صفحة 7 من 8 الأولىالأولى ... 345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 105 من 117

الموضوع: اسرار العطف فى كتاب الله

  1. #91
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    الجوهرة التاسعة بعد المائة

    { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ }

    قال السمين

    قوله: { وَٱلْجُلُودُ } فيه وجهان، أظهرُهما: عَطْفُه على " ما " الموصولة أي: يُذابُ الذي في بطونِهم من الأمعاءِ، وتُذاب أيضاً الجلودُ أي: يُذاب ظاهرُهم وباطنُهم,. والثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ أي: وتُحْرَقُ الجلودُ. قالوا: لأن الجلدَ لا يُذابُ، إنما يَنْقَبِضُ وينكمشُ إذا صَلِي النارَ وهو في التقدير كقوله:
    3378ـ عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ........................
    [وقوله].
    3379ـ......................... وزَجَّجْنَ الحواجــبَ والعيونـــا
    [وقولِه تعالىٰ]:{ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ } [الحشر: 9]. فإنه على تقديرِ: وسَقَيْتُها ماءً، وكَحَّلُنَ العُيونا، واعتقدوا الإِيمانَ

    { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }

    قال السمين

    قوله: { وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }: على تقديرِ أَنْ يكونوا فيها كقولِه:{ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ } [الرحمن: 33] أي: على تقديرِ أَنْ يكونوا فيها. وقال ابن زيد والفراء: " معناه ولا مَنْ في السماءِ أي: يُعْجِزُ إنْ عَصَى " يعني: أنَّ مَنْ في السماواتِ عطفٌ على " أنتم " بتقدير: إنْ يَعْصِ. قال الفراء: " وهذا من غوامضِ العربيةِ ". قلت: وهذا على أصلِه حيث يُجَوِّز حَذْفَ الموصولِ الاسميِّ وتَبْقى صلتُه. وأنشد:
    3637 ـ أمَن يهْجُو رسولَ الله منكُمْ ويَنْصُرُه ويَمْدَحُه سَواءُ
    وأبعدُ مِنْ ذلك مَنْ قدَّر موصولين محذوفين أي: وما أنتم بمعجِزِين مَنْ في الأرض مِن الإِنسِ والجنِّ ولا مَنْ في السماء من الملائكة، فكيف تُعْجِزُون خالقِها؟ وعلى قولِ الجمهورِ يكونُ المفعولُ محذوفاً أي: وما أنتم بمعجِزين أي: فائِتينَ ما يريدُ اللَّهُ بكم

    وقال الالوسي

    { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } له تعالى عن إجراء حكمه وقضائه عليكم { فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } أي بالهرب في الأرض الفسيحة أو الهبوط في مكان بعيد الغور والعمق بحيث لا يوصل إليه فيها ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها أو التي هي أمنع لمن حل فيها عن أن تناله أيدي الحوادث فيما ترون لو استطعتم الرقي إليها كما في قوله تعالى:{ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـارِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ } [الرحمٰن: 33] أو البروج والقلاع المرتفعة في جهتها على ما قيل، وهو خلاف الظاهر، وقال ابن زيد والفراء: إن { فِى ٱلسَّمَاء } صلة موصول محذوف هو مبتدأ محذوف الخبر؛ والتقدير ولا من في السماء بمعجز، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، وضعف بأن فيه حذف الموصول مع بقاء صلته وهو لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر كقول حسان:
    أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
    على ما هو الظاهر فيه، على أن ابن مالك اشترط في جوازه عطف الموصول المحذوف على موصول آخر مذكور كما في هذا البيت، وبأن فيه حذف الخبر أيضاً مع عدم الحاجة إليه، ولهذا جعل بعضهم الموصول معطوفاً على أنتم ولم يجعله مبتدأ محذوف الخبر ليكون العطف من عطف الجملة على الجملة، وزعم بعضهم أن الموصول محذوف في موضعين وأنه مفعول به لمعجزين وقال: التقدير وما أنتم بمعجزين من في الأرض أي من الإنس والجن ولا من في السماء أي من الملائكة عليهم السلام فكيف تعجزون الله عز وجل، ولا يخفى أن هذا في غاية البعد ولا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى. وقيل ليس في الآية حذف أصلاً، والسماء هي المظلة إلا أن { أَنتُمْ } خطاب لجميع العقلاء فيدخل فيهم الملائكة ويكون السماء بالنظر إليهم والأرض بالنظر إلى غيرهم من الإنس والجن وهو كما ترى

  2. #92
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    الجوهرة العاشرة بعد المائة

    { مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ }

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { من الجِنَّة والناس } الجِنَّة: الجن. ومن معنى الآية قولان.

    أحدهما: يوسوس في صدور الناس جِنَّتهم وناسهم، فسمى الجن هاهنا ناساً، كما سمَّاهم رجالاً في قوله تعالى{ يعوذُون برجال من الجن } [الجن:6] وسماهم نفراً بقوله تعالى:{ استَمَعَ نفر من الجن } [الجن:1] هذا قول الفراء. وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوساً للجن، كما يوسوس للإنس.

    والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من الجِنَّة، وهم من الجن. والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله تعالى: «والناس» على «الوسواس». والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس، هذا قول الزجاج.

    قال السمين:

    قوله: { مِنَ ٱلْجِنَّةِ }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من " شَرِّ " بإعادة العاملِ، أي: مِنْ شَرِّ الجِنة. الثاني: أنه بدلٌ مِنْ ذي الوَسواس؛ لأنَّ المُوَسْوِسَ من الجنِّ والإِنس. الثالث: أنَّه حالٌ من الضمير في " يُوَسْوِسُ " أي: يُوَسْوِس حالَ كونِه مِنْ هذين الجنسَيْنِ. الرابع: أنه بدلٌ من " الناس " وجَعَلَ " مِنْ " تَبْييناً. وأَطْلَقَ على الجِنِّ اسمَ الناس؛ لأنهم يتحرَّكون في مُراداتهم، قاله أبو البقاء. إلاَّ أنَّ الزمخشري أبطلَ فقال بعد أَنْ حكاه: " واسْتَدَلُّوا بـ{ نَفَرٌ } [الجن: 1] و{ رِجَالٌ } [الجن: 6] ما أحقَّه؛ لأن الجنَّ سُمُّوا جِنَّاً لاجتنانِهم والناسَ ناساً لظهورِهم، من الإِيناس وهو الإِبصار، كما سُمُّوا بَشَراً. ولو كان يقع الناسُ على القبيلَيْنِ وصَحَّ وثَبَتَ لم يكن مناسِباً لفصاحةِ القرآن وبعده مِنَ التَصَنُّع، وأَجْوَدَ من أن يرادَ بالناس الناسي كقولِه:{ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } القمر: 6] وكما قرئ { مِنْ حيث أفاضَ الناسي } ثم بُيِّنَ بالجِنة والناس؛ لأنَّ الثَّقَلَيْن هما النوعان الموصوفانِ بنِسْيان حَقِّ اللَّهِ تعالى " قلت: يعني أنه اجتُزِئ بالكسرةِ عن الياء، والمرادُ اسمُ الفاعلِ، وقد تقدَّم تحقيق هذا في البقرة، وأَنْشَدْتُ عليه هناك شيئاً من الشواهد.

    الخامس: أنه بيانٌ للذي يوسوِسُ، على أن الشيطان ضربان: إنسِيُّ وجنيُّ، كما قال{ شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112]. وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل اسْتَعَذْتَ من شياطينِ الإِنس؟ السادس: أنَّه يتعلَّق بـ " يُوَسْوِس " و " مِنْ " لابتداءِ الغاية، أي: يُوَسْوِسُ في صدورِهم من جهة الجنِّ ومِنْ جهة الإِنس. السابع: أنَّ " والناس " عطفٌ على " الوَسْواس " أي: مِنْ شَرِّ الوَسْواس والناس. ولا يجوزُ عطفُه على الجِنَّةِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُوَسْوِسُوْنَ في صدورِ الناس إنما يُوَسْوِس الجنُّ، فلمَّا استحالَ المعنى حُمِل على العطف على الوَسْواس، قاله مكي وفيه بُعْدٌ كبيرٌ لِلَّبْسِ الحاصلِ. وقد تقدَّم أنَّ الناسَ يُوَسْوِسون أيضاً بمعنىً يليقُ بهم.

    الثامن: أنَّ { مِنَ ٱلْجِنَّةِ } حالٌ من " الناس " ، أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يُبَيِّنْ: أيُّ الناسِ المتقدمُ أنه صاحبُ الحالِ؟ وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يَصِحُّ معنى الحاليةِ [في شيءٍ منها]، لا الأولُ ولا ما بعدَه. ثم قال: " وقيل: هو معطوف على الجِنَّة " يريد " والناسِ " الأخيرَ معطوفٌ على " الجِنة " وهذا الكلامُ يَسْتدعي تقدُّمَ شيءٍ قبلَه: وهو أَنْ يكونَ " الناس " عطفاً على غير الجِنة كما قال به مكي ثم يقول: " وقيل هو معطوفٌ على " الجِنة " وفي الجملة فهو كلامٌ متسامَحٌ فيه [سامَحَنا الله] وإياه وجميعَ خلقِه بمنِّة وكَرَمِه وخَتَمَ لنا منه بخيرٍ، وخَتَم لنا رِضاه عنَّا وعن جميع المسلمين.

  3. #93
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ }

    قال السمين:

    قوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ }: جوَّزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه مبتدأٌ، وما بعدَه الخبرُ. والثاني: أنه معطوفٌ على " والدٌ " ، وتكون الجملةُ صفةً له. وفيه إشكالٌ: وهو أنه نَفَى عنه أن يَجْزيَ، ثم وَصَفَه بأنه جازٍ. وقد يُجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة فالحالان باعتبار زَمَنين.

    وقد منع المهدويُّ أَنْ يكونَ مبتدأً قال: " لأنَّ الجملةَ بعده صفةٌ له فيبقى بلا خبرٍ، ولا مُسَوِّغَ غيرُ الوصف ". وهو سهوٌ. لأنَّ النكرةَ متى اعتمدَتْ على نفيٍ ساغ الابتداءُ بها. وهذا مِنْ أشهرِ مُسَوِّغاتِه. وقال الزمخشري: " فإن قلت: قوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وارِدٌ على طريقٍ من التوكيد لم يَرِدْ عليه ما هو معطوفٌ عليه. قلت: الأمر كذلك لأنَّ الجملةَ الاسميَّةَ آكدُ من الفعلية، وقد انضَمَّ إلى ذلك قولُه: " هو " وقوله: " مولودٌ ". قال: " ومعنى التوكيدِ في لفظِ المولود: أنَّ الواحدَ منهم لو شَفَعَ للوالدِ الأَدْنَى الذي وُلِد منه لم تُقْبَلْ منه فضلاً أَنْ يَشْفَعَ لمَنْ فوقَه مِنْ أجدادِه لأنَّ " الولدَ " يقع على الولدِ وولدِ الولدِ، بخلاف المولودِ فإنه للذي وُلِد منك " قال: " والسببُ في مجيئِه على هذا السَّنَنِ أنَّ الخطابَ للمؤمنين، وعِلِّيَّتُهم قُبِضَ آباؤُهم على الكفر، فأريد حَسْمُ أطماعِهم وأطماعِ الناسِ فيهم ".

    والجملةُ مِنْ قولِه: " لا يَجْزِي " صفةٌ لـ " يومٍ " ، والعائدُ محذوفٌ أي: فيه، فحُذِف برُمَّتهِ أو على التدريج.

    وقرأ عكرمة " لا يُجْزَى " مبنياً للمفعول. وأبو السَّمَّال وأبو السِّوار " لا يُجْزِئ " بالهمز، مِنْ أَجْزأ عنه أي: أغنى

  4. #94
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ }

    قال السمين

    قوله: " والعملُ الصالحُ " العامَّةُ على الرفعِ. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه معطوفٌ على " الكلمُ الطيبُ " فيكون صاعداً أيضاً. و " يَرْفَعُه " على هذا استئنافُ إخبارٍ من اللَّهِ تعالى بأنه يرفعُهما، وإنِّما وُحِّد الضميرُ، وإنْ كان المرادُ الكَلِمَ والعملَ ذهاباً بالضميرِ مَذْهَبَ اسمِ الإِشارة، كقوله:{ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } [البقرة: 68]. وقيل: لاشتراكِهما في صفةٍ واحدةٍ، وهي الصعودُ. والثاني: أنه مبتدأٌ، و " يرفَعُه " الخبرُ، ولكن اختلفوا في فاعل " يَرْفَعُه " على ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ اللَّهِ تعالى أي: والعملُ الصالحُ يرفعه اللَّهُ إليه. والثاني: أنه ضميرُ العملِ الصالحِ. وضميرُ النصبِ على هذا فيه وجهان، أحدُهما: أنه يعودُ على صاحب العمل، أي يَرْفَعُ صاحبَه. والثاني: أنه ضميرُ الكلمِ الطيبِ أي: العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ. ونُقِلَ عن ابن عباس. إلاَّ أنَّ ابنَ عطية منع هذا عن ابن عباس، وقال: " لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مَذْهَبَ أهلِ السنَّة أنَّ الكلمَ الطيبَ مقبولٌ، وإنْ كان صاحبُه عاصياً ". والثالث: أنَّ ضميرَ الرفعِ للكَلِمِ، والنصبِ للعملِ، أي: الكَلِمُ يَرْفَعُ العملَ.

    وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بنصبِ " العمل الصالح " على الاشتغالِ، والضميرُ المرفوعُ للكلم أو للَّهِ تعالى، والمنصوبُ للعملِ.

    { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ }

    قال السمين:

    قوله: " والسَّلاسِلُ " العامَّةُ على رَفْعِها. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على الأغلال، وأخبر عن النوعَيْن بالجارِ، فالجارُّ في نية التأخير. والتقديرُ: إذ الأغلالُ والسَّلاسلُ في أعناقِهم. الثاني: أنه مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ لدلالةِ خبر الأولِ عليه. الثالث: أنه مبتدأٌ أيضاً، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه " يُسْحَبُون ". ولا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ يعودُ عليه منها. والتقديرُ: والسَّلاسل يُسْحَبُون بها حُذِفَ لقوةِ الدلالةِ عليه. فَيُسْحَبُون مرفوع المحلِّ على هذا الوجهِ. وأمَّا في الوجهَيْن المتقدِّمين فيجوز فيه النصبُ على الحالِ من الضمير المَنْوِيِّ في الجارِّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً.

    وقرأ ابن مسعود وابنُ عباس وزيد بن علي وابن وثاب والمسيبي في اختيارِه " والسلاسلَ " نَصْباً " يَسْحَبون " بفتح الياءِ مبنياً للفاعلِ، فيكون " السلاسلَ " مفعولاً مقدماً، ويكونُ قد عَطَفَ جملةً فعليةً على جملةٍ اسميةٍ. قال ابن عباس في معنى/ هذه القراءة: " إذ كانوا يَجُرُّوْنها، فهو أشدُّ عليهم يُكَلَّفون ذلك، ولا يُطيقونه ". وقرأ ابنُ عباس وجماعةٌ " والسلاسلِ " بالجرِّ، " يُسْحَبون " مبنياً للمفعولِ. وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ، أحدُها: الحَمْلُ على المعنى تقديرُه: إذ أعناقُهم في الأغلالِ والسلاسلِ، فلمَّا كان معنى الكلام ذلك حُمِل عليه في العطف. قال الزمخشري: " ووجهُه أنه لو قيل: إذ أعناقُهم في الأغلال، مكانَ قوله: { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ } لكان صحيحاً مستقيماً، فلمَّا كانتا عبارتين مُعْتَقِبتين حَمَلَ قولَه: " والسلاسل " على العبارةِ الأخرى.

    ونظيرُه:
    3941 ـ مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً ولا ناعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرابُها
    كأنه قيل: بمُصْلحين " وقُرِئ " بالسلاسِل ". وقال ابن عطية: " تقديرُه: إذ أعناقُهم في الأغلالِ والسلاسِل، فعُطِفَ على المرادِ من الكلام لا على ترتيبِ اللفظِ، إذ ترتيبُه فيه قَلْبٌ وهو على حَدِّ قولِ العرب " أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رأسي ". وفي مصحف أُبَيّ { وفي ٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ }. قال الشيخ بعد قولِ ابنِ عطيةَ والزمخشريِّ المتقدِّم: " ويُسمَّى هذا العطفَ على التوهُّم، إلاَّ أنَّ تَوَهُّمَ إدخالِ حرفِ الجرِّ على " مُصْلِحين " أقربُ مِنْ تغييرِ تركيب الجملةِ بأَسْرها، والقراءةُ مِنْ تغييرِ تركيبِ الجملةِ السابقة بأَسْرِها. ونظيرُ ذلك قولُه:
    3942 ـ أجِدَّكَ لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ ولا بَيْداءَ ناجيةً ذَمُوْلا
    ولا متدارِكٍ والليلُ طَفْلٌ ببعضِ نواشِغِ الوادي حُمُوْلا
    التقدير: لستَ براءٍ ولا متداركٍ. وهذا الذي قالاه سَبَقهما إليه الفراء فإنه قال: " مَنْ جَرَّ السلاسل حَمَله على المعنى، إذ المعنى: أعناقُهم في الأغلال والسلاسل ".

    الوجه الثاني: أنه عطفٌ على " الحميم " ، فقدَّم على المعطوف عليه، وسيأتي تقريرُ هذا. الثالث: أن الجرَّ على تقدير إضمار الخافِضِ، ويؤيِّدُه قراءةُ أُبيّ " وفي السلاسل " وقرأه غيرُه " وبالسلاسل " وإلى هذا نحا الزجَّاج. إلاَّ أنَّ ابنَ الأنباري رَدَّه وقال: " لو قلتَ: " زيد في الدارِ " لم يَحْسُنْ أَنْ تُضْمَر " في " فتقول: " زيدٌ الدارِ " ثم ذكر تأويلَ الفراء. وخَرَّج القراءةَ عليه ثم قال: كما تقول: " خاصَمَ عبدُ الله زيداً العاقلَيْن " بنصب " العاقلين " ورفعِه؛ لأنَّ أحدَهما إذا خاصمه صاحبه، فقد خاصمه الآخرُ. وهذه المسألةُ ليسَتْ جاريةً على أصول البصريين، ونَصُّوا على مَنْعها، وإنما قال بها من الكوفيين ابنُ سعدان. وقال مكيٌّ: " وقد قُرِئَ والسلاسلِ، بالخفضِ على العطف على " الأَعْناق " وهو غَلَط؛ لأنه يَصير: الأغلال في الأعناق وفي السلاسل، ولا معنى للأغلال في السلاسل ". قلت: وقوله على العطفِ على " الأعناقِ " ممنوعٌ بل خَفْضُه على ما تقدَّم. وقال أيضاً: " وقيل: هو معطوفٌ على " الحميم " وهو أيضاً لا يجوزُ؛ لأنَّ المعطوفَ المخفوضَ لا يتقدَّم على المعطوفِ عليه، لو قلت: " مررتُ وزيدٍ بعمروٍ " لم يَجُزْ، وفي المرفوع يجوزُ نحو: " قام وزيدٌ عمرو " ويَبْعُد في المنصوب، لا يَحْسُنُ: " رأيتُ وزيداً عمراً " ولم يُجِزْه في المخفوض أحدٌ ".

    قلت: وظاهرُ كلامِه أنه يجوزُ في المرفوع بعيدٌ، وقد نصُّوا أنه لا يجوزُ إلاَّ ضرورةً بثلاثة شروطٍ: أن لا يقعَ حرفُ العطفِ صدراً، وأَنْ يكونَ العاملُ متصرفاً، وأَنْ لا يكونَ المعطوفُ عليه مجروراً، وأنشدوا:
    3943 ـ........................ عليكِ ورحمةُ اللَّهِ السَّلامُ
    إلى غيرِ ذلك من الشواهدِ، مع تَنْصيصِهم على أنه مختصُّ بالضرورة

    وقال القرطبي

    وٱلسَّلاَسِلُ } بالرفع قراءة العامة عطفاً على الأغلال. قال أبو حاتم: { يُسْحَبُونَ } مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: «إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ» مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود «والسَّلاسِلَ» بالنصب «يُسْحَبُونَ» بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشدّ عليهم. وحكي عن بعضهم «والسلاسِلِ» بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ قاله الفرّاء. وقال الزجاج: ومن قرأ «والسلاسِلِ يسحبون» بالخفض فالمعنى عنده وفي «السلاسِلِ يُسْحَبُونَ». قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر «في» فتقول زيد الدارِ، ولكن الخفض جائز على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال لأن الأغلال في تأويل الخفض كما تقول: خاصم عبد الله زيداً العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه أنشد الفرّاء:
    قد سَالَم الحياتِ مِنه القدَمَا الأُفْعُوَانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما
    فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها.

  5. #95
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَقَوْمَ نُوحٍ }: قرأ الأخَوان وأبو عمرو بجرِّ الميم، والباقون/ بنصبها. وأبو السَّمَّال وابن مقسم وأبو عمرو في روايةِ الأصمعيِّ " وقومُ " بالرفع. فأمَّا الخفضُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على " وفي الأرض ". الثاني: أنه معطوفٌ على " وفي موسى " الثالث: أنه معطوفٌ على " وفي عاد ". الرابع: أنه معطوفٌ على " وفي ثمودَ " ، وهذا هو الظاهرُ لقُرْبِه وبُعْدِ غيرِه. ولم يذكرْ الزمخشريُّ غيرَه فإنه قال: " وقُرِىء بالجرِّ على معنى " وفي قوم نوح ". ويُقَوِّيه قراءةُ عبد الله " وفي قوم نوح ". ولم يَذْكُرْ أبو البقاء غيرَ الوجهِ الأخيرِ لظهورِه.

    وأمّا النصبُ ففيه ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: وأهلَكْنا قومَ نوح؛ لأنَّ ما قبلَه يَدُلُّ عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدراً، ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَهما. الثالث: أنَّه منصوبٌ عطفاً على مفعول " فأَخَذْناه ". الرابع: أنه معطوفٌ على مفعول { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } وناسَبَ ذلك أنَّ قومَ نوح مُغْرقون من قبلُ. لكنْ يُشْكِلُ أنَّهم لم يَغْرَقوا في اليمِّ. وأصلُ العطفِ أَنْ يقتضيَ التشريكَ في المتعلَّقات. الخامس: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ " فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ ". وفيه إشكالٌ؛ لأنهم لم تأخُذْهم الصاعقةُ، وإنما أُهْلكوا بالغَرَقِ. إلاَّ أَنْ يُرادَ بالصاعقةِ الداهيةُ والنازلةُ العظيمة من أيِّ نوع كانت، فيَقْرُبُ ذلك. السادس: أنه معطوفٌ على محلِّ " وفي موسى " ، نقله أبو البقاء وهو ضعيفٌ.

    وأما الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ مقدَّرٌ أي: أهلَكْناهم. وقال أبو البقاء: " والخبرُ ما بعدَه " يعني مِنْ قولِه: إنهم كانوا قوماً فاسقين. ولا يجوز أَنْ يكونَ مرادُه قولَه: " من قبلُ "؛ إذ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخبَرُ به.......

    { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }

    قال السمين:

    قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ }: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأٌ، والخبرُ الجملةُ من قولِه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } والذُّرِّيَّةُ هنا تَصْدُق على الآباء وعلى الأبناء أي: إنَّ المؤمنَ إذا كان عملُه أكبرَ أُلْحِقَ به مَنْ دونَه في العمل، ابناً كان أو أباً، وهو منقولٌ عن ابن عباس وغيرِه. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ. قال أبو البقاء: " على تقدير وأكرَمْنا الذين آمنوا ". قلت: فيجوزُ أَنْ يريدَ أنه من باب الاشتغالِ وأنَّ قولَه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } مُفَسِّر لذلك الفعلِ من حيث المعنى، وأَنْ يريدَ أنه مضمرٌ لدلالةِ السياقِ عليه، فلا تكونُ المسألةُ من الاشتغالِ في شيء.

    والثالث: أنه مجرورٌ عطفاً على " حورٍ عينٍ ". قال الزمخشري: " والذين آمنوا معطوفٌ على " حورٍ عينٍ " أي: قَرَنَّاهم بالحورِ وبالذين آمنوا أي: بالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ منهم، كقوله:{ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [الحجر: 47] فيتمتَّعون تارةً بملاعبةِ الحُور، وتارةً بمؤانسةِ الإِخوانِ ". ثم قال الزمخشري: " ثم قال تعالى: { بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } أي: بسببِ إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ وهو إيمانُ الآباءِ أَلْحَقْنا بدَرَجَتِهم ذرِّيَّتَهم، وإنْ كانوا لا يَسْتَأهِلُونها تَفَضُّلاً عليهم ".

    قال الشيخ: " ولا يتخيَّلُ أحدٌ أنَّ " والذين آمنوا " معطوفٌ على " بحورٍ عينٍ " غيرُ هذا الرجلِ، وهو تخيُّلُ أعجميٍّ مُخالفٍ لِفَهْمِ العربيِّ القُحِّ ابنِ عباسٍ وغيرِه ". قلت: أمَّا ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شكَّ في حُسْنِه ونَضارَتِه، وليس في كلامِ العربيِّ القُحِّ ما يَدْفَعُه، بل لو عُرِض على ابنِ عباسٍ وغيرِه لأَعْجبهم. وأيُّ مانعٍ معنوي أو صناعي يمنعُه؟......

    { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }

    قال السمين

    قوله: { أَوْ تَفْرِضُواْ } فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مجزومٌ عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ " ، و " أَو " على بابها من كونِها لأحدِ الشيئين، قاله ابن عطية. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار أَنْ عطفاً على مصدرٍ متوهمٍ، و " أو " بمعنى إلاَّ التقدير: ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أَنْ تَفْرِضُوا، كقولِهِم: لألزَمَنَّكَ أو تقضيَني حقي، قاله الزمخشري. والثالث: أنه معطوفٌ على جملةٍ محذوفةٍ تقديره: " فَرَضْتُم أو لم تَفْرِضُوا " فيكونُ هذا من بابِ حذفِ الجزمِ وإبقاءِ عمله، وهو ضعيفٌ جداً، وكأنَّ الذي حَسَّنَ هذا كونُ لفظِ " لم " موجوداً قبل ذلك. والرابع: أن تكونَ " أو " بمعنى الواو، و " تَفْرِضُوا " عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ " فهو مجزومٌ أيضاً.

    وقال القرطبي

    الخامسة ـ قوله تعالى: { مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } «ما» بمعنى الذي، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و «تمسوهن» قرىء بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة نافع وٱبن كثير وأبي عمرو وعاصم وٱبن عامر. وقرأ حمزة والكسائيّ «تماسوهن» من المفاعلة لأن الوطء تَمّ بهما وقد يَرِد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فَعل نحو طارقت النعل، وعاقبت اللّصّ. والقراءة الأُولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن، جاء: نَكَح وسَفَد وقَرَع ودَفَط وضَرَب الفحلُ والقراءتان حسنتان. و «أو» في «أَوْ تَفْرِضُوا» قيل هو بمعنى الواو أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن كقوله تعالى:{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ } [الأعراف: 4] أي وهم قائلون. وقولِه:{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات: 147] أي ويزيدون. وقوله:{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان: 24] أي وكفورا. وقوله:{ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ } [النساء: 43] معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. وقوله:{ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } [الأنعام: 146] وما كان مِثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال: { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً }. فلو كان الأوّل لبيان طلاق المفروض لها قبل المسِيس لما كرّره.

    وقال ابن العربي فى اخكام القران

    اختلف الناسُ في تقديرها؛ فمنهم مَنْ قال: معناها لا جُناحَ عليكم إنْ طلقتُم النساءَ المفروضَ لهنّ الصداق من قَبْل الدخول ما لم تمسوهنّ، وغير المفروض لهنّ قبل الفَرْض؛ قاله الطبري واختاره.
    ومنهم من قال: معناها إنْ طلّقْتُم النساءَ ما لم تمسوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة. وتكون أو بمعنى الواو.
    الثالث: أن يكون في الكلام حذفٌ تقديرُه لا جناحَ عليكم إنْ طلقتم النساء فرضتم أو لم تفرضوا.
    وهذه الأقوال ترجع إلى معنيين:
    أحدهما: أن تكون أو بمعنى الواو.
    الثاني: أن يكون في الكلام حذْفٌ تقدَّرُ به الآية، وتَبْقَى أو على بابها، وتكون بمعنى التفصيل والتقسيم والبيان، ولا ترجع إلى معنى الواو، كقوله تعالى: {ولا تُطِعْ منهم آثِماً أو كَفُوراً} [الإنسان:24]. فإنها للتفصيل.
    واحتجّ من قال إنها بمعنى الواو بأنه عطفَ عليها بعد ذلك المفروض لهن. فقال تعالى: {وإنْ طلَّقْتموهنَّ من قبل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وقد فرضْتُم لهن فَرِيضةً فنِصْفُ ما فَرَضْتُم}، فلو كان الأولُ لبيان طلاق المفروض لهنّ قبل المسيس لما كرَّره، وهذا ظاهر.

  6. #96
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { أن يقتلوا أو يصلبوا } اختلف العلماء هل هذه العقوبة على الترتيب، أم على التخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب، وأنهم إِذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قُتِلوا وصلِّبوا، وإِن أخذوا المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإِن لم يأخذوا المال، نُفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون «أو» مبعّضة، فالمعنى: بعضهم يفعل به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله:{ كونوا هوداً أو نصارى } [البقرة: 135].

    المعنى: قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر اللغويين.

    وقال الشافعي: إِذا قتلوا وأخذوا المال، قُتِلوا وصُلِّبوا، وإِذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلَّبوا، وإِذا أخذوا المال ولم يَقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف.

    وقال مالك: الإِمام مخير في إِقامة أيِّ الحدود شاء، سواء قتلوا أو لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب بعد القتل. وقال أبو حنيفة، ومالك: يُصْلب ويُبعج برمحٍ حتى يموت. واختلفوا في مقدار زمان الصّلب، فعندنا أنه يُصلب بمقدار ما يشتهر صلبُه. واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال بعضهم: يترك حتى يسيل صديده. قال أبو عبيدة: ومعنى «من خلاف» أن تُقطَع يدُه اليُمنى ورجله اليسرى، يُخالَف بين قطعهما. فأما «النفي» فأصله الطرد والإِبعاد.

    { إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

    قال السمين:

    وحكى الزمخشري أنه قرىء: " وهذا النبيِّ " بالنصب والجر، فالنصبُ نسق على مفعول " اتبعوه " فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اتَّبعه غيرُه كما اتبع إبراهيم، والتقدير: للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيُّ: ويكون قوله: " والذين آمنوا " نسقاً على قوله: " للَّذين اتبعوه ". والجر نسقٌ على " إبراهيم " ، أي: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوه، وفيه نظرٌ من حيث إنه كان ينبغي أَنْ يُثَنَّى الضمير في " اتبعوه " فيقال: اتبعوهما، اللهم إلا أن يقال: هو من باب{ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62].

    { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَأَنِ ٱحْكُم }: فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّ محلَّها النصبُ عطفاً على الكتاب، أي: وأَنْزلنا إليكم الحكمَ. والثاني: أنها في محلِّ جرٍ عطفاً على " بالحق " أي: أَنْزلناه بالحقِّ وبالحكم " وعلى هذا الوجهِ فيجوزُ في محلِّ " أَنْ " النصبُ والجرُّ على الخلافِ المشهور. والثالث: أنَّها في محلِّ رفعٍ على الابتداء وفي تقديره خبره احتملان أحدُهما: أنْ تقدِّر متأخراً أي: حكمُك بما أنزلَ اللّهُ أمرُنا أو قولنا، والآخر: أن تقدِّره متقدماً أي: ومن الواجبِ أن احكم أي: حكمُك. والرابع: أنها تفسيريةٌ، قال أبو البقاء: " وهو بعيدٌ لأن الواو تمنع من ذلك، والمعنى يُفْسِدُ ذلك، لأنَّ " أَنْ " التفسيريةَ ينبغي أن يَسْبِقها قولٌ يُفَسَّر بها " أمَّا ما ذكره مِنْ مَنْعِ الواو أَنْ تكون " أَنْ " تفسيريةً فواضح، وأمَّا قولُه: " يسبِقُها قولٌ " إصلاحُه أن يقولَ: " ما هو بمعنى القول لا حروفه " ثم قال: " ويمكنُ تصحيحُ هذا القولِ بأن يكون التقدير: وأمرناك، ثم فَسَّر هذا الأمرَ بـ " احكم " ومنع الشيخُ من تصحيحِ هذا القول بما ذكره أبو البقاء، قال: " لأنه لم يُحْفَظْ من لسانِهم حذفُ الجملةِ المفسَّرة بـ " أَنْ " وما بعدها " وهو كما قال

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأُخرى، وبقي الأمر على حاله. قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول فتكون ناسخة إلا أن يقدّر في الكلام { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } إن شئت لأنه قد تقدّم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حُذف التخيير منه لدلالة الأوّل عليه لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } معطوفاً على ما قبله من قوله:{ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } [المائدة: 42] ومن قوله:{ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } [المائدة: 42] فمعنى { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم فهو كله محكم غير منسوخ لأن الناسخ لا يكون مرتبطاً بالمنسوخ معطوفاً عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله. «وَأَنِ ٱحْكُمْ» في موضع نصب عطفاً على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. { وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ } «أَنْ» بدل من الهاء والميم في «وَاحْذَرْهُمْ» وهو بدل اشتمال، أو مفعول من أجله أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صُوريا وكعب بن أسد وابن صَلُوبَا وشَأس بن عديّ وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنه عن دينه فإنما هو بشر فأتوه فقالوا: قد عرفت يا محمد أنّا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فٱقِض لنا عليهم حتى نؤمِن بك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.

  7. #97
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ }

    قال القرطبي

    وقد تقدم القول في الطاغوت، أي وجعل منهم من عَبَد الطاغوتَ، والموصول محذوف عند الفراء. وقال البصريون: لا يجوز حذف الموصول والمعنى من لعنه الله وعَبَد الطاغوتَ. وقرأ ٱبن وثّاب والنَّخَعيّ «أُنْبِئُكُمْ» بالتخفيف. وقرأ حمزة: «عَبُدَ الطَّاغُوت» بضم الباء وكسر التاء جعله إسماً على فَعُل كعَضُد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيَقُظ ونَدُس وحَذُر، وأصله الصفة ومنه قول النابغة.
    مِن وَحْشِ وَجْرة مَوْشِيّ أَكَارِعُه طَاوِي المَصِيرِ كَسيف الصَّيْقَل الفَرُد
    بضم الراء. ونصبه بـ «جعل» أي جعل منهم عَبُداً للطاغوتِ، وأضاف عَبُد إلى الطاغوت فخفضه. وجَعَل بمعنى خلق، والمعنى: وجَعَل منهم من يبالغ في عِبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء وجعلوه فعلاً ماضياً، وعَطفوه على فعل ماض وهو غَضِب ولَعَن والمعنى عندهم من لَعَنه الله ومن عَبَد الطاغوتَ، أو منصوباً بـ «جعل» أي جَعَل منهم القِردة والخنازير وَعَبد الطاغوتَ. ووحد الضمير في عَبَد حملاً على لفظ «مَنْ» دون معناها. وقرأ أُبيّ وٱبن مسعود «وَعَبَدُوا الطاغوتَ» على المعنى. ٱبن عباس: «وعُبُدَ الطَّاغُوتِ»، فيجوز أن يكون جمع عَبْد كما يقال: رَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف، ويجوز أن يكون جمع عِباد كما يقال: مِثَال ومُثُل، ويجوز أن يكون جمع عَبِيد كرغيف ورُغُفٍ ويجوز أن يكون جمع عابد كبازِل وبُزُل والمعنى: وخدم الطّاغوتِ. وعن ٱبن عباس أيضاً «وعُبَّدَ الطَّاغوتَ» جعله جمع عابد كما يقال: شَاهِد وشُهَّد وغَايب وغُيَّب. وعن أَبي واقد: وعُبَّاد الطاغوتِ للمبالغة، جمع عابد أيضاً كعامل وعُمّال، وضارب وضُرّاب. وذكر محبوب أن البصريين قرءوا: «وعِبَادَ الطاغوتِ» جمع عابد أيضاً، كقائم وقيَام، ويجوز أن يكون جمع عَبْد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي «وعُبِدَ الطّاغُوتُ» على المفعول، والتقدير: وعُبِدَ الطاغوتُ فيهم. وقرأ عون العُقَيْليّ وٱبن بُرَيدة: «وعَابِدُ الطَّاغُوتِ» على التوحيد، وهو يؤدّي عن جماعة. وقرأ ٱبن مسعود أيضاً «وعُبَدَ الطَّاغُوتِ» وعنه أيضاً وأُبيّ «وعُبِدَتِ الطَّاغُوتُ» على تأنيث الجماعة كما قال تعالى:{ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ } [الحجرات: 14]. وقرأ عبيد بن عمير: «وَأَعْبُدَ الطَّاغُوتِ» مثل كلب وأكلب. فهذه ٱثنا عشر وجهاً

    وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَأَنْ أَقِيمُواْ }: فيه أقوال أحدها: أنها في محل نصب بالقول نسقاً على قوله: إنَّ هُدَى الله هو الهدى أي: قل هذين الشيئين. والثاني: أنه نسقٌ على " لِنُسْلَم " والتقدير: وأمرنا بكذا للإِسلام ولنقيم الصلاة، و " أن " توصل بالأمر كقولهم: " كتبت إليه بأن قم " حكاه سيبويه وهذا رأي الزجاج، والثالث: أنه نسق على " ائتنا " قال مكي: " لأن معناه أن ائتنا " وهو غير ظاهر. والرابع: أنه معطوف على مفعول الأمر المقدَّر والتقدير: وأُمِرْنا بالإِيمان وبإقامة الصلاة، قاله ابن عيطة.

    قال الشيخ: " وهذا لا بأسَ به إذ لا بد من التقدير المفعول الثاني لـ " أُمِرْنا " ويجوز حَذْفُ المعطوف عليه لفهم المعنى، تقول: أضربت زيداً؟ فيجيب: نعم وعمراً، التقدير: ضربته وعمراً. وقد أجاز الفراء: " جاءني الذي وزيد قائمان " التقدير: الذي هو وزيدٌ قائمان، فحذف " هو " لدلالة المعنى عليه " وهذا الذي قال إنه لا بأس به ليس من أصول البصريين. وأمَّا " نَعَمْ وعَمْراً " فلا دلالة فيه لأنَّ " نَعَمْ " قامَتْ مقامَ الجملة المحذوفة. وقال مكي قريباً من هذا القول إلا أنه لم يُصَرِّحْ بحذف المعطوف عليه فإنه قال: " وأن في موضع نصب بحذفِ الجارِّ تقديرُه: وبأَنْ أَقيموا " فقوله: وبأن أقيموا هو معنى قول ابنِ عطية، إلا أن ذاك أوضحه بحذف المعطوف عليه.

    وقال الزمخشري: " فإن قلت: علام عطف قوله { وَأَنْ أَقِيمُواْ }؟ قلت: على موضع " لِنُسْلِمَ " كأنه قيل: وأُمِرْنا أن نسلم وأن أقيموا " قال الشيخ: " وظاهر هذا التقدير أنَّ " لنسلم " في موضع المفعول الثاني لـ " أُمِرْنا " وعُطِفَ عليه " وأَنْ أقيموا " فتكون اللام على هذا زائدة وكان قد قدَّم قبل هذا أن اللام تعليل للأمر فتناقض كلامه، لأن ما يكون علةً يستحيل أن يكون مفعولاً ويدل على أنه أراد بقوله: " أن نسلَم في موضع المفعول الثاني " قوله بعد ذلك " ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وأُمِرْنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإِسلام ولإِقامة الصلاة، وهذا قول الزجاج، فلو لم يكن هذا القول مغايراً لقوله الأول لاتَّحد قولاه وذلك خُلْف ".

    وقال الزجاج: " أن أقيموا عطف على قوله " لِنُسْلِمَ " تقديره: وأُمِرْنا لأن نُسْلِمَ وأن أقيموا " قال ابن عطية: " واللفظ يمانعه لأنَّ " نُسْلِمَ " مُعْربٌ و " أقيموا " مبني وعطف المبنيِّ على المعرب لا يجوز؛ لأنَّ العطفَ يقتضي التشريك في العامل ".

    قال الشيخ " وما ذُكِرَ من أنه لا يُعْطف المبني على المعرب ليس كما ذكر، بل يجوز ذلك نحو: " قام زيد وهذا " وقال تعالى:{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } [هود: 98]، غاية ما في الباب أنَّ العمل يؤثر في المعرب ولا يؤثر في المبني، وتقول: " إنْ قام زيد ويقصدْني أُكرمه " فـ " إن " لم تؤثر في " قام " لأنه مبنيٌّ وأثَّرت في " يقصِدْني " لأنه معرب " ثم قال ابن عطية: " اللَّهم إلا أن تجعل العطف في " إنْ " وحدها، وذلك قلق، وإنما يتخرَّج على أن يقدَّر قوله " وأن أقيموا " بمعنى " ولنقم " ثم خرجَتْ بلفظ الأمرِ لما في ذلك جزالةِ اللفظ، فجاز العطف على أن يُلغى حكم اللفظ ويُعَوَّلَ على المعنى، ويُشْبه هذا من جهةِ ماحكاه يونس عن العرب: " ادخلوا الأول فالأول " وإلاَّ فلا يجوز إلا: الأولَ فالأولَ بالنصب "

    قال الشيخ: " وهذا الذي استدركه بقوله " اللهم إلا " إلى آخره هو الذي أراده الزجاج بعينه، وهو أنَّ " أَنْ أقيموا " معطوفٌ على " أن نُسْلِمَ " وأنَّ كليهما علة للمأمور به المحذوف؛ وإنما قلق عند ابن عطية لأنه أراد بقاء " أن أقيموا " على معناها من موضوع الأمر وليس كذلك، لأنَّ " أَنْ " إذا دخلت على فعل الأمر وكانت المصدرية انسبك منها ومن الأمر مصدر، وإذا انسبك منهما مصدر زال معنى الأمر، وقد أجاز النحويون سيبوبه وغيره أن تُوْصَلَ أَنْ المصدرية الناصبةُ للمضارع بالماضي والأمر. قال سيبويه: " وتقول: كتبت إليه بأَنْ قم، أي بالقيام " فإذا كان الحكم كذا كان قوله " لنُسْلِمَ و " أَنْ أقيموا " في تقدير: للإِسلام ولإِقامة الصلاة، وأمَّا تشبيه ابن عطية له بقوله: " ادخلوا الأولُ فالأولُ " بالرفع فليس بشبيهٍ لأن " ادخلوا " لا يمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلط على ما بعده بخلاف " أَنْ " فإنها توصلُ بالأمر فإذن لا شبه بينهما " انتهى.

    أمَّا قولُ الشيخ " وإنما قَلِقَ عند ابن عطية لأنه أراد بقاء " أَنْ أقيموا " على معناها من موضوع الأمر " فليس القلقُ عنده لذلك فقط كما حصره الشيخ، بل لأمرٍ آخر من جهة اللفظ وهو أنَّ السِّياقَ التركيبي يقتضي على ما قاله الزجاج أن يكون " لنسلم " وأن نقيم، فتأتي في الفعل الثاني بضمير فلما لم يقل ذلك قلق عنده، ويدلُّ على ما ذكرته قول ابن عطية " بمعنى ولنقم، ثم خرجت بلفظ الأمر " إلا آخره.

    والخامس: أنه محمول على المعنى، إذ المعنى: قيل لنا: أسْلِموا وأن أقيموا.

    وقال القرطبي

    ويجوز أن يكون «وأن أقيموا الصلاة» عطفاً على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة؛ لأن معنى ٱئتنا أنِ ٱئتنا

  8. #98
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { ثُمَّ آتَيْنَا }: أصل " ثم " المهلة في الزمان، وقد تأتي للمهلة في الأخبار. وقال الزجاج: " هو معطوف على " أتل " تقديره: أتل ما حَرَّم ثم أتل آتينا، وقيل: هو عطف على " قل " على / إضمار قل أي: ثم قل آتينا. وقيل: تقديره ثم أخبركم آتينا. وقال الزمخشري: " عطف على وصَّاكم به ". قال: " فإن قلت: كيف صح عطفه عليه بـ ثم، والإِيتاء قبل التوصية به بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة لم يزل تتواصاها كل أمة على لسان نبيها فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنَّا آتينا موسى الكتاب. وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ } [الأنعام: 84]. وقال ابن عطية: " مُهْلَتُها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال: ثم ممَّا وصَّيناه أنَّا آتينا موسى الكتاب ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدِّم بالزمان على محمد عليه السلام ". وقال ابن القشيري: " في الكلام محذوف تقديره: ثم كنَّا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام ". وقال الشيخ: " والذي ينبغي أن يُسْتعمل للعطف كالواو من غير اعتبار مهلة، وبذلك قال بعض النحويين ". قلت: وهذه استراحة، وأيضاً لا يلزمُ من انتفاء المهلة انتفاء الترتيب فكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مُهْلَةٍ على أن الفرض في هذه الآية عدمُ الترتيب في الزمان

    { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

    قال السمين

    قوله: { فَيُضِلُّ } استئنافُ إخبارٍ، ولا يجوز نصبُه عطفاً على ما قبله، لأنَّ المعطوفَ كالمعطوف عليه في المعنى، والرسلُ اُرْسِلَتْ للبيانِ لا للإِضلالِ. قال الزجاج: لو قَرِئ بنصبِه على أنًّ اللامَ لامُ العاقبة جاز

    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }

    قال السمين

    قوله: { وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ }: فيه أوجهٌ أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: ويَسْجُدُ له كثيرٌ من الناس. وهذا عند مَنْ يمنعُ استعمالَ المشتركِ في معَنيْيه، أو الجمعَ بين الحقيقة والمجازِ، في كلمةٍ واحدةٍ؛ وذلك أنَّ السجودَ المسندَ لغيرِ العقلاءِ غيرُ السجود المسندِ للعقلاءِ، فلا يُعْطَفُ " كثيرٌ من الناس " على ما قبلَه لاختلافِ الفعلِ المسندِ إليهما في المعنىٰ. ألا ترىٰ أنَّ سجودَ غيرِ العقلاءِ هو الطَّواعيةُ والإِذعانُ لأمرِه، وسجودَ العقلاءِ هو هذه الكيفيةُ المخصوصةٌ.

    الثاني: أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها: أنَّ المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني: أنه مشتركٌ اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث: أنَّ السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.

    الثالثُ من الأوجه المتقدمة: أن يكونَ " كثيرٌ " مرفوعاً بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ وهو " مُثابٌ " لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قولُه: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } كذا قَدَّره الزمخشريُّ. وقَدَّره أبو البقاء: " مُطيعون أو مُثابون أو نحوُ ذلك ".

    الرابع: أَنْ يرتفعَ " كثيرٌ " على الابتداءِ أيضاً، ويكون خبرُه " من الناس " أي: من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.

    والخامسُ: أن يرتفعَ بالابتداءِ أيضاً. ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ بالعذاب، فيُعطفَ " كثيرٌ " على " كثير " ثم يُخْبَرَ عنهم بـ { حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } ذكر ذلك الزمخشري. قال الشيخ: ـ بعد أن حكىٰ عن الزمخشريِّ الوجهين الآخرين ـ قال: " وهذان التخريجان ضعيفان " ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.

    قلت: أمَّا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبارِ بذلك./ وأمَّا الثاني فقد يظهر: وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ قولِهم: " عندي ألفٌ وألفٌ " ، وقوله:
    3376ـ لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم ..........................
    وقرأ الزهري " والدَّوابُ " مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء: " ووجهُها: أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين ". وقرأ جناح بن حبيش و " كبيرٌ " بالباء الموحدة. وقرىء " وكثيرٌ حَقَّاً " بالنصب.

    وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه: وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقاً. " والعذابُ " مرفوع بالفاعلية. وقُرِىء " حُقَّ " مبنياً للمفعولِ.

    وقال ابن عطية: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } يحتمل أن يكونةَ معطوفاً على ما تقدَّم أي: وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه: إما بظلِّه، وإمَّا بخضوعِه عند المكاره ". قلت: فقولُه: " معطوفٌ على ما تقدَّم " يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليلِ أنه قَدَّره مبتدأً. وخبرُه قوله: " يَسْجد

    وقال القرطبي

    ثم قال: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } وهذا مشكل في الإعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل{ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [الإنسان: 31]؟ فزعم الكسائي والفرّاء أنه لو نصب لكان حسناً، ولكن اختِير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود فيكون ابتداء وخبراً، وتم الكلام عند قوله «وكثير من الناس». ويجوز أن يكون معطوفاً، على أن يكون السجود التذلُّلَ والانقيادَ لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوّة وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيراً حق عليه العذاب، ونحوه. وقيل: تم الكلام عند قوله: «والدّوابُّ» ثم ابتدأ فقال: «وكثير من الناس» في الجنة «وكثير حق عليه العذاب». وكذا روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ذكره ابن الأنباري. وقال أبو العالية: ما في السموات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجداً لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه. قال القُشَيري: وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم،

  9. #99
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }

    قال السمين

    قوله: { وَلُؤْلُؤاً } قرأ نافعٌ وعاصمٌ بالنصبِ. والباقون بالخفضِ. فأمَّا النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن لُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه/، وكذا أبو الفتح حَمَله على إضمار فعلٍ. الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع " مِنْ أساور " ، وهذا كتخريجِهم " وأرجُلَكُمْ " بالنصب عطفاً على محلِّ { برؤوسكم } [المائدة: 6]، ولأن { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } في قوة: " يَلْبَسون أساور " فَحُمِل هذا عليه. والثالث: أنه عطفٌ على " أساور "؛ لأنَّ " مِنْ " مزيدةٌ فيها كما تقدَّم تقريرُه. الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً. فـ " لؤلؤاً " عطفٌ على الملبوس.

    وأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدُهما: عطفُه على " أساور ". والثاني: عَطْفُه على " مِنْ ذهبٍ " لأنَّ السِّوارَ يُتَّخَذُ من اللؤلؤ أيضاً، يُنْظَمُ بعضُه إلى بعضٍ. وقد منع أبو البقاء العطفَ على " ذهب " قال: " لأنَّ السِّوار لا يكونَ مِنْ لؤلؤ في العادة ويَصِحُّ أن يكونَ حُلِيّاً ".

    { وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَيَوْمَ القِيَامَةِ } فيه أوجهٌ، أحدها: أَنْ يتعلَّقَ بـ " المقبوحين " علىٰ أنّ أل ليست موصولةً، أو موصولةٌ واتُّسِع فيه، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ يُفَسِّره المقبوحين، كأنه قيل: وقُبِّحُوا يومَ القيامةِ نحو:{ لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ } [الشعراء: 168] أو يُعْطَفَ على موضع " في الدنيا " أي: وأَتْبَعْناهم لعنةً يوم القيامة، أو معطوفةٌ على " لعنةً " على حذفِ مضافٍ أي: ولعنةَ يوم القيامة. والوجهُ الثاني أظهرُها


    وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }

    قال السمين

    قوله: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ }: فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على " ليَجْزِيَ " قال الزمخشري: " أي: وليعلمَ الذين أُوتُوا العِلْمَ عند مجيءِ الساعة ". قلت: إنما قَيَّده بقولِه: " عند مجيءِ السَّاعةِ " لأنه عَلَّق " ليجزيَ " بقوله: " لتأتينَّكم "؛ فبنى هذا عليه، وهو من أحسنِ ترتيب. والثاني: أنه مستأنَفٌ أخبر عنهم بذلك، و " الذي أُنْزِلَ " هو المفعول الأولُ و " هو " فصلٌ و " الحقَّ " مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الرؤيةَ عِْلمية.

    وقرأ ابن أبي عبلة " الحقُ " بالرفع على أنه خبرُ " هو ". والجملةُ في موضعِ المفعول الثاني وهو لغةُ تميمٍ، يجعلون ما هو فصلٌ مبتدأً، و " مِنْ رَبِّك " حالٌ على القراءتين.

    قوله: " ويَهْدِي " فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنفٌ. وفي فاعله احتمالان، أظهرهما: أنه ضميرُ الذي أُنْزِل. والثاني: ضميرُ اسمِ الله ويَقْلَقُ هذا لقولِه إلى صراط العزيز؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صراطه. ويُجاب: بأنه مِنْ الالتفاتِ، ومِنْ إبرازِ المضمر ظاهراً تنبيهاً على وَصْفِه بها بين الصفتين.

    الثاني من الأوجه المتقدمة: أنه معطوفٌ/ على موضع " الحقَّ " و " أَنْ " معه مضمرةٌ تقديره: هو الحقَّ والهداية.

    الثالث: أنه عطفٌ على " الحق " عطفُ فعلٍ على اسم لأنه في تأويلِه كقوله تعالى:{ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ } [الملك: 19] أي: وقابضاتٍ، كما عُطِفَ الاسمُ على الفعلِ لأن الفعلَ بمعناه.

    كقول الشاعر:
    3715 ـ فأَلْفَيْتُه يوماً يُبير عدوَّه وبحرَ عطاءٍ يستخِفُّ المعابرا
    كأنه قيل: ولِيَروْه الحقَّ وهادياً.

    الرابع: أنَّ " ويَهْدي " حالٌ من " الذي أُنْزِل " ، ولا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ أي: وهو يَهْدي نحو:
    3716 ـ............................... نَجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكا
    وهو قليلٌ جداً.

    وقال القرطبي

    والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفاً على «لِيَجْزِي» أي ليجزي وليرى، قاله الزجاج والفرّاء. وفيه نظر، لأن قوله: { لِّيَجْزِيَ } متعلق بقوله: «لَتَأْتِيَنَّكُمْ السَّاعَةَ»، ولا يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون القرآن حقًّا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره القشيريّ. قلت: وإذا كان «ليَجْزِيَ» متعلقاً بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين، فيحسن عطف «وَيَرَى» عليه، أي وأثبت أيضاً ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق. ويجوز أن يكون مستأنفاً. { ٱلَّذِيۤ } في موضع نصب على أنه مفعول أوّل لـ«ـيرى» { هُوَ ٱلْحَقَّ } مفعول ثان، و«هو» فاصلة. والكوفيون يقولون «هو» عماد. ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. و«الْحَقّ» خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف واللام فيشبه المعرفة. فإن كان الخبر اسماً معروفاً نحو قولك: كان أخوك هو زيد، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. وعلّته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكر في قولك: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع

    { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }

    قال القرطبي

    «والطَّيرُ» بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك، عطفاً على لفظ الجبال، أو على المضمر في «أَوِّبِي» وحسّنه الفصل بمع. الباقون بالنصب عطفاً على موضع «يَا جِبَالُ» أي نادينا الجبال والطير، قاله سيبويه. وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملاً على «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً». النحاس: يجوز أن يكون مفعولاً معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت وزيداً، فالمعنى أوّبي معه ومع الطير

  10. #100
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }

    قال السمين:

    قوله: { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ }: يجوزُ في " وهذه " وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ مبتدأةً، والواوُ للحالِ. والأنهارُ صفةٌ لاسمِ الإِشارةِ، أو عطفُ بيانٍ. و " تجري " الخبرُ. والجملةُ حالٌ مِنْ ياء " لي ". والثاني: أنَّ " هذه " معطوفةٌ على " مُلْك مِصْرَ " ، و " تَجْري " على هذا حالٌ أي: أليس مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهارُ جاريةً أي: الشيئان

    { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }

    قال القرطبي

    وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: { لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق

    قال الالوسي

    وقوله سبحانه: { وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } عطف على محذوف يدل عليه السياق أو الحال لأنها متضمنة للتعليل أي لينفعهم وليعلم الله علماً يتعلق به الجزاء من ينصره ورسله باستعمال آلات الحرب من الحديد في مجاهدة أعدائه، والحذف للإشعار بأن الثاني هو المطلوب لذاته وأن الأول مقدمة له، وجوز تعلقه بمحذوف مؤخر والواو اعتراضية أي وليعلم الخ أنزله أو مقدم والواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها وقد حذف المعطوف وأقيم متعلقه مقامه، وقوله تعالى: { بِٱلْغَيْبِ } حال من فاعل (ينصر)، أو من مفعوله أي غائباً منهم أو غائبين منه.

    وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَبَرّاً }: العامَّةُ بفتحِ الباء، وفيه تأويلان، أحدُهما: أنه منصوبٌ نَسَقاً على " مباركاً " ، أي: وجَعَلَنِي بَرَّاً. والثاني: أنَّه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ. واخْتِير هذا على الأولِ لأنَّ فيه فَصْلاً كثيراً بجملةِ الوصيَّةِ ومتعلِّقِها.

    وقُرئ " بِرَّاً " بكسرِ الباءِ: إمَّا على حَذْفِ مضاف، وإمَّا على المبالغة في جَعْلِه نفسَ المصدر. وقد تقدَّم في البقرة أنه يجوز أن يكونَ وصفاً على فِعْل. وحكى الزهراويُّ وأبو البقاء أنه قُرئ بكسر الباء والراء. وتوجيهُه: أنه نَسَقٌ على " الصلاة " ، أي: وأوصاني بالصلاةِ وبالزكاةِ وبالبِرِّ. و " بوالَديَّ " متعلقٌ بالبَرّ أو البِرّ

    وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا. { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني التوراة فإنه رأى التوراة حقاً، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ. «مُصَدِّقاً» نصِب على الحال من عيسى. { فِيهِ هُدًى } في موضع رفع بالابتداء. { وَنُورٌ } عطف عليه. { وَمُصَدِّقاً } فيه وجهان يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقاً الأوّل، ويجوز أن يكون حالاً من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقراً فيه هدًى ونور ومصدقاً. { وَهُدًى وَمَوْعِظَةً } عطف على «مُصَدِّقاً» أي هادياً وواعظاً. { لِّلْمُتَّقِينَ } وخصهم لأنهم المنتفعون بهما. ويجوز رفعهما على العطف على قوله: { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ

    انتهي

    وقال السمين فى سورة البقرة

    قوله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ }: هذه الجملةُ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ السابقةِ من قولِه: " ولمَّا جاءَهم " إلى آخرها.

    وقال أبو البقاء: " إنها معطوفةٌ على " أُشْرِبوا " أو على " نَبَذَ فريقٌ " ، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على " نَبَذَ " يقتضي كونَها جواباً لقولِه: { وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ } واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِّباً على مجيء الرسولِ بل كان اتِّباعُهم لذلك قبله، فالأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم. و " ما " موصولةٌ، وعائدُها محذوفٌ، والتقديرُ: تَتْلوه. وقيل: " ما " نافيةٌ وهذا غَلَطٌ فاحش لا يَقْتَضِيه نَظْمُ الكلامِ البتةَ، نقل ذلك ابنُ العربي

    ملحوظة

    ذكرنا اية البقرة من قبل

  11. #101
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ }

    قال السمين:

    قولُه تعالى: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }: في " أو " خمسة أقوال، أظهرهُا: أنها للتفصيلِ بمعنى أنَّ الناظرينَ في حالِ هؤلاء منهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بحال المستوقدِ الذي هذه صفتُهُ، ومنهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بأصحاب صَيِّبٍ هذه صفتُه. الثاني: أنها للإِبهام، أي: إن الله أَبْهَم على عباده تشبيهَهم بهؤلاء أو بهؤلاء، الثالث: أنها للشَّكِّ، بمعنى أن الناظر يَشُكُّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإِباحة. الخامس: أنها للتخيير، أي: أًُبيح للناس أن يشبِّهوهم بكذا أو بكذا، وخُيِّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين، أحدُهما: كونُها بمعنى الواو, وأنشدوا:
    225ـ جاء الخلافةَ أو كانَتْ له قَدَراً كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
    والثاني: كونُها بمعنى بل، وأنشدوا:
    226ـ بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى وصورتِها أَوْ أَنْتَ في العينِ أَمْلَحُ
    أي: بل أنت.

    { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ }

    قال السمين:

    قوله: { أَوْ يَزِيدُونَ }: في " أو " هذه سبعةُ أوجهٍ قد تقدَّمَتْ بتحقيقِها ودلائلها في أولِ البقرةِ عند قولِه{ أَوْ كَصَيِّبٍ } [الآية: 19] فعليكَ بالالتفاتِ إليهما ثَمَّةَ: فالشَّكُّ بالنسبةِ إلى المخاطبين، أي: إن الرائي يَشُكُّ عند رؤيتِهم، والإِبهامُ بالنسبةِ إلى أن الله تعالى أَبْهَمَ أمْرَهم، والإِباحةُ أي: إن الناظرَ إليهم يُباح له أن يَحْزِرَهم بهذا القَدْر، أو بهذا القَدْرِ، وكذلك التخييرُ أي: هو مُخَيَّرٌ بين أَنْ يَحْزِرَهم كذا أو كذا، والإِضرابُ ومعنى الواوِ واضحان

    وقال النحاس :

    وقول الفراء أنها بمعنى "بل"، وقول غيره أنها بمعنى الواو. وأنه لا يصحّ هذان القولان، لأن "بل" ليس هذا من مواضعها، لأنه للإِضراب عن الأول والإِيجاب لما بعده. وتعالى الله عز وجل عن ذلك أو الخروج من شيءٍ إلى شيءٍ، وليس هذا موضع ذلك. والواو معناها خلاف معنى "أو" فلو كانت إحداهما بمعنى الأخرى لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائة ألف أَخَصَر، وفي الآية قولان سوى هذين: أحدهما أنّ المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خُوطِبَ العباد على ما تعرفون، والقول الآخر أنه كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، وأنت تعرف من جاءك منهما إلاّ أنك أبهمت على المُخَاطَبِ. وفي قراءة ابن مسعود {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ حتى حِينٍ} [148] والمعنى واحد.

    { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }

    قال الالوسي:

    { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً } أي لو ثبت أن لي قوة ملتبسة بكم بالمقاومة على دفعكم بنفسي لفعلت ـ فلو ـ شرطية وجوابها محذوف كما حذف في قوله سبحانه:{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } [الرعد: 31] وجوز أن تكون للتمني، و { بِكُمْ } حال من { قُوَّةَ } كما هو المعروف في صفة النكرة إذا قدمت عليها، وضعف تعلقه بها لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه في المشهور. وقوله: { أَوْ ءَاويٰ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } عطف على ما قبله بناءاً على ما علمت من معناه الذي يقتضيه مذهب المبرد، والمضارع واقع موقع الماضي، واستظهر ذلك أبو حيان، وقال الحوفي: إنه عطف على ما تقدم باعتبار أن المراد أو أني آوي، وجوز ذلك أبو البقاء، وكذا جوز أن تكون الجملة مستأنفة، و ـ الركن ـ في الأصل الناحية من البيت أو الجبل، ويقال: ركن بضم الكاف، وقد قرىء به ويجمع على أركان، وأراد عليه السلام به القوى شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته أي أو أنضم إلى قوي أتمنع به عنكم وأنتصر به عليكم، وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول منه عليه السلام بادرة واستغربه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " رحم الله تعالى أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد " يعني عليه الصلاة والسلام به الله تعالى فإنه لا ركن أشد منه عز وجل:
    إذا كان غير الله للمرء عدة أتته الرزايا من وجوه الفوائد
    وجاء أنه سبحانه لهذه الكلمة لم يبعث بعد لوط نبياً إلا في منعة من عشيرته، وفي «البحر» ((أنه يجوز على رأي الكوفيين أن تكون { أَوْ } بمعنى بل ويكون عليه السلام قد أضرب عن الجملة السابقة، وقال: بل آوي في حالي معكم إلى ركن شديد وكني به عن جناب الله تعالى)) ولا يخفى أنه يأبـى الحمل على هذه الكناية تصريح الأخبار الصحيحة بما يخالفها، وقرأ شيبة وأبو جعفر { أَوَي } بالنصب على إضمار أن بعد { أَوْ } فيقدر بالمصدر عطفاً على { قُوَّةَ } ونظير ذلك قوله:
    ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوأك علقماً
    أي لو أن لي بكم قوة أو أوياً،

  12. #102
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }

    قال السمين

    قوله: { وَلِيَعْلَمَ } عطفٌ على قولِه " ليقومَ الناسُ " ، أي: لقد أَرْسَلْنَا رُسُلَنا وفَعَلْنا كيتَ وكيتَ ليقومَ الناسُ وليعلَمَ اللَّهُ. وقال الشيخ: " علةٌ لإِنزالِ الكتابِ والميزانِ والحديدِ " ، والأول أظهرُ لأنَّ نصرةَ اللَّهِ ورسلِه مناسبة للإِرسال.

    وقال القرطبي

    وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: { لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق،

  13. #103
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    التقديم والتأخير فى كتاب الله

    للتقديم والتأخير أثر علي التفسير فى كتاب الله لذلك رأيت ان اذكر بعض الأمثلة البسيطة علي أثر التقديم والتأخير علي فهم المعنى فى كتاب الله ومن يبحث سيجد أكثر وأكثر


    الجوهرة الاولي

    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }


    اخى الحبيب الاختلاف فى هل ذبح الخليل عليه السلام الطير وقطعها ام لا راجع الى هل هناك تقديم وتاخير فى الاية ام لا؟

    فمن قال ان اليك متعلقة بصرهن يكون معنى صرهن اى اضممهن واملهن اليك ويكون الخليل لم يقطع ويذبح الطير

    اما من قال فصرهن اى قطعهن فعنده اليك متعلقة بخذ فيكون المعنى فخذ اربعة من الطير اليك فصرهن

    قال الرازی:

    المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها، وخلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. واحتج عليه بوجوه الأول: أن المشهور في اللغة في قوله فَصُرْهُنَّ أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.

    فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن.

    قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث: أن الضمير في قوله ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً الضمير في قوله يَأْتِينَكَ سَعْيًا عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في يَأْتِينَكَ عائداً إلى أجزائها لا إليها، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول: أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع والثاني: أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم ، فلا يكون له فيه مزية على الغير والثالث: أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة والرابع: أن قوله ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب: أن ما ذكرته وإن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأً أو بعضاً....

    وقال السمين فی الدر المصون:

    " إليك " إنْ قلنا: إنَّ " صُرْهُنَّ " بمهنى أمِلْهُنَّ تعلَّق به، وإنَّ قلنا: إنه بمعنى قَطِّعْهُنَّ تعلَّقَ بـ " خُذْ ".....

  14. #104
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    الجوهرة الثانية

    إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

    قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره

    اختلف المفسرون في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني: بعد ذلك.

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه الله إليه، قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات، ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جريح: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا ــــ النوم،

    كما قال تعالى:
    وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ
    [الأنعام: 60] الآية. وقال تعالى:
    ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:

    وفي هذا التوفي قولان.

    أحدهما: أنه الرفع إلى السماء.

    والثاني: أنه الموت.


    فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيماً من غير تقديم ولا تأخير، ويكون معنى «متوفيك» قابضك من الأرض وافياً تاماً من غير أن ينال منك اليهود شيئاً، هذا قول الحسن، وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره الفراء. ومما يشهد لهذا الوجه قوله تعالى:
    فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم
    [المائدة: 117]. أي: رفعتني إلى السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه، لا بعد موته.

    وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، تقديره: إني رافعك إليَّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا قول الفراء، والزجاج في آخرين. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعَه إلى السماء لا يمنع من موته.

  15. #105
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,584
    الجوهرة الثالثة

    وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ .

    انظر الجوهرة الاولى من جواهر العطف أخى الحبيب

    الجوهرة الرابعة

    يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير:


    وفي قوله: عفا الله عنها قولان.

    أحدهما: أنه إِشارة إِلى الأشياء.

    والثاني: إِلى المسألة.

    فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير. والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إِن تبد لكم تسؤكم، عفا الله عنها. ويكون معنى: عفا الله عنها: أمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكماً.

    وعلى القول الثاني، الآية على نظمها، ومعنى: عفا الله عنها: لم يؤاخذ بها.

    الجوهرة الخامسة

    فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

    قال ابن الجوزى الحنبلى فى زاد المسير:

    وفي معنى الآية أربعة أقوال.

    أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. فعلى هذا، في الآية تقديم وتأخير، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها.

    والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليُعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، فهي لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد.

    والثالث: أن المعنى ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله، قاله الحسن. فعلى هذا، ترجع الكناية إلى الأموال وحدها.

    والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ذكره الماوردي. فعلى هذا، تكون في المشركين.

    وقال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا : فيه وجهان

    أحدهما: أنه متعلق بـ " تعجبك " ويكون قول إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا جملةَ اعتراض والتقدير: فلا تعجبك في الحياة. ويجوز أن يكونَ الجارُّ حالاً من أموالهم. وإلى هذا نحا ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة قالوا: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنىٰ: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد ليعذبهم بها في الآخرة.

    والثاني: أن " في الحياة " متعلقٌ بالتعذيب، والمراد بالتعذيب الدنيويِّ مصائبُ الدنيا ورزاياها، أو ما لزمهم من التكاليف الشاقة، فإنهم لا يرجون عليها ثواباً. قاله ابن زيد، أو ما فُرِض عليهم من الزكوات قاله الحسن، وعلى هذا فالضمير في " بها " يعود على الأموال فقط، وعلى الأول يعود على الأولاد والأموال.

صفحة 7 من 8 الأولىالأولى ... 345678 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •