السؤال السابع والخمسون

{ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ }

هل تمنى سيدنا يوسف الموت؟

قال القرطبي

قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } قال قَتَادة: لم يتمنّ الموت أحدٌ نبيّ ولا غيره إلاَّ يوسف عليه السلام حين تكاملت عليه النِّعم وجمع له الشمل ٱشتاق إلى لقاء ربه عزّ وجلّ. وقيل: إن يوسف لم يتمنّ الموت، وإنما تمنّى الوفاة على الإسلام أي إذا جاء أَجَلِي تَوَفَّنِي مسلماً وهذا قول الجمهور. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريّ: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفرّ من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاقٌ محبٌّ للقاء الله عزّ وجلّ. وثبت في الصحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنّين أحدُكم الموت لضُرٍّ نزل به فإن كان لا بدّ متمنياً فليقل ٱللهم أَحْيني ما كانت الحياة خيراً لي وتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً لي " رواه مسلم. وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنّى أحدُكم الموت ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم ٱنقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمِنَ عُمُره إلا خيراً ". وإذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيدٰ إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزاً في شرعه أَمَا أنه يجوز تمنّي الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ذهاب الدين، على ما بيّناه في كتاب «التذكرة» و«مِنَ» من قوله: «مِنَ الْمُلْكِ» للتبعيض، وكذلك قوله: «وَعَلَّمَتْنِي مِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ» لأن مُلْك مصر ما كان كل الْمُلك، وعلم التّعبير ما كان كلّ العلوم. وقيل: «مِنَ» للجنس كقوله:{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ } [الحج: 30]. وقيل: للتأكيد. أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث.....

وقال الرازى

من في قوله: { مّنَ ٱلْمُلْكِ وَمِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } للتبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل. قال الأصم: إنما قال من الملك، لأنه كان ذو ملك فوقه. واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلاً، وهذان القسمان متباعدان جداً ويتوسطهما قسم ثالث، وهو الذي يؤثر ويتأثر، وهو عالم الأرواح، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة. وقوله تعالى: { قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ } إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله: { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه، فكان الحاصل في الحقيقة بعضاً من أبعاض الملك، وبعضاً من أبعاض العلم، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة «من» لأنها دالة على التبعيض

ملحوظة

لى بحث خاص عن اسرار من فى القرآن

قال الرازى

المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسداً وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبداً يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلاً، فنحن نقول ههنا أيضاً إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه. فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضاً كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالاً

ملحوظة

الامام الرازى يقصد باصحابنا اهل السنة الاشاعرة واهل السنة هم الاشاعرة والماتريدية والحنابلة رضوان الله علي الجميع ولي بحث خاص تتبعت فيه اسرار علم التوحيد علم اصول الدين فى القرآن يقع فى اربع مجلدات ولله الحمد والمنة

وقال القشيري

قوله جلّ ذكره: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }.

في حرف تبعيض؛ لأن المُلك - بالكمال - لله وحده.

ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان: مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة.

ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق.

قوله: { وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }: التأويل للخواص، وتفسير التنزيل للعوام.

قوله جلّ ذكره: { فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ }.

{ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } - هذا ثناء، وقوله: { تَوَفَّنِى } - هذا دعاء.

فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء.

ثم قال: { أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار.

ويقال معناه: الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ، فليس لي غيرك في الدارين.

قوله: { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة.

وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال:

{ تَوَفَّنِى مُسْلِماً } فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه).

وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله يقول. قال يوسف ليعقوب: عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت.. فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟

فقال يعقوب، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً، فقال يوسف عند ذلك: { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }.

ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال: توفني مسلماً، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال: يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ: توفَّنِي مسلماً.