صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 93

الموضوع: أسرار اللام والباء فى كتاب الله

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة السادسة والاربعون

    { لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً }

    قال السمين

    قوله: { لِّيُدْخِلَ }: في متعلَّق هذه اللامِ أربعةُ أوجهٍ، أحدها: محذوفٌ تقديرُه: يَبْتَلي بتلك الجنود مَنْ شاء فيقبلُ الخيرَ مِمَّنْ أهَّله له، والشرَّ مِمَّنْ قضى له به ليُدْخِلَ ويُعَذِّب. الثاني: أنها متعلقةٌ بقولِه: " إنَّا فَتَحْنا ". الثالث: أنَّها متعلقةٌ بـ " يَنْصُرَك ". الرابع: أنها متعلقة بـ " يَزْدادوا ". واسْتُشْكل هذا: بأنَّ قولَه تعالى: " ويُعَذِّبَ " عطفٌ عليه، وازديادُهم الإِيمانَ ليس مُسَبَّباً عن تعذيبِ اللَّهِ الكفارَ. وأجيب: بأنَّ اعتقادَهم أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الكفارَ يزيدُ في إيمانِهم لا محالة. وقال الشيخ: " والازديادُ لا يكونُ سبباً لتعذيب الكفارِ. وأُجيب: بأنَّه ذُكِر لكونِه مقصوداً للمؤمنِ. كأنه قيل: بسببِ ازديادِكم في الإِيمانُ يُدْخِلُكم الجنة، ويُعَذِّبُ الكفار بأيديكم في الدنيا ". وفيه نظرٌ؛ كان ينبغي أن يقولَ: لا يكونُ مُسَبَّباً عن تعذيب الكفارِ، وهذا يُشْبِهُ ما تقدَّم في
    { لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ }
    [الفتح: 2].....

    ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }

    قال الالوسي

    لِتَعَـارَفُواْ } علة للجعل أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث لا لتفاخروا بالآباء والقبائل، والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان. وقرأ الأعمش { لتتعارفوا } بتاءين على الأصل، ومجاهد وابن كثير في رواية وابن محيصن بإدغام التاء في التاء، وابن عباس وأبان عن عاصم { لتعرفوا } بكسر الراء مضارع عرف، قال ابن جني: والمفعول محذوف أي لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه كقوله:
    وما علم الإنسان إلا ليعلما
    أي ليعلم ما علمه وما أعذب هذا الحذف وما أغربه لمن يعرف مذهبه. / واختير في المفعول المقدر قرابة بعضكم من بعض.

    وقوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عنْدَ اللَّهِ أَتْقَـاكُمْ } تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي كأنه قيل: إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى. وقرأ ابن عباس { أَن } بفتح الهمزة على حذف لام التعليل كأنه قيل: لم لا تتفاخروا بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بها. وفي «البحر» أن ابن عباس قرأ { لتعرفوا أن أكرمكم } بفتح الهمزة فاحتمل أن يكون { أَنَّ أَكْرَمَكُمْ } الخ معمولاً { لتعرفوا } وتكون اللام في { لتعرفوا } لام الأمر وهو أجود من حيث المعنى، وأما إن كانت لام كي فلا يظهر المعنى إذ ليس جعلهم شعوباً وقبائل لأن يعرفوا أن أكرمهم عند الله تعالى أتقاهم فإن جعلت مفعولاً { لِتَعَـارَفُواْ } محذوفاً أي لتعرفوا الحق لأن أكرمكم عند الله أتقاكم ساغ في اللام أن تكون لام كي اهـ وهو كما ترى.

    انتهي

    وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ }

    قال الرازي

    المسألة الأولى: اللام في قوله { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ } تحتمل وجوهاً: الأول: هي بمعنى إلى أي اصبر إلى أن يحكم الله الثاني: الصبر فيه معنى الثبات، فكأنه يقول فاثبت لحكم ربك يقال ثبت فلان لحمل قرنه الثالث: هي اللام التي تستعمل بمعنى السبب يقال لم خرجت فيقال لحكم فلان علي بالخروج فقال: { وَاصْبِرْ } واجعل سبب الصبر امتثال الأمر حيث قال واصبر لهذا الحكم عليك لا لشيء آخر.

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة السابعة والاربعون

    وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى }


    قال السمين

    قوله: { لِيَجْزِيَ }: في هذه اللامِ أوجهٌ: أحدها: أَنْ تتعلَّقَ بقولِه: { لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ } ذكره مكي. وهو بعيدٌ من حيث اللفظُ ومن حيث المعنى. الثاني: أَنْ تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ } أي: له مِلْكُهما يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدي مَنْ يشاء ليجزيَ المحسنَ والمسيءَ. الثالث: أَنْ تتعلَّق بقولِه: " بمنْ ضَلَّ وبمَنْ اهتدى ". واللام للصيرورةِ أي: عاقبة أمرهم جميعاً للجزاءِ بما عملوا، قال معناه الزمخشري. الرابع: أن تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: { أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ } أي: حَفِظ ذلك ليجزيَ، قاله أبو البقاء

    وقال الرازي

    قال الزمخشري: ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله: { لِيَجْزِىَ } كاللام في قوله تعالى:
    { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا }
    [النحل: 8] وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال: { وَللَّهِ مَا فِى السَّمَـوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال، وقال الواحدي: اللام للعاقبة كما في قوله تعالى:
    { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً }
    [القصص: 8] أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدواً، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى، لأن الغرض نهاية الفعل، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر، يقال: سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية، ويمكن أن يقال: هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال: إن قوله: { لِيَجْزِىَ } متعلق بقوله: ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات، تقديره كأنه قال: هو أعلم بمن ضل واهتدى: { لِيَجْزِىَ } أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء، والله أعلم به، فيصير قوله: { وَللَّهِ مَا فِى السَّمَـوَاتِ وَمَا فِي الأًرْضِ } كلاماً معترضاً، ويحتمل أن يقال: هو متعلق بقوله تعالى:
    { فَأَعْرَضَ }
    [النجم: 29] أي أعرض عنهم ليقع الجزاء، كما يقول المريد فعلاً لمن يمنعه منه زرني لأفعله، وذلك لأن ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس،...

    وقال الالوسي

    وقوله تعالى: { وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي له ذلك على الوجه الأتم أي خلقاً وملكاً لا لغيره عز وجل أصلاً لا استقلالاً ولا اشتراكاً، ويشعر بفعل يتعلق به / قوله تعالى: { لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ } أي خلق ما فيهما ليجزي الضالين بعقاب ما عملوا من الضلال الذي عبر عنه بالإساءة بياناً لحاله؛ أو بمثل ما عملوا، أو بسبب ما عملوا على أن الباء صلة الجزاء بتقدير مضاف أو للسببية بلا تقدير.

    { وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أي اهتدوا { بِٱلْحُسْنَى } أي بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى تكميل لما قبل لأنه سبحانه لما أمره عليه الصلاة والسلام بالإعراض نفى توهم أن ذلك لأنهم يتركون سدى.

    وفي العدول عن ضمير ربك إلى الاسم الجامع ما ينبـىء عن زيادة القدرة وأن الكلام مسوق لوعيد المعرضين وأن تسوية هذا الملك العظيم لهذه الحكمة فلا بدّ من ضال ومهتد، وَمِن أن يلقى كل ما يستحقه، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم يلقى الحسنى جزاءاً لتبليغه وهم يلقون السوأى جزاءاً لتكذيبهم. وكرر فعل الجزاء لإبراز كمال الاعتناء به والتنبيه على تباين الجزاءين.

    وجوز أن يكون معنى{ فَأَعْرِضْ } [النجم: 29] الخ لا تقابلهم بصنيعهم وكلهم إلى ربك إنه أعلم بك وبهم فيجزي كلاً ما يستحقه، ولا يخفى ما في العدول عن الضميرين في { بِمَن ضَلَّ }{ بِمَن ٱهْتَدَىٰ } [النجم: 30] وجعل قوله تعالى: { لِيَجْزِىَ } على هذا متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى: { إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ } الخ أي ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم ليجزي الخ، وقوله سبحانه: { وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } جملة معترضة تؤكد حديث أنهم يجزون البتة ولا يهملون كأنه قيل: هو سبحانه أعلم بهم وهم تحت ملكه وقدرته، وجوز على ذلك المعنى أن يتعلق { لِيَجْزِىَ } بقوله تعالى: { وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } كما تقدم على تأكيد أمر الوعيد، أي هو أعلم بهم وإنما سوى هذا الملك للجزاء، ورجح بعضهم ذلك المعنى بالوجهين المذكورين على ما مرّ. وجوز في جملة { للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } كونها حالاً من فاعل { أَعْلَمُ } سواء كان بمعنى عالم أو لا، وفي { لِيَجْزِىَ } تعلقه بضل واهتدى على أن اللام للعاقبة أي هو تعالى أعلم بمن ضل ليؤول أمره إلى أن يجزيه الله تعالى بعمله، وبمن اهتدى ليؤول أمره إلى أن يجزيه بالحسنى، ولا يخفى بعده، وأبعد منه بمراحل تعلقه بقوله سبحانه:{ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ } [النجم: 26] كما ذكره مكي.

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الثامنة والاربعون


    { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

    قال السمين

    قوله: { لِمَا قَالُواْ } في هذه اللامِ أوجهٌ،

    أحدُها: أنَّها متعلقةٌ بـ " يعودون ". وفيه معانٍ، أحدُها: والذين مِنْ عادتِهم أنهم كانوا يقولون هذا القولَ في الجاهليةِ، ثم يعودُون لمثلِه في الإِسلام. الثاني: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارِكَ للأمرِ عائدٌ إليه ومنه: " عادَ غيثٌ على ما أفسَد " أي: تداركه بالإِصلاح والمعنى: أنَّ تدارُكَ هذا القولِ وتلافيَه، بأَنْ يكفِّر حتى ترجعَ حالُهما كما كانت قبل الظِّهار. الثالث: أَنْ يُرادَ بما قالوا ما حَرَّموه على أنفسِهم بلفظِ الظِّهار، تنزيلاً للقولِ منزلةَ المقولِ فيه نحو ما ذُكِر في قولِه تعالى:
    { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ }
    [مريم: 80] والمعنى: ثم يريدون العَوْدَ للتَّماسِّ، قال ذلك الزمخشريُّ. قلت: وهذا الثالثُ هو معنى ما رُوِي عن مالك والحسن والزهري: ثم يعودون للوَطْء أي: يعودون لِما قالوا إنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهَرَ ثم وَطِىء لَزِمَتْه الكفارةُ عند هؤلاء. الرابع: " لما قالوا " أي: يقولونه ثانياً فلو قال: " أنتِ عليَّ كظهر أمِّي " مرةًَ واحدةً كفَّارةٌ؛ لأنه لم يَعُدْ لِما قال. وهذا منقولٌ عن بُكَيْرِ بنِ عبد الله الأشجِّ وأبي حنيفةَ وأبي العالية والفراء في آخرين، وهو مذهبُ الفقهاءِ الظاهريين. الخامس: أن المعنى: أَنْ يَعْزِمَ على إمساكِها فلا يُطَلِّقَها بعد الظِّهار، حتى يمضيَ زمنٌ يمكنُ أَنْ يطلِّقَها فيه، فهذا هو العوْدَ لِما قال، وهو مذهبُ الشافعيِّ ومالك وأبي حنيفةَ أيضاً. وقال:/ العَوْدُ هنا ليس تكريرَ القولِ، بل بمعنى العَزْمِ على الوَطْءِ.

    وقال مكي: " اللامُ متعلقةٌ بـ " يعودون " أي: يعودون لوَطْءِ المقولِ فيه الظهارُ، وهُنَّ الأزواجُ، فـ " ما " والفعلُ مصدرٌ أي: لمقولِهم، والمصدرُ في موضعِ المفعولِ به نحو: " هذا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمير " أي: مَضْرُوبُه، فيصير معنى " لقولهم " للمقولِ فيه الظِّهارُ أي: " لوَطْئِه ". قلت: وهذا معنى قولِ الزمخشريِّ في الوجه الثالث الذي تَقَدَّم تقريرُه عن الحسنِ والزهري ومالك، إلاَّ أنَّ مكيَّاً قَيَّد ذلك بكونِ " ما " مصدريةً حتى يقعَ المصدرُ الموؤلُ موضعَ اسمِ مفعول.

    وفيه نظرٌ؛ إذ يجوز ذلك، وإنْ كانت " ما " غيرَ مصدرية، لكونِها بمعنى الذي أو نكرةً موصوفةً، بل جَعْلُها غيرَ مصدريةٍ أَوْلَى؛ لأن المصدرَ المؤولَ فرعُ المصدرِ الصريحِ، إذ الصريحُ أصلٌ للمؤول به ووَضْعُ المصدرِ موضعَ اسم المفعولِ خلافُ الأصلِ، فيلزمُ الخروجُ عن الأصل بشيئين: بالمصدرِ المؤولِ.

    ثم وقوعِه موقعَ اسمِ المفعول، والمحفوظُ من لسانِهم إنما هو وَضْعُ المصدرِ الصريح موضعَ المفعولِ لا المصدرِ المؤولِ فاعرِفْه. لا يُقال: إنَّ جَعْلَها غيرَ مصدريةٍ يُحْوِجُ إلى تقديرِ حذفِ مضافٍ ليصِحَّ المعنى به أي: يعودون لوَطْءِ التي ظاهَرَ منها، أو امرأةٍ ظاهَرَ منها، أو يعودون لإِمساكِها، والأصلُ عدمُ الحذفِ؛ لأن هذا مشتركُ الإِلزام لنا ولكم، فإنكم تقولون أيضاً: لا بُدَّ مِنْ تقديرِ مضافٍ أي: يعودون لوَطْءِ أو لإِمساكِ المقولِ فيه الظِّهارُ. ويدل على جوازِ كَوْنِ " ما " في هذا الوجهِ غيرَ مصدريةٍ ما أشار إليه أبو البقاء، فإنه قال: " يتعلَّقُ بـ " يعودون " بمعنى: يعودون للمقول فيه. هذا إنْ جَعَلْتَ " ما " مصدريةً، ويجوز أَنْ تجعلَها بمعنى الذي ونكرةً موصوفةً ".

    الثاني: أنَّ اللامَ تتعلَّقُ بـ " تحرير ". وفي الكلامَ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقدير: والذين يُظاهرون مِنْ نِسائِهم فعليهم تحريرُ رقبةٍ؛ لِما نَطقوا به من الظِّهار ثم يعودُون للوَطْءِ بعد ذلك. وهذا ما نقله مكيٌّ وغيرُه عن أبي الحسن الأخفش. قال الشيخ: " وليس بشيءٍ لأنه يُفْسِدُ نَظْمَ الآية ". وفيه نظرٌ. لا نُسَلِّم فسادَ النظمِ مع دلالةِ المعنى على التقديمِ والتأخير، ولكنْ نُسَلِّم أنَّ ادعاءَ التقديمِ والتأخيرِ لا حاجةَ إليه؛ لأنه خلافُ الأصل.

    الثالث: أن اللامَ بمعنى " إلى ". الرابع: أنها بمعنى " في " نَقَلهما أبو البقاء، وهما ضعيفان جداً، ومع ذلك فهي متعلِّقَةٌ بـ " يَعُودون ". الخامس: أنها متعلِّقةٌ بـ " يقولون ". قال مكي: " وقال قتادةُ: ثم يعودون لِما قالوا من التحريمِ فيُحِلُّونه، فاللامُ على هذا تتعلَّقُ بـ " يقولون ". قلتُ: ولا أدري ما هذا الذي قاله مكي، وكيف فَهم تعلُّقَها بـ " يقولون " على تفسيرِ قتادةَ، بل تفسيرُ قتادةَ نصٌّ في تعلُّقِها بـ " يَعودون " ، وليس لتعلُّقِها بـ " يقولون " وجهٌ.

    وقال القرطبي

    قال بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ } إلى ما كانوا عليه من الجماع { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } لما قالوا؛ أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا: فالجار في قوله: «لِمَا قَالُوا» متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم؛ قاله الأخفش. وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. وقيل: المعنى الذين كانوا يَظَّهَّرون من نسائهم في الجاهلية، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الإسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة. الفراء: اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء. وقال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا واحد، واللام وإلى يتعاقبان؛ قال:
    { الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا }
    [الأعراف:43] وقال:
    { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ }

    وقال ابن كثير

    اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } فقال بعض الناس العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم، وقول داود، وحكاه أبو عمر بن عبد البر عن بكير بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام. وقال الشافعي هو أن يمسكها بعد المظاهرة زماناً يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، وقال أحمد بن حنبل هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. وقد حكي عن مالك أنه العزم على الجماع والإمساك، وعنه أنه الجماع. وقال أبو حنيفة هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته، فقد حرمها تحريماً لا يرفعه إلا الكفارة، وإليه ذهب أصحابه والليث بن سعد. وقال ابن لهيعة حدثني عطاء عن سعيد بن جبير { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } يعني يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم. وقال الحسن البصري يعني الغشيان في الفرج، وكان لا يرى بأساً أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } والمس النكاح، وكذا قال عطاء والزهري وقتادة ومقاتل بن حيان. وقال الزهري ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر...

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة التاسعة والاربعون


    { ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً }

    قال السمين

    قوله: { لِعِدَّتِهِنَّ } قال الزمخشري: " مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتهن، كقولِك: " أتيتُه لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ من المحرَّم " ، أي: مُسْتقبلاً لها، وفي قراءةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم " في قُبُل عِدَّتِهِنَّ " انتهى. وناقشه الشيخ في تقديره الحالَ التي تَعلَّق بها الجارُّ كوناً خاصاً. وقال: " الجارُّ إذا وقع حالاً إنما يتعلَّق بكونٍ مطلقٍ " وفي مناقَشَتِه نظرٌ لأنَّ الزمخشري لم يَجْعَل الجارَّ حالاً بل جَعَلَه متعلِّقَاً بمحذوف دَلَّ عليه معنى الكلامِ. وقال أبو البقاء: " لِعِدَّتِهِنَّ، أي: عند أول ما يُعْتَدُّ لهنَّ به، وهُنَّ في قُبُل الطُّهْر " وهذا منه تفسيرُ معنى لا تفسيرُ إعرابٍ. وقال الشيخ: " هو على حَذْفِ مضاف، أي: لاستقبالٍ عِدَّتِهِن، واللامُ للتوقيت نحو: لَقِيْتُه لِلَيْلَةٍ بَقِيْتَ مِنْ شهرِ كذا " انتهى. فعلى هذا تتعلَّقُ اللامُ بـ " طَلِّقُوهن ".

    وقال القرطبي

    الثامنة ـ: قال الجُرْجَانِيّ: اللام في قوله تعالى: { لِعِدَّتِهِنَّ } بمعنى في؛ كقوله تعالى:
    { هُوَ الَّذِى أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكتاب مِنْ دِيَارِهِمْ لأول الحْشْرِ }

    [الحشر:2]. أي في أوّل الحشر

    وقال ابن العربي فى احكام القرآن

    المسألة الرابعة: قوله تعالى: {لِعِدَّتِهِنَّ}:
    قيل: المعنى في عِدَّتهن، واللام تأتي بمعنى في؛ قال الله تعالى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:24]، أي في حياتي. وهذا فاسدٌ حسبما بيناه في رسالة الملجئة. وإنما المعنى فيه: فطلقوهن لعِدَّتهنَّ التي تُعتبر. واللامُ على أصلها، كما تقول: افعل كذا لكذا، ويكون مقصود الطلاق والاعتداد مآله الذي ينتهي إليه، وكذلك قوله تعالى: {يَا لَيْتَني قَدَّمْتُ لِحيَاتي} [الفجر:24] يعني حياةَ القيامة التي هي الحياة الحقيقية الدائمة.

    انتهي

    يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي }

    قال الالوسي

    واللام للتعليل والمراد بحياته حياته في الآخرة ومفعول { قَدَّمْتُ } محذوف فكأنه قال يا ليتني قدمت لأجل حياتي هذه أعمالاً صالحة أنتفع بها فيها. وقيل اللام للتعليل إلا أن المعنى يا ليتني قدمت أعمالاً صالحة لأجل أن أحيا حياة نافعة وقال ذلك لأنه لا يموت ولا يحيا حينئذ وهو كما ترى. ويجوز أن تكون اللام توقيتية مثلها في نحو كتبته لخمس عشرة ليلة مضين من المحرم وجئت لطلوع الشمس ويكون المراد بحياته حياته في الدنيا أي يا ليتني قدمت وعملت أعمالاً صالحة وقت حياتي في الدنيا لأنتفع بها اليوم

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الخمسون

    وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }

    قال السمين

    قوله: { لِحُبِّ }: اللامُ متعلِّقَةٌ بـ " شديدٌ " وفيه وجهان، أحدهما: أنها المعدِّيةُ. والمعنى: وإنَّه لقَويٌّ مُطيقٌ لِحُبِّ الخير يقال: هو شديدٌ لهذا الأمرِ، أي: مُطيقٌ له والثاني: أنها للعلةِ، أي: وإنَّه لأجلِ حبِّ المالِ لَبخيلٌ. وقيل: اللامُ بمعنى " على ". ولا حاجةَ إليه، وقد يُعَبَّرُ بالشديدِ والمتشدِّدِ عن البخيل قال:
    4630ـ [أرى] الموتَ يَعْتامُ الكرامَ ويَصْطَفي عَقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ
    وقال الفراء: " أصلُ نَظْمِ الآية أَنْ يقالَ: وإنه لشديدُ الحُبِّ للخير، فلما قَدَّم " الحُبّ " قال: لشديد، وحَذَفَ مِنْ آخرِه ذِكْرَ " الحُبِّ "؛ لأنه قد جرى ذِكْرُه، ولرؤوسِ الآي كقولِه:
    { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ }
    [إبراهيم: 18] والعُصُوف للريح لا لليوم، كأنه قال: في يومٍ عاصفِ الريحِ



    وقال ابن الجوزي في زاده

    قوله تعالى: { وإنه } يعني: الإنسان { لحبِّ الخير } يعني: المال { لشديدٌ }. وفي معنى الآية قولان.

    أحدهما: وإنه من أجل حُبِّ المال لبخيلٌ، هذا قول الحسن، وابن قتيبة، والزجاج. قال أبو عبيدة: ويقال للبخيل: شديد، ومُتَشَدِّدٌ. قال طرفة:

    أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَام ويَصْطَفي عَقِيلَةَ مَالِ البَاخِلِ المُتَشدِّدِ
    والثاني: وإنه للخير لشديد الحبِّ، وهذا اختيار الفراء. قال: فكأن الكلمة لمَّا تقدم فيها الحب، وكان موضعه أن يضاف إليه «شديد»، حذف الحبّ من آخره لما جرى ذكره في أوله، ولرؤوس الآي. ومثله
    { اشتدت به الريح في يوم عاصف }
    [إبراهيم: 18] فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره.

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الواحدة والخمسون

    لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ }

    قال الرازى

    { لإيلاف قريش إيلافهم } اعلم أن ههنا مسائل:

    المسألة الأولى: اللام في قوله: { لإيلاف } تحتمل وجوهاً ثلاثة، فإنها إما أن تكون متعلقة بالسورة التي قبلها أو بالآية التي بعدها، أو لا تكون متعلقة لا بما قبلها، ولا بما بعدها أما الوجه الأول: وهو أن تكون متعلقة بما قبلها، ففيه احتمالات:

    الأول: وهو قول الزجاج وأبي عبيدة أن التقدير: فجعلهم كعصف مأكول لإلف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف، فإن قيل: هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا: كعصف مأكول لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه أحدها: أنا لا نسلم أن الله تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة، قال تعالى:
    { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ }
    [غافر:17] وقال:
    { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ }
    [فاطر:45] ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرهم، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار، بل إنما فعل ذلك بهم: { لإيلاف قريش } ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم وثانيها: هب أن زجرهم عن الكفر مقصود لكن لا ينافي كون شيء آخر مقصود حتى يكون الحكم واقعاً بمجموع الأمرين معاً وثالثها: هب أنهم أهلكوا لكفرهم فقط، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى إيلاف قريش، جاز أن يقال: أهلكوا لإيلاف قريش، كقوله تعالى:
    { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }
    [القصص:8] وهم لم يلتقطوه لذلك، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد عليه الالتقاط.

    الاحتمال الثاني: أن يكون التقدير: ألم تر كيف فعل ربك بأصحـاب الفيل لإيلاف قريش كأنه تعالى قال: كل ما فعلنا بهم فقد فعلناه، لإيلاف قريش، فإنه تعالى جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل، حتى صاروا كعصف مأكول، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش.

    الاحتمال الثالث: أن تكون اللام في قوله: { لإِيلَـافِ } بمعنى إلى كأنه قال: فعلنا كل ما فعلنا في السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهي إيلافهم: رحلة الشتاء والصيف تقول: نعمة الله نعمة ونعمة لنعمة سواء في المعنى، هذا قول الفراء: فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق اللام بالسورة التي قبل هذه، وبقي من مباحث هذا القول أمران:

    الأول: أن للناس في تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين: أحدهما: أن جعلوا السورتين سورة واحدة واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن السورتين لا بد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها، ومطلع هذه السورة لما كان متعلقاً بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة وثانيها: أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة وثالثها: ما روي أن عمر قرأ في صلاة المغرب في الركعة الأولى { والتين } ، وفي الثانية { ألم تر } و { لإيلاف قريش } معاً، من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم القول الثاني: وهو المشهور المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل، وأما تعلق أول هذه السورة بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضاً ويبين بعضها معنى بعض، ألا ترى أن الآيات الدالة على الوعيد مطلقة، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفو عنه من يقول به، وقوله:

    إِنَّا أَنزَلْنَـاهُ }
    [القدر:1] متعلق بما قبله من ذكر القرآن، وأما قوله: إن أبياً لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين.

    البحث الثاني: فيما يتعلق بهذا القول بيان أنه لم صار ما فعله الله بأصحاب الفيل سبباً لإيلاف قريش؟ فنقول: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } إلى قوله:
    { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثَّمَراتِ }
    [إبراهيم:37] فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحتلين، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم، ولأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة، ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر، فلهذا قال الله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش... رحلة الشتاء والصيف }. والوجه الثاني: فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة:
    { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـذَا الْبَيْتِ الَّذِى }
    [قريش:3،4] إشارة إلى أول سورة الفيل، كأنه قال: فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتباً على إيصال المنفعة، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة.

    القول الثاني: وهو أن اللام في: { لإِيلَـافِ } متعلقة بقوله: { فَلْيَعْبُدُواْ } وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي: ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها، فإن قيل: فلم دخلت الفاء في قوله: { فَلْيَعْبُدُواْ }؟ قلنا: لما في الكلام من معنى الشرط، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى، فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

    القول الثالث: أن تكون هذه اللام غير متعلقة، لا بما قبلها ولا بما بعدها، قال الزجاج: قال قوم: هذه اللام لام التعجب، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غياً وجهلاً وانغماساً في عبادة الأوثان، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم، وينظم أسباب معايشهم، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه، ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به ولزيد وكرامتنا إياه وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء....

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    اللام وعلم التوحيد

    الجوهرة الثانية والخمسون


    وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }

    قال الرازى

    احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه

    الأول أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر.

    الثاني أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بارادة الله، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين.

    الثالث أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الاملاء، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم.

    قالت المعتزلة أما الوجه الأول فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير، إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء، ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل، أن لا يكون هذا الاملاء في نفسه خيرا.

    وأما الوجه الثاني فقد قالوا ليس المراد من الآية أن الغرض من الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى
    { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    الذاريات 56 وقوله
    { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }
    النساء 64

    بل الآية تحتمل وجوها من التأويل أحدها أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى
    { فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }
    القصص 8 وقوله
    { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ }
    الأعراف 179 وقوله
    { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ }
    إبراهيم 30 وهم ما فعلوا ذلك لطلب الاضلال، بل لطلب الاهتداء، ويقال ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق اذا كانت عاقبة الموعظة ذلك،

    وثانيها أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم

    وثالثها أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز.

    ورابعها وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله { لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } غير محمول على الغرض باجماع الأمة، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الاحسان، واذا كان كذلك فقد حصل الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال، ثم بعد هذا قول القائل ما المراد من هذه اللام غير ملتفت اليه، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل، فاذا بطل ذلك سقط استدلاله.

    وأما الوجه الثالث وهو الاخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد من الفعل لمنع الله منه، ويلزم أن يكون الله موجباً لا مختارا، وهو بالاجماع باطل.

    والجواب عن الأول أن قوله { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ } معناه نفي الخيرية في نفس الأمر، وليس معناه أنه ليس خيرا من شيء آخر، لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا عند ذكر الراجح والمرجوح، فلما لم يذكر الله ههنا إلا أحد الأمرين عرفنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر.

    وأما السؤال الثاني وهو تمسكهم بقوله
    { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
    الذاريات 56 وبقوله تعالى
    { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ }
    النساء 64. فجوابه أن الآية التي تمسكنا بها خاص، والآية التي ذكرتموها عام، والخاص مقدم على العام.

    وأما السؤال الثالث وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر، وأيضاً فان البرهان العقلي يبطله لأنه تعالى لما علم أنهم لا بد وأن يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب، وعدم حصوله محال، وإرادة المحال محال، فيمتنع أن يريد منهم الايمان، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة.

    وأما السؤال الرابع وهو التقديم والتأخير. فالجواب عنه من ثلاثة أوجه أحدها أن التقديم والتأخير ترك للظاهر. وثانيها قال الواحدي رحمه الله هذا إنما يحسن لو جازت قراءة { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } بكسر «إنما» وقراءة { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } بالفتح.

    ولم توجد هذه القراءة ألبتة. وثالثها أنا بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الاملاء حصول الطغيان لا حصول الايمان، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان القاطع. وأما السؤال الخامس وهو قوله هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل. فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد، فأما أن يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع، وأيضاً قوله { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال الخير لهم والاحسان اليهم، والقوم لا يقولون بذلك، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه.

    وأما السؤال السادس وهو المعارضة بفعل الله تعالى. فالجواب أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه، فلم يمكن أن يكون العلم مانعاً عن القدرة. أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه، فصلح أن يكون هذا العلم مانعاً للعبد عن الفعل، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية

    وقال الالوسي

    { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً } استئناف بما هو العلة للحكم قبلها، والقائلون بأن الخير والشر بإرادته تعالى يجوزون التعليل بمثل هذا، إما لأنه غرض وإما لأنه مراد مع الفعل فيشبه العلة عند من لم يجوز تعليل أفعاله بالأغراض.

    وأما المعتزلة فإنهم وإن قالوا بتعليلها لكن القبيح ليس مراداً له تعالى عندهم ومطلوباً وغرضاً، ولهذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثاً نحو قعدت عن الحرب جبناً لا غرضاً يقصد حصوله، ولما لم يكن الازدياد متقدماً على الإملاء هنا، والباعث لا بد أن يكون متقدماً جعلوه استعارة بناءاً على أن سبقه في علم الله تعالى القديم الذي لا يجوز تخلف المعلوم عنه شبهه بتقدم الباعث في الخارج ولا يخفى تعسفه، ولذا قيل: إن الأسهل القول بأن اللام للعاقبة. واعترض بأنه وإن كان أقل تكلفاً إلا أن القول بها غير صحيح لأن هذه الجملة تعليل لما قبلها فلو كان الإملاء لغرض صحيح يترتب عليه هذا الأمر الفاسد القبيح لم يصح ذلك ولم يصلح هذا تعليلاً لنهيهم عن حسبان الإملاء لهم خيراً فتأمل قاله بعض المحققين.

    وقرأ يحيـى بن وثاب بفتح أنما هذه وكسر الأولى وبياء الغيبة في يحسبن على أن الذين كفروا فاعل يحسبن و أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً قائم مقام مفعولي الحسبان، والمعنى ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثم بل للتوبة والدخول في الإيمان وتدارك ما فات، وإنما نملي لهم خير لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله ومعناه أن إملاءنا خير لهم إن انتبهوا وتابوا، والفرق بين القراءتين أن الإملاء على هذه القراءة لإرادة التوبة والإملاء للازدياد منفي، وعلى القراءة الأخرى هو مثبت، والآخر منفي ضمناً ولا تعارض بينهما لأنه عند أهل السنة يجوز إرادة كل منهما ولا يلزم تخلف المراد عن الإرادة لأنه مشروط بشروط كما علمت. وزعم بعضهم أن جملة { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ } الخ حالية أي لا يحسبن في هذه الحالة هذا، وهذه الحالة منافية له / وليس بشيء....

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الثالثة والخمسون

    { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ }

    قال السمين

    قوله: { لِيُبْدِيَ } في هذه اللام قولان أظهرهما: أنها لامُ العلة على أصلها، لأنَّ قَصْدَ الشيطان ذلك. وقال بعضهم: اللام للصيرورة والعاقبة، وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة، فالمعنى: أن أمرهما آيل إلى ذلك. والجواب: أنه يجوزُ أن يُعْلم ذلك بطريق من الطرق المتقدمة في قوله{ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [الاعراف: 17].

    انتهي

    لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { لِيَحْمِلُواْ }: في هذه اللام ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها لامُ الأمرِ الجازمةُ على معنى الحَتْمِ عليهم، والصِّغارِ الموجبِ لهم، وعلى هذا فقد تَمَّ الكلامُ عند قولِه " الأوَّلين " ، ثم اسْتُؤْنِف أَمْرُهم بذلك. الثاني: أنها لامُ العاقبة، أي: كان عاقبةُ قولِهم ذلك، لأنهم لم يقولوا " أساطير " لِيَحْمِلوا، فهو كقولِه تعالى
    { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }
    [القصص: 8]، وقوله:
    2970- لِدُوا للموتِ وابْنُوا للخرابِ ...................................
    الثالث: أنَّها للتعليل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه تعليلٌ مجازيٌّ. قال الزمخشري: " واللامُ للتعليلِ مِنْ غيرِ أن يكونَ غرضاً نحو قولِك: خرجْتُ من البلد مخافةَ الشرِّ ". والثاني: أنه تعليلٌ حقيقةً. قال ابن عطية: - بعد حكاية وجهِ لامِ العاقبة - " ويُحتمل أن تكونَ صريحَ لامِ كي، على معنى: قَدَّر هذا لكذا " انتهى. لكنه لم يُعَلِّقُها بـ " قالوا " إنما قَدَّرَ لها علةَ " كيلا " ، وهو قَدَّر هذا، وعلى قول الزمخشري يتعلَّقُ بـ " قالوا "؛ لأنها ليست لحقيقةِ العلَّةِ. و " كاملةً " حالٌ.

    انتهي

    { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }

    قال السمين:

    قوله: " لِتَفْتَرُوا " في اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: قال الواحدي: " إنه بدلٌ مِنْ { لِمَا تَصِفُ } لأنَّ وصفَهم الكذبَ هو افتراءٌ على الله ". قال الشيخ: " فهو على تقدير جَعْلِ " ما " مصدريةً، أمَّا إذا كانت بمعنى الذي فاللامُ فيها ليست للتعليل فَيُبْدل منها ما يُفْهِمُ التعليلَ، وإنما اللامُ في " لِما " متعلقةٌ بـ " لا تقولوا " على حَدِّ تَعَلُّقِها في قولك: لا تقولوا لِما أَحَلَّ اللهُ: هذا حرامٌ، أي: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حراماً وكما تقول: لا تقلْ لزيدٍ عمراً، أي: لا تُطْلِقْ عليه هذا الاسمَ ". قلت: وهذا وإن كان ظاهراً، إلاَّ أنه لا يمنع من إرادةِ التعليل، وإنْ كانت بمعنى الذي.

    الثاني: أنها للصيرورة إذ لم يَفْعلوه لذلك الغرضِ.

    الثالث: أنها للتعليلِ الصريحِ، ولا يَبْعُدُ أن يَصْدُرَ مثلُ ذلك.

    انتهي

    { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ }

    قال الطبري:

    يقول تعالـى ذكره: فلـما نـجى الله هؤلاء الـمشركين مـما كانوا فـيه من البحر من الـخوف والـحذر من الغرق إلـى البرّ إذا هم بعد أن صاروا إلـى البرّ يشركون بـالله الآلهة والأنداد { لِـيَكْفُرُوا بِـمَا آتَـيْناهُمْ } يقول: لـيجحدوا نعمة الله التـي أنعمها علـيهم فـي أنفسهم وأموالهم. { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } بكسر اللام، بـمعنى: وكي يتـمتعوا آتـيناهم ذلك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { وَلْـيَتَـمَتَّعُوا } بسكون اللام علـى وجه الوعيد والتوبـيخ: أي اكفروا فإنكم سوف تعلـمون ماذا يَـلْقون من عذاب الله بكفرهم به. وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأه بسكون اللام علـى وجه التهديد والوعيد، وذلك أن الذين قرءوه بكسر اللام زعموا أنهم إنـما اختاروا كسرها عطفـا بها علـى اللام التـي فـي قوله: { لِـيَكْفُرُوا } ، وأن قوله { لِـيَكْفُرُوا } لـما كان معناه: كي يكفروا كان الصواب فـي قوله { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } أن يكون: وكي يتـمتعوا، إذ كان عطفـاً علـى قوله: لـيكفروا عندهم، ولـيس الذي ذهبوا من ذلك بـمذهب، وذلك لأن لام قوله { لِـيَكْفُرُوا } صلُـحت أن تكون بـمعنى كي، لأنها شرط لقوله: إذا هم يشركون بـالله كي يكفروا بـما آتـيناهم من النعم، ولـيس ذلك كذلك فـي قوله { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } لأن إشراكهم بـالله كان كفراً بنعمته، ولـيس إشراكهم به تـمتعاً بـالدنـيا، وإن كان الإشراك به يسهل لهم سبـيـل التـمتع بها فإذ كان ذلك كذلك فتوجيهه إلـى معنى الوعيد أولـى وأحقّ من توجيهه إلـى معنى: وكي يتـمتعوا. وبعد فقد ذكر أن ذلك فـي قراءة أُبـيّ: «وتَـمَتَّعُوا» وذلك دلـيـل علـى صحة من قرأه بسكون اللام بـمعنى الوعيد

    وقال السمين

    قوله: { لِيَكْفُرُواْ }: يجوزُ أَنْ تكونَ لامَ كي، وهو الظاهرُ، وأن تكون لامَ أمرٍ.

    قوله: " ولِيَتَمَتَّعوا " قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم وورش بكسرها وهي محتملةٌ للأمرين المتقدمين. والباقون بسكونها. وهي ظاهرةٌ في الأمر. فإنْ كان يُعتقد أن اللامَ الأولى للأمر فقد عطفَ أمراً على مثله، وإن كان يُعتقد أنها للعلةِ، فيكون قد عطف كلاماً على كلام.

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الرابعة والخمسون

    { فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }

    قال السمين:

    قوله: { فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ }: في اللامِ وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ بمعنى إلى. والثاني: أنها للعلةِ أي: لأجلِ التفرُّقِ والاختلافِ ادْعُ للدِّين القيِّمِ.

    قوله: " وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ " يجوزُ أَنْ يكونَ التقديرُ: وأُمِرْت بذلك لأَعْدِلَ. وقيل: وأُمرت أَنْ أَعْدِلَ، فاللامُ مزيدةٌ. وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّك بعد زيادةِ اللام تحتاج إلى تقديرِ حرفِ جر أي: بأَنْ أَعْدِلَ.

    { كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ }

    قال السمين:

    قوله: لتنذرَ به " في متعلَّق هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنها متعلقة بـ " أُنْزِل " أي: أُنْزِلَ إليك للإِنذار، وهذا قول الفراء قال: " اللام في " لتنذرَ " منظوم بقوله " أُنْزِل " على التقديم والتأخير، على تقدير: كتابٌ أُنزل إليك لتنذرَ به فلا يكن ". وتبعه الزمخشري والحوفي وأبو البقاء. وعلى هذا تكونُ جملةُ النهي معترضةً بين العلة ومعلولها، وهو الذي عناه الفراء بقوله " على التقديم والتأخير ".

    والثاني: أن اللامَ متعلقةٌ بما تعلَّق [به] خبر الكون، إذ التقديرُ: فلا يكنْ حرجٌ مستقراً في صدرك لأجل الإِنذار. كذا قاله الشيخ عن ابن الأنباري، فإنه قال: " وقال ابن الأنباري: التقدير: " فلا يكنْ في صدرك حرجٌ منه كي تنذرَ به فَجَعَلَه متعلقاً بما تعلَّق به " في صدرك " ، وكذا علَّقه به صاحب " النظم " ، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ معترضةً ". قلت: الذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللامَ متعلقةٌ بالكون، وعن صاحب " النظم " أن اللام بمعنى " أن " وسيأتي بنصَّيْهما إن شاء الله، فيجوز أن يكون لهما كلامان.

    الثالث: أنها متعلقةٌ بنفس الكون، وهو مذهب ابن الأنباري والزمخشري، وصاحب/ " النظم " على ما نقله الشيخ.

    قال أبو بكر ابن الأنباري: " ويجوز أن تكونَ اللامُ صلةً للكون على معنى: فلا يكن في صدرك شيءٌ لتنذر، كما يقول الرجل للرجل: لا تكن ظالماً ليقضي صاحبك دَيْنَه، فَتَحْمِل لامَ كي على الكون ". وقال الزمخشري: " فإن قلت: بمَ تَعَلَّق به " لتنذر "؟ قلت بـ " أُنْزِل " أي: أُنْزل لإِنذارك به، أو بالنهي، لأنه إذا لم يُخِفْهم أنذرهم، وكذا إذا علم أنه من عند الله شَجَّعه اليقين على الإِنذار ". قال الشيخ: " فقوله بالنهي ظاهره أنه يتعلَّق بفعل النهي، فيكون متعلقاً بقوله " فلا يكن " ، وكان [عندهم] في تعليق المجرور والعمل في الظرف فيه خلافٌ، ومبناه على أنَّ " كان " الناقصة هل تدلُّ على حَدَثٍ أم لا؟ فمن قال إنها تدلُّ على الحدث جوَّز ذلك، ومَنْ قال لا تدلُّ عليه مَنَعَه ". قلت: فالزمخشري مسبوقٌ إلى هذا الوجهِ، بل ليس في عبارته ما يدل على أنه تعلُّق بـ " يكون " بل قال " بالنهي " فقد يريد بما تضمَّنه من المعنى، وعلى تقدير ذلك فالصحيحُ أن الأفعالَ الناقصة كلَّها لها دلالةٌ على الحدث إلا " ليس " ، وقد أقمت على ذلك أدلةً وأَثْبَتُّ من أقوال الناس بما يشهدُ لصحة ذلك كقول سيبويه وأضرابه، في غير هذا الموضوع.

    وقال صاحب " النظم ": " وفيه وجهٌ آخرُ وهو أن تكونَ اللامُ بمعنى أَنْ والمعنى: لا يَضِقْ صدرُك ولا يضعُفْ عن أن تنذرَ به، والعرب تضعُ هذه اللامَ في موضع " أَنْ " كقوله تعالى:{ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } [التوبة: 32] وفي موضع آخر:{ لِيُطْفِئُواْ } [الصف: 8] فهما بمعنى واحد " قلت: هذا قول ساقط جداً، كيف يكون حرفٌ يختصُّ بالأفعال يقع موقع آخرَ مختصٍ بالأسماء؟...

    انتهي

    { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } * { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ }

    قال الرازى


    ثم قال: { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } وفيه قولان: القول الأول: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى:{ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا } [الجن: 19] يعني لفرط ازدحامهم فقوله: { أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الفريق الخبيث. والقول الثاني: المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى:{ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } [التوبة: 35] واللام في قوله: { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ } على القول الأول متعلق بقوله: { يُحْشَرُونَ } والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب، وعلى القول الثاني متعلق بقوله: { ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ثم قال: { أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } وهو إشارة إلى الذين كفروا.

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الخامسة والخمسون

    { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }

    قال الالوسي:

    { لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ } التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية { وَٱلْحِسَابَ } أي ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة، واللام على ما يفهم من «أمالي عز الدين بن عبد السلام» متعلقة بقدر. واستشكل هو ذلك بأن علم العدد والحساب لا يفتقر لكون القمر مقدراً بالمنازل بل طلوعه وغروبه كاف. وذكر بعضهم أن حكمة ذلك صلاح الثمار بوقوع شعاع القمر عليها وقوعاً تدريجياً، وكونه أدل على وجوده سبحانه وتعالى إذ كثرة اختلاف أحوال الممكن وزيادة تفاوت أوصافه أدعى إلى احتياجه إلى صانع حكيم واجب بالذات وغير ذلك مما يعرفه الواقفون على الأسرار؛ وأجاب مولانا سري الدين بأن المراد من الحساب حساب الأوقات بمعرفة الماضي من الشهر والباقي منه وكذا من الليل ثم قال: وهذا إذا علقت اللام ـ بقدره منازل ـ فإن علقته بجعل الشمس والقمر لم يرد السؤال. ولعل الأولى على هذا أن يحمل { ٱلسّنِينَ } على ما يعم السنين الشمسية والقمرية وإن كان المعتبر في التاريخ العربـي الإسلامي السنة القمرية، والتفاوت بين السنتين عشرة أيام وإحدى عشرة ساعة ودقيقة واحدة، فإن السنة الأولى عبارة عن ثلثمائة وخمسة وستين يوماً وخمس ساعات وتسع وأربعين دقيقة على مقتضى الرصد الايلخاني والسنة الثانية عبارة عن ثلثمائة وأربعة وخمسين يوماً وثماني ساعات وثمان وأربعين دقيقة، وينقسم / كل منهما إلى بسيطة وكبيسة وبيان ذلك في محله...

    { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }

    قال السمين:

    قوله تعالى: { لِيَحْمِلُواْ }: في هذه اللام ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها لامُ الأمرِ الجازمةُ على معنى الحَتْمِ عليهم، والصِّغارِ الموجبِ لهم، وعلى هذا فقد تَمَّ الكلامُ عند قولِه " الأوَّلين " ، ثم اسْتُؤْنِف أَمْرُهم بذلك. الثاني: أنها لامُ العاقبة، أي: كان عاقبةُ قولِهم ذلك، لأنهم لم يقولوا " أساطير " لِيَحْمِلوا، فهو كقولِه تعالى{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8]، وقوله:
    2970- لِدُوا للموتِ وابْنُوا للخرابِ ...................................
    الثالث: أنَّها للتعليل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه تعليلٌ مجازيٌّ. قال الزمخشري: " واللامُ للتعليلِ مِنْ غيرِ أن يكونَ غرضاً نحو قولِك: خرجْتُ من البلد مخافةَ الشرِّ ". والثاني: أنه تعليلٌ حقيقةً. قال ابن عطية: - بعد حكاية وجهِ لامِ العاقبة - " ويُحتمل أن تكونَ صريحَ لامِ كي، على معنى: قَدَّر هذا لكذا " انتهى. لكنه لم يُعَلِّقُها بـ " قالوا " إنما قَدَّرَ لها علةَ " كيلا " ، وهو قَدَّر هذا، وعلى قول الزمخشري يتعلَّقُ بـ " قالوا "؛ لأنها ليست لحقيقةِ العلَّةِ. و " كاملةً " حالٌ....

    { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً }

    قال الالوسي:

    قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي قالوا. ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له أو قال الذين مردوا منهم على الكفر وأصروا على العتو والعناد وهم النضر بن الحرث وأتباعه الفجرة فإن الآية نزلت فيهم. واللام في قوله تعالى: { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } للتبليغ كما في قلت له كذا إذا خاطبته به، وقيل لام الأجل أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ورجح الأول بأن قولهم ليس في / حق المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى: { أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } أي المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا: أينا { خَيْرٌ } نحن أو أنتم { مَقَاماً } أي مكاناً ومنزلاً، وأصله موضع القيام ثم استعمل لمطلق المكان.

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة السادسة والخمسون

    { إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ }

    قال ابن عطية

    واللام في قوله { ليكونوا } لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك

    { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ }

    قال السمين

    قوله: { لِلَّذِينَ آمَنُواْ }: يجوزُ أَنْ تكونَ لامَ العلة أي: لأجلِهم، وأَنْ تكونَ للتبليغ، ولو جَرَوْا على مقتضى الخطابِ لَقالوا: ما سَبَقْتُمونا، ولكنهم التفَتُوا فقالوا: ما سَبَقُوْنا. والضميرُ في " كان " وإليه عائدان على القرآن، أو ما جاء به الرسولُ انتهي

    { وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى }

    قال السمين:

    قوله: { لِيَجْزِيَ }: في هذه اللامِ أوجهٌ: أحدها: أَنْ تتعلَّقَ بقولِه: { لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ } ذكره مكي. وهو بعيدٌ من حيث اللفظُ ومن حيث المعنى. الثاني: أَنْ تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: { وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ } أي: له مِلْكُهما يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدي مَنْ يشاء ليجزيَ المحسنَ والمسيءَ. الثالث: أَنْ تتعلَّق بقولِه: " بمنْ ضَلَّ وبمَنْ اهتدى ". واللام للصيرورةِ أي: عاقبة أمرهم جميعاً للجزاءِ بما عملوا، قال معناه الزمخشري. الرابع: أن تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: { أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ } أي: حَفِظ ذلك ليجزيَ، قاله أبو البقاء

    وقال الرازى

    وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزمخشري: ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله: { لِيَجْزِىَ } كاللام في قوله تعالى:{ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } [النحل: 8] وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال: { وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال، وقال الواحدي: اللام للعاقبة كما في قوله تعالى:{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً } [القصص: 8] أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدواً، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى، لأن الغرض نهاية الفعل، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر، يقال: سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية، ويمكن أن يقال: هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال: إن قوله: { لِيَجْزِىَ } متعلق بقوله: ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات، تقديره كأنه قال: هو أعلم بمن ضل واهتدى: { لِيَجْزِىَ } أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء، والله أعلم به، فيصير قوله: { وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأًرْضِ } كلاماً معترضاً، ويحتمل أن يقال: هو متعلق بقوله تعالى:{ فَأَعْرَضَ } [النجم: 29] أي أعرض عنهم ليقع الجزاء، كما يقول المريد فعلاً لمن يمنعه منه زرني لأفعله، وذلك لأن ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس، انتهي

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة السابعة والخمسون

    { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً }

    قال القرطبي

    قال الجُرْجَانِيّ: اللام في قوله تعالى: { لِعِدَّتِهِنَّ } بمعنى في كقوله تعالى:{ هُوَ ٱلَّذِى أخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ ٱلكتاب مِنْ دِيَارِهِمْ لأول ٱلحْشْرِ }الحشر:2]. أي في أوّل الحشر. فقوله: { لِعِدَّتِهِنَّ } أي في عدتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن. وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه. ففيه دليل على أن القُرْء هو الطُّهر. وقد مضى القول فيه في «البقرة» فإن قيل: معنى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي في قُبُل عدتهن، أو لِقبُل عدتهن. وهي قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره. فقُبُل العِدّة آخرُ الطُّهر حتى يكون القرء الحيض، قيل له: هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله على أن الأقراء هي الأطهار. ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن يقال: إن من طلق في أوّل الطُّهر لا يكون مطلقاً لقُبُل الحيض لأن الحيض لم يُقبل بعد. وأيضاً إقبال الحيض يكون بدخول الحيض وبانقضاء الطُّهر لا يتحقق إقبال الحيض. ولو كان إقبال الشيء إدبار ضدّه لكان الصائم مفطراً قبل مغيب الشمس إذ الليل يكون مقبلاً في إدبار النهار قبل انقضاء النهار. ثم إذا طلق في آخر الطُّهر فبقية الطُّهر قُرْء، ولأن بعض القُرْء يسمّى قرءاً لقوله تعالى:{ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ } [البقرة:197] يعني شوّالاً وذا القعدة وبعض ذي الحجة لقوله تعالى:{ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } [البقرة:203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني....

    وقال الالوسي

    فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت نحو كتبته لأربع ليال يقين من جمادى الأولى، أو مستقبلات لها على ما قدره الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بما فيه نظر.

    واعتبار الاستقبال رأي من يرى أن العدة بالحيض - وهي القروء في آية البقرة كالإمام أبـي حنيفة ـ ليكون الطلاق في الطهر وهو الطلاق المأمور به، والمراد بالأمر بإيقاعه في ذلك، النهيُ عن إيقاعه في الحيض. وقد صرحوا جميعاً بأن ذلك طلاق بدعي حرام، وقيد الطهر بكونه لم يجامعن فيه، واستدل لذلك، ولاعتبار الاستقبال بما أخرجه الإمامان: مالك والشافعي والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون " عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء "

    وقرأ النبـي صلى الله عليه وسلم ـ يا أيها النبـي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُل عدتهن ـ وكان ابن عمر كما أخرج عنه ابن المنذر وغيره يقرأ كذلك وكذلك ابن عباس، وفي رواية عنهما أنهما قرآ (لقبل عدتهن).

    ومن يرى أن العدة بالاطهار ـ وهي القروء ـ في تلك الآية كالإمام الشافعي - يعلق لام التوقيت بالفعل ولا يعتبر الاستقبال، واعترض على التأويل بمستقبلات لعدتهن بأنه إن أريد التلبس بأولها فهو للشافعي، ومن يرى رأيه لا عليه وعلى الخالف لا له، وإن أريد المشارفة عادة فخلاف مقتضى اللفظ لأن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التأقيت والاختصاص بذلك الوقت لا استقبال الوقت، وعلى الاستدلال بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما تضمنه الحديث السابق بأن قُبُلَ الشيء أوله نقيض دبره فهي مؤكدة لمذهب الشافعي لا دافعة له، ويشهد لكون العدة بالأطهار قراءة ابن مسعود ـ لقبل طهرهن ـ ومنهم من قال: التقدير لأطهار عدتهن، وتعقب بأنه إن جعلت الإضافة بمعنى ـ من ـ دل على أن القرء هو الحيض والطهر معاً، وإن جعلت بمعنى اللام فيكفي ما في قولك لأطهار الحيض من التنافر رداً مع ما فيه من الإضمار من غير دليل.

    وفي «الكشاف» ((المراد ـ أي من الآية ـ أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهو أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعد من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقها للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار، وقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث، مجموعة كانت أو مفروقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد / فأما مفروقاً في الأطهار فلا لما روي " عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: ما هكذا أمرك الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة " وروي " أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر: مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء " وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح، فمالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت)) انتهى.

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الثامنة والخمسون

    { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

    قال السمين

    قوله: { لِمَنْ أَرَادَ } في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلقٌ بيُرْضِعْنَ، وتكونُ اللامُ للتعليلِ، و " مَنْ " واقعةٌ على الآباء، أي: الوالدات يُرْضِعْنَ لأجلِ مَنْ أَرادَ إتمام الرضاعةِ من الآباءِ، وهذا نظيرٌ قولِك: " أَرْضَعَتْ فلانةٌ لفلانٍ ولدَه ". والثاني: أنها للتبيين، فتتعَلَّق بمحذوفٍ، وتكونُ هذه اللامُ كاللام في قوله تعالى:{ هَيْتَ لَكَ } [يوسف: 23]، وفي قولهم: " سُقْياً لك ". فاللامُ بيانٌ للمدعوِّ له بالسَّقْي وللمُهَيَّتِ به، وذلك أنه لمّا ذَكَر أنَّ الوالداتِ يُرْضِعْنَ أولاَدَهُنَّ حولينِ كاملينِ بيَّن أنَّ ذلكَ الحكمَ إنما هو لِمَنْ أرادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَة. و " مَنْ " تحتمل حينئذ أن يُرادَ بها الوالداتُ فقط أو هُنَّ والوالدون معاً. كلُّ ذلك محتملٌ. والثالث: أنَّ هذه اللامَ خبرٌ لمبتدأ محذوفٌ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقديرُ: ذلك الحكمُ لِمَنْ أرادَ. و " مَنْ " على هذا تكونُ للوالداتِ والوالدَيْنِ معا.انتهي

    { أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }

    قال السمين:

    وقوله: { لقوم } في هذه [اللام] ثلاثةُ أوجهٍ

    أحدها: أن يتعلَّقَ بنفسِ " حكماً " إذ المعنى أنَّ حكمَ اللَّهِ للمؤمن على الكافر،

    والثاني: أنا للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوف كهي في " سُقْياً لك "{ هَيْتَ لَكَ } [يوسف: 23] وهو رأي الزمخشري، وابن عطية قال شيئاً قريباً منه، وهو أن المعنى: " يُبَيِّن ذلك ويُظْهِرُه لقوم "

    الثالث: أنها بمعنى " عند " أي: عند [قوم] وهذا ليس بشي. ومتعلَّقُ " يوقنون " يجوز أن يُراد، وتقديرُه: يوقنون بالله وبحكمه، أو بالقرآن، ويجوز ألاَّ يُرادَ على معنى وقوع الإِيقان، وإليه ميلُ الزجاج فإنه قال: " يوقنون: يتبيِِّنون عَدْلَ اللِّهِ في حكمه

    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً }

    قال السمين

    قوله: { لِمَا تَأْمُرُنَا }: قرأ الأخَوان " يأْمُرُنا " بياءِ الغَيْبة يعني محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. والباقون بالخطاب يعني: لِما تأمرنا أنت يا محمد. و " ما " يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي. والعائدُ محذوفٌ؛ لأنه متصلٌ؛ لأنَّ " أَمَرَ " يَتَعَدَّى إلى الثاني بإسقاطِ الحرفِ. ولا حاجةَ إلى التدريجِ الذي ذكره أبو البقاء: وهو أنَّ الأصلَ: لِما تَأْمُرنا بالسُّجودِ له، ثم بسجودِه، ثم تَأْمُرُناه، ثم تأْمُرُنا. كذا قَدَّره، ثم قال: هذا على مذهبِ أبي الحسن، وأَمَّا على مذهبِ سيبويهِ فَحَذْفُ ذلك مِنْ غيرِ تَدْريج ". قلت: وهذا ليس مذهبَ سيبويه. ويجوزُ أَنْ تكونَ موصوفةً، والكلامُ في عائِدها موصوفةً كهي موصولةً. ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، وتكونَ اللامُ للعلةِ أي: أَنَسجُدُ مِنْ أجلِ أَمْرِكَ، وعلى هذا يكونُ المسجودُ له محذوفاً. أي: أَنَسْجُدُ للرحمن لِما تَأْمُرُنا. وعلى هذا لا تكونُ " ما " واقعةً على العالِم. وفي الوجهين الأوَّلَيْن يُحْتمل ذلك، وهو المتبادَرُ للفَهْمِ.

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة التاسعة والخمسون

    إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }

    قال الالوسي:

    وقرأ أبو بكر وابن عامر وحمزة { ليسوء } على التوحيد والضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث المدلول عليه بالجزاء المحذوف، والإسناد مجازي على الأخيرين وحقيقي على الأول، ويؤيده قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي والكسائي { لنسوء } بنون العظمة فإن الضمير لله تعالى لا يحتمل غير ذلك، وقرأ أبـي (لنسؤن) بلام الأمر ونون العظمة أوله ونون التوكيد الخفيفة آخره ودخلت لام الأمر على فعل المتكلم كما في قوله تعالى:{ وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } [العنكبوت: 12] وجواب (إذا) على هذه القراءة هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء لأنها لا تقع جواباً بدونها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضاً (لنسوءن) و(ليسوءن) بالنون والياء أولاً ونون التوكيد الشديدة آخراً، واللام في ذلك / لام القسم والجملة جواب القسم سادة مسد جواب (إذا).

    واللام في قوله تعالى: { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ } لام كي والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله وهو متعلق ببعثنا المحذوف أيضاً، وجوز أن يتعلق بمحذوف غيره فيكون العطف من عطف جملة على أخرى، وعلى القراءة بلام الأمر أو لام القسم فيما تقدم يجوز أن تكون اللام لام الأمر وأن تكون لام كي....

    فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }

    قال السمين:

    قوله: { فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ }: في اللامِ وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ بمعنى إلى. والثاني: أنها للعلةِ أي: لأجلِ التفرُّقِ والاختلافِ ادْعُ للدِّين القيِّمِ

    { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } * { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

    قال ابن عطية:

    وقوله: { ولذلك خلقهم } اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة: ولشهود اليوم المشهود - المتقدم ذكره- خلقهم، وقالت فرقة: ذلك إشارة إلى قوله - قبل -{ فمنهم شقي وسعيد } [هود: 105] أي لهذا خلقهم.

    قال القاضي أبو محمد: وهذان المعنيان وإن صحا فهذا العود المتباعد ليس بجيد؛ وروى أشهب عن مالك أنه قال: ذلك إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير.

    قال القاضي أبو محمد: فجاءت الإشارة بذلك إلى الأمرين: الاختلاف والرحمة وقد قاله ابن عباس واختاره الطبري ويجيء - عليه - الضمير في { خلقهم } للصنفين وقال مجاهد وقتادة ذلك عائد على الرحمة التي تضمنها قوله: { إلا من رحم } ، أي وللرحمة خلق المرحومين، قال الحسن، وذلك إشارة إلى الاختلاف الذي في قوله: { ولا يزالون مختلفين }.

    قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بخلقهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إن قاعدة الشرع أن الله عز وجل خلق خلقاً للسعادة وخلقاً للشقاوة، ثم يسر كلاًّ لما خلق له، وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو أمارة الشقاوة وبه علق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا وللاختلاف خلقهم: أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة. ويصح أن يجعل اللام في قوله: { ولذلك } لام الصيرورة أي وخلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك، وإن لم يقصد بهم الاختلاف.

    قال القاضي أبو محمد: ومعنى قوله{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56] أي لآمرهم بالعبادة، وأوجبها عليهم، فعبر عن ذلك بثمرة الأمر ومقتضاه.

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,000
    الجوهرة الستون

    { إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }

    قال القرطبي:

    الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: { إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ } خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراجَ سهم يؤدّونه إلى من لا مال له، نيابة عنه سبحانه فيما ضمِنه بقوله:{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } [هود: 6].

    الثانية ـ قوله تعالىٰ: { لِلْفُقَرَآءِ } تبيِين لمصارف الصدقات والمحلّ؛ حتى لا تخرج عنهم. ثم الإختيار إلى مَن يقسم؛ هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما. كما يُقال: السّرج للدابة والباب للدار. وقال الشافعيّ: اللام لام التمليك؛ كقولك: المال لزيد وعمرو وبكر، فلا بدّ من التسوية بين المذكورين. قال الشافعيّ وأصحابه: وهذا كما لو أوْصَى لأصناف معينين أو لقوم معيّنين. واحتجوا بلفظه «إنما» وأنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف، وعَضَدُوا هذا بحديث " زياد بن الحارث الصُّدّائيّ قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبعث إلى قومي جيشاً فقلت: يا رسول الله، ٱحبس جيشك فأنَا لك بإسلامهم وطاعتهم، وكتبتُ إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أخا صُداء المطاعُ في قومه». قال: قلت بل مَنّ الله عليهم وهداهم؛ قال: ثم جاءه رجل يسأله عن الصدقات، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبيّ ولا غيره حتى جزّأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك» " رواه أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ.......

    يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ }

    قال القرطبي:

    قوله تعالى: { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } أي هذا الذي انقلب على وجهه يدعو مَن ضرّه أدنى من نفعه أي في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعاً أصلاً، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه ترفيعاً للكلام كقوله تعالى:{ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [سبأ: 24]. وقيل: يعبدونهم تَوَهُّمَ أنهم يشفعون لهم غداً كما قال الله تعالى:{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]. وقال تعالى:{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]. وقال الفرّاء والكسائي والزجاج: معنى الكلام القسم والتأخير أي يدعو واللَّهِ لمن ضره أقرب من نفعه. فاللام مقدّمة في غير موضعها. و«مَن» في موضع نصب بـ«ـيدعو» واللام جواب القَسَم. و«ضَرُّه» مبتدأ. و«أقْرَبُ» خبره. وضعّف النحاس تأخير اللام وقال: وليس لِلاّم من التصرّف ما يوجب أن يكون فيها تقديم ولا تأخير. قلت: حق اللام التقديم وقد تؤخّر قال الشاعر:
    خالِي لأنت ومَن جَرِيرٌ خالُه ينلِ العَلاَء ويُكرِم الأخوالا
    أي لخالي أنت وقد تقدم. النحاس: وحكى لنا عليّ بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذف والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلٰهاً. قال النحاس: وأحسِب هذا القول غلطاً على محمد بن يزيد لأنه لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إلٰه، وما أحسِب مذهب محمد بن يزيد إلا قول الأخفش، وهو أحسن ما قيل في الآية عندي، والله أعلم، قال: «يدعو» بمعنى يقول. و«من» مبتدأ خبره محذوف، والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلٰهُه. قلت: وذكر هذا القول القشيريّ رحمه الله عن الزجاج والمهدوِيّ عن الأخفش، وكمّل إعرابه فقال: «يدعو» بمعنى يقول، و«من» مبتدأ، و«ضره» مبتدأ ثانٍ، و«أقرب» خبره، والجملة صلة «مَن»، وخبر «مَن» محذوف، والتقدير يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه ومثله قول عنترة:
    يدعون عَنْتَرُ والرّماحُ كأنها أشْطَانُ بئر في لَبان الأدْهَمِ
    قال القشيري: والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضَرُّه أقربُ من نفعه ولكن المعنى يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين معبودي وإلٰهي. وهو كقوله تعالى:{ يٰأَيُّهَا ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّك } [الزخرف: 49] أي يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحراً. وقال الزجاج: يجوز أن يكون «يدعو» في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي في حال دعائه إياه ففي «يدعو» هاء مضمرة، ويوقف على هذا على «يدعو». وقوله: «لَمَنْ ضَرُّهُ أقربُ مِن نفعِهِ» كلام مستأنف مرفوع بالابتداء، وخبره «لَبِئْسَ الْمَوْلَى»، وهذا لأن اللام لليَمين والتوكيد فجعلها أوّل الكلام. قال الزجاج: ويجوز أن يكون «ذلك» بمعنى الذي، ويكون في محل النصب بوقوع «يدعو» عليه أي الذي هو في الضلال البعيد يدعو كما قال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] أي ما الذي. ثم قوله: «لَمَنْ ضَرُّه» كلام مبتدأ، و«لَبِئْسَ الْمَوْلَى» خبر المبتدأ وتقدير الآية على هذا: يدعو الذي هو الضلال البعيد قدّم المفعول وهو الذي كما تقول: زيداً يضرب واستحسنه أبو عليّ. وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول وأنشد:
    عَدَسْ ما لعبّادٍ عليك إمارةٌ نَجَوْتِ وهذا تَحْمِلِين طَلِيق
    أي والذي. وقال الزجاج أيضاً والفَرّاء: يجوز أن يكون «يدعو» مكررّة على ما قبلها، على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، ولا تُعدّيه إذ قد عدّيته أوّلاً أي يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو مثل ضربت زيداً ضربت، ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاء بالأولى. قال الفرّاء: يجوز «لِمَنْ ضَرُّهُ» بكسر اللام أي يدعو إلى مَن ضره أقرب من نفعه، قال الله عز وجل:{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } [الزلزلة: 5] أي إليها. وقال الفراء أيضاً والقَفّال: اللام صلة أي يدعو من ضره أقرب من نفعه أي يعبده. وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود.....

    وقال الالوسي

    يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } استئناف يبين مآل دعائه وعبادته غير الله تعالى ويقرر كون ذلك ضلالاً بعيداً من إزاحة ما عسى أن يتوهم من نفي الضرر عن معبوده بطريق المباشرة نفيه عنه بطريق التسبب أيضاً فالدعاء هنا بمعنى القول كما في قول عنترة:
    يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
    واللام داخلة في الجملة الواقعة مقولاً له وهي لام الابتداء و(من) مبتدأ و { ضَرُّهُ أَقْرَبُ } مبتدأ وخبر والجملة صلة له.

    وقوله تعالى: { لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ } جواب قسم مقدر واللام فيه جوابية وجملة القسم وجوابه خبر { مِنْ } أي يقول الكافر يوم القيامة يرفع صوت وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه ولا يرى منه أثراً مما كان يتوقعه منه من النفع لمن ضره أقرب تحققاً من نفعه والله لبئس الذي يتخذ ناصراً ولبئس الذي يعاشر ويخالط فكيف بما هو ضرر محض عار عن النفع بالكلية، وفي هذا من المبالغة في تقبيح حال الصنم والإمعان في ذمه ما لا يخفى، وهو سر إيثار (من) على (ما) وإيراد صيغة التفضيل، وهذا الوجه من الإعراب اختاره السجاوندي والمعنى عليه مما لا إشكال فيه. وقد ذهب إليه أيضاً جار الله، وجوز أن يكون { يَدْعُو } هنا إعادة ليدعو السابق تأكيداً له وتمهيداً لما بعد من بيان سوء حال معبوده إثر معبوده إثر بيان سوء حال عبادته بقوله تعالى:{ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } [الحج: 12] كأنه قيل من جهته سبحانه بعد ذكر عبادة الكافر ما لا يضره ولا ينفعه يدعو ذلك ثم قيل لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفعياً والله لبئس المولى الخ، ولا تناقض عليه أيضاً إذ الضر المنفي ما يكون بطريق المباشرة والمثبت ما يكون بطريق التسبب، وكذا النفع المنفي هو الواقعي والمثبت هو التوقعي، قيل ولهذا الإثبات عبر بمن فإن الضر والنفع من شأنهما أن يصدرا عن العقلاء، وفي «إرشاد العقل السليم» أن يراد كلمة (من) وصيغة التفضيل على تقدير أن يكون ذلك إخباراً من جهته سبحانه عن سوء حال معبود الكفرة للتهكم به. ولا مانع عندي أن يكون ذلك كما في التقدير الأول للمبالغة في قبيح حال الصنم والإمعان في ذمه.

    واعترض ابن هشام على هذا الوجه بأن فيه دعوى خلاف الأصل مرتين إذ الأصل عدم التوكيد والأصل أن لا يفصل المؤكد عن توكيده ولا سيما في التوكيد اللفظي

    وقال الأخفش: إن { يَدْعُو } بمعنى يقول واللام للابتداء ومن موصول مبتدأ صلته الجملة بعده وخبره محذوف تقديره إلٰه أو إلٰهي، والجملة محكية بالقول. واعترض بأنه فاسد المعنى لأن هذا القول من الكافر إنما يكون في الدنيا وهو لا يعتقد فيها أن الأوثان ضرها أقرب من نفعها.

    وأجيب بأن المراد إنكار قولهم بألوهية الأوثان إلا أن الله تعالى عبر عنها بما ذكر للتهكم. نعم الأولى أن يقدر الخبر مولى لأن قوله تعالى: { لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ } أدل عليه، ومع هذا لا يخفى بعد هذا الوجه، وقيل: { يَدْعُو } مضمن معنى يزعم وهي ملحقة بأفعال القلوب لكون الزعم قولاً مع اعتقاد. واللام ابتدائية معلقة للفعل ومن / مبتدأ وخبرها محذوف كما في الوجه السابق، والجملة في محل نصب بيدعو، وإلى هذا الوجه أشار الفارسي ولا يخفى عليك ما فيه.

    وقال الفراء: إن اللام دخلت في غير موضعها والتقدير يدعو من لضره أقرب من نفعه فمن في محل نصب بيدعو. وتعقبه أبو حيان وغيره بأنه بعيد لأن ما في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول، وقال ابن الحاجب: قيل اللام زائدة للتوكيد و(من) مفعول (يدعو) وليس بشيء لأن اللام المفتوحة لا تزاد بين الفعل ومفعوله لكن قوي القول بالزيادة هنا بقراءة عبد الله { يدعو من ضره } بإسقاط اللام، وقيل: { يَدْعُو } بمعنى يسمى وَ { مِنْ } مفعوله الأول ومفعوله الثاني محذوف أي إلٰهاً، ولا يخفى عليك ما فيه، وقيل: إن (يدعو) ليست عاملة فيما بعدها وإنما هي عاملة في ذلك قبلها وهو موصول بمعنى الذي، ونقل هذا عن الفارسي أيضاً، وهو على بعده لا يصح إلا على قول الكوفيين إذ يجيزون في اسم الإشارة مطلقاً أن يكون موصولاً، وأما البصريون فلا يجيزون إلا في ذا بشرط أن يتقدمها الاستفهام بما أو(من)، وقيل هي عاملة في ضمير محذوف راجع إلى ذلك أي يدعوه، والجملة في موضع الحال والتقدير ذلك هو الضلال البعيد مدعواً وفيه مع بعده أن { يَدْعُو } لا يقدر بمدعواً وإنما يقدر بداعياً والذي يقدر بمدعواً إنما هو يدعى المبني للمفعول، وقيل: { يَدْعُوا } عطف على { يَدْعُوا } [الحج: 12] الأول وأسقط حرف العطف لقصد تعداد أحوال ذلك المذبذب واللام زائدة و { مِنْ } مفعول { يَدْعُوا } وهي واقعة على العاقل والدعاء في الموضعين إما بمعنى العبادة وإما بمعنى النداء، والمراد إما بيان حال طائفة منهم على معنى أنهم تارة يدعون ما لا يضر ولا ينفع وتارة يدعون من ضره أقرب من نفعه، وإما بيان حال الجنس باعتبار ما تحته على معنى أن منهم من يدعو ما لا يضر ولا ينفع ومنهم من يدعو من ضره أقرب من نفعه وهو كما ترى، وبالجملة أحسن الوجوه أولها.

صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •