النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: البداية من هنا

  1. #1

    البداية من هنا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    البداية من هنا
    تعليقا على ما جرى في الأيام الفائتة
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد
    فتبعا لما حصل في الأيام الفائتة من تعليق على كلمات صدرت في أثناء درس تتعلق بانتقاد لجهات أكاديمية وسياسية، بناء على بعض أفعال ومواقف صدرت عنها، كما جرى ذكر ذلك في الدرس بإيجاز، وتم تفصيل بعضه في درس لاحق أيضا، وتبعا لما جرى من ردة فعل مبالغ فيها وتهويل للأمور من دون نظر في الأسباب ولا أدنى تعليق عليها، بل اهتم أكثر من علق على الموضوع بتهويل الأمر، وكأن الوصف بما وصفناهم به جرى هكذا مطلقاً من دون سبب ولا مسوغ. ولا أريد هنا الدفاع عن الألفاظ التي تم استعمالها في ذلك الموضع، ولست بصدد ذلك أصلاً، ولكن ما أريد لفت الأنظار إليه في هذا المقال أمور أخرى لعلنا نستفيد كلنا مما حصل، ونقد النفس أمر محمود قبل نقد الآخرين كما لا يخفى على العقلاء.
    فلنبدأ من البداية:
    كان السبب الأول لكلامي في أثناء درس شرح العقيدة الطحاوية هو ما كتبه بعض الأساتذة خطاباً علنياً لجلالة الملك، وقد أثارتني بعض كلمات فيه لا تدل في نظري على سداد في الرأي، ولا على طريقة قويمة في معالجة الموضوع. واعتبرتها بداية لتحريض علني على رؤى ومناهج أثبتت نجاعتها تاريخيا وما زالت تثبت سَدادها سواء في معالجة المشاكل الاجتماعية أو في فهم النصوص الدينية بطريقة لا تحريف فيها ولا ظلم لمراد الشارع، ورأيت أن إصرار هذا الدكتور على مناقشة الأمر بهذه الطريقة التي لا تتصف في نظري بالحكمة، ورفعه إلى جلالة الملك فيه قصد معلن وطلب من القيادة العليا في البلد لأن يتدخل فيها بمقتضى سلطته، بينما نعتقد نحن أن شأن العقلاء أن يطلبوا حوار ذوي الرأي والاختصاص في هذه الموضوعات قبل اللجوء إلى رأس الدولة، وأعتقد ان جلالة الملك لن يعارض لو جرى في هذه الأمور نقاش علني علمي موضوعي قبل الدفع بذوي الثقل للتدخل فيها، وأعلم أن هذا الأمر لو حصل بناء على تحريض الدكتور بهذه الطريقة لدفع بالأمور إلى عكس ما ينادي به هو وغيره.... فقلت ما قلت. فمعرفة السياق والأسباب التي قيل فيها ما قيل توضح كثيرا من مجريات الأمور. وأنا أقول ما أقول تبعا لما رأيته من لزوم بيان ذلك لما فيه من مصلحة المسلمين والمجتمع الأردني على وجه الخصوص.
    وتوضيحا لذلك:
    وجه الدكتور خطابه لجلالة الملك، ذلك الخطاب الذي نشره على الشبكة العنكبوتية، ولم يجعله خاصاً لجلالة الملك، مما استلزم إباحة التعليق عليه من كل واحد بحسب ما يراه، موافقة أو مخالفة. ومما يفهم منه أنه يستجلب آراء الموافقين والمخالفين فيما يقرره في المواضيع التي طرحها.
    قال بعدما وضح بعض الأمور التي تتعلق بطريقة إدارة الحكومة الحالية للجوانب المختلفة في البلد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا...الخ، وحكم عليها بأنها حكومة غير ذات كفاءة ولا تستطيع القيام بالوظيفة الملقاة على عاتقها على وجه مرضيّ، ونحن نوافقه في ذلك ولا نقْصُر التقصير أو القصور على هذه الحكومة فقط، بل على كثير من الحكومات التي سبقتها، ونعلم أن ما تعاني منه الحكومة الحالية من إشكالات وما يحصل في البلد من فساد ذي جهات مختلفة لم تتسبب به هي وحدها، بل كان نتاج سياسات غير حكيمة ولا تنبئ عن حصافة ممن سبقها أيضا، ولا ينكر هذا منكر أصلا! ولذلك صار هذا الأمر حديث الشارع الأردني، وربما يكون الأمر في بعض الجهات خارجا عن طوق كل هذه الحكومات، نحن نعلم ذلك كله وأكثر، ولذلك لم نعلق على ما ذكره الدكتور في هذا الصدد.
    بل كان موضع تعليقنا هو ما تكلم به بخصوص الناحية الدينية التي انتقدها بطريقة نراها غير ملائمة ولا حكيمة، وخصص لها قرابة نصف مقاله، وتنطوي على مغالطات علمية وتفسيرات عبثية نستغرب أن يقع فيها هو أو غيره ممن يوافقه فيها، ومن هنا انطلق كلامنا.
    فلنعد النظر في كلامه الذي تكلم فيه عن هذا الجانب المهمِّ أهميَّةً لا تقل عن أهمية الجوانب الاقتصادية والإدارية والسياسية الكبرى!
    لقد قال: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب وإذ بها تصنعه، وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية وهو ما نطق به مؤتمر غروزني وما سجل في اعلان جامعة العلوم الإسلامية بخصوص كرسي الإمام السيوطي، مع علمهم أن هذين المذهبين الذين نحترم قد برزا في القرن الرابع الهجري حيث عاش المسلمون ثلاثة قرون قبل ظهور هذين الإمامين المحترمين . أنهم يعبثون بالصف الديني مع أننا ندعو الى وحدة الصف الوطني للمسلمين والمسيحيين فهل يتسق هذا مع تقسيم صف المسلمين وزرع من يردد ما يريدون في المنابر والاعلام والادارات الدينية ويتم اقصاء واستبعاد كل من لا يرى رأيهم. هذا يتم يا جلالة الملك بعد ان وقف الناس كلهم خلفك في قضية القدس فهل وحدة الصف هي المطلوب أم تقسيم الناس وجعلهم فئات متناحرة وبمنطلقات دينية؟
    آن لنا يا جلالة الملك أن نوقف المخطئين والعابثين والفاشلين الذين لا يقدرون على القيام بمهامهم ولا يفقهون أننا نعيش في ظروف صعبة لا مجال فيها للعبث".
    وقد قام الدكتور بنشر هذا المقال أيضا في الموقع التالي فضلا عن نشره إياه في صفحته الخاصة:
    http://www.albosala.com/News/Article...83%D9%86%D8%A7
    إن في هذه الفقرة دعاوى خطيرة ينبغي الالتفات إليها:
    أولاً: أن العقول التي تعالج الإرهاب حاليا (وهؤلاء عموما الذين يقومون بذلك حاليا في الأردن من مشايخ الأشاعرة والماتريدية)، ومعروف أن الإرهاب يطلق هنا ويراد به معنى خاص من معانيه أو مصدوقٌ خاصا له، وهو إرهاب المذهب الوهابي وما انبثق عنه من جماعات استعملت السلاح والقسر. هذه العقول التي تعالج الإرهاب هي في الحقيقة تعيد صناعته بحسب رأي الدكتور! قال الدكتور المخاطب لجلالة الملك: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب وإذ بها تصنعه".
    ثانياً: هذه العقول (يقصد الأشاعرة والماتريدية)، تفعل فعلا منكرا أيضا بزعم الدكتور وهذا الأمر هو تمزيق النسيج الديني الإسلام بين مذاهب تاريخية. قال الدكتور: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب". وأزيد: يلزمه لزوما ظاهرا أن يضيف إليهم من يوافقهم لأنه يندرج معهم وفي حكمهم.
    ثالثا: هذه العقول أي (الأشاعرة والماتريدية) [وأزيد: ومن وافقهم]، تفعل فعلا منكرا أيضا وهو تكفير الآخرين! أي تكفير غير من يوافقهم في رؤيتهم وفهمهم للنصوص الدينية! وهؤلاء يمارسون التكفير بينما يزعمون أنهم يحاربونه. قال الدكتور: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب وإذ بها تصنعه، وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية" انتهى كلامه.
    فتأمل كيف فسر ممارستهم للتكفير بإعلانهم أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية، وكأن إعلان أن هذه المدرسة هي الممثلة لأهل السنة يستلزم بالضرورة تكفير من لم ينتم لهم، وهذا فهم عامي لا يليق بأستاذ فضلاً عن رئيس رابطة علماء الأردن.
    رابعا: يعيد الدكتور استدعاء ما جرى حول مؤتمر الشيشان الذي صرح بأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، ويزعم الدكتور أن هذا الإعلان فيه نطق بالتكفير لمن يخالفهم!؟ قال الدكتور: "وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية وهو ما نطق به مؤتمر غروزني". يعني أن التكفير الذي يمارسه هؤلاء الذين يزعمون محاربتهم للإرهاب المذكور آنفا، هم عينه ما نطق به مؤتمر الشيشان، ولاحظوا أنه يزعم أن المؤتمر نطق! بذلك التكفير، أي صرح به، لا أنه يفهم من كلامهم، أو أنه استنبطه من فحوى خطابهم! ولنتأمل في كيفية إدراكه لنُطْقِ! المؤتمر بهذا الحكم الخطير، إنه يستنبط من مجرد أن المؤتمر نصَّ على أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية، أنه يكفر من سواهم، وهذا فهم سقيم يتنزه عنه من له أدنى إلمام بالمصطلحات فضلا عن أدنى إنصاف يتصف به.
    خامساً: وأضاف الدكتور أيضا بما يفهم ظاهراً من كلامه أن هذا المسلك من التكفير لمخالفي أهل السنة، ومن تمزيق النسيج الديني الإسلامي منسوب أيضا للإعلان الذي تم فيه عن كرسي الإمام السيوطي، قال الدكتور وصفا للعقول المشار إليها: "...وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية وهو ما نطق به مؤتمر غروزني وما سجل في اعلان جامعة العلوم الإسلامية بخصوص كرسي الإمام السيوطي"، يعني أن إحدى الجامعات الأردنية توافق ما يؤدي إليه إعلان مؤتمر الشيشان من تمزيق النسيج الديني وتكفير المخالفين لأهل السنة....الخ في نظر الدكتور المخاطب لجلالة الملك، وما ذلك إلا لأن الذي جعل الكرسي اشترط أن تكون عقيدة المشرف عليه الممارس لمهامه إما أشعرياً أو ماتريدياً، يعني من أهل السنة! هذا الأمر عند الدكتور يستلزم بالضرورة كما يظهر نسبة كل ما سبق من أمور خطيرة ومصائب لمن أعلن عن هذا الكرسي.
    سادساً: ويضيف الدكتور أمرا هو في الحقيقة غلط علمي فادح بالإضافة إلى الاتهامات الخطيرة التي يتهم بها بعض الجامعات الأردنية والمشايخ المعروفين في هذا البلد، وهو يتجلى في قوله: "وهو ما نطق به مؤتمر غروزني وما سجل في اعلان جامعة العلوم الإسلامية بخصوص كرسي الإمام السيوطي ، مع علمهم أن هذين المذهبين الذين نحترم قد برزا في القرن الرابع الهجري حيث عاش المسلمون ثلاثة قرون قبل ظهور هذين الإمامين المحترمين"، لاحظ عبارته الأخيرة التي قد يريد منها أن الأشاعرة والماتريدية لمجرد ظهورهم الفني الاصطلاحي في القرن الرابع، يقدح في كونهما ممثلين لأهل السنة، فالمسلمون قد عاشوا ثلاثة قرون قبل ظهور هذين الإمامين المحترمين!
    سابعاً: يضيف الدكتور المخاطب لجلالة الملك أمراً آخر إلى مجموع ما مضى، وهو أن هؤلاء المذكورين بما فيهم من أعلن عن كرسي الإمام السيوطي في الجامعة الإسلامية العالمية وهو "أنهم يعبثون بالصف الديني مع أننا ندعو الى وحدة الصف الوطني للمسلمين والمسيحيين"، وذلك بالاعتماد على ما مضى من طريقة فهمه العجيبة. وتأمل طريقة وصفه لصنيعهم بالعبث، بدلا من أن يكتفي بالقول بأنه يخالفهم في طريقة اجتهادهم أو نحو ذلك، إن الوصف بأنهم يعبثون لأمر جلل في هذا المقام.
    ثامنا: ثم يزيد الدكتور المخاطب لجلالة الملك بنحو هذا الخطاب فيقول: "أنهم يعبثون بالصف الديني مع أننا ندعو الى وحدة الصف الوطني للمسلمين والمسيحيين فهل يتسق هذا مع تقسيم صف المسلمين وزرع من يردد ما يريدون في المنابر والاعلام والادارات الدينية ويتم اقصاء واستبعاد كل من لا يرى رأيهم.". يعني إنه يتهم هؤلاء بأنهم يقسمون صف المسلمين، ويقصون كل من لا يرى رأيهم وطريقتهم؟ وكان الأولى به أن يسأل نفسه ألا يفعل هو عين فعلهم ويصنع نفس صنيعهم؟! وسوف نأتي على نزيد من التحليل لخطابه والتعليق عليه لاحقاً.
    ويختم الدكتور مقاله بقوله: "هذا يتم يا جلالة الملك بعد ان وقف الناس كلهم خلفك في قضية القدس فهل وحدة الصف هي المطلوب أم تقسيم الناس وجعلهم فئات متناحرة وبمنطلقات دينية؟
    آن لنا يا جلالة الملك أن نوقف المخطئين والعابثين والفاشلين الذين لا يقدرون على القيام بمهامهم ولا يفقهون أننا نعيش في ظروف صعبة لا مجال فيها للعبث".
    فهذه الأمور كلها في نظر الدكتور عبث وأفعال فاشلين ومخطئين ولا يفقهون أننا نعيش في ظروف صعبة! إصرار عظيم منه على صحة رؤيته هو من يتبعه، وغلط الآخرين مهما كانوا. وهذه طريقة لا أظن أنها تقل عما يتهمهم هو به من الإقصاء والاستهانة وغير ذلك.
    هذا هو جملة ما دفعنا لأن نقول ما قلناه في الدرس مما أثار حفيظة كثيرين، والتفتوا إلى أمور عارضة وتغافلوا عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ما حصل، وشرعوا في الاتهامات والسباب والاستصغار والتحريض ..... الخ.
    فلنشرع الآن بالتعليق الإجمالي على ما ذكره من دعاوٍ:
    مناقشة الدعوى الأولى:
    حصيلة ما قرره الدكتور: "أن العقول التي تعالج الإرهاب حاليا (وهؤلاء عموما الذين يقومون بذلك حاليا في الأردن من مشايخ الأشاعرة والماتريدية)، ومعروف أن الإرهاب يطلق ويراد به معنى خاص من معاني أو مصداقا خاصا له، وهو إرهاب المذهب الوهابي وما انبثق عنه من جماعات استعملت السلاح والقسر. هذه العقول التي تعالج الإرهاب هي في الحقيقة تعيد صناعته. ويشهد لما ذكرناه آنفا ما قال الدكتور المخاطب لجلالة الملك: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب وإذ بها تصنعه". يعني هؤلاء الذين يحاربون الإرهاب هم الذين يعيدون صناعته. فمن هم الذين يحاربون الإرهاب حالياً؟
    التعليق:
    لا يخفى أن المراد بالإرهاب الذي يحارب في هذا المقام هو ما أنتجه المذهب الوهابي من جماعات مسلحة مارست أعمالاً حسية واستعملت القسر والقهر لترويج بضاعتها من الفهم، واستحلت دماء الناس. هذا قدر من الأعمال أعتقد أنه يتفق على تجريمه العقلاء لا المسلمون فقط. دعك من استعمال كلمة الإرهاب عالميا من بعض الدول لتجريم المسلمين عموما، أو جميع الجماعات الإسلامية، وهو أمر لا نوافق عليه بالطبع.
    وقد اتبعت الحكومات الأردنية سابقاً طرقا لمعالجة هذا الأمر بحسب ما تراه في السنوات السابقة، وطلبت من بعض الأساتذة في الجامعات ومن المشايخ أن يقوموا بمناقشة هؤلاء الناس الذين يحملون أفكارا معينة، واتبعوا طرقاً أخرى لست الآن في موضع بسطها ولا مناقشتها. ولكن تبين لهم أن الطرائق القديمة والرجال الذي قاموا بمناقشة هؤلاء المتفق على كونهم إرهابيين منحرفين، فشلوا ولم تجد أفكارهم ولا طرقهم في معالجة هذه الإشكالية التي يعاني منها الأردن، كما تعاني منها غيره من الدول. وكان أغلب الذين يقومون بمناقشة هؤلاء المنحرفين سواء كانوا من أساتذة الجامعات أو من غيرهم يحملون نفس الأصول الفكرية وينتمون إلى المذهب نفسه الذي ينتمي إليه أغلب هؤلاء الناس المتهمين بالإرهاب. فكان من الطبيعي أن لا يستجيبوا لهم خصوصاً إذا كانوا لا يقدرون على إلزامهم بخطأ فهمهم سواء فهمهم للإسلام أو فهمهم للمذهب الذي ينطلقون منه.
    ولجأت الدولة مؤخراً قبيل سنوات إلى طريقة أخرى لمعالجة أفكار هؤلاء الناس، واتبعت عدة طرق منها مناقشة المسجونين منهم، ومنها معالجة منشأ هذه الأفكار فكريا وذلك بعقد دورات يطلب من أئمة المساجد والموظفين في التربية والتعليم وغيرها من مؤسسات البلد حضورها، وأتاحوا المجال للنقاشات الحرة، وأطلعوا هؤلاء الشباب على طرق أخرى لفهم النصوص تصرفهم عما هم فيه من تعصب مقيت وتعنيت على المسلمين، وكان أغلب من قام بهذا الدور ينتمي إلى الأشاعرة والماتريدية، منهم أساتذة في بعض الجامعات ومن غيرها. فكانت النتائج التي وصلوا إليها عن طريق النقاشات الحرة المنفتحة، والتفهيم التدريجي والتأصيل القائم على أصول أهل السنة (الأشاعرة والماتريدية) في الفقه والعقيدة مبهرة، ونتج عن ذلك تراجع كثير من هؤلاء عما كانوا فيه، وحصلوا على نتائج إيجابية ظاهرة ونجاح مشهود. وكان من ذلك أن تراجع كثير منهم عن مذهبهم القديم وانتسبوا إلى أهل السنة بعد أن فهموا طرفا منه.
    ولا نريد بما ذكرناه أن نقول إن عملهم كان كاملا منزها، لا نقص فيه، ولكن حسبهم نجاحهم الذي شهد به القاصي والداني، وكان من جراء ذلك أن قام جلالة الملك في شهر رمضان بتكريم الجامعة الإسلامية العالمية بوسام بناء على مساهمتهم في معالجة الإرهاب، إشارة إلى ما ذكرناه.
    فهذا الجهد العظيم الذي قام به هؤلاء الشباب المنتمون لأهل السنة شهد له جلالة الملك بأنه نال قدرا لا يصح تجاهله من النجاح.
    والسؤال الآن: كيف يعيد هؤلاء إعادة صناعة الإرهاب بما يقومون به من تنقية لأذهان الشباب وتقويم لمفاهيمهم عن الدين؟!
    وهل سمعتَ عن واحد منهم يكفر أحدا من أهل الإسلام حتى هؤلاء الشباب الذين يكفرونهم كما يكفرون غيرهم! إنهم حتى لا يكفرون من يكفرهم من أهل الإسلام؟
    فمن أين نشأ زعم الدكتور أنهم يعيدون صناعة الإرهاب!
    ولا ندري ما موقع وصفك لهذه المذاهب السنية بأنها تاريخية! وهل نحن إلا أحداث في التاريخ؟ إن كل ما نمارسه من أفعال سيصبح تاريخا، ومن ضمنها المذاهب والأفهام، ولكن لا يسوغ لأحد أن يقول إن مجرد كون هذه المذاهب نشأت في تاريخ سابق كافٍ لعزلها عن حاضرنا، فالحكم عليها بعدم الجدوى له مرجعية أخرى ومبادئ أخرى غير مجرد كونها تاريخية.
    وفي المقابل فلم نسمع منكم انتقادا من هذا النوع يوجه للوهابية عندما ادعوا انحصار أهل السنة بهم، علما بأنها حركة ناشئة ليس لها عمق تاريخيّ.
    كما أنه لم يوجد أحد ممن فجر وقتل أو انتسب للجماعات الإرهابية ممن ينتمون للأشاعرة أو الماتريدية ولا أحدا كذلك ممن تمت مناقشتهم في السجون، بل كلهم ممن ينتمون للتيا السلفي على اختلاف أصنافهم.
    مناقشة الدعوى الثانية:
    حصيلة ما ذكره الدكتور: هذه العقول (يقصد الأشاعرة والماتريدية)، تفعل فعلا منكرا أيضا بزعم الدكتور وهذا الأمر هو تمزيق النسيج الديني الإسلام بين مذاهب تاريخية. قال الدكتور: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب". وأزيد: يلزمه لزوما ظاهرا أن يضيف إليهم من يوافقهم لأنه يندرج معهم وفي حكمهم.
    التعليق:
    من أن يلزم على نشر مذهب أهل السنة والجماعة، واستعماله في محاورة المخالفين، أن يتمزق النسيج الديني الذي ذكرتَ؟ ألا تعلم أنه بإعلاء شأن مذهب أهلا لسنة يزداد النسيج الديني تماسكا وتوافقا، بدلا من إشهار مذاهب طارئة ناشئة لا أساس لها، وفيها إشكالات علمية خطيرة مشهورة.
    وهل يلزم تمزيق النسيج الديني من زيادة وعي الناس بمذهب أهل السنة والجماعة؟! ما الذي تقوله حضرة الدكتور!؟ وكيف يلزم ذلك وأنت تزعم أنك تحترم الأشعري والماتريديَّ، هل تحترم مذاهب تمزق النسيج الديني..
    ثم ما معنى تمزيق النسيج الديني، ألا ترى أن أغلب المسلمين كانوا في القرن الماضي على مذهب الأشاعرة والماتريدية في جميع البلاد الإسلامية، وما يزال معظمهم كذلك، وكذلك بلاد الشام قاطبة بما فيها الأردن وفلسطين وسوريا، من الذي قام بحسب تعبيرك بتمزيق النسيج الديني منذ عقود في هذه البلاد، هل هم الأشاعرة أم الوهابية!؟ هذا إذا أجزنا استعمال تعبيرك؟! الذي هو محل تأمل أصلاً.
    ولكن في نظرنا فإن الأمر هو تدافع بين المذاهب الإسلامية بحسب قدرتهم واجتهادهم ونظرتهم، وهو أمر مسوغ دينياً، وعاديا، وسياسياً، فلكل واحد أن يسعى في نشر فكرته بالطريقة السليمة، وحصل أن انتشر مذهب الوهابية المتسمين بالسلفية في هذه البلاد وفي غيرها لأسباب معروفة، لسنا الآن بصدد تحليلها.
    وأين كنت أنت وغيرك من الذي ساهموا في نشر هذا المذهب الوهابي التيميّ منذ عقود، وأنتم تعلمون أنكم تقومون بتغيير البنية الاجتماعية في المجتمعات العربية، لم لم تعقلوا آنذاك بأنكم تقومون بتمزيقها؟
    هذا الذي تسميه تمزيقا هو في نظري إعادة للوضع إلى صوابه، وتصويب للأوضاع التي تزعزت وانقلبت في العقود الماضية. ولا يصح أن يتم التعبير عنه بنحو ما تعبرتَ، إلا بعد تحليله علميا ودينيا، واجتماعياً، وإثبات أن ما يحصل مجرد تمزيق وليس تغييرا نحو الأفضل بإذن الله تعالى.
    مناقشة الدعوى الثالثة:
    حصيلة ما قرره الدكتور: هذه العقول أي (الأشاعرة والماتريدية) [وأزيد: ومن وافقهم]، تفعل فعلا منكرا أيضا وهو تكفير الآخرين! أي تكفير غير من يوافقهم في رؤيتهم وفهمهم للنصوص الدينية! وهؤلاء يمارسون التكفير بينما يزعمون أنهم يحاربونه. قال الدكتور: "وماذا عن الشأن الديني عندنا حيث تصر بعض العقول على تمزيق النسيج الديني الإسلامي بين مذاهب تاريخية بدعوى محاربة الإرهاب وإذ بها تصنعه ، وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية" فتأمل كيف فسر ممارستهم للتكفير بإعلانهم أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية، وكأن إعلان أن هذه المدرسة هي الممثلة لأهل السنة يستلزم بالضرورة تكفير من لم ينتم لهم، وهذا فهم عامي لا يليق بأستاذ فضلاً عن رئيس رابطة علماء الأردن.
    التعليق:
    من الذي قام من الأشاعرة والماتريدية بتكفير الآخرين لمجرد أنهم يخالفونهم، ومن أينَ عرفتَ أن تعيين أهل السنة في مذهب أو طريقة معينة، يستلزم بالضرورة تكفير من سواهم!؟ هل تدرسون هذه المعلومات العميقة في الجامعات الأردنية، إذن فقد عرفنا من أين نشأ التعصب والتشدد!
    ولو تكلمنا بوجه خاص على الذين تقصدهم أنت ممن يقومون حالياً بمحاربة الإرهاب وإعادة تأهيل المتشددين وإرشادهم إلى الفهم الصحيح للدين، فهؤلاء لم يكفروا من يكفرونهم أصلاً، كما لم يكفروا من يتبعه هؤلاء المتشددون ويلجؤون إليه في أفهامهم، مع أننا نعرف أن ابن تيمية لا يكفر الفرق الإسلامية في عموم كلامه، وهؤلاء أيضا الذين يعالجون الإرهاب لا يكفرون ابن تيمية على كثرة ما يخالف به أهل السنة، ولا يكفرون الفرق الإسلامية الأخرى لا معتزلة ولا غيرهم، خلافا لما ينسبه إليهم بعض المغرضين، ممن لم يعارض معلوما من الدين بالضرورة. ولا يكفرون كذلك من يكفرونهم من الإرهابيين والتكفيريين من أتباع ونتاج الوهابية ومن وافقهم.
    ومع ملاحظة ذلك كله: كيف تسوغ لنفسك تهمتهم بأنهم يكفرون الآخرين هكذا على الإطلاق، وما كان أجمل لو قيدتَ كلامَك...فبالله عليك من هو الذي يحث على التحجير على الآخرين: أنت أم من تخالفهم.
    وأنا أعلم شخصيا أنك وغيرك يزعمون بلا وجه حق أنني أكفر ابن تيمية، وهذه الفرية مع كثرة ما قمت بإنكارها، وأنني لا أعتقد ذلك، وإن كفره بعض الأشاعرة كثروا أو قلوا، إلا أنك وغيرك ممن تخالفوننا تصرون على ترويج هذه الإشاعة عني لطلابكم في كل محفل، وأنتم تعلمون أن هذا أمر غير صحيح، وقد كتبت في هذا كتابات ورددتُ عليه في دروسي، ولا أحد من طلابي ينقل غيره عني، إلا أن إصراركم على ترويج تهمة التكفير لابن تيمية أمر يثير الاستغراب والعجب، ما الدافع له، هل هو أمر علمي أم ماذا؟ وليس من طريقتي التقية ولا الخوف من نشر ما أعتقد، فلا أهداف سياسية لنا، ولا أتباع نخاف على فقدهم، أو نفرتهم منا لو أعلنا عن ذلك لو كنا نعتقده.

    يتبع
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    الدعوى الرابعة:
    حصيلة ما قرره الدكتور: يعيد الدكتور استدعاء ما جرى حول مؤتمر الشيشان الذي صرح بأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، ويزعم الدكتور أن هذا الإعلان فيه نطق بالتكفير لمن يخالفهم!؟ قال الدكتور: "... وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية وهو ما نطق به مؤتمر غروزني". يعني أن التكفير الذي يمارسه هؤلاء الذين يزعمون محاربتهم للإرهاب المذكور آنفا، هم عينه ما نطق به مؤتمر الشيشان، ولاحظوا أنه يزعم أن المؤتمر نطق بذلك التكفير، أي صرح به، لا أنه يفهم من كلامهم، أو أنه استنبطه من فحوى خطابهم! لنتأمل في كيفية إدراكه لنطق المؤتمر بهذا الحكم الخطير، إنه يستنبط من مجرد أن المؤتمر نصَّ على أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية، أنه يكفر من سواهم، وهذا فهم سقيم يتنزه عنه من له أدنى إلمام بالمصطلحات فضلا عن أدنى إنصاف يتصف به.
    التعليق:
    كما نرى يصر الدكتور على أن كل من يعتقد أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية، فيلزمه لزوما واضحا تكفير غيرهم، وبهذا الوجه يفسر كيفية كون مؤتمر الشيشان ومن وافقهم من المكفرة لغير أهل السنة.
    وكما نعلم فإن هذا فهم ساذج، وكم قد تكلمنا وتكلم غيرنا من المتقدمين والمتأخرين حول أن كون هؤلاء من أهل السنة لا يستلزم التكفير بالضرورة، ولا بحسب المعتمد عن أهل السنة، وكم أعيد شرح ذلك وبيانه من العديد من المشايخ والأساتذة إلا أن الدكتور ومن يوافقه يصرون بطريقة تفضي إلى العجب والاستغراب، خصوصا وأنهم ينتمون لأهل العلم، على أن كل من قال بذلك فهو يكفر غير أهل السنة، وهذا إصرار على الغلط بما يثير النفس، ولا يوافق أدب العلم ولا العامة.
    وهذا أحد الوجوه التي دفعتنا للكلام على القرضاوي والقرة داغي وغيرهما ممن زعم أن إعلان مؤتمر الشيشان يستلزم تكفير السلفية (أي الوهابية) أو أنه يستلزم تكفير الإخوان، ونحو ذلك من دعاوٍ مخزية في نظر العلم. ولا يمكن فهمها إلا بناء على استغلالات سياسية لا يَلتفتون فيها إلى علم ولا إلى فهم. ومن هنا جاءت شدتي في وصفهم بتلك الأوصاف التي أثارت كثيرين في أثناء الدرس، يتعمدون التغافل عن الواضحات، ويتهمون غيرهم باتهامات هائلة بلا دليل ولا برهان مع تأليب عظيم منهم للناس على مخالفيهم.
    ومع ذلك تراهم يكررون دائما أنهم من أحرص الناس على الجمع بين المسلمين، وكأن الأشاعرة والماتريدية نسبة مستحقرة من المسلمين، وطائفة شاذة نادرة! وقد علم القاصي والداني أنهم أغلب أهل الإسلام.
    ويزيد الدكتور في دعاويه العارية عن الفهم والعلم أن مؤتمر الشيشان نطق (والنطق في الاصطلاح بمعنى النص أي الدلالة الظاهرة أو التي لا تحتمل الدفع والنقضَ) بالتكفير لغير الأشاعرة والماتريدية، وهذه من أكثر الأمور التي تدفع العاقل إلى الاستفزاز عندما يسمعها، وعلى ذلك جرى أغلب الإخوان المسلمين موافقين للسلفية عندما هاجموا نتائج ذلك المؤتمر، وهذا هو وجه الربط في الدرس بين كلام هذا الدكتور وبين كلام أمثال القرضاوي والقرة داغي وغيرهم من الذين زعموا ما زعموه بلا وجه حق، مما دفَعَنا لذكرهم هناك.
    فما هو الذي سوغ له نسبة ذلك الافتراء لهؤلاء، هل هو الإنصاف الذي يزعم التلبس به أو هو التحليل العلمي الدقيق، أم هو رغبته في جمع المسلمين وعدم التفريق بينهم؟!
    ولو سلمنا له فهمه لما نطق به مؤتمر الشيشان من لزوم التكفير لغيرهم وهو غير مسلم، وسلمنا له أن هذا ما دعاه لمعارضة المؤتمر والتشنيع عليه هو وغيره ممن عارضوه وهذا غير مسلم أيضا! فلم لم نسمع لهم كلاما وهم يعرفون ما يقوله السلفية الوهابية طوال هذه العقود عن أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية من التكفير والتبديع والتضليل، وهذا كله مما يؤدي من وجهة نظره إلى تمزيق الصف والوحدة الدينية، فهل كان هذا التمزيق مرضيا عنه في نظره لما كان صادراً عن الوهابية؟! وأين هو الإنصاف والمنهجية العلمية التي يزعم هؤلاء ومن وافقهم من الأساتذة في الجامعات الأردنية في هذا الموقف، وما أكثرهم، في معالجة هذا الوضع الخطير طوال هذه العقود في الأردن وهم يرون كمية الظلم الشديدة التي يتعرض لها أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية الذين يزعم الدكتور وغيره أنهم يحترمونهم!؟
    مناقشة الدعوى الخامسة:
    حصيلة ما قاله الدكتور:
    وأضاف الدكتور أيضا بما يفهم ظاهراً من كلامه أن هذا المسلك من التكفير لمخالفي أهل السنة، ومن تمزيق النسيج الديني الإسلامي منسوب أيضا للإعلان الذي تم فيه عن كرسي الإمام السيوطي، قال الدكتور وصفا للعقول المشار إليها: "...وتحارب التكفير بينما تمارسه فأهل السنة وفق تلك العقول هم الأشاعرة والماتريدية وهو ما نطق به مؤتمر غروزني وما سجل في اعلان جامعة العلوم الإسلامية بخصوص كرسي الإمام السيوطي"، يعني أن إحدى الجامعات الأردنية توافق ما يؤدي إليه إعلان مؤتمر الشيشان من تمزيق النسيج الديني وتكفير المخالفين لأهل السنة....الخ في نظر الدكتور المخاطب لجلالة الملك، وما ذلك إلا لأن الذي جعل الكرسي اشترط أن تكون عقيدة المشرف عليه الممارس لمهامه إما أشعرياً أو ماتريدياً، يعني من أهل السنة! هذا الأمر عند الدكتور يستلزم بالضرورة نسبة كل ما سبق من أمور خطيرة ومصائب لمن أعلن عن هذا الكرسي.
    التعليق:
    لا يصح أن ينسى الدكتور صاحبُ المقال أن جلالة الملك الذي يوجه إليه خطابه هذا هو عينه من أنعم على جامعة العلوم الإسلامية العالمية بوسام خاص في رمضان الحالي، وبين أن بعض أسباب هذا الوسام العالي فضلا عن مساهمة الجامعة العلمية وقيامها بوظيفتها الموكلة لها، "كما تقوم الجامعة بدور هام في خدمة المجتمع فأهلت ودربت أكثر من (11) ألف إمام وواعظ وواعظة ومعلم خلال ثلاث سنوات من خلال التركيز على القيم الإسـلامية التي تعبر عن الإسلام المعتدل المتسامح المنفتح على الثقافات الأخرى"، وهذا إشارة إلى ما ذكرنا قبلُ من دورات إعادة التأهيل والتعليم التي تقوم بها الجامعة لمختلف القطاعات.
    وفي هذه الكلمات يقرر الدكتور رئيس رابطة علماء الأردن، أن كل من أطلق القول بأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية يلزمه تكفير من ليس من أهل السنة، وضرب مثالين معاصرين على ذلك:
    المثال الأول هو إعلان مؤتمر الشيشان.
    والثاني هو: الإعلان عن كرسي الإمام السيوطي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية.
    تأملوا هذا الكلام العاري عن التوجيه العقلاني، وعن التفكير المنصف.
    وقد بينا عدم التلازم بين تعيين أهل السنة بمن ذكر وبين تكفير غيرهم سابقا، مع وضوحه، وأما انتقاده لما اشترطوه في هذا الكرسيّ: فلو فرضنا واحدا أو جهة معينة خصصت كرسيا في إحدى الجامعات لبعض العلماء، وقررت بناء على ذلك أن من يصح له القيام بوظائف هذا الكرسي من تدريس ونشر للعلم هو من وافق صاحب هذا الكرسي، كالسيوطي في حالتنا هذه، فمن أين يعد هذا إقصاء أو تحيزاً كما يزعم الدكتور؟
    وقد جاء في إعلان الجامعة عن وقفية كرسي الإمام السيوطي: " يشترط فيمن يتولى كرسي الأستاذية: أن يكون مسلماً من أهل السنة والجماعة (الأشاعرة/ الماتريدية) وأن يلتزم باتباع المذهب الشافعي، مع الاحتفاظ بالمرجعية العامة لأهل السنة والجماعة المتمثلة ببقية المذاهب (الحنفي والمالكي والحنبلي)."
    ونحن نرى أن اشتراط كون القائم على أعمال الكرسي أشعريا أو ماتريديا، ومنتميا للمذهب الفقهي الشافعي مناسب جدا نظرا لكون الإمام السيوطي كذلك، فالذي يقوم بشرح أعماله وتبيينا لا بد أن يكون عارفا بمذهبه منتميا إليه لكي لا ينتج خلاف المراد من الكرسي وهو الشرح والبيان.
    ولو سألنا من أين يلزم عن الإعلان عن كرسي للإمام السيوطي واشتراط الشرط المذكور تمزيق الوحدة الدينية، لما استطاع الجواب بطريق مقنع أبداً، فضلا عن أن يحير جواباً.
    وهل هناك مَنْ منع أحدا من المعارضين لهذا الإعلان مِن أن يخصص كرسيا في جامعة أو أخرى لأحد الأعلام من العلماء وافقناهم في اختياره أو خالفناهم فيه؟
    ألم يتساءلوا أنهم لما خصصوا معظم جهودهم لنشر المذهب الوهابي في هذا البلد عبر المؤسسات العلمية الرسمية وغير الرسمية خلال العقود الماضية وما يزالون قدر ما وسعهم الجهد يفعلون ذلك، ألم يخطر في أذهانهم بناء على هذا المقياس أنهم يقومون بتمزيق النسيج الديني في المجتمع، وهذا نقوله من باب الإلزام!
    ألم يعرفوا أن طريقة تعاملهم مع كل من ينتمي إلى مذهب الأشاعرة أو الماتريدية فضلا عن انتمائه إلى المذاهب الفقهية في الكليات والجامعات ومواقعهم الأكاديمية والمؤسسات المنسوبة إليهم، وتعنتهم معهم مما لا مجال هنا لذكره والتزامهم بها ربما تكون إحدى أعظم أسباب تمزيق المجتمع والنسيج الديني في الأردن. وربما نكتب مقالا فيه لاحقاً مع بعض الشواهد.
    وعلى الجملة فقد اتضح المراد من التعليق على هذه النقطة.
    ملاحظة: نحن إذ نقول ما نقول، لا نقصد من ذلك التقرب من رئيس جامعة ولا من غيره، فلا ناقة لنا ولا جمل من ذلك كله، ولا نسعى أيضا لمحاباة أحد، فنأمل أن لا يسارع المسارعون من المخالفين لاتهامنا بأننا نسعى وراء كرسيّ أو منصب أو نحو ذلك كما يتصور بعض من سفه نفسَه.
    مناقشة الدعوى السادسة:
    حصيلة ما قاله الدكتور: يضيف الدكتور أمرا هو في الحقيقة غلط علمي فادح بالإضافة إلى الاتهامات الخطيرة التي يتهم بها بعض الجامعات الأردنية والمشايخ المعروفين في هذا البلد، وهو يتجلى في قوله: "وهو ما نطق به مؤتمر غروزني وما سجل في اعلان جامعة العلوم الإسلامية بخصوص كرسي الإمام السيوطي ، مع علمهم أن هذين المذهبين الذين نحترم قد برزا في القرن الرابع الهجري حيث عاش المسلمون ثلاثة قرون قبل ظهور هذين الإمامين المحترمين"، لاحظ عبارته الأخيرة التي قد يريد منها أن الأشاعرة والماتريدية لمجرد ظهورهم الفني الاصطلاحي في القرن الرابع، يقدح في كونهما ممثلين لأهل السنة، فالمسلمون قد عاشوا ثلاثة قرون قبل ظهور هذين الإمامين المحترمين!
    التعليق:
    دعواه أن هذين المذهبين برزا مدرسيا في القرن الرابع الهجري إما أن يريد بها أن يشكك في سلامة انتماء هاتين المدرستين إلى السلف والفهم الصحيح للإسلام، أو يريد القول أنه ربما توجد مدارس غيرهما تعبر عن مذهب أهل السنة.
    ولا شك أن كثيرا من الوهابية يقرر هذه المعلومة التي ليقدح في سلامة المدرستين وفي سداد طريقتيهما في فهم الشريعة، ويريد إيهام الناس أن مجرد الظهور المدرسي المنظم بعد ثلاثة قرون يستلزم الانقطاع العلمي والمنهجي عما مضى من مناهج السلف. فإن أراد الدكتور هذا الاحتمال فقط أفحش في الغلط كما لا يخفى على الدارسين.
    وعلى أي حال إن أراد الأمر الثاني، فنحن لا نعارضه في إمكانية وجود مدارس أخرى من حيث الإمكان تعبر عن مذهب أهل السنة. ولكن النزاع والنقاش ليس في إمكانية وجود مدرسة أو فهم آخر يعبر عن حقيقة الإسلام وأهل السنة غير الأشاعرة والماتريدية، بل في تعيين مدرسة بعينها وهي مدرسة ابن تيمية والوهابية لتكون هي المدرسة الثالثة المعبرة عن طريقة فهم سنية سليمة وقويمة للإسلامية، فهذا محل النقاش والنظر. وأيضا في كون ابن تيمية الذي هو الممثل الكبير لمدرسة الوهابية والسلفية المعاصرة موافقا لفهم السلف الصالح سواء في العقيدة أو في الفقه، هذا هو محل النظر والنقاش.
    ولا نريد هنا مناقشة ذلك زيادة عما ذكرنا لأنه بحث علمي يحتاج لظروف خاصة. ويكفي ما أوردناه.
    مناقشة الدعوى السابعة:
    حصيلة ما قاله الدكتور: يضيف الدكتور المخاطب لجلالة الملك أمراً آخر إلى مجموع ما مضى، وهو أن هؤلاء المذكورين بما فيهم من أعلن عن كرسي الإمام السيوطي في الجامعة الإسلامية العالمية وهذا الأمر الذي ينسبه إليهم هو: "أنهم يعبثون بالصف الديني مع أننا ندعو الى وحدة الصف الوطني للمسلمين والمسيحيين"، وذلك بالاعتماد على ما مضى من طريقة فهمه العجيبة. وتأمَّلْ طريقةَ وصفه لصنيعهم بالعبث! بدلا من أن يكتفي بالقول بأنه يخالفهم في طريقة اجتهادهم أو نحو ذلك، إن الوصف بأنهم يعبثون لأمر جلل في هذا المقام.
    التعليق:
    لقد وصف كل من سبق ذكرهم سواء ومنهم من قام بالإعلان عن كرسي الإمام السيوطي أن فعلتهم هذه تستلزم العبث بالصف الديني في الأردن، وهذا أمر عظيم أن ينسب لهؤلاء لمجرد أنهم قاموا بتخصيص كرسي للإمام السيوطي وافقناهم في اختيارهم له أو خالفناهم فيه، واشترطوا أن يكون القائم على أعماله من الأشاعرة والماتريدية؟ وهو من الشروط المناسبة لصاحب الكرسي كمالا يخفى على أحد، حيث إنه أشعريّ شافعي، وهل يا ترى غاب هذا الأمر الذي ينسبه إليهم وهو العبث بما ذكر، عن رئاسة الجامعة، ومن يشرفون عليها ويديرونها. وهل غاب عن جلالة الملك ذلك لما قام الملك بمباركة إنشاء وقفية "الكرسي المكتمل لدراسة فكر الإمام السيوطي" ووقع على أوراق الوقفية، كما تم الإعلان عنه في الصحف المحلية مؤخراً؟!
    ولا نريد من كلامنا هنا تحريضا لأحد على أحد ولا تلبيسا على الناس، بل غاية ما نريد من الخصوم أن يعاملونا بما تقتضيه الطريقة القويمة من الإنصاف، لا أن يبالغوا في القدح والتشويه ونسبة ما لا يصح إلينا سراً ثم يتظاهروا بالأدب ظاهراً، كما أننا نستغرب عندما نسمع حجم ما يقال عنا من اتهامات منهم ومن أتباعهم سرا وعلنا، ثم يزعمون أنهم يحفظون لسانهم.
    إن مرادنا من هذا النقد الصريح وإن كان مزعجا لكثيرين، ليس إلا لفت الأنظار إلى الطريقة الأصوب والأحكم في معاملة بعضنا بعض، ألا وهي الوضوح والصراحة، لا الحفر بالباطن والدس والتأليب.
    مناقشة الدعوى الثامنة: حصيلة ما قاله الدكتور:
    يزيد الدكتور المخاطب لجلالة الملك بنحو هذا الخطاب فيقول وصفا لمن ذكرهم من قبل في خطابه: "أنهم يعبثون بالصف الديني مع أننا ندعو الى وحدة الصف الوطني للمسلمين والمسيحيين فهل يتسق هذا مع تقسيم صف المسلمين وزرع من يردد ما يريدون في المنابر والاعلام والادارات الدينية ويتم اقصاء واستبعاد كل من لا يرى رأيهم.". يعني إنه يتهم هؤلاء بأنهم يقسمون صف المسلمين، ويقصون كل من لا يرى رأيهم وطريقتهم؟ وكان الأولى به أن يسأل نفسه ألا يفعل هو عين فعلهم ويصنع نفس صنيعهم؟! وسوف نأتي على نزيد من التحليل لخطابه والتعليق عليه لاحقاً.
    ويختم الدكتور مقاله بقوله: "هذا يتم يا جلالة الملك بعد ان وقف الناس كلهم خلفك في قضية القدس فهل وحدة الصف هي المطلوب أم تقسيم الناس وجعلهم فئات متناحرة وبمنطلقات دينية؟
    آن لنا يا جلالة الملك أن نوقف المخطئين والعابثين والفاشلين الذين لا يقدرون على القيام بمهامهم ولا يفقهون أننا نعيش في ظروف صعبة لا مجال فيها للعبث".
    التعليق:
    يتهم الدكتور القائمين على إدارة الشؤون الدينية في هذا البلد ومن يعمل في هذه الأمور من الفضلاء بأنهم يعملون على إقصاء كل من يخالفهم، ويستبعدونهم، ويذكر جلالة الملك أن هذا ربما يعود عليه من ناحية سلبية بعدما وقف الشعب وراءه في قضية فلسطين التي هي قضية محورية!؟ يعني هل نفترض أن المضي في هذه الإجراءات ربما يجعل هؤلاء الرافضين لها ينفضون من حول جلالة الملك في موقفه من قضية فلسطين؟ لم يتم الربط بين هذا الأمر وذاك في هذه الحال؟
    وأين هي الشواهد على الاستبعاد والإقصاء، ونحن نرى كبريات الجامعات الأردنية ما يزال فيها السلفيون متمكنين ومن وافقهم في اعتقاداتهم ورؤيتهم من الجماعات الإسلامية، ولم نسمع عن أحد فصل عن رأس عمله لمجرد أنه سلفي أو وهابي، بل ما زلنا نسمع عن التوظيفات تترى لمن ينتمي لهذا الفكر في الجامعات المختلفة بنسبة عظيمة أكثر بكثير من غيرهم.
    ولا ندرس ما وراء مثل هذه التحذيرات والكلام الخطير للدكتور الذي كتب ذلك كله خطابا لجلالة الملك.
    هذا ما أردنا التعليق عليه باختصار.
    وسوف نتكلم في المقال التالي عن بعض التفاصيل التي ذكرناها في أثناء الدرس واحتار الناس في فهمها، ونسأل الله تعالى أن نذكر ما لنا وما علينا في هذا المقام وأن نلتزم الإنصاف والعدالة لنا أو علينا آملين أن يتمكن المخالفون والمشنعون من أن يستمعوا لما نراه، ولا غضاضة فيما يرون أنا أخطأنا فيه من قول أو رأي، بشرط عدم الاندفاع وراء التشكيك والقدح في الديانة ودعوى العمالة لدول غربية وعربية، أو دعوى ارتباط بجهاز مخابرات هنا أو هناك، ونحو تلك الاتهامات الجاهزة التي اعتادوا إلصاقها بمن يخالفهم أصاب أو أخطأ، فأقوالهم هذه أشبه بهذيانات المجانين في هذا المجال، وتخرصات الكهان، لا نملك رداً عليها إلا أن نقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    وندعو الله تعالى للمسلمين ولمن يخالفنا ولمن نرد عليه بالتوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين.
    كتبه
    سعيد فودة
    6-شوال-1440هـ
    الموافق9-6-2019م
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •