قال المنطقيُّون إنَّ من القضايا السَّالبة الكلِّيَّة ما لا ينعكس، وهي الوقتيَّات والوجوديّات والممكنتان (وكذلك ‏الحينيّات)، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ أخصَّ هذه القضايا الوقتيَّة، وهي لا تنعكس، فلا ينعكس ما هو أعمُّ ‏منها.‏
أمَّا أنَّ الوقتيَّة لا تنعكس فلقولنا: (لا شيء من النَّامي ميت بالضَّرورة وقت تنفُّسه لا دائماً) مع كذب قولنا: ‏‏(ليس بعض المتنفس نامياً بالإمكان العامِّ)، والإمكان أعمُّ الجهات، فلا يصدق العكس.‏
وأمَّا أنَّه لا ينعكس ما هو أعمُّ من الوقتيَّة فلأن كلَّ أخصَّ أعمُّ، فكلُّ ما يكون لازماً للأعمِّ يكون لازماً ‏للأخصِّ.‏
ثمَّ يُبنى هذا القياس:‏
كلَّما كان ما هو أعمُّ من الوقتيَّة منعكساً كانت الوقتيَّة منعكسة
لكن: ليست الوقتيَّة منعكسة
إذن: ليس ما هو أعمُّ من الوقتيَّة منعكساً.‏

ااااا

لكن قد يقال إنَّ كلَّ سالبة (كلية وجزئية) مركبة من جزء اللادوام فاللَّازم كونها منعكسة، فإنَّ كلّاً من هذه ‏المركَّبات جزؤها مفيدٌ مطلقةً عامة موجبة (لأن مقتضى لا دوام السالبة موجبة مطلقة عامة)، والمطلقة ‏العامَّة الموجبة تنعكس مطلقة عامَّة موجبة، وما يكون لازماً للجزء يكون لازماً للكلِّ (كما أنَّ كلَّ ما هو ‏لازم للحيوانيَّة لازم للإنسانيَّة، فإذ لزم من هذا الجزء الانعكاس لزم الانعكاس من الكلِّ)، وقد نصَّ القطب ‏في شرح المطالع -في فصل العكس عند قول السِّراج: (أمَّا الموجبات)- على هذا بقوله: "انعكاس القضيّة ‏مستلزم لانعكاسها مع غيرها ضرورة أنَّ لازم الجزء لازم الكلِّ".‏
فيلزم أن تكون كلُّ قضيَّة سالبة مركَّبة وجزؤها الثَّاني اللادوام منعكسة، كان الجزء الأوَّل منها منعكساً أو ‏لم يكن.‏
وقد اعتبر المنطقيُّون انعكاس جزء من المركَّبة وإن لم يكن الجزء الآخر منعكساً، كالموجبات الوقتيَّتين ‏والوجوديَّتين. فمثلاً لو قلنا: (كلُّ حيوان ميت بالفعل لا دائماً) ففكُّ (لا دائماً) هو: (لا شيء من الحيوان ‏ميت بالفعل)، وهذا الجزء لا ينعكس، فلذلك اكتفوا باعتبار انعكاس الجزء الأوَّل (كلُّ حيوان ميت بالفعل)، ‏ولذا قالوا إنَّ الوجوديَّة اللادائمة تنعكس مطلقة عامَّة.‏
وبعبارة أخرى: كلُّ واحدة من هذه القضايا السَّالبة المركبَّة وجزؤها اللَّادوام تصدق مطلقة عامَّة موجبة، ‏فالمطلقة العامَّة الموجبة أعمُّ منها كلِّها، ولمَّا ثبت أنَّ لازم الأعمِّ لازم للأخصِّ ثبت أنَّ كلَّها يثبت لها حكم ‏الانعكاس.‏
فاللَّازم من هذا أنَّ تلك الموجبات المركَّبة (الوقتيَّة والمنتشرة والحينيَّة المطلقة والحينية الممكنة والوجوديَّة) ‏اللّادائمات تنعكس جميعاً مطلقة عامَّة موجبة (جزئيَّة).‏
وعليه فالقول إنَّ هذه القضايا لا تنعكس باطل، فمعنى عدم الانعكاس أن لا يلزم من ثبوت العلاقة بين ‏الطَّرفين في الأصل علاقة بين الطَّرفين باعتبار التَّبديل، أي في حال وضع المحمول موضوعاً والموضوع ‏محمولاً أو المقدَّم تالياً والتَّالي مقدَّما.‏
فمثلاً عندما نقول إنَّ السَّالبة الجزئيَّة لا تنعكس نريد بهذا أنَّه لا يلزم أيٌّ من المحصورات الأربع إن بدَّلنا ‏طَرَفيها، بل إنَّ صورة السَّالبة الجزئيَّة تصدق مع صدق المحصورات الأربع مع تبديل الطَّرفَين، مثل:‏
ليس بعض الحيوان إنساناً... كلُّ إنسان حيوان، بعض الإنسان حيوان.‏
ليس بعض الحيوان أبيض، بعض الأبيض حيوان، ليس بعض الأبيض حيواناً.‏
ليس بعض الحيوان حجراً، لا شيء من الحجر حيوان، ليس بعض الحجر حيواناً.‏
ولمَّا لم تخل قضيَّة من أن تكون إحدى هذه (كالشَّخصيَّة والمهملة والطَّبيعيَّة) فلا تكون السَّالبة الجزئيَّة ‏مفيدة للعلم بالعلاقة بين الطَّرفين بعد التَّبديل، لصحَّة كلِّ الاحتمالات.‏
وبعبارة ثانية: لم يلزم من صدق السَّالبة الجزئيَّة بحسب صورتها صدق أيٍّ من المحصورات الأربع، ‏والعكس يكون بأن يلزم بعض هذه.‏
وبعبارة ثالثة: لمَّا صدقت السَّالبة الجزئيَّة مع عدم حكم مشترك بين الاحتمالات بعد التبديل لم يكن هناك ‏قضيَّة هي العكس لها.‏
وكذا في الموجَّهات، فمثلاً عندما نقول إنَّ السَّالبة الكلِّيَّة المطلقة العامَّة لا تنعكس فمعنى هذا أنَّه لا يلزم ‏من صدقها صدق أيِّ علاقة ببن الطَّرفين باعتبار التَّبدُّل، مثل:‏
لا شيء من الجسم متنفِّس بالفعل... كلُّ متنفِّس جسم بالضَّرورة، ودائماً، وبالفعل، وبالإمكان. وبعض ‏المتنفِّس جسم...‏
لا شيء من الجسم قديم بالفعل... لا شيء من القديم جسم بالضَّرورة، ودائماً، وبالفعل، وبالإمكان. وليس ‏بعض القديم جسماً...‏
فلا يلزم من صدق المطلقة العامَّة السَّالبة الكلِّيَّة صدق علاقة بعينها بين الطذَرفين بعد التَّبديل، فلذا قلنا ‏إنَّها لا عكس لها.‏
أمَّا الذي البحث فيه هنا فنجزم بأنَّ هناك لازماً مطَّرداً بعد التَّبديل لكلٍّ من تلك القضايا، فهي منعكسة ‏بالضَّرورة، فليست غير منعكسة.‏
ااااااا
إذا ما ثبت هذا لزم استشكال آخر لما قال المنطقيُّون، فإنَّهم قالوا في تعريف العكس المستوي إنَّه مع بقاء ‏الكيف، وهنا يكون انعكاس تلك السَّوالب إلى مطلقة عامَّة موجبة، فيكون هنا مخالفة في الكيف.‏
وسبب قولهم بأنَّ العكس المستوي يكون موافقاً في الكيف إمَّا أن يكون لمجرَّد الاصطلاح أو لأمر وراء ‏ذلك. فإن كان لمجرَّد الاصطلاح صحَّ أن نقول إنَّ الوقتيَّة مثلاً لا عكس لها لأنَّ اللَّازم بعد التَّبديل ‏مخالف في الكيف، فلا يُسمَّى عكساً. لكنِّي لم أجد من يقول إنَّه لمجرَّد الاصطلاح.‏
وإن كان لأمر وراء الاصطلاح فإمَّا للزوم الموافقة في الكيف أو لمجرَّد الاستقراء.‏
قال السَّعد في شرح الشَّمسيَّة: "والمراد ببقاء الكيف أنَّ الأصل إن كان موجباً كان العكس موجباً ‏وإن كان ‏سالباً كان سالباً، وذلك لأنَّ العكس لازم من لوازم الأصل، والموجب قد يتخلَّف عن ‏السَّالب وبالعكس، فإنَّ ‏في نحو قولنا: (كلُّ إنسان ناطق)، لا يصدق العكس سالباً، أعني قولنا: ‏‏(بعض النَّاطق ليس بإنسان)، وفي ‏نحو قولنا: (لا شيء من الإنسان بفرس) لا يصدق العكس ‏موجبا، أعني قولنا: (بعض الفرس إنسان). ‏فاللازم المنضبط هو الموافق في الكيف" [شرح ‏الشَّمسيَّة للسَّعد 289-290].‏
وقال القطب في شرح الشَّمسيَّة: "والمراد ببقاء الكيف أنَّ الأصل لو كان موجباً كان العكس أيضاً موجباً، ‏وإن كان سالباً فسالباً. وإنَّما وقع الاصطلاح عليه لأنَّهم تتبَّعوا القضايا فلم يجدوها في الأكثر بعد التَّبديل ‏صادقة لازمة إلا موافقة لها في الكيف" [شرح الشمسية للقطب 2\143-144]. وقال القطب بمثله في ‏شرح المطالع.‏
علَّق السَّيالكوتي على قول القطب "قال: (وإنَّما وقع الاصطلاح... إلخ) أي ليس هذا الشَّرط مجرَّد ‏اصطلاح، بل هناك شرط آخر يستدعي اعتباره. قال: (لأنَّهم تتبَّعوا القضايا... إلخ) أي القضايا المستعملة ‏في العلوم، فما وجدوا في أكثرها بعد التَّبديل صادقة لازمة لها إلا قضيَّة موافقة في الكيف لا مخالفة لها ‏فيه. وإنَّما قال: (في الأكثر) إشارة إلى أنَّ هذا استقراء ناقص يفيد الظنَّ بذلك الحكم المبنيِّ عليه ‏الاصطلاح المذكور، وليس المقصود أنَّهم وجدوا في الأقلِّ قضيَّة صادقة لازمة موافقة مخالفة لها فيه على ‏ما وهم بعض النَّاظرين، ومثاله كقولنا: (كلُّ <إنسان> حيوان)، فإنَّه بعد التَّبديل يصدق: (بعض الحيوان ‏إنسان) و (بعض الحيوان ليس بإنسان)، لأنَّ (بعض الحيوان ليس بإنسان) ليس لازمة لها، كيف ولا لزوم ‏بين الإيجاب والسَّلب"؟!‏
ومراد السَّيالكوتي من قوله: (وليس المقصود...) أنَّ من النَّاس من وهم أنَّ (ليس بعض الحيوان إنساناً) ‏لازم من: (كلُّ إنسان حيوان)، وبنى على هذا أنَّ من القضايا ما يكون عكسه مخالفاً في الكيف.‏
وبطلان هذا الوهم يتبيَّن بقليل نظر، فإنَّنا ننظر إلى الكلِّيَّة الموجبة من حيث صورتها، وهي لا تستلزم ‏السَّالبة الجزئيَّة بعد تبديل الطَّرفين كما في حال التَّساوي كقولنا: (كلُّ حادث مخلوق)، فالصَّادق (كلُّ ‏مخلوق حادث)، ولا يصدق: (ليس بعض المخلوق حادثاً)، ولا تستلزم نفيها كما في المثال المذكور (كلُّ ‏إنسان حيوان). فهنا لم يستلزم الإيجاب السَّلب. وسيُنقل كلام السَّعد موضِّحاً هذا.‏
وعلَّق الدُّسوقيُّ على قول القطب: "قوله: (وإنَّما وقع الاصطلاح عليه) أي على بقاء الكيف. وقولهم: لأنَّهم ‏تتبَّعوا... إلخ أشار بذلك إلى أنَّ هذا الشَّرط ليس اعتباره مجرَّد اصطلاح، بل هناك شيء آخر يستدعي ‏اعتباره وإن كان ليس سبباً حاملاً على الاصطلاح، إذ الاصطلاح لا يُعلَّل. قوله: (لأنَّهم تتبَّعوا القضايا) أي ‏المستعملة في العلوم. وقوله: (فلم يجدوها في الأكثر) أي فما وجدوا في أكثرها بعد التَّبديل صادقة لازمة ‏لها إلا وهي موافقة في الكيف لا مخالفة لها فيه. وإنَّما قال (في الأكثر) إشارة إلى أنَّ هذا استقراء ناقص ‏يفيد الظَّنَّ بذلك الحكم المبني عليه الاصطلاح المذكور. وليس المراد ظاهر العبارة؛ أنَّهم تتبَّعوا القضايا ‏فوجدوا أكثرها موافقاً، والبعضُ الأقلُّ صادقٌ لازمٌ مخالفٌ [كذا، ولعلَّ الصواب نصبها] للأصل. وفي بعض ‏النُّسخ: (لأنَّهم تتبَّعوا القضايا في الأكثر فلم يجدوها بعد التَّبديل... إلخ)، وهذه ظاهرة لا إيهام فيها".‏

فيظهر من هذه النُّقول أنَّ هاهنا قولَين في تفسير القول بالموافقة في الكيف، القول الأوَّل بأنَّ الإيجاب لا ‏يستلزم السَّلب ولا السَّلب الإيجاب، والقول الثَّاني بمجرَّد الاستقراء.‏
فأمَّا القول الأوَّل بأنَّه لا لزوم بين الإيجاب والسَّلب فصحيح وصادق، وهو لا ينافي استلزام المركَّبة السَّالبة ‏في القضايا محلِّ البحث لعكس مخالف في الكيف لها، باعتبار أنَّ هذه المركَّبة تتضمَّن قضيَّة موجبة لها ‏عكس موجب. ولا ريب في أنَّ كيف القضيَّة المركَّبة عند القوم باعتبار الجزء المذكور أوَّلاً وإن تضمَّنت ‏الإيجاب والسَّلب معاً من جهتين. فيصدق إذن أن تستلزم القضيَّة المعنونة بالسَّالبة قضيَّة موجبة. ‏
وأمَّا القول الثَّاني بأنَّ ذلك لمجرَّد الاستقراء فتحقُّق المخالفة في الكيف في تلك العكوس يبطل تصحيح ‏القول بأنَّ العكس يكون بالموافقة في الكيف.‏

اااااااااا

يتفرَّع على ثبوت انعكاس تلك السَّوالب المركَّبة أن تكون بعض قياسات المختلطات منتجاً، بخلاف ما قرَّر العلماء، فلكون ‏السَّوالب المركَّبة من اللَّادوام تتضَّمن ما يفيد مطلقات عامَّة يلزم إنتاجها كما أنَّ ذلك الجزء ينتج وحده.‏
مثال ذلك أنَّ شرط إنتاج الشَّكل الأوَّل إيجاب الصُّغرى، لكن في تلك القضايا المركَّبة تصدق المطلقة ‏العامَّة الموجبة، فتكون القياسات التي تلك السَّوالب صغريات فيها منتجة.‏
مثل القياس من القضيَّتين السَّالبتين:‏
لا شيء من أ ب بالفعل لا دائماً
لا شيء من ب ج دائماً
فسيلزم: لا شيء من أ ج دائماً.‏
ومثال ثانٍ في الضُّروب المنتجة في الشَّكل الرَّابع، فقد قالوا إنَّ ثلاثة ضروب منتجة بشرط كون السَّالبة ‏من الخاصَّتين، لكن ستكون منتجة في باقي اللَّادئمات.‏
مثلاً هذا القياس:‏
كلُّ ب أ دائماً
ليس بعض ج ب بالفعل لا دائماً
سيلزم منه: بعض أ ج بالفعل.‏
وسيلزم من هذا إعادة النَّظر في ما يكون منتجاً من الضُّروب في كلِّ الأشكال.‏

ااااااا

ملحوظة: قد راجعت سيدي الشيخ بلال النَّجَّار حفظه الله في السؤال عن انعكاس السَّوالب فأقرَّ بوروده.‏