صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 123456 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 102

الموضوع: اسرار العطف فى كتاب الله

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة السابعة عشر

    وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ


    قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره

    وقوله: وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ معطوف على قوله: وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ وليس معطوفاً على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ كما زعمه ابن جرير ، لأن النبي وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم، فلا يجوز الحلق حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان منفرداً أو متمتعاً.....


    وقال الامام الالوسي فى تفسيره:

    وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ فإن حلق الرأس كناية عن الحل الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور، والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله تعالى:

    ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
    [الحج: 33]
    هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ
    [المائدة: 95] وما روي من ذبحه في الحديبية مسلم لكن كونه ذبح في الحل غير مسلم،

    والحنفية يقولون: إن محصر رسول الله كان في طرف الحديبية أسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم، والذبح وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله وبه يجمع بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً وهو خلاف الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق، واستدل باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعندنا يجب القضاء لقضاء رسول الله وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها وكانت تسمى عمرة القضاء، والمقام مقام بيان طريق خروج المحصر عن الإحرام لا مقام بيان كل ما يجب عليه ولم يعلم من الآية حكم غير المحصر عبارة كما علم حكم المحصر من عدم جواز الحل له قبل بلوغ الهدي، ويستفاد ذلك بدلالة النص وجعل الخطاب عاماً للمحصر وغيره بناءاً على عطف وَلاَ تَحْلِقُواْ على قوله سبحانه: وَأَتِمُّواْ لا على فَمَا ٱسْتَيْسَرَ يقتضي بتر النظم لأن فَإِذَا أَمِنتُمْ عطف على فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ كما لا يخفى. و ـ المحل ـ بالكسر من حد ضرب يطلق للمكان كما هو الظاهر في الآية، وللزمان ـ كما يقال ـ محل الدين لوقت حلوله وانقضاء أجله.

    وقال ابن عطية فى المحرر الوجيز:

    وقوله تعالى: ولا تحلقوا رؤوسكم الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره،

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثامنة عشر

    أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    " وأبنائنا " عَطْفٌ على " ديارنا " أي: ومن أبنائِنا، فلا بُدَّ من حذفِ مضافٍ تقديرُه: " من بين أبنائِنا " كذا قدَّره أبو البقاء. وقيل: إنَّ هذا على القلبِ، والأصلُ: وقد أُخْرِجَ أبناؤنا منا، ولا حاجةَ إلى هذا.

    الجوهرة التاسعة عشر

    يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ

    تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ

    قال ابن عطية فى المحرر الوجيز:

    وقوله تعالى: ماعملت من سوء يحتمل أن تكون ما معطوفة على ما الأولى فهي في موضع نصب وتكون تود في موضع الحال، وإلى هذا العطف ذهب الطبري وغيره،

    ويحتمل أن تكون رفعاً بالابتداء ويكون الخبر في قوله: تود وما بعده كأنه قال: وعملها السيىء مردود عندها أن بينها وبينه أمداً،

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ : في ناصِبة أوجهٌ،

    .......

    السادس: أنه منصوبٌ بتودُّ، قال الزمخشري: " يومَ تجد منصوب بتود، والضمير في " بينه " لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرَها وشرَّها [حاضرين]، تتمنَّى لو أنَّ بينها وبين ذلك اليوم وَهوْلِهِ أمداً بعيداً ".

    وهذا الذي ذكره الزمخشري وجهٌ ظاهرٌ لا خفاء بحسنه، ولكنْ في هذه المسألة خلافٌ ضعيف: جمهور البصريين والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفش والفراء إلى مَنْعها، وضابطُ هذه المسألة: أنه إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء متصلٍ بمعمول الفعل نحو: ثوبي أخويك يلبَسان " فالفاعلُ هو الألف، وهو ضمير عائد على " أخويك " المتصلين بمفعول يلبسان، ومثله: " غلامَ هند ضربَتْ " ففاعل " ضربَتْ " ضمير عائدٌ على " هند " المتصلةِ بغلام المنصوب بضرَبتْ، والآيةُ من هذا القبيل: فإن فاعل " تودُّ " ضميرٌ عائد على " نفس " المتصلةِ بيوم لأنها في جملة، أُضيف الظرفُ إلى تلك الجملة، والظرفُ منصوبٌ بتودُّ، والتقدير: يوم وجدانِ كلِّ نفسٍ خيرَها وشَرَّها مُحْضَرين تَوَدُّ كذا.

    ........

    والضمير في " بينه " فيه وجهان، أحدُهما ـ وهو الظاهر ـ عَوْدُه على " ما عَمِلَتْ " ،

    وأعادَه الزمخشري على " اليوم " قال الشيخ: " وأَبْعَدَ الزمخشري في عودِه على " اليوم " لأنَّ أحدَ القِسْمين اللذين أُحْضِروا في ذلك له هو الخيرُ الذي عمله، ولا يُطلب تباعُدُ وقتِ إحضارِ الخير إلا بتجوُّز، إذ كان يشتمل على إحضار الخير والشر فتودُّ تباعدَه لتسلم من الشر، ودَعْه لا يحصُل له الخيرُ، والأَوْلى عَوْدُه إلى ما عملت من السوء لأنه أقرب مذكور. ولأن المعنى: أن السوء يُتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدُ منه ".

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة العشرون

    مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ


    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: " تَعْلَمُون " مفتوحٌ حرفُ المضارعة، ساكنُ العينِ مفتوحُ اللام من: عَلِمَ يَعْلَم، أي: تعرفون فيتعدى لواحد، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً، فيتعدى لاثنين أولهما محذوف، تقديره: تُعَلِّمون الناس والطالبين الكتابَ،

    وقال الرازى فى تفسيره:

    قرأ عاصم وحمزة وابن عامر وَلاَ يَأْمُرَكُمْ بنصب الراء، والباقون بالرفع

    أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على ثُمَّ يَقُولُ وفيه وجهان

    أحدهما: أن تجعل لا مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي

    والثاني: أن تجعل لا غير مزيدة، والمعنى أن النبي كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء،

    وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ

    الجوهرة الواحدة والعشرون

    وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ال عمران121

    قال الرازى فى تفسيره:

    قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو على قوله

    قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ
    [آل عمران: 13] يقول: قد كان لكم في نصر الله تلك الطائفة القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا به أن الله ناصر المؤمنين، وكان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال

    ملحوظة

    الاية الاولى رقم 121 تتكلم عن غزوة احد والثانية 13عن بدر

    فيكون المعنى على قول ابى مسلم لقد كان لكم اية فى غزوة بدر حين التقت الفئتان وفى غزوة احد اذ غدوت

    والله اعلم

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثانية والعشرون

    وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون فی تفسير والذين عقدت:


    في مَحَلِّه أربعةُ أوجه،

    أحدها: أنه مبتدأ والخبر قوله: " فآتوهم ".

    الثاني: أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجحُ من حيث إنَّ بعده طَلَباً.

    والثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على " الوالدان والأقربون " فإنْ أريد بالوالدين أنهم موروثون عادَ الضميرُ مِنْ " فآتوهم " على " موالي " ، وإنْ أُريد أنهم وارثون جازَ عَوْدُه على " مواليَ " وعلى الوالدين وما عُطف عليهم.

    الرابع: أنه منصوبٌ عطفاً على " مواليَ " ، قال أبو البقاء: " أي وَجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ وُرَّاثاً، وكان ذلك ونُسِخ "

    ملحوظة

    عجيب امر الحذف فى هذة الاية اخى الحبيب

    يقول الامام ابو حيان فى البحر المحيط

    واختلفوا في تعيين المقدّر هنا، فقيل: المحذوف إنسان، وقيل: المحذوف مال. والمولى: لفظ مشترك بين معان كثيرة، منها: الوارث وهو الذي يحسن أن يفسر به هنا، لأنه يصلح لتقدير إنسان وتقدير مال، وبذلك فسر ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم: أن الموالي العصبة والورثة، فإذا فرّعنا على أنّ المعنى: ولكلّ إنسان، احتمل وجوهاً:

    أحدها: أن يكون لكلّ متعلقاً بجعلنا، والضمير في ترك عائد على كل المضاف لإنسان، والتقدير: وجعل لكل إنسان وارثاً مما ترك، فيتعلق مما بما في معنى موالي من معنى الفعل، أو بمضمر يفسره المعنى، التقدير: يرثون مما ترك، وتكون الجملة قد تمت عند قوله: مما ترك، ويرتفع الوالدان على إضمار كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون ورّاثاً، والكلام جملتان.

    والوجه الثاني: أن يكون التقدير وجعلنا لكل إنسان موالي، أي ورّاثاً. ثم أضمر فعل أي: يرث الموالي مما ترك الوالدان، فيكون الفاعل بترك الوالدان. وكأنه لما أبهم في قوله: وجعلنا لكل إنسان موالي، بيَّن أن ذلك الإنسان الذي جعل له ورثة هو الوالدان والأقربون، فأولئك الورّاث يرثون مما ترك والداهم وأقربوهم، ويكون الوالدان والأقربون موروثين. وعلى هذين الوجهين لا يكون في: جعلنا، مضمر محذوف، ويكون مفعول جعلناه لفظ موالي. والكلام جملتان.

    الوجه الثالث: أن يكون التقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي أي: ورّاثاً نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون جعلنا صفة لكلٍّ، والضمير من الجملة الواقعة صفة محذوف، وهو مفعول جعلنا. وموالي منصوب على الحال، وفاعل ترك الوالدان. والكلام منعقد من مبتدأ وخبر، فيتعلق لكل بمحذوف، إذ هو خبر المبتدأ المحذوف القائم مقامه صفته وهو الجار والمجرور، إذ قدر نصيب مما ترك.

    والكلام إذ ذاك جملة واحدة كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله، أي حظ من رزقه الله.


    وإذا فرعنا على أن المعنى: ولكل مال، فقالوا: التقدير ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون، جعلنا موالي أي ورّاثاً يلونه ويحرزونه. وعلى هذا التقدير يكون مما ترك في موضع الصفة لكل، والوالدان والأقربون فاعل بترك ويكونون موروثين، ولكل متعلق بجعلنا. إلا أن في هذا التقدير الفصل بين الصفة والموصوف بالجملة المتعلقة بالفعل الذي فيها المجرور وهو نظير قولك: بكل رجل مررت تميمي، وفي جواز ذلك نظر.

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثالثة والعشرون

    يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰوةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى

    الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ

    أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ


    قال السمين فی دره المصون

    قوله: وَأَرْجُلَكُمْ قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم: " أرجلكم " نصباً، وباقي السبعة: وأرجلكم " جراً، والحسن بن أبي الحسن: " وأرجلُكم " رفعاً، فأمَّا قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدُهما: أنها معطوفةٌ على " ايديكم " فإنَّ حكمَها الغُسْلُ كالأوجه والأيدي، كأنه قيل: " واغسلوا أرجلكم " إلا أنَّ هذا التخريجَ أفسده بعضُهم بأنه يلزم منه الفصلُ بين المتعاطِفَيْنِ بجملةٍ غير اعتراضية لأنها مُنْشِئَةٌ حمكاً جديداً فليس فيها تأكيد للأول. وقال ابن عصفور- وقد ذكر الفصلَ بين المتعاطِفَيْن -: " وأقبحُ ما يكونُ ذلك بالجمل " فدلَّ قولُه على أنه لا يجوزُ تخريجُ الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكسَ هذا فقال: " وهو معطوفٌ على الوجوه " ثم قال " وذلك جائزٌ في العربية بلا خلاف " وجَعَلَ السنِّيَّة الواردة بغسل الرجلين مقويةً لهذا التخريج، وليس بشيء، فإنَّ لقائل أن يقول: يجوز أن يكون النصب على محلِّ المجرور وكان حكمُها المسحَ ولكن نُسِخ ذلك بالسنَّة وهو قولٌ مشهورٌ للعلماء. والثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على محل المجرور قبله، كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك.

    وأمَّا قراءةُ الجر ففيها أربعةُ تخاريجَ، أحدها: أنه منصوبٌ في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنما خُفض على الجوار، كقولهم: " هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبٍ " بجر " خرب " وكان مِنْ حَقِّه الرفعُ لأنه صفة في المعنى للجحر لصحة اتصافه به، والضَّبُّ لا يوصف به، وإنما جَرُّه على الجوار، وهذه المسألة عند النحويين لها شرط وهو أن يُؤْمَنَ اللبس كما تقدم تمثيله، بخلاف: " قام غلام زيد العاقل " إذا جعلت " العاقل " نعتاً للغلام امتنع جَرُّه على الجوار لأجل اللَّبْس، وأنشد أيضاً قول الشاعر:
    1701- كأنما ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعينِها قُطْناً بمستحصِدِ الأوتارِ مَحْلوجِ


    وقول الآخر:
    1702- فأياكم وَحيَّةَ بَطْنِ وادٍ هموزٍ النابِ ليس لكم بِسِيِّ
    وقول الآخر:
    1703- كأن ثَبيراً في عرانينِ وَبْلِه كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
    وقول الآخر:
    1704- كأنَّ نَسْجَ العنكبوتِ المُرْمَل
    بجر " محلوج " وهو صفةٌ لـ " قطنا " المنصوبِ، وبجر " هموز " وهو صفة لـ " حية " المنصوبِ، وبجر " المزمل " وهو صفة " كبير " لأنه بمعنى الملتف، وبجرِّ " المُرْمل " وهو صفة " نَسْج " ، وإنما جُرَّت هذه لأجلِ المجاورِة، وقرأ الأعمش: إنَّ الله هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينِ بجر المتين مجاورَةً لـ " القوة " وهو صفةٌ لـ " الرزاق " ، وهذا وإن كان وارداً، إلا ان التخريجَ عليه ضعيفٌ لضَعْفِ الجوارِ من حيث الجملةُ، وأيضاً فإنَّ الخفضَ على الجوارِ إنما وَرَدَ في النعتِ لا في العطف، وقد وَرَدَ في التوكيدِ قليلاً في ضرورة الشعر، قال:
    1705- يا صاحِ بَلَّغ ذوي الزوجاتِ كلِّهمِ أَنْ ليسَ وَصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ
    بجر " كلهم " وهو توكيدٌ لـ " ذوي " المنصوب، وإذا لم يَرِد إلا في النعت أو ما شَذَّ من غيره فلا يينبغي أن يُخَرَّج عليه كتاب الله تعالى، وهذه المسألةُ قد أوضَحْتُها وذكرت شواهدها في " شرح التسهيل " وممن نَصَّ على ضعفِ تخريجِ الآية على الجوارمكي بن أبي طالب وغيرُه، قال مكي: " وقال الأخفش وأبو عبيدة: " الخفضُ فيه على الجوار، والمعنى للغسل " وهو بعيد لا يُحْمل القرآن عليه " وقال أبو البقاء " وهو الإِعرابُ الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن والشعر، فَمِنَ القرآن قولُه تعالى:
    وَحُورٌ عِينٌ
    [الواقعة: 22] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وهو مختلفُ المعنى، إذ ليس المعنى: يَطُوف عليهم وِلْدان مخلَّدون بحورٍ عين. وقال النابغة:
    1706- لم يَبْقَ إلاَّ أسيرٌ غيرُ مُنْفَلِتٍ أو مُوْثَقٍ في حبال القومِ مَجْنُوبِ
    والقوافي مجرورةٌ، والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإِعراب " ثم ذكر أشياء كثيرةً زعم أنها مقويةٌ لمُدَّعاه، منها: قَلْبُ الإِعراب في الصفات كقوله تعالى:
    عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ
    [هود: 84] واليومُ ليس بمحيطٍ، وإنما المحيط [هو] العذابُ، ومثلُه قولُه تعالى:
    فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ
    [إبراهيم: 18] و " عاصف " ليس في صفة اليوم بل من صفة الريحِ. ومنها: قَلْبُ بعض الحروف إلى بعض كقول : " ارجَعْنَ مَأْزوارتٍ غيرَ مأجورات " والأصل: " مَوْزورات " ، ولكنْ أُريد التواخي، وكذلك قولُهم: " إنه ليأتينا بالغدايا والعَشايا " ويعني أنَّ الأصلَ: " بالغَدَاوى " لأنها من الغُدْوة، ولكن لأجل " ياء " العشايا " جاءت بالياء دون الواو. ومنها: تأنيثُ المذكر كقوله تعالى:


    فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
    [الأنعام: 160] فحذف / التاءَ منْ " عشر " وهي مضافةٌ إلى الأمثال وهي مذكرةٌ، ولكنْ لَمَّا جاورت الأمثالُ ضميرَ المؤنث أَجْرى عليها حكمَه، وكذلك قوله:
    1707- لَمَّا أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
    وقولهم: " ذَهَبَتْ بعضُ أصابعِه " يعني أنَّ " سور " مذكرةٌ " و " بعض " أيضاً كذلك، ولكنْ لَمَّا جاورا المؤنثَ أُعْطيا حكَمه. ومنها: " قامت هند " لَمَّا لم يَفْصِلوا أتوا بالتاء، ولمَّا فَصَلوا لم يأتوا بها، ولا فرق إلا المجاورةُ وعدمُها: ومنها: استحسانُهم النصبَ في الاشتغال بعد جملةٍ فعلية في قولهم: " قام زيدٌ وعمراً كلمته " لمجاورةِ الفعل. ومنها: قَلْبُهم الواوَ المجاورَة للطرفِ همزةً نحو: " أوئل " بخلاف " طواويس " لبُعْدِها من مجاورةِ الطرف. قال: " وهذا موضعٌ يَحْتمل أن يكتب فيه أوراقٌ من الشواهدِ، قد بَوَّب النحويون له باباً ورتَّبوا عليه مسائلَ وأصَّلوه بقوله: " هذا جُحْرِ ضبٍ خربٍ " حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع، فأجاز الاتباعَ فيهما جماعة من حُذَّاقهم قياساً على المفرد المسموع، ولو كان لا وجهَ له بحالٍ لاقتصروا فيه على المسموع فقط، ويتأيد ما ذكرناه أنَّ الجرَّ في الآية قد أجيز غيره - وهو الرفع والنصب - والرفع والنصب غير قاطعين ولا ظاهرين على أنَّ حكمَ الرِجْلين المسحُ، فكذلك الجرُّ يجب أن يكونَ كالنصب والرفعِ في الحكم دون الإِعراب " انتهى.

    أمَّا قوله: " إنَّ وَحُورٌ عِينٌ من هذا الباب فليس بشيء، لأنه: إمَّا [أن] يقدَّر عطفهُما على ما تقدم بتأويلٍ ذكره الناس كما سيتأتي أو بغير تأويل، وإما أن لا يعطفَهما، فإنْ عَطَفَهما على ما تقدم وجب الجر، وإن لم يعطفهما لم يَجُز الجر، وأمّا جَرُّهما على ما ذكره الناس فقيل: لعطفهما على المجرور بالباء قبلهما على تضمين الفعلِ المتقدم " يتلذذون ويَنْعَمون بأكواب وكذا وكذا " أولا يُضَمَّن الفعلُ شيئاً ويكون لطواف الوالدانِ بالحورِ العين على أهل الجنة لذاذة لهم بذلك، والجواب إنما يكونُ حيث يستحقُ الاسمُ غيرَ الجر فيُجَرُّ لمجاورةِ ما قبله، وهذا - كما ترى - قد صَرَّح هو به أنه معطوفٌ على " بأكواب " غايةُ ما في الباب أنه جَعَلَه مختلفَ المعنى، يعنى أنه عنده لا يجوزُ عطفُهما على " بأكواب " إلا بمعنى آخرَ وهو تضمينُ الفعل، وهذا لا يَقدَحُ في العطفية. وأما البيتُ فجرُّ " موثقٍ " ليس لجواره " لـ " منقلتٍ " وإنما هو مراعات للمجرور بـ " غير " ، لأنهم نَصُّوا على أنك إذا جئت بعد " غير " ومخفوضها بتابعٍ جاز أن يَتْبع لفظَ " غير " وأن يَتبع المضاف إليه، وأنشدوا البيت، ويروى: " لم يبق فيها طريدٌ غيرُ منفلتٍ " وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليست من المجاوره التي تؤثر في تغيير الإِعراب، وقد تقدَّم أن النحويين خَصَّصوا ذلك بالنعت وأنه قد جاء في التوكيد ضرورةً.
    التخريج الثاني: أنه معطوفٌ على " برؤوسكم " لفظاً ومعنى، ثم نُسِخ ذلك بوجوبِ الغسل، أو هو حكمٌ باقٍ، وبه قال جماعة، أو يُحمل مسحُ الأرجلِ على بعضِ الأهوال وهو لُبْسُ الخفِّ، ويُعزى للشافعي. التخريج الثالث: انها جُرَّت مَنْبَهَةً على عدم الإِسراف باستعمال الماء لأنها مَظَنَّةٌ لصبِّ الماءِ كثيراً، فَعَطَفَتْ على الممسوح، والمرادُ غَسْلُها لِما تقدم، وإليه ذَهَب الزمخشري. قال: " وقيل: " إلى الكعبين " فجيء بالغاية إماطة لظنَّ ظانَّ يَحْسَبُها ممسوحة، لأنَّ المسح لم تُضْرب له غايةٌ في الشريعة " وكأنه لم ترتضِ هذا القول الدافعَ لهذا الوهمِ وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورةٌ بحرفِ جرٍ مقدرٍ دَلَّ عليه المعنى، ويتعلَّق هذا الحرفُ بفعلٍ محذوفٍ أيضاً يليق بالمحل، فيُدَّعى حذفُ جملةٍ فعلية وحَذْفُ حرفِ جر، قالوا: وتقديرُه: " وافعَلُوا بأرجلِكم غسلاً ".

    قال أبو البقاء: " وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ الجرِ جائزٌ كقوله:
    1708- مشائيمُ ليسوا مُصْلِحينَ عشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها
    وقال الآخر:
    1709- بدا ليَ أنِّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائِيا
    فجُرَّ بتقديرِ الباء، وليس بموضعِ ضرورةٍ، وقد أَفْرَدْتُ لهذه المسألةِ كتاباً " قوله: " وإبقاء الجر " ليس على إطلاقهِ، وإنما يَطَّرد منه مواضعُ نصَّ عليها أهلُ اللسانِ ليس هذا منها، وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النحاة يسمى " العطف على التوهُّم " يعني كأنه توهَّم وجودَ الباء زائدةً في خبر " ليس " لأنها يكثُر زيادتُها، ونَظَّروا ذلك بقوله تعالى:
    فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
    [المنافقون: 10] بجزم " أَكُنْ " عطفاً على " فأصَّدَّق " على توهُّم سقوط الفاء من " فأصَّدَّق " نَصَّ عليه سيبويه وغيرُه، فظهرَ فساد هذا التخريج.

    وأمَّا قراءةُ الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي: وأرجلُكم مغسولةٌ أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها. والكلام في قوله: " إلى الكعبين " كالكلام في " إلى المرفقين ". والكعبان فيهما قولان مشهوران، أشهرهما: أنهما العَظْمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، في كل رِجْلٍ كعبان. والثاني: أنه العظم الناتئ في وجه القدم حيث يجتمع شِراك النعل، ومرادُ الآية هو الأول. والكعبة: كلُّ بيتٍ مربع، وسيأتي بيانُه في موضعِه.

    قال الرازى فى تفسيره:

    المسألة الثامنة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل الفقال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود الأصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

    حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله وَأَرْجُلَكُمْ فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل......

    وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنها توجب المسح، وذلك لأن قوله وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ فرؤوسكم في النصب ولكنها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة......

    وقال القرطبي

    الثالثة عشرة قوله تعالى: { وَأَرْجُلَكُمْ } قرآ نافع وابن عامر والكسائي «وَأَرْجُلَكمْ» بالنصب وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ «وَأَرْجُلُكُمْ» بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وَأَرْجُلِكُم» بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون فمن قرأ بالنصب جعل العامل «أَغْسِلُوا» وبنى على أن الفرض في الرِّجلين الغَسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافّة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضئون وأعقابهم تلُوح فنادى بأعلى صوته:ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدَّهما فقال: «إلَى الْكَعْبين» كما قال في اليدين «إلَى المْرَافِق» فدّل على وجوب غسلهما والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: ٱتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رَدّ ذلك سوى الطَبري من فقهاء المسلمين، والرّافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض. قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وروى أن الحجاج خطب بالأهْوَاز فذكر الوضوء فقال: ٱغسلوا وجوهكم وأيديكم وٱمسحوا برءوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيء من ٱبن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس ابن مالك فقال: صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى { وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ } قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروى عن أنس أيضاً أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وكان عِكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً، ويُلغي ما كان مسحاً. وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين قال النحاسـ ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعاً فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. قال ٱبن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرّجلين هو الغسل. قلت: وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال: للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تَمسَحّ ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغَسل بقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغَسل، والتوعّد على ترك غَسلها في أخبار صحاح لا تُحصى كثرة أخرجها الأئمة ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرّجلين، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وأمسحوا برءوسكم فلما كان الرأس مفعولاً قبل الرِّجلين قُدَّم عليهما في التلاوة ـ والله أعلم ـ لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدّمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال: قرأ الحسن والحسين ـ رحمة الله عليهما ـ عَلَيَّ «وَأَرْجُلِكُمْ» فسمع عليٌّ ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: { وَأَرْجُلَكُمْ } هذا من المقدّم والمؤخر من الكلام.

    وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: ٱغسلوا الأقدام إلى الكعبين. وكذا روى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرأ «وَأَرْجُلَكُمْ» بالنصب. وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيّداً لمسحهما لكن إذا كان عليهما خُفَّان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خُفّان، فبيّن صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تُغسل فيه الرِّجل والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن. فإن قيل: إنّ المسح على الخفين منسوخ بسورة «المائدة» ـ وقد قاله ابن عباس، وردّ المسح أبو هريرة وعائشة، وأنكره مالك في رواية عنه ـ فالجواب أن من نفى شيئاً وأثبته غيره فلا حجة للنافي، وقد أثبت المسح على الخُفّين عدد كثير من الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن: حدّثني سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال: بَالَ جَريرٌ ثم توضأ ومسح على خُفيه. قال إبراهيم النخعيّ: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خُفَّيه.قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول «المائدة» وهذا نص يردّ ما ذكروه وما ٱحتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريراً أسلم في ستة عشر من شهر رمضان، وأن «المائدة» نزلت في ذي الحجة يوم عرفات، وهذا حديث لا يثبت لوهاه وإنما نزل منها يوم عرفة { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } على ما تقدّم قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسن حديث جَرير في المسح على الخفين لأن إسلامه كان بعد نزول «المائدة» وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك عِلْم ولذلك رَدَّت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت: سَلْه فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديثَ. وأمّا مالك فما روي عنه من الإنكار فهو مُنْكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال: إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مُقَصّراً فيما يجب عليه. وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر. قال أحمد: كما روى عن ٱبن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال: حُبِّب إلي الوضوء ونحوه عن أبي أيوب. وقال أحمد رضي الله عنه: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع، فلا يُصلَّى خلفه.

    والله أعلم وقد قيل: إن قوله «وَأَرْجُلكُمْ» معطوف على اللفظ دون المعنى. وهذا أيضاً يدل على الغسل فإنّ المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى:{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ } [الرحمن: 35] بالجرّ لأن النحاس الدخان. وقال:{ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } [البروج: 21-22] بالجرّ. قال ٱمرؤ القيس:
    كبيرُ أُناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل
    فخفض مزمّل بالجوار، وأن المزمّل الرجل وإعرابه الرّفع قال زهير:
    لَعِب الزمان بها وغَيَّرها بعدي سَوَافي المُورِ والقَطْرِ
    قال أبو حاتم: كان الوجه القطر بالرّفع ولكنه جره على جوار المور كما قالت العرب: هذا حجر ضَبٍّ خَربٍ فجرّوه وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة وردّه النحاس وقال: وهذا القول غلط عظيم لأنّ الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء. قلت: والقاطع في الباب من أن فرض الرِّجلين الغَسل ما قدّمناه، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " فخوّفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل، ومعلوم أن النار لا يُعذَّب بها إلا من ترك الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الآستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أنّ ذلك على ظهورهما لا على بطونهما، فتبيّن بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يُدرك بالغَسل لا بالمسح. ودليل آخر من جهة الإجماع وذلك أنهم ٱتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدّى الواجب عليه، وٱختلفوا فيمن مسح قدميه فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما ٱختلفوا فيه. ونقل الجمهور كافّة عن كافّة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة وٱثنتين وثلاثاً حتى يُنقيهما وحسبك بهذا حجة في الغَسل مع ما بيّناه فقد وَضَح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا، وأن العامل في قوله «وَأَرْجُلَكُمْ» قوله: { فٱغْسِلُواْ } والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن ومنه قول الشاعر:
    عَلفتُها تِبْناً ومَاءً بارداً
    وقال آخر:
    ورأيتُ زوجِك في الوغى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا
    وقال آخر:
    ......... وأَطْفَلَتْ بِالَجْلَهَتَيْن ظِباؤُها ونَعامُها
    وقال آخر:
    شَـرَّابُ ألْبـانٍ وتمـرٍ وإقِـط
    التقدير: علفتها تِبناً وسَقيتُها ماء. ومتقلِّداً سيفاً وحامِلاً رُمْحاً. وأطْفَلَتْ بالجَلهَتَيْنِ ظباؤها وفرخت نعامها والنعام لا يُطفِل إنما يُفرِخ. وأطفلت كان لها أطفال، والجَلْهَتَانِ جنبتا الوادي. وشَرَّابُ ألبانٍ وآكلُ تمر فيكون قوله: «وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ» عطف بالغَسل على المسح حَمْلاً على المعنى والمراد الغَسل والله أعلم....

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الرابعة والعشرون

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { وأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا } اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة، وهي: «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنا ظننا»، «وأنه كان رجال»، «وأنهم ظنوا»، «وأنا لمسنا»، «وأنا كنا»، «وأنا لا ندري»، «وأنا منا»، «وأنا ظننا أن لن نعجز الله»، «وأنا لما سمعنا»، «وأنا منا»، ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنه كان رجال»،وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه «أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل «إن» بالكسر. معطوف على قوله تعالى: { إنا سمعنا قرآناً عجباً } وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه تعالى جَدُّ ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى: { فآمنا به } وبأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكّنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولاً على معنى أمنَّا به، فيكون المعنى: وصدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ رَبِّنا.

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } كان عَلْقمة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائيّ وابن عامر وخَلَف وحفص والسّلمي ينصبون «أَنَّ» في جميع السورة في اثني عشر موضعاً، وهو: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } ، { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ } ، { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ } ، { وَأَنَّا لاَ نَدْرِي } ، { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ } ، { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى } ، { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } ، عطفاً على قوله: { أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ } ، { وَأَنَّهُ اسْتَمَعَ } لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع اسم فاعل «أُوحِيَ» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمَنَّا بِهِ» أي وبـ«ـأَنَّه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع «أنّ». وقيل: المعنى أي وصدّقنا أنه جدّ ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر وهو الصواب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفاً على قوله: { فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه كله من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع؛ وهي قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ. وأما قوله تعالى: { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة { أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ } ، { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ } { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } ، { وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ }. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول؛ نحو قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و { قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي } و { قُلْ إنْ أدْرِي }

    { قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ } [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء؛ نحو قوله تعالى:{ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [الجن: 23] و«فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» لأنه موضع ابتداء...

    قال السمين

    قوله: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا }: قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } وتلخيص هذا: أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ } لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً } [الجن: 1] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.

    القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها: لا خلاف في فتحِها وهي: قولُه تعالى:{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } [الجن: 19] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ: فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } ،{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } [الجن: 4]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]{ وَأَنَّا كُنَّا } [الجن: 9]{ وَأَنَّا لاَ نَدْرِي } [الجن: 10]{ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ } [الجن: 11]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 12]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } [الجن: 14]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.

    وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح: " هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه: مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل: أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي: " وعَطْفُ " أنَّ " على{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ } [الجن: 6]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]، وشِبْهَ ذلك على{ أَنَّهُ اسْتَمَعَ } [الجن: 1] لم يَجُزْ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.

    الثاني: أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري: " كأنه قال: صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي " ، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال: والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.

    وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: " فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ:
    4347ـ....................... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
    فنصَبَ " العيونَ " لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ " انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج: " لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى " آمنَّا به "؛ لأنَّ معنى " آمَنَّا به " صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا ".

    الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به " به " ، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه:{ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [البقرة: 217] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله: " وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".

    ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي: فقالوا: إنَّا سَمِعْنا، وقالوا: إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم: الجملتان مِنْ قولِه تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } [الجن: 19] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ } [الجن: 18] وجهان، أحدُهما: أنَّه معطوفٌ على{ أَنَّهُ اسْتَمَعَ } [الجن: 1] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني: أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي: فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.

    قال الزمخشري: " أنه استمع " بالفتح؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " و

    إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] بالكسرِ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما:{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ } [الجن: 18]{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } [الجن: 19]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2]، أي: صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه ".....

    وقال ابو حيان

    وقرأ الحرميان والأبوان: بفتح الهمزة من قوله: { وأنه تعالى } وما بعده، وهي اثنتا عشرة آية آخرها { وأنا منا المسلمون }؛ وباقي السبعة: بالكسر. فأما الكسر فواضح لأنها معطوفات على قوله: { إنا سمعنا } ، فهي داخلة في معمول القول. وأما الفتح، فقال أبو حاتم: هو على { أوحى } ، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. انتهى. وهذا لا يصح، لأن من المعطوفات ما لا يصح دخوله تحت { أوحى } ، وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم، كقوله: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع }. ألا ترى أنه لا يلائم { أوحى إليّ } ، { إنا كنا نقعد منها مقاعد } ، وكذلك باقيها؟ وخرجت قراءة الفتح على أن تلك كلها معطوفة على الضمير المجرور في به من قوله: { فآمنا به }: أي وبأنه، وكذلك باقيها، وهذا جائز على مذهب الكوفيين، وهو الصحيح. وقد تقدم احتجاجنا على صحة ذلك في قوله:{ وكفر به والمسجد الحرام } [البقرة: 217] وقال مكي: هو أجود في أن منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن. وقال الزجاج: وجهه أن يكون محمولاً على آمنا به، لأنه معناه: صدقناه وعلمناه، فيكون المعنى: فآمنا به أنه تعالى جد ربنا؛ وسبقه إلى نحوه الفراء قال: فتحت أن لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض، فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح أن نحو: صدقنا وشهدنا.

    وأشار الفراء إلى أن بعض ما فتح لا يناسب تسليط آمنا عليه، نحو قوله: { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً } ، وتبعهما الزمخشري فقال: ومن فتح كلهن فعطفاً على محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي. انتهى. ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه آمنا.

    وقال ابن عطية

    ومن فتح الألف من قوله " وأنه تعالى " اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على { إنه استمع } ، فيجيء على هذا قوله { تعالى } مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق.

    وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في { به } فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن.....

    وقال القرطبي

    وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ } فمن فتح وجعله من قول الجنّ ردّها إلى قوله: «أَنَّهُ اسْتَمَعَ»، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى

    وقال ابن عطية

    وقوله { وأنهم ظنوا كما ظننتم } يريد به بني آدم الكفار. وقوله { كما ظننتم } ، مخاطبة لقومهم من الجن. وقولهم { أن لن يبعث الله أحداً } ، يحتمل معنيين أحدهما: بعث الحشر من القبور والآخر بعث آدمي رسولاً. و { أن } في قوله { أن لن } مخففة من " أن " الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين. وذكر المهدوي تأويلاً أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي مخاطبة من الله تعالى....

    وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً

    قال الالوسى فى تفسيره:


    وَأَنَّهُ بفتح الهمزة عند الجمهور على أنه عطف على
    أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ
    [الجن: 1] كالذي قبله فهو من كلامه تعالى أي وأوحي إليَّ أن الشأن لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ

    وقال الرازى فى تفسيره:

    اعلم أن عبدالله هو النبي في قول الجميع، ثم قال الواحدي: إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى، لأن الرسول لا يليق أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد، كما في قوله:
    يَوْمٍ يُحْشَرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً
    [مريم:85] والأكثرون على أنه من جملة الموحى، إذ لو كان من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن. وفي خلل ما هو كلام الجن مختلاً بعيداً عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة في أن، ومن جعله من كلام الجن كسرها،

    وقال الامام ابن عاشور فى التحريروالتنوير:


    قرأ نافع وحده وأبو بكر عن عاصم بكسر الهمزة. وقرأه بقية العشرة في رواياتهم المشهورة بالفتح.

    ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجاً عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى الله به.

    فكَسْر الهمزة على عطف الجملة على جملة
    أُوحي إليَّ
    [الجن: 1]، والتقدير: وقل إِنه لما قام عبد الله يدعوه لأن همزة (إِنَّ) إذا وقعت في محكي بالقول تكسر، ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى وتباعد ونُقَل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله:
    وأن المساجد لله
    [الجن: 18].

    وأما الفتح فعلى اعتباره معطوفاً على جملة أنه استمع نفر [الجن: 1]، أيْ وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله، أي أوحى الله إليَّ اقتراب المشركين من أن يكونوا لُبَداً على عبد الله لما قام يدعو ربَّه

    وقال ابن عطية

    وقوله عز وجل: { وأنه لما قام عبد الله } يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخباراً عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم " وأنه " بفتح الألف، وهذا عطف على قوله{ أنه استمع } [الجن: 1]، والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في { كادوا } لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في { كادوا } للجن. المعنى أنهم { كادوا } يتقصفون عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم " وإنه لما قام " بكسر الألف، والعبد محمد عليه السلام، والضمير في { كادوا } يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحاً إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم.

    والضمير في { كادوا } لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الخامسة والعشرون

    وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    ....قال الزمخشري: " فإن قلت: كيفَ اتَّصل به قولُه: " فَنَذَرُ الذين لا يَرْجُون لقاءَنا وما معناه؟ قلت: قولُه: " ولو يُعَجِّل " متضمِّنٌ معنى نفي التعجيل كأنه قيل: ولا نُعَجِّل لهم بالشرِّ ولا نَقْضي إليهم أجلَهم ".....


    قوله: فَنَذَرُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ،

    أحدها: أنه معطوفٌ على قوله وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ على معنىٰ أنه في قوة النفي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سؤال الزمخشري وجوابِه فيه. إلا أن أبا البقاء ردَّ عطفه على " يُعَجِّل " فقال: " ولا يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على " يُعَجِّل " إذ لو كان كذلك لدَخَلَ في الامتناع الذي تقتضيه " لو " وليس كذلك، لأنَّ التعجيلَ لم يقع، وتَرْكَهم في طغيانهم وقع ". قلت: إنما يَتمُّ هذا الردُّ لو كان معطوفاً على " يُعَجِّل " فقط باقياً على معناه، وقد تقدَّم أن الكلامَ صار في قوةِ لا نعجِّل لهم الشرَّ فَنَذَرُهم فيكون " فَنَذَرُهم " معطوفاً على جملة النفي لا على الفعلِ الممتنع وحدَه حتى يلزمَ ما قال.
    والثاني: أنه معطوفٌ على جملةٍ مقدرة: " ولكن نُمْهِلُهم فَنَذَرُ " قاله أبو البقاء.

    والثالث: أن تكون جملةً مستأنفةً، أي: فنحن نَذَرُ الذين. قاله الحوفي

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة السادسة والعشرون

    { قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ }

    قال السمين:

    قوله: { وَٱلَّذِي فَطَرَنَا }: فيه وجهان، أحدهما: أن الواوَ عاطفةٌ، عَطَفَتْ هذا الموصولَ على " ما جاءنا " أي: لن نؤثرَك على الذي جاءنا، ولا على الذي فطرنا. وإنما أخَّروا ذِكْرَ البارِيْ تعالى لأنه من باب الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى. والثاني: أنها واوُ قسمٍ، والموصولُ مقسمٌ به. وجوابُ القسمِ محذوفٌ أي: وحَقِّ الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق. ولا يجوز أن يكونَ الجوابُ " لن نُؤْثرك " عند مَنْ يَجَوِّزُ تقديمَ الجواب؛ لأنه لا يُجاب القسمُ بـ " لن " إلاَّ في شذوذٍ من الكلام

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة السابعة والعشرون

    { وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ }

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:



    قوله: وَٱتَّخِذُواْ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: " واتَّخذوا " فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ.


    فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ:

    أحدُها: أنه معطوفٌ على " جَعَلْنا " المخفوض بـ " إذ " تقديراً فيكون الكلامُ جملةً واحدةً.

    الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعِ قولِه: " وإذ جَعَلْنا " فيحتاجُ إلى تقديرِ " إذ " أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين.

    الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فثابوا واتخذوا.

    وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ،

    أحدُها: أنَّها عَطفٌ على " اذكروا " إذا قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا.

    والثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: " مثابةً " كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا، ذكرَ هذين الوجهين المهدوي

    الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ وأمَّتِه.

    الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكرَه أبو البقاء

    وقال الرازى فى تفسيره:

    قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي: وَٱتَّخَذُواْ بكسر الخاء على صيغة الأمر،

    وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.

    أما القراءة الأولى: فقوله: وَٱتَّخَذُواْ عطف على ماذا،

    وفيه أقوال، الأول: أنه عطف على قوله:
    ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ
    [البقرة: 122]، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى .

    الثاني: إنه عطف على قوله:
    إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا
    [البقرة: 124] والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك: إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا وقال: وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى:
    وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ
    [الأعراف: 171].

    الثالث: أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم ، وكأن وجهه: وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح،

    أما من قرأ: وَٱتَّخَذُواْ بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفاً على: جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفاً على: وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ وإذ اتخذوه مصلى.

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثامنة والعشرون

    لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ : في نصبِه أوجهٌ،

    أحدها: أنه معطوفٌ على الأفعالِ المنصوبةِ قبلَه تقديرُه: ليقطعَ أو يكبِتَهم أو يتوبَ عليهم أو يعذِّبَهم، وعلى هذا فيكونُ قولُه " ليس لك من الأمرِ شيءٌ " جملةً اعتراضيةً بين المتعاطِفَيْنِ، والمعنى: أنَّ الله تعالى هو المالِكُ لأمرهم، فإنْ شاء قطع طرفاً منهم أو هزمهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلموا ورَجعوا، أو يعذبهم إن تمادَوا على كفرهم، وإلى هذا التخريجِ ذهب جماعة من النحاة كالفراء والزجاج.


    والثاني: أن " أو " هنا بمعنى " إلاَّ أَنْ " كقولِهم: " لألزَمَنَّك أو تقضِيَني حقي " أي: إلاَّ أَنْ تقضيني.


    الثالث: [أنّ] " أو " بمعنى " حتى " أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوبَ. وعلى هذين القولين فالكلامُ متصلٌ بقولِه: " ليس لك من الأمر شيء " والمعنى:/ ليس لك من الأمر شيء إلاَّ أَنْ يتوب عليهم بالإِسلامِ فيحصُل لك سرورٌ بهدايتِهم إليه أو يعذبهم بقتلٍ أو نارٍ في الآخرةِ. فيتَشَفَّى بهم. ومِمَّنْ ذهب إلى ذلك الفراء وأبو بكر ابن الأنباري. قال الفراء: " ومثلُ هذا الكلامِ: " لأُذَمَّنَّك أو تعطيَني " على معنى: إلا أَنْ تعطيَني، وحتى تعطيني. وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول امرىء القيس:
    1425ـ فقلتُ له لاَ تبْكِ عينُك إنَّما تحاولُ مُلْكَاً أو تموتَ فَتُعْذَرا
    أراد: حتى تموتَ، أو: إلاَّ أن تموتَ " قلت: وفي تقديره بيتَ امرىء القيس بـ " حتى " نظرٌ، إذ ليس المعنى عليه؛ لأنه لم يفعلْ ذلك لأجلِ هذه الغايةِ والنحويون لم يقدِّروه إلا بمعنى " إلاَّ ".

    الرابع: أنه منصوبٌ بإضمار " أَنْ " عطفاً على قوله: " الأمر " كأنه قيل: " ليس لك من الأمرِ أو من تَوْبته عليهم أو تعذيبِهم شيءٌ " ، فلمَّا كان في تأويلِ الاسم عُطفِ على الاسمِ قبلَه فهو من باب قولِه:
    1426ـ ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعِزَّةً وآلُ سُبَيْعٍ أو أَسُوْءَكَ علقما
    وقولها:
    1427ـ لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوف

    الخامس: أنه معطوفٌ بالتأويلِ المذكور على " شيء " والتقدير: ليس لك من الأمرِ من شيءٌ أو توبةُ اللهِ عليهم أو تعذيبُهم أي: ليس لك أيضاً توبتُهم ولا تعذيبُهم، إنما ذلك راجعٌ إلى الله تعالى.

    الجوهرة التاسعة والعشرون

    ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ في هذه الواو ثلاثةُ أوجهٍ،

    أحدُها: أنَّها واوُ الحالِ، وما بعدها في محلِّ نصب على الحالِ، والعاملُ فيها " يَغْشىٰ " ,

    والثاني: أنها واوُ الاستئنافِ، وهي التي عَبَّر عنها مكي بواوِ الابتداءِ،

    والثالث: أنها بمعنى " إذ " ذكره مكي وأبو البقاء وهو ضعيفٌ

    ملحوظة

    اعلم اخى الحبيب ان الواو لا تجوز ان تكون عطف لان الطائفة الاخرى لم ينزل الله عليها النعاس

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثلاثون

    وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: ونُقَلِّب في هذه الجملة وجهان،

    أحدهما ـ ولم يقل الزمخشري غيره ـ أنها وما عطف عليها من قوله " وَيذَرُهم " عطف على " يُؤْمنون " داخلٌ في حكم وما يُشْعركم، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يُشْعركم أنَّا نقلِّب أفئدتَهم وأبصارَهم، وما يُشْعركم أنَّا نَذَرَهم " وهذا يساعده ما جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد،

    والثاني: أنها استئناف إخبار، وجعله الشيخُ الظاهرَ، والظاهرُ ما تقدَّم

    وقال القرطبي

    هذه آية مُشْكِلة، ولا سِيّما وفيها { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }. قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحرِّ الجمر كما لم يؤمنوا في الدنيا. «وَنَذَرُهُمْ» في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ } [الغاشية: 2] فهذا في الآخرة. «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ» في الدنيا. وقيل: ونقلب في الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حُلنا بينهم وبين الإيمان أوّل مرة لمّا دعوتَهم وأظهرتَ المعجزة. وفي التنزيل:{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال: 24]. والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبَهم وأبصارهم. { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ودخلت الكاف على محذوف، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أوّل مرة أي أوّل مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلِّب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا كما لم تؤمن كفار الأممِ السالفة لما رأوا ما ٱقترحوا من الآيات. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أوّل مرة ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم. { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } يتحيرون

    وقال ابو حيان

    ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } الظاهر أن قوله: { ونقلب } جملة استئنافية أخبر تعالى أنه يفعل بهم ذلك وهي إشارة إلى الحيرة والتردد وصرف الشيء عن وجهه. والمعنى أنه تعالى يحولهم عن الهدى ويتركهم في الضلال والكفر. وكما للتعليل أي يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به أول وقت جاءهم هدى الله كما قال تعالى:{ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } [التوبة: 125] ويؤكد هذا المعنى آخر الآية { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي ونتركهم في تغمطهم في الشرِّ والإفراط فيه يتحيرون، وهذا كله إخبار من الله تعالى بفعله بهم في الدنيا. وقالت فرقة: هذا الإخبار هو على تقدير: أنه لو جاءت الآية التي اقترحوها صنعنا بهم ذلك. ولذلك قال الزمخشري { ونقلب أفئدتهم } { ونذرهم } عطف على { لا يؤمنون } داخل في حكم { وما يشعركم } بمعنى وما يشعركم أنهم لا يؤمنون { وما يشعركم } أنّا { نقلب أفئدتهم وأبصارهم } أي فنطبع على أبصارهم وقلوبهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولاً لا يؤمنون بها، لكونهم { وما يشعركم } أنّا { نذرهم في طغيانهم } أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم ونصرفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه انتهى.

    وهذا معنى ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد قالوا: لو أتيناهم بآية كما سألوا لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها، وحلنا بينهم وبين الهدى فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها، عقوبة لهم على ذلك.

    والفرق بين هذا القول والذي بدأنا به أولاً أن ذلك استئناف إخبار بما يفعل بهم تعالى في الدنيا. وهذا إخبار على تقدير مجيء الآية المقترحة فذلك واقع وهذا غير واقع، لأن الآية المقترحة لم تقع فلم يقع ما رتب عليها.

    وقال مقاتل: نقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان وعن الآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات.

    وقيل: تقليبها بإزعاج نفوسهم همّاً وغمّاً.

    وقال الكرماني: مغناه أنّا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين منهم انتهى.

    ولا يستقيم هذا التفسير لقوله: { كما لم يؤمنوا به أول مرة } لا على التعليل ولا على التشبيه إلا أن جعل متعلقاً بقوله { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } أي { كما لم يؤمنوا به أول مرة } فيصح على بعد في تفسير التقليب بإحاطة العلم.

    وقال الكعبي: المراد أنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن الهداية بسبب الكفر انتهى.

    وهو على طريقة الاعتزالي ومعنى تقليب القلب والبصر ما ينشأ عن القلب والبصر من الدواعي إلى الحيرة والضلال، لأن القلب والبصر يتقلبان بأنفسهما فنسبة التقليب إليهما مجاز. وقدمت الأفئدة لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه وإن كان تحدق النظر إليه ظاهراً وهذه التفاسير على أن ذلك في الدنيا.

    وقالت فرقة: إن ذلك إخبار من الله تعالى يفعل بهم ذلك في الآخرة.

    فروي عن ابن عباس أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا. والمعنى لو ردّوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا انتهى. وهذا ينبو عنه تركيب الكلام.

    وقيل: تقليبها في النار في جهنم على لهيبها وجمرها ليعذبوا { كما لم يؤمنوا به أول مرة } يعني في الدنيا وقاله

    الجبائي.

    وقال أبو الهذيل: تقليب أفئدتهم بلوغها الحناجر كما قال تعالى:{ وأنذرهم يوم الآزفة } [غافر: 18]. وقيل: تقليب أبصارهم إلى الزرقة وحمل ذلك على أنه في الآخرة ضعيف قلق النظم، لأن التقليب في الآخرة وتركهم في الطغيان في الدنيا، فيختلف الظرفان من غير دليل على اختلافهما، بل الظاهر أن ذلك إخبار مستأنف كما قررناه أولاً، والكاف في { كما } ذكرنا أنها للتعليل، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلاً. وقالت فرقة { كما }: هي بمعنى المجازاة أي لما { لم يؤمنوا به أول مرة } نجاريهم بأن { نقلب أفئدتهم } عن الهدى ونطبع على قلوبهم. فكأنه قال: ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم جزاء لما { لم يؤمنوا أول مرة } بما دعوا إليه من الشرع. قاله ابن عطية، وهو معنى التعليل الذي ذكرناه إلا أنّ تسمية ذلك بمعنى المجازاة غريبة، لا يعهد في كلام النحويين أنّ الكاف للمجازاة.

    وقيل: للتشبه قيل وفي الكلام حذف تقديره فلا يؤمنون به ثاني مرة { كما لم يؤمنوا به أول مرة }.

    وقيل: الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليباً لكفرهم، أي عقوبة مساوية لمعصيتهم، قاله أبو البقاء.

    وقال الحوفي: نعت لمصدر محذوف والتقدير: لا يؤمنون به إيماناً ثانياً { كما لم يؤمنوا به أول مرة } انتهى. والضمير عائد على الله أو القرآن أو الرسول، أقوال وأبعد من ذهب إلى أنه يعود على القليب، وانتصب أول مرة على أنه ظرف زمان...

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الواحدة والثلاثون

    قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: وَلاَ أَعْصِي : فيه أربعةُ أوجهٍ،

    أحدُها: أنََّها لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافِها. وفيه بُعْدٌ.

    الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ عطفاً على " سَتَجِدُني " لأنَّها منصوبةُ المحلِّ بالقول. وقال الشيخ: " ويجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على " سَتَجِدُني " فلا يكونُ له محلٌّ من الإِعراب؟ وهذا سَهْوٌ؛ فإنَّ " ستجِدُني " منصوبُ المحلِّ لأنه منصوبٌ بالقول، فكذلك ما عُطِفَ عليه، ولكن الذي غَرَّ الشيخَ أنَّه رأى كلامَ الزمخشري كذلك، ولم يتأمَّلْه فتبعه في ذلك، فمن ثَمَّ جاء السهو.

    قال الزمخشري: ولا أَعْصِي: في محلِّ النصبِ عطفاً على " صابراً " ، أي: ستجدني صابراً وغيرَ عاصٍ. أو " لا " في محلِّ عطفاً على " سَتَجِدُني ".

    الرابع: أنَّه في محلِّ نصبٍ عطفاً على " صابراً " كما تقدَّم تقريرُه

    وقال الشيخ ابو حيان فى بحره:

    وقال القشيري: وعد موسى من نفسه بشيئين: بالصبر وقرنه بالاستثناء بالمشيئة فصبر حين وجد على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل، وبأن لا يعصيه فأطلق ولم يقرنه بالاستثناء فعصاه حيث قال له فلا تسألني فكان يسأله فما قرن بالاستثناء لم يخالف فيه وما أطلقه وقع فيه الخلف انتهى. وهذا منه على تقدير أن يكون ولا أعصي معطوفاً على ستجدني فلم يندرج تحت المشيئة.

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثانية والثلاثون

    وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: وَمَا يُتْلَىٰ : فيه سبعة أوجه، وذلك أن موضع " ما " يحتمل أن يكون رفعاً أو نصباً أو جراً.

    فالرفعُ من ثلاثة أوجه،

    أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكنِّ في " يُفتيكم " العائدِ على الله تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور مع أن الفصلَ بأحدِهما كافٍ.

    والثاني: أنه معطوفٌ على لفظ الجلالة فقط، كذا ذكره أبو البقاء وغيرُه، وفيه نظر، لأنه: إمَّا أَنْ يُجعلَ من عطف مفردٍ على مفرد فكان يجب أن يُثَنَّى الخبرُ وإنْ توسط بين المتعاطفين فيقال: " يُفْتِيانكم " ، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجوز، ومَنِ ادَّعى جوازه يَحْتاج إلى سماع من العرب فيقال: " زيد قائمان وعمرو " ومثلُ هذا لا يجوز، وإمَّا أَنْ يُجْعَلَ من عطف الجمل بمعنى أنَّ خبرَ الثاني محذوفٌ أي: وما يتلى عليكم يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوجهَ الثالث - وقد ذكروه - فيلزم التكرار.

    والثالث من أوجه الرفع: أنه رفع بالابتداء

    وفي الخبر

    احتمالان، أحدهما: أنه الجار بعده وهو " في الكتاب " والمرادُ بما يتلى القرآنُ، وبالكتابِ اللوحُ المحفوظ، وتكون هذه الجملةُ معترضةً بين البدل والمبدل منه على ما سيأتي بيانُه. وفائدةُ الاخبارِ بذلك تعظيمُ المتلوِّ ورفعُ شأنِه، ونحوه:
    وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
    [الزخرف: 4].

    والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف: أي: والمتلوُّ عليكم في الكتاب يُفْتيكم أو يبيِّن لكم أحكامَهن، فهذه أربعة أوجه. وكلام الزمخشري يحتمل جميع الأوجه، فإنه قال: " ما يُتْلى " في محل الرفع أي: اللّهُ يُفْتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، يعني قولَه:
    وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ
    [النساء: 3] وهو من قولك: " أعجبني زيدٌ وكرمه " انتهى. يعني أنه من بابِ التجريد، إذ المقصودُ الإِخبارُ بإعجاب كرمِ زيدٍ، وإنما ذُكِر زيدٌ ليُفيدَ هذا المعنى الخاص لذلك المقصود أنّ الذي يُفْتيهم هو المتلو في الكتاب، وذُكِرت الجلالةُ للمعنى المشار [إليه]، وقد تقدَّم تحقيق التجريد في أول البقرة عند قوله
    يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ
    [الآية: 9].

    والجر من وجهين،

    أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وأقسمَ اللّهُ بالمتلوِّ في شأن النساء تعظيماً له كأنه قيل: وأُقْسم بما يُتْلى عليكم في الكتاب، ذكره الزمخشري

    والثاني: أنه عطفٌ على الضمير المجرور بـ " في " أي: يُفْتيكم فيهنَّ وفيما يتلى، وهذا منقولٌ عن محمد بن أبي موسى قال: " أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يَسْألوا " إلا أنَّ هذا ضعيف من حيث الصناعةُ، لأنه عطفٌ على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجار وهو رأي الكوفيين، وقد قَدَّمْتُ ما في ذلك من مذاهب الناس ودلائلهم مستوفى عند قوله:

    وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ
    [البقرة: 217] فعليك بالالتفات إليه. قال الزمخشري: " ليس بسديدٍ أن يُعْطَف على المجرور في " فيهنَّ " لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى " وهذا سبَقَه إليه أبو إسحاق قال: " وهذا بعيدٌ بالنسبةِ إلى اللفظِ وإلى المعنى: أمَّا اللفظُ فإنه يقتضي عطفَ المُظْهَر على المضمرِ، وأما المعنى فلأنه ليس المرادُ أنَّ اللّهَ يفتيكم في شأنِ ما يُتْلى عليكم في الكتاب، وذلك غيرُ جائزٍ كما لم يَجُزْ في قوله
    تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
    [النساء: 1] يعني من غيرِ إعادةِ الجار. وقد أجاب الشيخ عما ردَّ به الزمخشري والزجاج بأن التقدير: يُفْتيكم في متلوِّهنَّ وفيما يُتْلى عليكم في الكتابِ في يتامى النساء، وحُذِف لدلالة قوله وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ وإضافةُ " متلوّ " إلى ضمير " هُنَّ " سائغةٌ، إذ الإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ لمَّا كان متلواً فيهن صَحَّتِ الإِضافةُ إليهن، كقوله:
    مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ
    [سبأ: 33] لمَّا كان المكرُ يقع فيهما صَحَّتْ إضافُته إليهما، ومثله قول الآخر:
    1659- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةٍ
    سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في الغرائب
    وفي هذا الجواب نظرٌ.

    والنصبُ بإضمار فعل أي: ويبيِّن لكم ما يُتْلى، لأنَّ " يُفْتيكم " بمعنى يبيِّن لكم. واختار الشيخ وجهَ الجرِّ على العطفِ على الضمير، مختاراً لمذهب الكوفيين وبأنَّ الأوجه كلَّها تؤدي إلى التأكيد، وأمَّا وجهُ العطف على الضمير فيجعلُه تأسيساً قال: " وإذا دار الأمرُ بينهما فالتأسيسُ أَوْلى " وفي جَعْلِه هذا الوجهَ منفرداً بالتأسيس دونَ بقية الأوجه نظرٌ لا يَخْفى.

    وقال القرطبي فى تفسيره:

    مَا في موضع رفع، عطف على اسم الله تعالى. والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله:
    فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ
    [النساء: 3] وقد تقدّم.

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الثالثة والثلاثون

    لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

    قال القرطبي فى تفسيره:

    قوله تعالى: وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فقيل: يكون «الموفون» عطفاً على «مَن» لأن من في موضع جمع ومحل رفع؛ كأنه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون؛ قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أوّل الكلام، وينصبونه. فأمّا المدح فقوله:
    وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ
    [النساء: 162]. وأنشد الكسائي:
    وكلُّ قومٍ أطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهم إلا نُميراً أطاعت أَمْرَ غاوِيها
    الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحدا والقائلون لِمَنْ دارٌ نُخلِّيها
    وأنشد أبو عبيدة:
    لا يَبْعَدن قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ
    النازلين بكل مُعْتَرَكٍ والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ
    وقال آخر:
    نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل
    فنصب على المدح. وأمّا الذّم فقوله تعالى:
    مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ
    [الأحزاب: 61] الآية. وقال عُرْوَة بن الوَرْد:
    سَقَوْني الخمر ثم تَكَنَّفُوني عُدَاةَ اللَّهِ من كَذِب وزورِ
    وهذا مَهْيَع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بيّنا. وقال بعض من تعسّف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام؛ قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لَحْناً وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء
    والْمُقِيمينَ الصَّلاَةَ
    [النساء: 162]، وفي سورة المائدة
    وَٱلصَّابِئُونَ
    [المائدة: 69]. والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون.

    وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على «ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط بيّن؛ لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «مَن» فقد نسقت على «مَن» مِن قبل أن تتم الصلة، وفرّقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي قراءة عبد اللَّه «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد اللَّه في النساء
    وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ
    [النساء: 162]. وقرأ يعقوب والأعمش «والموفون والصابرون» بالرفع فيهما. وقرأ الجَحْدَرِيّ «بعهودهم». وقد قيل: إن «والمُوفُون» عطف على الضمير الذي في «آمن». وأنكره أبو عليّ وقال: ليس المعنى عليه؛ إذ ليس المراد أن البرِّ بِرّ من آمن بالله هو والموفون؛ أي آمنا جميعاً. كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو؛ وإنما الذي بعد قوله «من آمن» تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم.

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,519
    الجوهرة الرابعة والثلاثون

    لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: والمقيمين " قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة " والمقيمون " بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق.

    فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة، وفيها ستةُ أقوال،

    أظهرهما: وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه: " يؤمنون " ولا يجوز أن يكون قوله أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي: " ومَنْ جَعلَ نَصْبَ " المقيمين " على المدحِ جَعَلَ خبرَ " الراسخين ": " يؤمنون " ، فإنْ جَعَل الخبر " أولئك " سنؤتيهم " لم يجز نصب " المقيمين " على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام " وقال الشيخ: " ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ " قلت: هذا غيرُ لازمٍ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ " المقيمين " حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج " المقيمين " كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق:

    1674- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
    النازلين بكلِّ معتَركٍ والطيبون معاقدَ الأزْرِ
    على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت " النازين " فنصبته، و " الطيبون " فرفعَتْه عن قولِها " " قومي " ، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه:
    1675- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي
    فنصب " شعثاً " وهو معطوف.

    الثاني: أن يكونَ معطوفاً على الضمير في " منهم " أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة.

    الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف في " إليك " أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء.

    الرابع: أن يكونَ معطوفاً على " ما " في " بما أُنْزِل " أي: يؤمنون " بما أنزل إلى محمد وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا الكسائي. واختلفت عبارة هؤلاء في " المقيمين " فقيل: هم الملائكة قال مكي: " ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله:
    يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
    [الأنبياء: 20]. وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي: وبدين المقيمين.

    الخامس: أن يكونَ معطوفاً على الكاف في " قبلك " أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً.

    السادس: أن يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.

    وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنهم لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف، قالوا: وأيضاً فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري : " ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم " وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.

صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 123456 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •