعد ذكرها بصيغة من يعقل، ألا ترى أنه قال:
    يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ
    [النمل: 18] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، وقال في الأصنام:
    فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى
    [الشعراء: 77] وقال:
    كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
    [الأنبياء: 33] فكذا ههنا لا يبعد إطلاق اللفظة المختصة بالعقلاء على الوحش والطير لكونها شبيهة بالعقلاء من هذه الجهة وسمعت في بطن الحكايات أنه قلت المياه في الأودية والجبال واشتد الحر في عام من الأعوام فحكى عن بعضهم أنه رأى بعض الوحش رافعاً رأسه إلى السماء عند اشتداد عطشه قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت بحيث امتلأت الأودية منها.

    والاحتمال الثالث: أنا نحمل قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ على الإماء والعبيد، وعلى الوحش والطير، وإنما أطلق عليها صيغة من تغليباً لجانب العقلاء على غيرهم.

    المسألة الثانية: قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ لا يجوز أن يكون مجروراً عطفاً على الضمير المجرور في لكم، لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، لا يقال أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى:
    وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ
    [الأحزاب: 7].

    واعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ:
    تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
    [النساء: 1] بالخفض وقد ذكرنا هذه المسألة هنالك. والله أعلم.

    وقال السمين فی الدر المصون

    قوله تعالى: وَمَن لَّسْتُمْ : يجوز في " مَنْ " خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو قول الزجاج - أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ تقديرُه: وأَعَشْنا مَنْ لستم لهم برازقين، كالعبيد والدوابِّ/ والوحوشِ. الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على " معايش " ، أي: وجعلنا لكم فيها مَنْ لستم له برازقين من الدوابِّ المنتفعِ بها. الثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على محلِّ " لكم. الرابع: أنه مجرورٌ عطفاً على " كم " المجرورِ باللام، وجاز ذلك مِنْ غيرِ إعادةِ الجارِّ على رأيِ الكوفيين وبعضِ البصريين، وقد تقدَّم تحقيقُه في سورة البقرة، عند قوله
    وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ
    [البقرة: 217]. الخامس: أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ. أي: ومَنْ لستم له برازقين جَعَلْنا له فيها معايشَ، وسُمِع من العرب " ضربْتُ زيداً وعمروٌ " برفع " عمرٌو " مبتدأً، محذوفَ الخبر، أي: وعمرٌو ضربْتُه.

    و " مَنْ " يجوز أن يُرادَ بها العقلاءُ، أي: ومَنْ لستُمْ له برازقين مِنْ مواليكم الذين تزعمون أنَّكم ترزقونه من وأن يُرادَ بها غيرُهم، أي: ومَنْ لَسْتُمْ له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين. ويجوز أن يُراد بها النوعان، وهو حَسَنٌ لفظاً ومعنى.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة السادسة

    يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً

    قال السمين فی دره المصون

    قوله: وَٱلأَرْحَامَ الجمهور/ على نصب ميم " والأرحام " وفيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها. وقَدَّر بعضهم مضافاً أي: قَطْعَ الأرحام، ويقال: " إنَّ هذا في الحقيقة من عطفِ الخاص على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله: اتقوا مخالفَتَه، وقطعُ الأرحام مندرجٌ فيها ". والثاني: أنه معطوفٌ على محل المجرور في " به " نحو: مررت بزيد وعمراً، لَمَّا لَم يَشْرَكْه في الإِتباع على اللفظِ تبعه على الموضع. ويؤيد هذا قراءة عبد الله: " وبالأرحام ". وقال أبو البقاء: " تُعَظِّمونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تعظيمٌ له ".

    وقرأ حمزة " والأرحامِ " بالجر، وفيها قولان، أحدهما: أنه عطفٌ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تقدَّم تحقيقُ القول في هذه المسألة، وأنَّ فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاجُ كل فريق في قوله تعالى:
    وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ
    [البقرة: 217].

    وقد طَعَنَ جماعة على هذه القراءة كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال: " حَدَّثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم قال: " والأرحامِ " ـ بخفض الأرحام ـ هو كقولهم: " أسألك بالله والرحمِ " قال: " وهذا قبيحٌ " لأنَّ العرب لا تَرُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قد كُنِيَ عنه ".

    والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور بل الواوُ للقسم وهو خفضٌ بحرفِ القسم مُقْسَمٌ به، وجوابُ القسم: " إنَّ الله كان عليكم رقيباً ". وضُعِّف هذا بوجهين، أحدهما: أن قراءتَيْ النصبِ وإظهار حرف الجر في " بالأرحام " يمنعان من ذلك، والأصل توافقُ القراءات. والثاني: أنه نُهِيَ أن يُحْلَف بغير الله تعالى والأحاديثُ مصرحةٌ بذلك.

    وقدَّر بعضُهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: " تقديره: وربِّ الأرحام: قال أبو البقاء: وهذا قد أَغْنى عنه ما قبله " يعني الحلف بالله تعالى. ولقائل [أن يقول:] " إنَّ لله تعالى أن يُقْسِم بما شاء كما أقسم بمخلوقاتِه كالشمس والنجم والليل، وإن كنا نحن مَنْهيين عن ذلك " ، إلا أنَّ المقصودَ من حيث المعنى ليس على القسمِ، فالأَوْلى حَمْلُ هذه القراءةِ على العطفِ على الضمير، ولا التفاتَ إلى طَعْنِ مَنْ طَعَن فيها، وحمزةُ بالرتبة السَّنِيَّة المانعةِ له مِنْ نقلِ قراءة ضعيفة.

    وقرأ عبد الله أيضاً: " والأرحامُ " رفعاً وهو على الابتداء، والخبر محذوفٌ فقدَّره ابن عطية: " أهلٌ أَنْ توصل " ، وقَدَّره الزمخشري: و " الأرحامُ مِمَّا يتقى، أو: مما يُتَساءل به " ، وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية، بخلاف الأول، فإنه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّره أبو البقاء: " والأرحامُ محترمة " أي: واجبٌ حرمتُها.

    وقال القرطبي

    وَالأَرحَامَ» معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة «تَسَّاءلُونَ» بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف التاء، لاجتماع تائين، وتخفيف السين لأن المعنى يعرف وهو كقوله:{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ } [المائدة: 2] و «تَنَزَّلُ» وشبهه. وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعْمَش وحَمْزة { وَٱلأَرْحَامِ } بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لَحْن لا تحِلّ القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّة قبحه قال النحاس: فيما علمتُ. وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكنِيّ فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل: سألتك بالله والرحِم هكذا فسره الحسن والنخعِيّ ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعّفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض كقوله{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } [القصص: 81] ويقبح «مررت به وزيدٍ» قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه فكما لا يجوز «مررت بزيد وبك» كذلك لا يجوز «مررت بك وزيد». وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلاّ في الشعر كما قال:
    فاليوم قرّبتَ تَهجُونا وتشتِمُنا فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب
    عطف «الأيام» على الكاف في «بك» بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر:
    نعلِّق في مِثل السَّوَارِي سيوفنا وما بينها والكَعْبِ مَهْوى نَفَانِفُ

    عطف «الكعب» على الضمير في «بينها» ضرورة. وقال أبو عليّ: ذلك ضعيف في القياس. وفي كتاب التذكرة المهدية عن الفارسي أن أبا العباس المبرّد قال: لو صليتُ خلف إمام يقرأ { مَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيِّ } و«اتَّقُوا الله الذَّي تَسَاءَلُوَن بِه وَالأْرحَامِ» لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حَمْزَةَ مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم " فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرّحِم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلِف بغير الله أمر عظيم، وأنه خاص لله تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم { وَٱلأَرْحَامَ } قَسَمٌ خطأ من المعنى والإعراب لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حُفاةً عراةً، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لِما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: { يَأَيُّها النَّاسُ ٱتقُوا رَبَّكُمُ } ، إلى { وَالأَرْحَامَ } ثم قال: «تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره» " وذكر الحديث. فمعنى هذا على النصب لأنه حضّهم على صلة أرحامهم وأيضاً فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان حالِفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهذا يرّد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرّحم. وقد قال أبو إسحاق: معنى { تَسَاءَلُونَ بِهِ } يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضاً مع هذا. قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة «وَالأَرْحَامِ» بالخفض، واختاره ابن عطية. وردّه الإمام أبو النصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلامِ مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور، ولا يقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو فإن العربية تُتلقّى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر لأنه عليه السلام قال لأبي العُشَرَاء. " وأبِيك لو طعنت في خاصرته " ثم النهي إنما جاء في الحلفِ بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرّحم فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرّحم، أي اتقوا الله وحق الرحم، كما تقول: افعل كذا وحقِّ أبيك.

    وقد جاء في التنزيل: «والنَّجْمِ، والطّورِ، والتِّينِ، لَعْمرُك» وهذا تكلفٌ. قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون «وَالأَرْحَامِ» من هذا القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيداً لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولِلّهِ أن يُقسِم بما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسماً. والعرب تُقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادةً فحذفها كما حذفها في قوله:
    مَشائيمُ ليسوا مُصلِحِينَ عَشِيرةً ولا ناعِبٍ إلاّ بِبَيْنٍ غُرابُها
    فجر وإن لم يتقدّم باء. قال آبن الدَّهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يُجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله:
    آبَكَ أيِّهْ بِيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُر الجِلّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ
    ومنه:
    فاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ
    وقـول الآخـر:
    وما بَيْنها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ
    ومنه:
    فحسبُك والضَّحّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
    وقول الآخر:
    وقد رَامَ آفاقَ السّماءِ فلم يَجِدْ له مَصعَداً فيها ولا الأرْضِ مَقْعَدَا
    وقول الآخر:
    ما إنْ بها والأُمورِ مِنْ تَلَفٍ ما حُمّ مِنْ أمرِ غَيْبِهِ وَقَعَا
    وقول الآخر:
    أمُرُّ على الكَتِيبَة لَسْتُ أدرِي أحَتْفِيَ كان فيها أمْ سِواها
    فـ «سواها» مجرور الموضع بفِي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى:{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد «وَالأَرْحَامُ» بالرفع على الآبتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء:
    إن قوما منهم عُمَيْرٌ وأشْبَا هُ عُمَيْرٍ ومنهم السفّاحُ
    لَجَديرون باللِّقاء إذا قا ل أخو النّجْدَةِ السلاحُ السلاحُ
    وقد قيل: إنّ { وَالأَرحَامَ } بالنصب عطف على موضع به لأن موضعه نصب، ومنه قوله:
    فلسنا بالجبال ولا الحديدا
    وكانوا يقولون: أنشُدُك بالله والرّحِمَ. والأظهر أنه نصب بإضمار فعلٍ كما ذكرنا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة السابعة

    وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ

    قال السمين فی دره المصون:

    قوله: وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ : العامَّة على كسرِ القافِ ورفعِ الراءِ اسمَ فاعلٍ ورفعِه خبراً لـ " كل " الواقعِ مبتدأً. وقرأ شَيْبَةُ بفتح القافِ، وتُروَى عن نافعٍ. قال أبو حاتم: " لا وجهَ لها " وقد وَجَّهها غيرُه على حَذْفِ مضافٍ، أي: وكلُّ أمرٍ ذو استقرار، أو زمانَ استقرارٍ أو مكانَ استقرارٍ، فجاز أن يكونَ مصدراً، وأن يكون ظرفاً زمانياً أو مكانياً، قال معناه الزمخشري.

    وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بكسر القاف وجَرِّ الراء وفيها أوجهٌ، أحدُها: ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَه أَنْ يكونَ صفةً لأمر. ويرتفعُ " كلُّ " حينئذٍ بالعطفِ على " الساعة " ، فيكونُ فاعلاً، أي: اقتربَتِ الساعةُ وكلُّ أمرٍ مستقرٍ.

    قال الشيخ: " وهذا بعيدٌ لوجودِ الفصلِ بجملٍ ثلاثٍ، وبعيدٌ أَنْ يوجدَ مثلُ هذا التركيبِ في كلام العربِ نحو: أكلتُ خبزاً، وضربْتُ خالداً، وإن يَجِىءْ زيدٌ أُكْرِمْه، ورَحَل إلى بني فلان، ولحماً، فيكونُ " ولحماً " معطوفاً على " خبزاً " بل لا يوجَدُ مثلُه في كلام العربِ. انتهى ". قلت: وإذا دلَّ دليلٌ على المعنى فلا نبالي بالفواصلِ. وأين فصاحةُ القرآن من هذا التركيبِ الذي ركَّبه هو حتى يَقيسَه عليه في المنع؟

    الثاني: أَنْ يكونَ " مُسْتقرٍ " خبراً لـ " كلُّ أمرٍ " وهو مرفوعٌ، إلاَّ أنه خُفِضَ على الجِوار، قاله أبو الفضل الرازي. وهذا لا يجوزُ؛ لأن الجِوارَ إنما جاء في النعتِ أو العطفِ، على خلافٍ في إثباته، كما قدَّمْتُ لك الكلامَ فيه مستوفى في سورةِ المائدة. فكيف يُقال في خبر المبتدأ: هذا ما لا يجوزُ؟ الثالث: أنَّ خبرَ المبتدأ قولُه " حكمةٌ بالغةٌ " أخبر عن كلِّ أمرٍ مستقرٍ بأنَّه حكمةٌ بالغةٌ، ويكون قولُه: " ولقد جاءهم من الأنباءِ ما فيه مُزْدَجَرٌ " جملةَ اعتراضٍ بين المبتدأ وخبرِه. الرابع: أنَّ الخبرَ مقدرٌ، فقدَّره أبو البقاء: معمولٌ به، أو أتى. وقدَّره غيرُه: بالغوه لأنَّ قبلَه وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ، أي: وكلُّ أمرٍ مستقرٍّ لهم في القَدَر مِن خيرٍ أو شرٍّ بالغوه.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثامنة

    وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

    قال ابن كثير

    وقال مجاهد: بنين وحفدة : ابنه وخادمه. وقال في رواية: الحفدة: الأنصار والأعوان والخدام، وقال طاوس وغير واحد: الحفدة: الخدم. وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك، قال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه، ويقال: الحفدة: الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان يحفد لنا، أي: يعمل لنا، قال: وزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل، وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس، قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الأصهار.

    قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة، وهو الخدمة الذي منه قوله في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد»، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار، فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً قلت: فمن جعل وَحَفَدَةً متعلقاً بأزواجكم، فلا بد أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد والأصهار، لأنهم أزواج البنات، أو أولاد الزوجة، وكذا قال الشعبي والضحاك، فإنهم يكونون غالباً تحت كنف الرجل، وفي حجره وفي خدمته، وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث نضرة بن أكثم: " والولد عبد لك " رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة الخدم، فعنده أنه معطوف على قوله: وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا أي: جعل لكم الأزواج والأولاد خدماً.

    وقال السمين الحلبي فی دره المصون

    قوله تعالى: وَحَفَدَةً : في " حَفَدَة " أوجهٌ. أظهرُها: أنه معطوفٌ على " بنين " بقيدِ كونِه من الأزواج، وفُسِّر هنا بأنه أولادُ الأولادِ. الثاني: أنه مِنْ عطفِ الصفاتِ لشيءٍ واحدٍ، أي: جَعَلَ لكم بنينَ خَدَماً، والحَفَدَةُ: الخَدَمُ. الثالث: أنه منصوبٌ بـ " جَعَلَ " مقدرةً، وهذا عند مَنْ يُفَسِّر الحَفَدة بالأعوان والأَصْهار، وإنما احتيج إلى تقدير " جَعَلَ " لأنَّ " جَعَلَ " الأولى مقيدةٌ بالأزواج، والأعوانُ والأصهارُ ليسوا من الأزواج.

    والحَفَدَةُ: جمع حافِد كخادِم وخَدَم. وفيهم للمفسرين أقوالٌ كثيرةٌ، واشتقاقُهم مِنْ قولِهم: حَفَد يَحْفِد حَفْداً وحُفوداً وحَفَداناً، أي: أسرع في الطاعة. وفي الحديث: " وإليك نَسْعَى ونَحْفِدُ " ، أي: نُسْرِعِ في طاعتِك....

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة التاسعة

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

    قال الامام بن عطية فى تفسيره المحرر الوجيز

    وقوله تعالى: وكثير حق عليه العذاب يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم، أي وكثير حق عليه العذاب يسجد، أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره ونحو ذلك، قاله مجاهد، وقال: سجوده بظله ويحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء مقطوعاً مما قبله

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة العاشرة

    قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ * مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون

    وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ


    قوله تعالى: وَإِنَّ ٱللَّهَ : قرأ ابن عامرٍ والكوفيون " وإنَّ " بكسر " إنَّ " على الاستئناف، ويؤيِّدها قراءةُ أُبَيّ إِنَّ ٱللَّهَ بالكسر دون واو.

    وقرأ الباقون بفتحها، وفيها أوجهٌ،

    أحدُها: أنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ متعلِّقاً بما بعده، والتقدير: ولأنَّ اللهَ ربي وربُّكم فاعبُدوه، كقوله تعالى:
    وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً
    [الجن: 18] والمعنى لوَحْدانيَّته أَطِيْعوه. وإليه ذهب الزمخشري تابعاً للخليل وسيبويه.

    الثاني: أنها عطفٌ على " الصلاةِ " والتقدير: وأوصاني بالصلاةِ وبأنَّ اللهَ. وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكيٌّ غيرَه. ويؤيِّده ما في مصحف أُبَيّ " وبأنَّ اللهَ ربي " بإظهار الباءِ الجارَّة. وقد استُبْعِد هذا القولُ لكثرةِ الفواصلِ بين المتعاطفَيْن. وأمَّا ظهورُ الباءِ في مصحفِ أَُبَيّ فلا يُرَجِّحُ هذا لأنها باءُ السببيةِ، والمعنى: بسبب أنَّ الله ربي وربُّكم فاعبُدوه فهي كاللام.

    الثالث: أَنْ تكونَ " أنَّ " وما بعدها نَسَقاً على " أمراً " المنصوبِ بـ " قَضَى " والتقدير: وإذا قضى أمراً، وقضى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم. ذكر ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء. واستبعد الناسُ صحةَ هذا النقلِ عن أبي عمرو؛ لأنَّه من الجلالةِ في العِلْم والمعرفة بمنزلٍ يمنعُه من هذا القولِ؛ وذلك لأنَّه إذا عَطَفَ على " أمراً " لزم أن يكونَ داخلاً في حَيِّز الشرطِ بـ " إذا " ، وكونُه ربُّنا لا يتقيَّد بشرطٍ البتةَ، بل هو ربُّنا على الإِطلاق. ونسبوا هذا الوهمَ لأبي عبيدةَ كان ضعيفاً في النحو، وعَدُّوا له غَلَطاتٍ، ولعلَّ ذلك منها.

    الرابع: أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، تقديرُه: والأمرُ أنَّ الله ربي وربُّكم. ذُكِر ذلك عن الكسائي، ولا حاجةَ إلى هذا الإِضمارِ.

    الخامس: أَنْ/ يكونَ في محلِّ نصبٍ نَسَقاً على " الكتاب " في قولِه " قال: إني عبد الله آتاني الكتابَ " على أن يكونَ المخاطَبُ بذلك معاصِرِي عيسى ، والقائلُ لهم ذلك عيسى. وعن وَهْب: عَهِدَ إليهم عيسى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم. قال هذا القائل: ومَنْ كسرَ الهمزةَ يكون قد عَطَفَ إِنَّ اللَّهَ على قوله " إني عبدُ الله " فهو داخِلٌ في حَيِّز القولِ. وتكون الجملُ من قوله ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ إلى آخرها جملَ اعتراض، وهذا من البُعْدِ بمكانٍ.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الحادية عشر

    هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ


    ذكرنا الاية فی جواهر الاستثناء وجواهر الوقف والابتداء فلتراجع هناك

    الجوهرة الثانية عشر

    وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

    قال الامام القرطبى فى تفسيره


    أَوِ ٱلْحَوَايَآ في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما، والألف واللام بدل من الإضافة. وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل. أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ «ما» في موضع نصب عطف على «مَا حَمَلَتْ» أيضاً هذا أصح ما قيل فيه. وهو قول الكسائِي والفراء وأحمد بن يحيـى. والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا ألاَّ يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك.

    وقيل: إن الإستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصّةً، وقوله: «أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ» معطوف على المحرم. والمعنى: حرمت عليهم شحومها أو الحوايا أو ما ٱختلط بعظم؛ إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. وقد ٱحتج الشافعيّ بهذه الآية في أن من حلف ألاّ يأكل الشحم حنِث بأكل شحم الظهور؛ لاستثناء الله ما على ظهورهما من جملة الشحم.

    وقال الرازى:

    النوع الثاني: من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة، قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم، ثم في الآية قولان: الأول: إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع: أولها: قوله: { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير: فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم، وبهذا التقدير: لو حلف لا يأكل الشحم، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين. والاستثناء الثاني: قوله تعالى: { أَوِ ٱلْحَوَايَا } قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية وحوية. قال ابن الأعرابي: هي الحوية أو الحاوية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة. وقال ابن السكيت: يقال حاوية وحوايا، مثل رواية وروايا. إذا عرفت هذا: فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة. والاستثناء الثالث: قوله: { وَمَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } قالوا: إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين. وقال ابن جريج: كل شحم في القائم والجنب والرأس، وفي العينين والأذنيين يقول: إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم، وعلى هذا التقدير: فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية. القول الثاني: في الآية أن قوله: { أَوِ ٱلْحَوَايَا } غير معطوف على المستثنى، بل على المستثنى منه والتقدير: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا: ودخلت كلمة «أو» كدخولها في قوله تعالى:{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان: 24] والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا واعص هذا، فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا....

    ملحوظة

    ذكرنا الاية فى جواهر الاستثناء فلتراجع هناك

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثالثة عشر

    إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون

    قوله: وَهُمْ رَاكِعُونَ في هذه الجملةِ وجهان،

    أظهرُهما: أنها معطوفةٌ على ما قبلَها من الجملِ فتكونُ صلةً للموصولِ، وجاء بهذه الجملةِ اسميةً دونَ ما قبلَها، فلم يَقُلْ " ويركعون " اهتماماً بهذا الوصفِ؛ لأنه أظهرُ أركانِ الصلاة.

    والثاني: أنها واوُ الحال وصاحبُها هو واو " يُؤْتون " والمرادُ بالركوعِ الخضوعُ أي: يؤتون الصدقة وهم متواضِعُون للفقراءِ الذين يتصدَّقون عليهم، ويجوز أَنْ يُرادَ به الركوع حقيقةً؛ كما رُوي عن علي أميرِ المؤمنين أنه تصدَّقَ بخاتَمِة وهو راكعٌ

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الرابعة عشر

    قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون
    قوله: وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ في محلِّ هذه الجملة وجهان،

    أحدهما: النصب عطفاً على قوله " عندي خزائنُ الله " لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القولَ ولا هذا القولَ، قاله الزمشخري، وفيه نظرٌ من حيث إنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: ولا أقول لكم لا أَعْلَمُ الغيب، وليس بصحيحٍ.

    والثاني: أنه معطوف على " لا أقول " لا معمولٌ له، فهو أمَرَ أن يُخْبِرَ عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو " قل " ، وهذا تخريجُ الشيخ، قال بعد أن حكى قول الزمخشري: " ولا يتعيَّنُ ما قاله، بل الظاهرُ أنه معطوفٌ على " ألاَّ أقول " إلى آخره ".

    ملحوظة

    الشيخ هو الامام ابو حيان صاحب البحر المحيط شيخ السمين وقد تعقب السمين استدراكات شيخه علي الزمخشرى ودافع عن الزمخشري فى مواضع كثيره فرحم الله السمين

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الخامسة عشر

    قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

    قال الامام ابن عطية فى المحرر الوجيز

    وقوله: وما مسني يحتمل وجهين وبكليهما قيل،

    أحدهما أن ما معطوفة على قوله: لاستكثرت أي ولما مسني السوء

    والثاني أن يكون الكلام مقطوعاً تم في قوله: لاستكثرت من الخير وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه وهو الجنون الذي رموه به، قال مؤرج السدوسي: السوء الجنون بلغة هذيل،

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة السادسة عشر

    وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون

    قوله: وَيَعْقُوبُ الجمهورُ على رفعه وفيه قولان،

    أظهرهُما: أنه عطفٌ على " إبراهيم " ويكونُ مفعولُه محذوفاً أي: ووصَّى يعقوبُ بنيه أيضاً،

    والثاني: أن يكونَ مرفوعاً بالابتداءِ وخبرُه محذوفٌ تقديرُه ويعقوبُ قال: يا بَنِيَّ إنَّ الله اصطفى.

    وقرأ إسماعيل بن عبد الله وعمرو بن فائد بنصبه عطفاً على " بَنيه " ، أي: ووصَّى إبراهيمُ يعقوبَ أيضاً.

    وقال القرطبي

    وقرأ عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد اللَّه المكي: «ويعقوبَ» بالنصب عطفاً على «بنيه» فيكون يعقوب داخلاً فيمن أوْصَى. قال القُشَيْرِيّ: وقُرىء «يعقوب» بالنصب عطفاً على «بنيه» وهو بعيد لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لمّا وصّاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جدّه إبراهيم، وإنما وُلد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما فعل إبراهيم

صفحة 1 من 8 12345 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •