صفحة 4 من 21 الأولىالأولى 1234567814 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 314

الموضوع: كشف الخفاء عن أسرار الوقف والابتداء

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الرابعة والاربعون

    { وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

    قال السمين:

    قوله: { أَنْ تَبَرَّواْ } فيه ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو قولُ الزجاج والتبريزي وغيرهما، أنها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: أَنْ تَبَرُّوا وتتقوا وتُصْلِحُوا خيرٌ لكم مِنْ أَنْ تجعلوه عُرْضَةً لأَيْمانكم، أو بِرُّكم أَوْلَى وأَمْثَلُ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى انقطاع هذه الجملةِ عمَّا قبلها، والظاهر تعلُّقُها به.

    الثاني: أنَّها في محلِّ نصبٍ على أنها مفعولٌ من أجله، وهذا قولُ الجمهورِ، ثم اختلفوا في تقديرِه، فقيل: إرادةَ أن تَبَرُّوا، وقيل: كراهةَ أن تبروا، قاله المهدوي، وقيل: لترك أَنْ تَبروا، قال المبرد، وقيل: لئلا تبروا: قاله أبو عبيدة والطبري، وأنشدا:
    954 ـ... فلا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً.........................
    أي: لا تهبطُ، فحذف " لا " ومثله:{ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [النساء: 176] أي: لئلا تضِلُّوا. وتقديرُ الإِرادة هو الوجهُ، وذلك أنَّ التقاديرَ التي ذكرتها بعدَ تقديرِ الإِرادة لا يظهرُ معناها، لِما فيه من تعليل امتناعِ الحَلْفِ بانتفاء البِر، بل وقوع الحَلْف مُعَلَّلٌ بانتفاء البِرِّ، ولا ينعقد منهما شرطٌ وجزاءٌ، لو قلتَ في معنى هذا النهي وعلَّتِه: " إنْ حَلَفْتَ بالله بَرَرْتَ " لم يصحَّ، بخلافِ تقديرِ الإِرادة، فإنه يُعَلِّل امتناعَ الحَلْفِ بإرادة وجودِ البِرِّ، وينعقدُ منهما شرطٌ وجزاءٌ، تقول: إنْ حَلَفْتَ لم تَبَرَّ وإنْ لم تَحْلِفْ بَرَرْتَ.

    الثالث، أنَّها على إسقاطِ حرف الجرِّ، أي: في أَنْ تَبَرُّوا، وحينئذ يَجِيء فيها القولان: قولُ سيبويه والفراء، فتكونُ في محلِّ نصبٍ، وقولُ الخليل والكسائي فتكونُ في محلِّ جرٍّ. وقال الزمخشري: " ويتعلَّقُ " أَنْ تَبَرُّوا " بالفعلِ أو بالعُرْضَةِ، أي: ولا تَجْعَلُوا اللهَ لأجلِ أيْمانكم عُرْضَةً لأنْ تَبَرُّوا ". قال الشيخ: " وهذا التقديرُ لا يصحُّ للفصلِ بين العاملِ ومعمولهِ بأجنبي، وذلك أنَّ " لأيمانِكم " عنده متعلقٌ بتجعلوا، فوقع فاصلاً بين " عُرْضَة " التي هي العاملُ وبين " أَنْ تَبَرُّوا " الذي هو في أن تبروا، وهو أجنبيٌّ منهما. ونظيرُ ما أجازه أن تقولَ: " امرُرْ واضربْ بزيدٍ هنداً، وهو غيرُ جائزِ، ونَصُّوا على أنه لا يجوزُ/: " جاءني رجلٌ ذو فرسٍ راكبٌ أَبْلَقَ " أي رجلٌ ذو فرسٍ أبلقَ راكبٌ، لِما فيه من الفصلِ بالأجنبي.

    الرابع: أنها في محلِّ جَرٍّ عطفُ بيان لأَيْمانكم، أي للأمورِ المَحْلُوفِ عليها التي هي البِرُّ والتقوى والإِصلاحِ. قال الشيخ: " وهو ضعيفٌ لِما فيه من جَعْل الأيمان بمعنى المَحْلوف عليه " ، والظاهرُ أنها هي الأقسام التي يُقْسَمُ بها، ولا حاجةَ إلى تأويلها بما ذُكِر مِنْ كَوْنِها بمعنى المَحْلُوف عليه إذ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ، وهذا بخلافِ الحديثِ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:إذا حَلَفْتَ على يمينٍ فرأيت غَيرها خيراً منها " فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه، ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة.

    الخامسُ: أَنْ تكونَ في محلِّ جرٍ على البدلِ من " لأَيْمانكم " بالتأويل الذي ذكره الزمخشري، وهذا أَوْلَى من وجهِ عطفِ البيانِ، فإنَّ عَطْفَ البيانِ أكثرُ ما يكونُ في الأعلام.

    السادس: - وهو الظاهرُ - أنَّها على إسقاطِ حرفِ الجر لا على ذلك الوجه المتقدم، بل الحرفُ غيرُ الحرفِ، والمتعلَّقُ غيرُ المتعلَّقِ، والتقديرُ: " لأِقْسامِكِم على أَنْ تَبَرُّوا " فـ " على " متعلقٌ بإقْسامكم، والمعنى: ولا تَجْعَلوا الله مُعَرَّضاً ومُتبدَّلاً لإِقسامكم على البرِّ والقتوى والإِصلاح التي هي أوصافٌ جميلةٌ خوفاً من الحِنْثِ، فكيف بالإِقسام على ما ليس فيه بِرٌّ ولا تقوى ‍!!!.

    ملحوظة

    بمناسبة الوجه الاول الذى ذكره السمين فالوقف علي ايمانكم ظاهر كما ذكر الاشموني

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الخامسة والاربعون


    { وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال الالوسي:

    { وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } عود إلى بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سبق، وفي { يُتَوَفَّوْنَ } مجاز المشارفة { وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة عن عاصم بنصب { وَصِيَّةٍ } على المصدرية، أو على أنها مفعول به، والتقدير ليوصوا أو يوصون وصية أو كتب الله تعالى عليهم، أو/ ألزموا وصية ويؤيد ذلك قراءة عبد الله (كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول) مكان { وَٱلَّذِينَ } الخ، وقرأ الباقون ـ بالرفع ـ على أنه خبر بتقدير ليصح الحمل أي ووصية الذين يتوفون أو حكمهم وصية أو { وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ } أهل وصية، وجوّز أن يكون نائب فاعل فعل محذوف، أو مبتدأ لخبر محذوف مقدّم عليه أي: كتب عليهم أو عليهم وصية ....

    ملحوظة

    نقل الاشمونى الوقف علي علي ازواجا تام لو رفعت مابعده اى عليهم وصية وليس بوقف لو نصبت وصية اى يوصون وصية

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة السادسة والاربعون

    { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

    قال القرطبي:

    قوله تعالى: { وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ } ذهب بعض المتأوّلين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم.

    وقيل: هو من قول شَمْويل وهو الأظهر. قال لهم ذلك لما علم من تعنّتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعيّ الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى: { وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ }. وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملِك. ثم قال لهم على جهة التغبِيط والتنبيه من غير سؤال منهم: «إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ». ويحتمل أن يكونوا سألوه الدّلالة على صدقه في قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً }. قال ابن عطية: والأوّل أظهر بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبريّ...

    ملحوظة

    قلت انا اسامة خيري لو كان والله يؤتي من قول الله عز وجل فالوقف علي الجسم ظاهر والله اعلم

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة السابعة والاربعون

    { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مبتدأٌ وساغَ الابتداءُ بالنكرةِ لوصفِها وللعطفِ عليها. و " مغفرةٌ " عَطْفٌ عليه، وسَوَّغَ الابتداءَ بها العطفُ أو الصفةُ المقدَّرَةُ، إذ التقديرُ: ومغفرةٌ من السائلِ أو من اللِّهِ. و " خيرٌ " خبرٌ عنهما. [وقال أبو البقاء في هذا الوجهِ: " والتقديرُ: وسببُ مغفرة]، لأنَّ المغفرةَ من الله تعالى، فلا تفاضُلَ بينها وبين فعلِ العبدِ، ويجوزُ أن تكونَ المغفرةُ مجاوزَةَ المزكِّي واحتمالَه للفقيرِ، فلا يكونُ فيه حذفُ مضافٍ ".

    والثاني: أنَّ " قولٌ معروفٌ " مبتدأٌ وخبرُهُ محذوفٌ أي: أمثلُ أو أَوْلَى بكم، و " مغفرةٌ " مبتدأٌ، و " خيرٌ " خبرُها، فهما جملتان، ذَكَرَهُ المهدويّ وغيرُهُ. قال ابن عطية: " وهذا ذهابٌ برونقِ المعنى ". والثالث: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ: المأمورُ به قولٌ معروفٌ

    ملحوظة

    نقل الاشمونى الوقف كاف علي معروف لو جعلته مبتدا وخبره محذوف او خبر لمبتدا محذوف وان عطفت مغفره عليه فليس بوقف

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الثامنة والاربعون

    { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }

    قال القرطبي:

    قوله تعالىٰ: { مِنْهُ تُنْفِقُونَ } قال الجُرجانيّ في كتاب «نظم القرآن»: قال فريق من الناس: إن الكلام تمّ في قوله تعالىٰ: «الْخَبِيثَ» ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث فقال: «مِنْهُ تُنْفِقُونَ» وأنتم لا تأخذونه إلاَّ إذا أغْمضتم أي تساهلتم كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع. والضمير في «منه» عائد على الخبيث وهو الدون والردىء. قال الجرجانيّ: وقال فريق آخر: الكلام متصل إلى قوله «مِنْهُ» فالضمير في «منه» عائد على «مَاكَسَبْتُمْ» ويجىء «تُنْفِقُونَ» كأنه في موضع نصب على الحال وهو كقولك: أنا أخرج أُجاهد في سبيل الله

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة التاسعة والاربعون

    { ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    قال السمين:

    قوله: { وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } الظاهرُ أنه من كلامِ اللهِ تعالى، أَخْبر بأنه أَحَلَّ هذا وحَرَّم ذاك، وعلى هذا فلا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعراب. وقال بعضُهم: " هذه الجملةُ من تَتِمَّةِ قولِ الذين يأكلون الربا، فتكونُ في محلِّ نصبٍ بالقول عطفاً على المقول " وهو بعيدٌ جداً، نَقَلْتُه عن قاضي [القضاء عز الدين في درسه]

    ملحوظة

    الظاهر انها من كلام الله والوقف علي الربوا

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الخمسون

    { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

    قال الرازى

    قوله { كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } فيه احتمالان الأول: أن يكون متعلقاً بما قبله، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك: فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها. والاحتمال الثاني: أن يكون متعلقاً بما بعده، والتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب، وهٰهنا تم الكلام، ثم قال بعده { كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها، والوجهان ذكرهما الزجاج.

    وقال السمين

    كما عَلَّمه الله " يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقولِهِ: " أَنْ يَكْتُبَ " على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميِرِ المصدرِ على رأيِ سيبويه، والتقدير: أَنْ يكتبَ كتابةً مثلَ ما عَلَّمه الله، أو أَنْ يكتبَهُ أي: الكَتْبَ مثلَ ما عَلَّمه الله. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقوله " فَلْيَكْتُبْ " بعدَه.

    قال الشيخ: " والظاهرُ تعلُّق الكافِ بقولِهِ: " فَلْيَكْتُب " وهو قَلِقٌ لأجلِ الفاءِ، ولأجلِ أنه لو كانَ متعلِّقاً بقولِهِ: " فَلْيكتب " لكان النظمُ فَلْيكتب كما عَلَّمه الله، ولا يُحتاج إلى تقديمِ ما هو متأخرٌ في المعنى ".

    وقال الزمخشري: - بعد أَنْ ذكرَ تعلُّقَهُ بِأَنْ يكتُبَ، و بـ " فليكتب " - " فإنْ قلت: أيُّ فرقٍ بين الوجهين؟ قلت: إنْ عَلَّقْتَه بأَنْ يكتب فقد نَهَى عن الامتناعِ من الكتابةِ المقيَّدةِ، ثم قيل له: فَلْيَكْتُب تلك الكتابةَ لا يَعْدِلُ عنها، وإنْ عَلَّقْته بقوله: " فَلْيكتب " فقد نَهَى عن الامتناعِ بالكتابة على سبيلِ الإِطلاق، ثم أَمَرَ بها مقيدةً " ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً بقولِهِ: لا يَأْبَ، وتكونُ الكافُ حينئذٍ للتعليلِ. قالَ ابنُ عطية: " ويُحْتَمل أن يكونَ " كما " متعلقاً بما في قولِه " ولا يأْبَ " من المعنى أي: كما أَنْعَمَ الله عليه بعلمِ الكتابةِ فلا يَأْبَ هو، وَلْيُفْضِل كما أُفْضِلَ عليه ". قال الشيخ: " وهو خلافُ الظاهِرِ، وتكونُ الكافُ في هذا القولِ للتعليلِ " قلت: وعلى القولِ بكونِها متعلقةً بقوله: " فَلْيكتب " يجوزُ أَنْ تكونَ للتعليلِ أيضاً، أي: فلأجلِ ما عَلَّمه اللَّهُ فليكتبْ.

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الواحدة والخمسون

    قال القرطبي

    قوله تعالىٰ: { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } قال أبو عبيد: معنى تَضِلّ تنسى. والضلال عن الشهادة إنما هو نِسْيَان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حَيْران بين ذلك ضَالاًّ. ومن نسي الشهادة جُمْلةً فليس يُقال: ضل فيها. وقرأ حمزة «إن» بكسر الهمزة على معنى الجزاء، والفاء في قوله «فَتُذَكِّرُ» جوابه، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع «تُذَكِّرُ» على الإستئناف كما ارتفع قوله{ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } [المائدة: 95] هذا قول سيبويه. ومن فتح «أن» فهي مفعول له والعامل فيها محذوف. وانتصب «فَتُذَكِّرَ» على قراءة الجماعة عطفاً على الفعل المنصوب بأن. قال النحاس ويجوز «تَضَلّ» بفتح التاء والضاد، ويجوز تِضَلّ بكسر التاء وفتح الضاد. فمن قال: «تضل» جاء به على لغة من قال: ضَلِلْتَ تَضَل. وعلى هذا تقول تِضَل فتكسر التاء لتدلَّ على أن الماضي فَعِلت. وقرأ الجحدريّ وعيسىٰ بن عمر «أَنْ تُضَلّ» بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تُنسىٰ، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الدانيّ. وحكى النقّاش عن الجْحَدرِيّ ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تُضِلّ الشهادة. تقول: أضْلَلْتُ الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما. السابعة والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: { فَتُذَكِّرَ } خفّف الذال والكاف ابن كثِير وأبو عمرو وعليه فيكون المعنى أن تَرُدّها ذَكَراً في الشهادة لأن شهادة المرأة نصفُ شهادة فإذا شهِدتا صار مجموعهما كشهادة ذَكَرٍ قال سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء.

    وفيه بعدٌ إذْ لا يحصل في مقابلة الضَّلال الذي معناه النسيان إلاَّ الذِّكْر، وهو معنى قراءة الجماعة «فَتُذَكِّرَ» بالتشديد، أي تنبِّهها إذا غَفلت ونَسِيت. قلت: وإليها ترجع قراءة أبي عمرو، أي إنْ تَنسَ إحداهما فتُذْكِرُها الأُخْرَىٰ يُقال: تذَكَّرت الشيء وأذْكَرْتُه غيرِي وذَكَّرْتُه بمعنىً قاله في الصحاح...

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { أن تضل إِحداهما فتذكرّ إِحداهما الأخرى } ذكر الزجاج، أن الخليل، وسيبويه، وسائر النحويين الموثوق بعلمهم، قالوا: معناه: استشهدوا امرأتين، لأن تذكر إِحداهما الأخرى. ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى. وقرأ حمزة «إن تضل» بكسر الألف. والضلال هاهنا: النسيان، قاله ابن عباس والضحاك، والسدي والربيع، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وأما قوله: «فتذكر» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بالتخفيف مع نصب الراء، وقرأ حمزة بالرفع مع تشديد الكاف، وقرأ الباقون بالنصب، وتشديد الكاف، فمن شدد أراد الإِدِّكار عند النسيان، وفي قراءة من خفف قولان. أحدهما: أنها بمعنى المشددة أيضاً، وهذا قول الجمهور. قال الضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: ومعنى القراءتين واحد. والثاني: أنها بمعنى: تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر، وهذا مذهب سفيان بن عيينة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو نحوه، واختاره القاضي أبو يعلى، وقد رده جماعة، منهم ابن قتيبة. قال أبو علي: ليس مذهب ابن عيينة بالقوي، لأنهن لو بلغن ما بلغن، لم تجز شاهدتهن إلا أن يكون معهن رجل، ولأن الضلال هاهنا: النسيان، فينبغي أن يقابل بما يعادله، وهو التذكير.

    ملحوظة

    نقل الاشمونى الوقف علي الشهداء كاف علي قراءة ان تضل بالكسر لتعلقها بمابعدها والجواب فتذكر ورفع الراء استئناف وهى قراءة حمزة..وليس بوقف علي قراءة ان تضل بالفتح علي انها مصدرية لاشرطية لتعلقها بماقبلها مع الاختلاف فى وجه التعلق

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الثانية والخمسون

    { للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    قال السمين:

    قوله تعالى: { فَيَغْفِرُ } قرأ ابن عامر وعاصم برفع " يغفرُ " و " يعذبُ " ، والباقون من السبعةِ بالجزم. وقرأ ابنُ عباس والأعرج وأبو حيوة: " فيغفرَ " بالنصب.

    فأمَّا الرفعُ فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو يغفرُ. والثاني: أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ عُطِفَتْ على ما قبلها. وأمّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم.

    وأمَّا النصبُ فبإضمارِ " أَنْ " وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهَّم من الفعلِ قبلَ ذلك تقديره: تكنْ محاسبةٌ فغفرانٌ وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجهِ الثلاثة وهو:
    1144 ـ فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ
    ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ أجَبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
    بجزمِ " نأخذ " عطفاً على " يَهْلك ربيع " ونصبهِ ورفعِه، على ما ذكرتُه لك في " فَيغفر " وهذه قاعدةٌ مطردةٌ: وهي أنه إذا وقع بعدَ جزاءِ الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني.

    وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد: " يَغْفِرْ " بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مصحفِ عبد الله، وهي بدلٌ من الجوابِ كقوله تعالى:{ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ } [الفرقان: 68-69]. وقال أبو الفتح: " وهي على البدلِ من " يُحاسِبْكم " فهي تفسيرٌ للمحاسبة " قال الشيخ: " وليس بتفسيرٍ، بل هما مترتِّبان على المحاسَبَةِ ". قال الزمخشري: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة الحساب لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّلِ، فهو جارٍ مجرى بَدَلِ البعضِ من الكلِ أو بدلِ الاشتمال، كقولك: " ضربتُ زيداً رأسه " و " أحببتُ زيداً عقله " ، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه/ في الأسماءِ لحاجةِ القبيلين إلى البيان ".

    قال الشيخ: " وفيه بعضُ مناقشةٍ: أمَّا الأولُ فقولُه: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ " وليس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ، لأنَّ الحسابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئآتِه وحصرُها، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المحاسَبَة، فليست المحاسبةُ مفصَّلةً بالغفرانِ والعذابِ. وأمَّا ثانياً فلقوله بعد أَنْ ذَكَر بدلَ البعض من الكل وبدلَ الاشتمال: " وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماء لحاجةِ القبيلين إلى البيان " أمَّا بدلُ الاشتمال فهو يمكنُ، وقد جاءَ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الجنسِ وتحتَه أنواعٌ يشتمِلُ عليها، ولذلك إذا وَقَع عليه النفيُ انتفَتْ جميعُ أنواعه، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤ، فلا يُقال في الفعلِ له كل وبعض إلا بمجازٍ بعيدٍ، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يَسْتَحِيل وجود بدل البعض من الكل في حق الله تعالى، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض

    قلت: ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرةِ والعذابِ تفسيراً أو تفصيلاً للحساب، والحسابُ نتيجتُه ذلك، وعبارةُ الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني. وأمَّا قولُه: " إنَّ بدلَ البعضِ من الكل في الفعلِ متعذرٌ، إذ لا يتحقق فيه تجزُّؤٌ " فليس بظاهرٍ، لأنَّ الكليةَ والبعضيةَ صادقتان على الجنس ونوعِه، فإنَّ الجنسَ كلٌّ والنوعَ بعضٌ. وأمَّا قياسُه على الباري تعالى فلا أدري ما الجامع بينهما؟ وكان في كلامِ الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال: " وقرأ الأعمش: " يَغْفر " بغير فاءٍ مجزوماً على البدلِ من " يحاسِبْكم " كقوله:
    1145 ـ متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا
    وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعدَ ذلك كما تقدَّم حكايتُه عنه؛ لأن البيت قد أُبْدِل فيه من فعلِ الشرط لا من جوابِه، والآية قد أُبْدل فيها من نفسِ الجواب، ولكنَّ الجامعَ بينهما كونُ الثاني بدلاً مِمَّا قبلَه وبياناً له....

    وقال الطبري

    وأولـى الأقوال التـي ذكرناها بتأويـل الآية قول من قال: إنها مـحكمة ولـيست بـمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون فـي حكم إلا ينفـيه بآخر له ناف من كل وجوهه، ولـيس فـي قوله جلّ وعزّ:{ لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } [البقرة: 286] نفـي الـحكم الذي أعلـم عبـاده بقوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } لأن الـمـحاسبة لـيست بـموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بـما حوسب علـيه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عزّ وجلّ عن الـمـجرمين أنهم حين تُعرض علـيهم كتب أعمالهم يوم القـيامة، يقولون:{ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [الكهف: 49] فأخبر أن كتبهم مـحصية علـيهم صغائر أعمالهم وكبـائرها، فلـم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبـائرها بـموجب إحصاؤها علـى أهل الإيـمان بـالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبـين، لأن الله عزّ وجلّ وعدهم العفو عن الصغائر بـاجتنابهم الكبـائر، فقال فـي تنزيـله:{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [النساء: 31] فدلّ أن مـحاسبة الله عبـاده الـمؤمنـين بـما هو مـحاسبهم به من الأمور التـي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مـحاسبته إياهم إن شاء الله علـيها لـيعرّفهم تفضله علـيهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـخبر الذي: حدثنـي به أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أبـي، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، عن ابن عمر، عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " يُدْنِـي اللَّهُ عَبْدَهُ الـمُؤمِنُ يَوْمَ القِـيَامَةِ حَتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَـيَقُولُ نَعَمْ، فَـيَقُولُ: سَتَرْتُها فِـي الدُّنْـيَا وأغْفِرُها الـيَوْمَ. ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ، فَـيَقُولُ: هاؤمُ اقْرَؤا كِتابِـيَهْ " أو كما قال: " وأمَّا الكَافِرُ، فَـإِنَّهُ يُنَادَى بِهِ عَلـى رُؤوسِ الأشْهادِ " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ وسعيد وهشام، وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا هشام، قالا جميعاً فـي حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، قال: بـينـما نـحن نطوف بـالبـيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل، فقال: يا ابن عمر أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فـي النـجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:يَدْنُو الـمُؤمِنُ مِنْ رَبِّهِ حتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَـيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَـيَقُولُ: رَبّ اغْفِرْ مَرَّتَـيْنِ، حتـى إذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يَبْلُغَ قَالَ: فَـإِنّـي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَـيْكَ فِـي الدُّنْـيا، وأنا أغْفِرُها لَكَ الـيَوْمَ " ، قال: " فَـيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أوْ كِتابَهُ بِـيَـمِينِهِ. وأمَّا الكُفَّـارُ وَالـمُنَافِقُونَ، فَـيُنَادَى بِهِمْ علـى رُؤوسِ الأشْهادِ: هَؤلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِهِمْ، ألا لَعْنَةُ اللَّهِ علـى الظَّالِـمِينَ " إن الله يفعل بعبده الـمؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتـى يعرّفه تفضله علـيه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالـى ذكره فـي مـحاسبته إياه بـما أبداه من نفسه، وبـما أخفـاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرّمه علـيه، فـيستره علـيه، وذلك هو الـمغفرة التـي وعد الله عبـاده الـمؤمنـين، فقال: يغفر لـمن يشاء. فإن قال قائل: فإن قوله:{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } [البقرة: 286] ينبىء عن أن جميع الـخـلق غير مؤاخذين إلا بـما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابـين إلا بـما كسبته من خير. قـيـل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله. فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عزّ وجلّ إيانا علـى ما أخفته أنفسنا بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إن كان{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } [البقرة: 286] وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا، من همّ بذنب، أو إرادة لـمعصية، لـم تكتسبه جوارحنا؟ قـيـل له: إن الله جلّ ثناؤه قد وعد الـمؤمنـين أن يعفو لهم عما هو أعظم مـما همّ به أحدهم من الـمعاصي فلـم يفعله، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبـائرها، وإنـما الوعيد من الله عزّ وجلّ بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } علـى ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تـخفـي الشكّ فـي الله، والـمرية فـي وحدانـيته، أو فـي نبوّة نبـيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، أو فـي الـمعاد والبعث من الـمنافقـين، علـى نـحو ما قال ابن عبـاس ومـجاهد، ومن قال بـمثل قولهما أن تأويـل قوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } علـى الشكّ والـيقـين. غير أنا نقول إن الـمتوعد بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } هو من كان إخفـاء نفسه ما تـخفـيه الشكَّ والـمرية فـي الله، وفـيـما يكون الشك فـيه بـالله كفراً، والـموعود الغفران بقوله: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } هو الذي أخفـى، وما يخفـيه الهمة بـالتقدّم علـى بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التـي كان جائزاً ابتداء تـحلـيـله وإبـاحته، فحرّمه علـى خـلقه جلّ ثناؤه، أو علـى ترك بعض ما أمر الله بفعله مـما كان جائزاً ابتداء إبـاحة تركه، فأوجب فعله علـى خـلقه.

    فإن الذي يهمّ بذلك من الـمؤمنـين إذا هو لـم يصحح همه بـما يهمّ به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بـالتقدم علـيه لـم يكن مأخوذاً، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها لَـمْ تُكْتُبْ عَلَـيْهِ " ، فهذا الذي وصفنا، هو الذي يحاسب الله به مؤمنـي عبـاده ثم لا يعاقبهم علـيه. فأما من كان ما أخفته نفسه شكاً فـي الله وارتـيابـاً فـي نبوّة أنبـيائه، فذلك هو الهالك الـمخـلد فـي النار، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الألـيـم بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء }. فتأويـل الآية إذا: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } أيها الناس، فتظهروه { أَوْ تُخْفُوهْ } فتنطوي علـيه نفوسكم، { يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } فـيعرّف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فـيغفره له، ويعذّب منافقكم علـى الشكّ الذي انطوت علـيه نفسه فـي وحدانـية خالقه ونبوّة أنبـيائه...

    ملحوظة

    نقل الاشمونى الوقف علي الله لو رفعت مابعده ولو جزمت مابعده فلا وقف

  10. #55
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اسامة محمد خيري مشاهدة المشاركة
    الجوهرة الثانية والخمسون

    { للَّهِ ما فِي ظ±لسَّمَظ°وظ°تِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيغ¤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ظ±للَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَظ±للَّهُ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    قال السمين:

    قوله تعالى: { فَيَغْفِرُ } قرأ ابن عامر وعاصم برفع " يغفرُ " و " يعذبُ " ، والباقون من السبعةِ بالجزم. وقرأ ابنُ عباس والأعرج وأبو حيوة: " فيغفرَ " بالنصب.

    فأمَّا الرفعُ فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو يغفرُ. والثاني: أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ عُطِفَتْ على ما قبلها. وأمّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم.

    وأمَّا النصبُ فبإضمارِ " أَنْ " وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهَّم من الفعلِ قبلَ ذلك تقديره: تكنْ محاسبةٌ فغفرانٌ وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجهِ الثلاثة وهو:
    1144 ـ فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ
    ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ أجَبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
    بجزمِ " نأخذ " عطفاً على " يَهْلك ربيع " ونصبهِ ورفعِه، على ما ذكرتُه لك في " فَيغفر " وهذه قاعدةٌ مطردةٌ: وهي أنه إذا وقع بعدَ جزاءِ الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني.

    وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد: " يَغْفِرْ " بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مصحفِ عبد الله، وهي بدلٌ من الجوابِ كقوله تعالى:{ وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ظ±لْعَذَابُ } [الفرقان: 68-69]. وقال أبو الفتح: " وهي على البدلِ من " يُحاسِبْكم " فهي تفسيرٌ للمحاسبة " قال الشيخ: " وليس بتفسيرٍ، بل هما مترتِّبان على المحاسَبَةِ ". قال الزمخشري: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة الحساب لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّلِ، فهو جارٍ مجرى بَدَلِ البعضِ من الكلِ أو بدلِ الاشتمال، كقولك: " ضربتُ زيداً رأسه " و " أحببتُ زيداً عقله " ، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه/ في الأسماءِ لحاجةِ القبيلين إلى البيان ".

    قال الشيخ: " وفيه بعضُ مناقشةٍ: أمَّا الأولُ فقولُه: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ " وليس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ، لأنَّ الحسابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئآتِه وحصرُها، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المحاسَبَة، فليست المحاسبةُ مفصَّلةً بالغفرانِ والعذابِ. وأمَّا ثانياً فلقوله بعد أَنْ ذَكَر بدلَ البعض من الكل وبدلَ الاشتمال: " وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماء لحاجةِ القبيلين إلى البيان " أمَّا بدلُ الاشتمال فهو يمكنُ، وقد جاءَ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الجنسِ وتحتَه أنواعٌ يشتمِلُ عليها، ولذلك إذا وَقَع عليه النفيُ انتفَتْ جميعُ أنواعه، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤ، فلا يُقال في الفعلِ له كل وبعض إلا بمجازٍ بعيدٍ، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يَسْتَحِيل وجود بدل البعض من الكل في حق الله تعالى، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض

    قلت: ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرةِ والعذابِ تفسيراً أو تفصيلاً للحساب، والحسابُ نتيجتُه ذلك، وعبارةُ الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني. وأمَّا قولُه: " إنَّ بدلَ البعضِ من الكل في الفعلِ متعذرٌ، إذ لا يتحقق فيه تجزُّؤٌ " فليس بظاهرٍ، لأنَّ الكليةَ والبعضيةَ صادقتان على الجنس ونوعِه، فإنَّ الجنسَ كلٌّ والنوعَ بعضٌ. وأمَّا قياسُه على الباري تعالى فلا أدري ما الجامع بينهما؟ وكان في كلامِ الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال: " وقرأ الأعمش: " يَغْفر " بغير فاءٍ مجزوماً على البدلِ من " يحاسِبْكم " كقوله:
    1145 ـ متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا
    وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعدَ ذلك كما تقدَّم حكايتُه عنه؛ لأن البيت قد أُبْدِل فيه من فعلِ الشرط لا من جوابِه، والآية قد أُبْدل فيها من نفسِ الجواب، ولكنَّ الجامعَ بينهما كونُ الثاني بدلاً مِمَّا قبلَه وبياناً له....

    وقال الطبري

    وأولـى الأقوال التـي ذكرناها بتأويـل الآية قول من قال: إنها مـحكمة ولـيست بـمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون فـي حكم إلا ينفـيه بآخر له ناف من كل وجوهه، ولـيس فـي قوله جلّ وعزّ:{ لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ } [البقرة: 286] نفـي الـحكم الذي أعلـم عبـاده بقوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } لأن الـمـحاسبة لـيست بـموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بـما حوسب علـيه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عزّ وجلّ عن الـمـجرمين أنهم حين تُعرض علـيهم كتب أعمالهم يوم القـيامة، يقولون:{ وَيَقُولُونَ يظ°وَيْلَتَنَا مَا لِهَـظ°ذَا ظ±لْكِتَـظ°بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [الكهف: 49] فأخبر أن كتبهم مـحصية علـيهم صغائر أعمالهم وكبـائرها، فلـم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبـائرها بـموجب إحصاؤها علـى أهل الإيـمان بـالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبـين، لأن الله عزّ وجلّ وعدهم العفو عن الصغائر بـاجتنابهم الكبـائر، فقال فـي تنزيـله:{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـظ°تِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [النساء: 31] فدلّ أن مـحاسبة الله عبـاده الـمؤمنـين بـما هو مـحاسبهم به من الأمور التـي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مـحاسبته إياهم إن شاء الله علـيها لـيعرّفهم تفضله علـيهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـخبر الذي: حدثنـي به أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أبـي، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، عن ابن عمر، عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " يُدْنِـي اللَّهُ عَبْدَهُ الـمُؤمِنُ يَوْمَ القِـيَامَةِ حَتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَـيَقُولُ نَعَمْ، فَـيَقُولُ: سَتَرْتُها فِـي الدُّنْـيَا وأغْفِرُها الـيَوْمَ. ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ، فَـيَقُولُ: هاؤمُ اقْرَؤا كِتابِـيَهْ " أو كما قال: " وأمَّا الكَافِرُ، فَـإِنَّهُ يُنَادَى بِهِ عَلـى رُؤوسِ الأشْهادِ " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ وسعيد وهشام، وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا هشام، قالا جميعاً فـي حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، قال: بـينـما نـحن نطوف بـالبـيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل، فقال: يا ابن عمر أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فـي النـجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:يَدْنُو الـمُؤمِنُ مِنْ رَبِّهِ حتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَـيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَـيَقُولُ: رَبّ اغْفِرْ مَرَّتَـيْنِ، حتـى إذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يَبْلُغَ قَالَ: فَـإِنّـي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَـيْكَ فِـي الدُّنْـيا، وأنا أغْفِرُها لَكَ الـيَوْمَ " ، قال: " فَـيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أوْ كِتابَهُ بِـيَـمِينِهِ. وأمَّا الكُفَّـارُ وَالـمُنَافِقُونَ، فَـيُنَادَى بِهِمْ علـى رُؤوسِ الأشْهادِ: هَؤلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِهِمْ، ألا لَعْنَةُ اللَّهِ علـى الظَّالِـمِينَ " إن الله يفعل بعبده الـمؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتـى يعرّفه تفضله علـيه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالـى ذكره فـي مـحاسبته إياه بـما أبداه من نفسه، وبـما أخفـاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرّمه علـيه، فـيستره علـيه، وذلك هو الـمغفرة التـي وعد الله عبـاده الـمؤمنـين، فقال: يغفر لـمن يشاء. فإن قال قائل: فإن قوله:{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ } [البقرة: 286] ينبىء عن أن جميع الـخـلق غير مؤاخذين إلا بـما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابـين إلا بـما كسبته من خير. قـيـل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله. فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عزّ وجلّ إيانا علـى ما أخفته أنفسنا بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إن كان{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ } [البقرة: 286] وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا، من همّ بذنب، أو إرادة لـمعصية، لـم تكتسبه جوارحنا؟ قـيـل له: إن الله جلّ ثناؤه قد وعد الـمؤمنـين أن يعفو لهم عما هو أعظم مـما همّ به أحدهم من الـمعاصي فلـم يفعله، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبـائرها، وإنـما الوعيد من الله عزّ وجلّ بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } علـى ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تـخفـي الشكّ فـي الله، والـمرية فـي وحدانـيته، أو فـي نبوّة نبـيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، أو فـي الـمعاد والبعث من الـمنافقـين، علـى نـحو ما قال ابن عبـاس ومـجاهد، ومن قال بـمثل قولهما أن تأويـل قوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } علـى الشكّ والـيقـين. غير أنا نقول إن الـمتوعد بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } هو من كان إخفـاء نفسه ما تـخفـيه الشكَّ والـمرية فـي الله، وفـيـما يكون الشك فـيه بـالله كفراً، والـموعود الغفران بقوله: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } هو الذي أخفـى، وما يخفـيه الهمة بـالتقدّم علـى بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التـي كان جائزاً ابتداء تـحلـيـله وإبـاحته، فحرّمه علـى خـلقه جلّ ثناؤه، أو علـى ترك بعض ما أمر الله بفعله مـما كان جائزاً ابتداء إبـاحة تركه، فأوجب فعله علـى خـلقه.

    فإن الذي يهمّ بذلك من الـمؤمنـين إذا هو لـم يصحح همه بـما يهمّ به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بـالتقدم علـيه لـم يكن مأخوذاً، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها لَـمْ تُكْتُبْ عَلَـيْهِ " ، فهذا الذي وصفنا، هو الذي يحاسب الله به مؤمنـي عبـاده ثم لا يعاقبهم علـيه. فأما من كان ما أخفته نفسه شكاً فـي الله وارتـيابـاً فـي نبوّة أنبـيائه، فذلك هو الهالك الـمخـلد فـي النار، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الألـيـم بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء }. فتأويـل الآية إذا: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } أيها الناس، فتظهروه { أَوْ تُخْفُوهْ } فتنطوي علـيه نفوسكم، { يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } فـيعرّف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فـيغفره له، ويعذّب منافقكم علـى الشكّ الذي انطوت علـيه نفسه فـي وحدانـية خالقه ونبوّة أنبـيائه...

    ملحوظة

    نقل الاشمونى الوقف علي الله لو رفعت مابعده ولو جزمت مابعده فلا وقف
    ماشاء الله عليك يا شيخنا اسامة المحترم
    بارك الله فيك وفي علومك
    هذا هو العلم الذي نريده منك وينفع الجميع
    هذا أفضل من ألف ( قال لي سيدي وقلت فابتسم وانصرف )
    نعم يا شيخنا جزاك الله خيرا علي التنبيه
    لقد وجدتُ في تفسير ( الكشاف )
    أخطاء كثيرة
    مثل القول بخلق القرآن ومنكر رؤية الرحمن وانه يخلق ويوجد افعال نفسه
    وتفسيره لقوله تعالي ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ) فيه إساءة أدب
    لمقام الرسول صلي الله عليه وسلم
    كل ما قلته حضرتك وكل ما قاله الشيخ عمر بالنسبة للزمخشري صحيح
    أنا قرأت شرح العقائد للعلامة التفتازاني رحمه الله
    الحمد لله ليس لي مشكلة العقيدة
    والله بالنسبة للزمخشري
    ما كان لي إطلاع علي أخطائه في العقيدة
    الا بعد تنبيهكم
    جزاكم الله ألف خير
    والعجيب من سكوت العلماء السابقين رحمهم الله
    من بيان هذه الأخطاء للناس
    طبعا لا نرفض كل ما في الكشاف فيه الحسن وفيه الخطأ
    ولكن يجب علي العلماء بيان هذه الأخطاء للناس
    حتي يكون عقيدتهم سليمة

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الثالثة والخمسون

    { ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ }

    قال القرطبي

    وقرأ جمهور الناس «لاَ نُفَرِّقُ» بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق فحذَف القول، وحَذْف القول كثير قال الله تعالى:{ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ.سَلاَمٌ عَلَيْكُم } [الرعد: 23،24]: أي يقولون سلام عليكم. وقال:{ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً } [آل عمران: 191] أي يقولون ربنا، وما كان مثله. وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يَعْمر وأبو زُرْعة بن عمرو بن جرير ويعقوب «لا يفرق» بالياء، وهذا على لفظ كل. قال هارون: وهي في حرف ابن مسعود «لا يفرقون»

    ملحوظة

    نقل ابن الانباري الوقف علي رسله علي قراءة نفرق بالنون وعدم الوقف علي قراءة الياء قراءة يعقوب

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الرابعة والخمسون

    { ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَالمُؤْمِنُونَ }: يجوزُ فيه وجهان،

    أحدُهما: أنه مرفوعٌ بالفاعليةِ عطفاً على " الرسول " فيكونُ الوقفُ هنا، ويَدُّلُّ على صحةِ هذا ما قرأ به أمير المؤمنين عليُّ ابن أبي طالب: " وآمن المؤمنون " ، فَأَظْهَر الفعلَ، ويكون قولُه: " كلُّ آمَن " جملةً من مبتدأٍ وخبر يَدُلُّ على أنَّ جميعَ مَنْ تقدَّم ذكرُه آمَنَ بما ذكر.

    والثاني: أن يكون " المؤمنون " مبتدأً، و " كلٌّ " مبتدأٌ ثانٍ، و " آمن " خبرٌ عَنْ " كل " وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأولِ، وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوفٌ تقديرُه: " كلُّ منهم " وهو كقولهم: " السَّمْنُ منوانِ بدرهم " تقديرُه: منوانِ منه. قال الزمخشري: " والمؤمنون إْن عُطِفَ على الرسول كان الضميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في " كل " راجعاً إلى " الرسول " و " المؤمنون " أي: كلهم آمن بالله وملائكتِه وكتبهِ ورسلِه من المذكورين ووُقِفَ عليه، وإن كان مبتدأ كان الضميرُ للمؤمنين ".

    فإن قيل: هل يجوزُ أَنْ يكون " المؤمنون " مبتدأ، و " كلٌ " تأكيدٌ له، و " آمن " خبرُ هذا المبتدأ، فالجوابُ أنَّ ذلك لا يجوزُ لأنهم نَصُّوا على أنَّ " كُلاَّ " وأخواتِها لا تَقَعُ تأكيداً للمعارف إلا مضافةً لفظاً لضميرِ الأول، ولذلك رَدُّوا قولَ مَنْ قال: " إنَّ كُلاَّ في قراءة من قرأ:{ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ } [غافر: 48] تأكيدٌ لاسم إنَّ

    ملحوظة

    نقل الاشمونى علي الوجه الثانى كان الوقف علي ربه اما الوجه الاول فالوقف علي المؤمنون

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    سورة ال عمران

    الجوهرة الخامسة والخمسون


    { مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ }

    قال السمين:

    قوله: { هُدًى } فيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المفعولِ من أجله، والعاملُ فيه أنْزَل أي: أَنْزَلَ هذين الكتابين لأجلِ هداية. ويجوز أن يكونَ متعلقاً من حيث المعنى بنَزَّلَ وأنزل معاً، وتكونُ المسألةُ من بابِ التنازع على إعمال الثاني، والحذفُ من الأولِ تقديرُه: نَزَّلَ عليك له أي: للهدى، فَحَذَفَه، ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بالفعلين معاً تعلُّقاً صناعياً لا على وجه التنازع، بل بمعنى أنه علةً للفعلين معاً، كما تقول: " أكرمْتُ زيداً وضربْتُ عمراً إكراماً لك " يعني أن الإكرام علةٌ للإِكرامِ وللضرب.

    والثاني: ان ينتصِبَ على الحالِ من التوراةِ والانجيلِ، ولم يُثنَّ لأنه مصدرٌ وفيه الأوجُه المشهورةُ من حَذْف المضافِ أي: ذوي هدىً أو على المبالغةِ بأَن جُعِلا نفسَ الهُدَى أو على جَعْلِهما بمعنى هاديين. وقيل: إنه حال من الكتاب والتوارة والإِنجيل، وقيل: حالٌ من الإِنجيل فقط وحُذِف مِمَّا قبله لدلالة هذا عليه.

    وقال بعضُهم: تَمَّ الكلامُ عند قولِه تعالى: { مِن قَبْلُ } فَيُوقَفُ عليه ويُبْتَدَأُ قولِه { هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } أي: وأَنْزَل الفرقانَ هدىً للناس. وهذا التقديرُ غيرُ صحيحٍ لأنه يُؤدِّي إلى تقديم المعمولِ على حرفِ النسقِ وهو ممتنعٌ، لو قلت: " قام زيد مكتوفةً وضُرِبَتْ هندٌ " تعني: " وضُرِبَت هند مكتوفةً " لم يَصِحَّ البتة فكذلك هذا

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الوقف وعلم التوحيد

    الجوهرة السادسة والخمسون


    { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ }

    قال السمين:

    وقوله: { وَٱلرَّاسِخُونَ } يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه مبتدأ والوقفُ على الجلالة المعظمة، وعلى هذا فالجملةُ من قوله: " يقولون " خبرُ المبتدأ.

    والثاني: أنهم منسوقونٌ على الجلالةِ المعظمةِ، فيكونون داخلين في علم التأويل. وعلى هذا فيجوز في الجملةِ القولية وجهان، أحدُهما: أنها حالٌ أي: يعلمون تأويلَه حالَ كوِنهم قائلين ذلك، والثاني: أن تكون خبرَ مبتدأٍ مضمرٍ أي: هم يقولون

    وقال القرطبي:

    قوله تعالى: { وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } ٱختلف العلماء في { والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم } هل هو ٱبتداء كلامٍ مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع. فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأنّ الكلام تَمّ عند قوله { إِلاَّ ٱللَّهُ } هذا قول ابن عمرو بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو مذهب الكِسائيّ والأخفش والفرّاء وأبي عبيد وغيرهم. قال أبو نهِيك الأسديّ: إنكم تصِلون هذه الآية وإنها مقطوعة. وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم { آمَنَّا به كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا }. وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبريّ نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. و { يقولون } على هذا خبر { الراسخون }. قال الخطابيّ: وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين: محكماً ومتشابِهاً فقال عز من قائل: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ - إلى قوله - كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } فأعْلَمَ أنّ المتشابه من الكتاب قد ٱستأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحَدٌ غيره، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به. ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه. ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التّام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } وأن ما بعده ٱستئناف كلامٍ آخر، وهو قوله { وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ }. وروي ذلك عن ٱبن مسعود وأُبيّ بن كعب وٱبن عباس وعائشة. وإنما روى عن مجاهد أنه نَسَق { الراسخون } على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه. وٱحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا وزعم أن موضع { يقولون } نصب على الحال.

    وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكباً، بمعنى أقبل عبد الله راكباً وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس فكان يصلح حالاً له كقول الشاعر ـ أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب ـ:
    أرسلتُ فيها قَطِماً لُكَالِكَا يَقْصُر يَمْشِي ويطول بَارِكا
    أي يقصر ماشياً فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، وأيضاً فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئاً عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عز وجل:{ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [النمل: 65] وقوله:{ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ } [الأعراف: 187] وقوله:{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88]، فكان هذا كله مما ٱستأثر الله سبحانه بعلمه لا يُشْرِكه فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ }. ولو كانت الواو في قوله: { وَٱلرَّاسِخُونَ } للنسق لم يكن لقوله: { كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } فائدة. والله أعلم. قلت: ما حكاه الخطابيّ من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ٱبن عباس أن الراسخين معطوف على ٱسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. و { يقولون } على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين كما قال:
    الريحُ تَبْكِـي شَجْـوَها والبرقُ يلْمَـع في الغَمامَـهْ
    وهذا البيت يحتمل المعنيين فيجوز أن يكون «والبرق» مبتدأ، والخبر «يلمع» على التأويل الأوّل، فيكون مقطوعاً مما قبله. ويجوز أن يكون معطوفاً على الريح، و «يلمع» في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامِعاً. وٱحتجّ قائلو هذه المقالة أيضاً بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم جهّال! وقد قال ٱبن عباس: أنا ممن يعلم تأويله. وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي. قلت: وقد ردّ بعض العلماء هذا القول إلى القول الأوّل فقال: وتقدير تمام الكلام { عِند اللَّهِ } أن معناه وما يعلم تأويلَه إلا الله يعني تأويلَ المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنّا به كلٌّ من عند ربنا بما نُصِب من الدلائل في المُحْكَم ومكّن من ردّه إليه. فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كلٌّ من عند ربنا، وما لم يحِط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصّالح فعلمه عند ربِّنا. فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ٱبن عباس: لا أدري ما الأوّاهُ ولا ما غِسْلِين، قيل له: هذا لا يلزم لأن ٱبن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه.

    وجوابٌ أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر. ورجّح ٱبن فورك أنّ الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك وفي قوله عليه السلام لابن عباس: " اللَّهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل " ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على هذا يكون عند قوله { والرّاسِخُونَ في الْعِلْم }. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المُحْكَم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب. وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع!. لكن المتشابه يتنوّع، فمنه ما لا يعلم أَلبتّة كأمر الرُّوح والساعة مما ٱستأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى عِلمه أحد لا ٱبن عباس ولا غيره. فمن قال من العلماء الحُذَّاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومَنَاحٍ في كلام العرب فيُتأوّل ويُعلم تأويله المستقيم، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى:{ وَرُوحٌ مِّنْهُ } [النساء: 171] إلى غير ذلك. فلا يُسمّى أحدٌ راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قُدّر له. وأمّا من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخالُ الراسخين في علم التأويل لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح. والرسوخ: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ. وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض قال الشاعر:
    لقد رَسَختْ في الصّدْر مِنِّي مودّةٌ لِلَيْلَى أبَتْ آياتُها أنْ تَغَيَّرا
    ورسَخ الإيمان في قلب فلان يَرْسَخ رسوخاً. وحكى بعضهم: رسخ الغَدِيرُ: نَضَب ماؤه حكاه ٱبن فارس فهو من الأضداد. ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه. وسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: " هو مَنْ بَرّتْ يمينُه وصدَق لسانُه وٱستقام قلبه " فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] فكيف لم يجعله كله واضحاً؟ قيل له: الحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحاً لم يظهر فضلُ بعضهم على بعض. وهكذا يفعل من يصنِّف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً وبعضه مشكلاً، ويترك للجُثْوَة موضعاً لأن ما هان وجودُه قلّ بهاؤه. والله أعلم....

    وقال ابن الجوزى

    وهل يعلم الراسخون تأويله أم لا؟ فيه قولان. أحدهما: أنهم لا يعلمونه، وأنهم مستأنفون، وقد روى طاووس عن ابن عباس أنه قرأ { ويقول الراسخون في العلم آمنّا به } وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وابن عباس، وعروة، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والفراء، وأبو عبيدة، وثعلب، وابن الأنباري، والجمهور. قال ابن الأنباري: في قراءة عبد الله { إِن تأويله، إِلا عند الله والراسخون في العلم } وفي قراءة أُبيّ، وابن عباس { ويقول الراسخون } وقد أنزل الله تعالى في كتابه أشياء، استأثر بعلمها، كقوله تعالى:{ قل إنما علمها عند الله } [الأعراف: 187] وقوله تعالى:{ وقروناً بين ذلك كثيراً } [الفرقان: 38] فأنزل الله تعالى المجمل، ليؤمن به المؤمن، فيسعد، ويكفر به الكافر، فيشقى. والثاني: أنهم يعلمون، فهم داخلون في الاستثناء. وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله، وهذا قول مجاهد، والربيع، واختاره ابن قتيبة، وأبو سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: الذي روى هذا القول عن مجاهد ابن أبي نجيح، ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد.

    ملحوظة

    قلت انا اسامة خيري


    هذه الاية المباركة اصل عظيم عند اهل السنة اشاعرة وماتريدية وحنابلة فى باب الصفات واتفق الجميع علي ان ايات الصفات من المتشابه وان ظاهر معناها غير مراد مع نفي الجسمية والجوارح عن الله.

    واتفق الجميع ايضا ان مذهب السلف الوقف علي لفظ الجلالة الله فلايعلم تأويلها الا الله وهو مذهب تفويض المعنى فلاينكر احد التفويض حتى من ذهب الي جواز التأويل من الاشاعرة والماتريدية وانكر الحنابلة التأويل وهو قول السلف وان كان نقل عن بعض السلف التاويل لكن المشهور انكاره وهو الحق

    وذهب الخلف من الاشاعرة الي جواز التاويل وعدم الوقف علي لفظ الجلالة وان المؤمنين يعلمون تأويلها ويجب ان تعلم انه لايوجد اشعري ينكر التفويض بل الاشاعرة معترفون ان التفويض مذهب السلف كي لايغرك من يطعن فى عقيدة الاشاعرة بقوله الاشاعرة ليس عندهم الا التأويل

    ويجب ان تلاحظ اخي الحبيب اتفاق الكل علي ان ايات الصفات من المتشابه وان ظاهرها غير مراد ونفي الجسمية والجوارح عن الله عز وجل

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة السابعة والخمسون

    { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }

    قال السمين

    قوله: { وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يجوزُ أن يكونَ مجروراً نَسَقَاً على آل فرعون وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبرُ قولُه بعدَ ذلك: { كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ } وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً. وخَصَّ أبو البقاء جوازَ الرفعِ بكونِ الكافِ في محلِّ الرفعِ فقال: " فعلى هذا ـ أي على كونِها مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ ـ يجوزُ في { وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وجهان أحدُهما: هو جرُّ بالعطفِ/ أيضاً، و " كَذَّبوا " في موضعِ الحالِ، و " قد " معه مضمرةٌ، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له، ذُكِر لشَرْحِ حالِهم، والوجهُ الآخرُ أن يكونَ الكلامُ تَمَّ على فرعون و " الذين مِنْ قبلِهم مبتدأُ، وكَذَبوا خبرُه

    ملحوظة

    نقل الاشمونى الوقف علي فرعون ان جعلت مابعده مبتدأ وخبره كذبوا

صفحة 4 من 21 الأولىالأولى 1234567814 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •