صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 12345
النتائج 61 إلى 69 من 69

الموضوع: الدر المكنون فى سورة يوسف

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    السؤال السابع والخمسون

    { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ }

    هل تمنى سيدنا يوسف الموت؟

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } قال قَتَادة: لم يتمنّ الموت أحدٌ نبيّ ولا غيره إلاَّ يوسف عليه السلام حين تكاملت عليه النِّعم وجمع له الشمل ٱشتاق إلى لقاء ربه عزّ وجلّ. وقيل: إن يوسف لم يتمنّ الموت، وإنما تمنّى الوفاة على الإسلام أي إذا جاء أَجَلِي تَوَفَّنِي مسلماً وهذا قول الجمهور. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريّ: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفرّ من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاقٌ محبٌّ للقاء الله عزّ وجلّ. وثبت في الصحيح عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنّين أحدُكم الموت لضُرٍّ نزل به فإن كان لا بدّ متمنياً فليقل ٱللهم أَحْيني ما كانت الحياة خيراً لي وتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً لي " رواه مسلم. وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنّى أحدُكم الموت ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم ٱنقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمِنَ عُمُره إلا خيراً ". وإذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيدٰ إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزاً في شرعه أَمَا أنه يجوز تمنّي الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ذهاب الدين، على ما بيّناه في كتاب «التذكرة» و«مِنَ» من قوله: «مِنَ الْمُلْكِ» للتبعيض، وكذلك قوله: «وَعَلَّمَتْنِي مِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ» لأن مُلْك مصر ما كان كل الْمُلك، وعلم التّعبير ما كان كلّ العلوم. وقيل: «مِنَ» للجنس كقوله:{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ } [الحج: 30]. وقيل: للتأكيد. أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث.....

    وقال الرازى

    من في قوله: { مّنَ ٱلْمُلْكِ وَمِنْ تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } للتبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل. قال الأصم: إنما قال من الملك، لأنه كان ذو ملك فوقه. واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلاً، وهذان القسمان متباعدان جداً ويتوسطهما قسم ثالث، وهو الذي يؤثر ويتأثر، وهو عالم الأرواح، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة. وقوله تعالى: { قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ } إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله: { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ } إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه، فكان الحاصل في الحقيقة بعضاً من أبعاض الملك، وبعضاً من أبعاض العلم، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة «من» لأنها دالة على التبعيض

    ملحوظة

    لى بحث خاص عن اسرار من فى القرآن

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسداً وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبداً يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلاً، فنحن نقول ههنا أيضاً إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه. فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضاً كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالاً

    ملحوظة

    الامام الرازى يقصد باصحابنا اهل السنة الاشاعرة واهل السنة هم الاشاعرة والماتريدية والحنابلة رضوان الله علي الجميع ولي بحث خاص تتبعت فيه اسرار علم التوحيد علم اصول الدين فى القرآن يقع فى اربع مجلدات ولله الحمد والمنة

    وقال القشيري

    قوله جلّ ذكره: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }.

    في حرف تبعيض؛ لأن المُلك - بالكمال - لله وحده.

    ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان: مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة.

    ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق.

    قوله: { وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }: التأويل للخواص، وتفسير التنزيل للعوام.

    قوله جلّ ذكره: { فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ }.

    { فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } - هذا ثناء، وقوله: { تَوَفَّنِى } - هذا دعاء.

    فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء.

    ثم قال: { أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار.

    ويقال معناه: الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ، فليس لي غيرك في الدارين.

    قوله: { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة.

    وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال:

    { تَوَفَّنِى مُسْلِماً } فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه).

    وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله يقول. قال يوسف ليعقوب: عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت.. فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟

    فقال يعقوب، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً، فقال يوسف عند ذلك: { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }.

    ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال: توفني مسلماً، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال: يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ: توفَّنِي مسلماً.

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    السؤال الثامن والخمسون

    { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } * { وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } * { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } * { وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } * { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }

    لماذا خص الله بالذكر مكر اخوة سيدنا يوسف واجماعهم علي القائه فى غيابات الجب؟

    ذكرنا اجابة السؤال فى اخر السؤال السابع فليراجع

    واحب هنا ان اذكر ماقاله البقاعي فتأمله قال:


    ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ابتدائه إلى انتهائه، قال مشيراً إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطباً لمن لا يفهم هذا الحق فهمه غيره، مسلياً له مثبتاً لفؤاده وشارحاً لصدره، منبهاً على أنه مما ينبغي السؤال عنه: { ذلك } أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه قصاً يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم { من أنباء الغيب } أي أخباره التي لها شأن عظيم { نوحيه إليك } وعبر بصيغة المضارع تصويراً لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف له ما يريد { و } الحال أنك { ما كنت لديهم } أي عند إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام في هذا النبأ الغريب جداً { إذ } أي حين { أجمعوا أمرهم } على رأي واحد في إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في الجب بعد أن كان مقسماً { وهم يمكرون * } أي يدبرون الأذى في خفية، من المكر وهو القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة، وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين، ومن المحقق لدى كل ذي لب أنه لا علم إلا بتعليم، فثبت أنه لا معلم لك إلا الله كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيا له من دليل جل عن مثيل، وهذا من المذهب الكلامي، وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب، وهو تهكم عظيم ممن كذب النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما نقله أبو حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف عليه الصلاة والسلام فنزلت مشروحة هذا الشرح الشافي، مبينة هذا البيان الوافي، فأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله، عزاه الله بقوله: { وما } أي نوحيه إليك على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما { أكثر الناس } أي كلهم مع ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب { ولو حرصت } أي على إيمانهم { بمؤمنين * } أي بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص، فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات، أو لترك ما يغيظهم من الإنذار؛ والكثير - قال الرماني: العدة الزائدة على مقدار غيرها، والأكثر: القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل؛ والناس: جماعة الإنسان، وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنياً وشمالاً من نفسه لا بجر غيره.

    ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر، ذكر ما يعجب معه منه فقال: { وما } أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود، وذلك أنك - مع دعائهم إلى الطريق الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل ما { تسئلهم عليه } أي هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك، وأعرق في النفي فقال: { من أجر } حتى يكون سؤالك سبباً لأن يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغني به عن سؤالنا.

    ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال: { إن هو } أي هذا الكتاب { إلا ذكر } أي تذكير وشرف { للعالمين * } قال الرماني: والذكر: حضور المعنى للنفس، والعالم: جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها أن تعلم، لأنه أخذ من العلم، وفيه معنى التكثير، وقد يقال: عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي ننتفع به وهو مجعول لأجله.

    ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الإخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام، في أساليب البلاغة التي لا ترام، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام، كما أشار إليه أول السورة، كان ربما قيل: إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون في العلوم الإلهية، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات إلتي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر، ومع ذلك فلم ينتفعوا به، فقال: { وكأين من آية } أي علامة كبيرة دالة على وحدانيته { في السماوات } أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك { والأرض } من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد - كما سيأتي بيانه في سورة الرعد مفصلاً { يمرون عليها } مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية { وهم عنها } أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها { معرضون * } أي عن دلالتها على السعادة من الوحدانية وما يتبعها.

    ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات، بين أن إشراكهم مسقط لذلك، فقال: { ما يؤمن أكثرهم } أي الناس { بالله } أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به، لأنه المختص بصفات الكمال { إلا وهم مشركون } به مَن لا يقدر على شيء فضلاً عن أن يأتي بآية، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل، وهو محض تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه حسناً، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل " وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! قال الرازي في اللوامع: وقال الإمام محمد بن علي الترمذي: إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب، ومنه ثوب مشكوك، والشرك بنور التوحيد، فعند هذا يتولاه الله تعالى، وقال الواسطي: إلا وهم مشركون: في ملاحظة الخواطر والحركات...

    وقال القرطبي

    وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد «وَالأَرْضُ» رفعاً ٱبتداء، وخبره. { يَمُرُّونَ عَلَيْهَا }. وقرأ السّدي «وَالأَرْضَ» نصباً بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين على «السموات». وقرأ ٱبن مسعود: «يمشون عليها». قوله تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } نزلت في قوم أقرّوا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان قاله الحسن ومجاهد وعامر والشَّعبي وأكثر المفسرين. وقال عِكرمة هو قوله:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [الزخرف: 87] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أنداداً وعن الحسن أيضاً: أنهم أهل كتاب معهم شِرْكٌ وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا يصح إيمانهم حكاه ابن الأنباري. وقال ابن عباس: نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وعنه أيضاً أنهم النصارى. وعنه أيضاً أنهم المشبّهة، آمنوا مجملاً وأشركوا مُفَصَّلاً. وقيل: نزلت في المنافقين المعنى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ } أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه ذكره الماورديّ عن الحسن أيضاً. وقال عطاء: هذا في الدعاء وذلك أن الكفار يَنْسَون ربهم في الرّخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء بيانه:{ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [يونس: 22] الآية. وقوله: { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ } الآية. وفي آية أخرى: «وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ». وقيل: معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهَلَكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللّص، ونحو هذا فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب. قلت: وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوامّ المسلمين ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. وقيل: نزلت هذه الآية في قصة الدُّخَان وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدُّخَان في سنيّ القَحْط قالوا:{ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } [الدخان: 12] فذلك إيمانهم، وشركهُم عودُهم إلى الكفر بعد كشف العذاب بيانه قوله:{ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ } [الدخان: 15] والعود لا يكون إلا بعد ٱبتداء فيكون معنى: «إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ» أي إلا وهم عائدون إلى الشرك، والله أعلم...

    وقال الالوسي

    والظاهر أن { فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ } في موضع الصفة ـ لآية ـ وجملة { يَمُرُّونَ } خبر { كأين } كما أشرنا إليه سابقاً وجوز العكس، وقرأ عكرمة وعمرو بن قائد { والأرض } بالرفع على أن في السمٰوات هو الخبر ـ لكأين ـ { وٱلأَرْضِ } مبتدأ خبره الجملة بعده ويكون ضمير { عَلَيْهَا } للأرض لا للآيات كما في القراءة المشهورة،...

    ملحوظة

    لنا بحث خاص عن اسرار الضمائر فى القران به أكثر من ستمائة ضمير مختلف فيه فى القرآن وقد ذكرنا فى هذه السورة طرفا من الخلاف فى الضمائر وسيأتى ايضا فى الايات القادمة خلاف موسع طويل

    وقال ابو حيان

    وقرأ عكرمة وعمرو بن قائد: والأرض بالرفع على الابتداء، وما بعده خبر. ومعنى يمرون عليها فيشاهدون ما فيها من الآيات. وقرأ السدي: والأرض بالنصب، وهو من باب الاشتغال أي: ويطوون الأرض يمرون عليها على آياتها، وما أودع فيها من الدلالات. والضمير في عليها وعنها في هاتين القراءتين يعود على الأرض، وفي قراءة الجمهور وهي بجر الأرض، يعود الضمير على آية أي: يمرون على تلك الآيات ويشاهدون تلك الدلالات، ومع ذلك لا يعتبرون. وقرأ عبد الله: والأرض برفع الضاد، ومكان يمرون يمشون، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر. وهم مشركون جملة حالية أي: إيمانهم ملتبس بالشرك.

    قلت انا اسامة خيري لنا بحث خاص علي اثر علم القراءات فى التفسير ذكرنا فيه مايقرب من خمسمائة قراءة مؤثرة

    وقال الرازى

    أما قوله: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } فالمعنى: أنهم كانوا مقرين بوجود الإله بدليل قوله:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [لقمان: 25] إلا أنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين يشبهون الله بخلقه وعنه أيضاً أنه قال: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب لأنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وعنه أيضاً أن أهل مكة قالوا: الله ربنا وحده لا شريك له الملائكة بناته فلم يوحدوا، بل أشركوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزيز ابن الله، وقالت النصارى: ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله، وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا، وقال المهاجرون والأنصار ربنا الله وحده ولا شريك معه، واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن الإقرار باللسان فقط، لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنهم مشركون، وذلك يدل على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار باللسان، ....

    وقال الماتريدى

    وقوله - عز وجل -: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }.

    يحتمل هذا وجهين:

    أحدهما: في الاعتقاد؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الإله؛ إلا وهم مشركون الأصنام والأوثان في التسمية، وسموها آلهة؛ كقوله - تعالى -:{ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } [الإسراء: 42].

    والثاني: إشراك في الفعل؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم عبدوا غيره؛ من الأصنام والأوثان، أو أن يكون { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ } بلسانهم { إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } بقلوبهم أو يقول: وما يؤمن أكثرهم بالله في النعمة أنها من الله تعالى؛ إلا وهم مشركون في الشكر له تعالى

    وقال ابن كثير

    وقوله { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } قال ابن عباس من إِيمانهم أنهم إِذا قيل لهم من خلق السموات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا الله، وهم مشركون به. وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وفي الصحيحين أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إِذا قالوا لبيك لا شريك لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد قد " أي حسب حسب، لا تزيدوا على هذا. وقال الله تعالى{ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لقمان 13 وهذا هو الشرك الأعظم، يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله نداً وهو خلقك " وقال الحسن البصري في قوله { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } قال ذلك المنافق يعمل إِذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك، يعني قوله تعالى{ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } النساء 142 وثمَّ شرك آخر خفي لا يشعر به غالباً فاعله كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيراً، فقطعه - أو انتزعه - ثم قال { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ }. وفي الحديث " من حلف بغير الله، فقد أشرك " رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر، وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " ، وفي لفظ لهما " الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل " ....

    ملحوظة

    قد يستغل البعض اية ومايؤمن اكثرهم بالله فى رمى بعض جهلة هذه الأمة فى افعالهم بالشرك فالمطلوب التأنى فى تكفير اهل الاسلام لصدور بعض الافعال بل الواجب النصح لهم لا التكفير والاتهام بالشرك وقد نقلنا اقوال المفسرين فيها فليتأمل

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    السؤال التاسع والخمسون

    { أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

    هل المعنى علي بصيرة انا ومن اتبعني فالبصيرة تعم الكل والوقف علي لفظ الجلالة ام المعنى ادعو علي بصيره ومن اتبعنى ؟

    قال البقاعي

    ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم، وأنهم يتعامون عن الأدلة في الدنيا، وكان الأكثر المبهم القطع بعدم إيمانهم من توجيه الأمر والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم في غمارهم، وكان بعض الناس كالحمار لا ينقاد إلا بالعذاب، قال سبحانه وتعالى: { أفأمنوا } إنكاراً فيه معنى التوبيخ والتهديد { أن تأتيهم غاشية } أي شيء يغطيهم ويبرك عليهم ويحيط بهم { من عذاب الله } أي الذي له الأمر كله في الدنيا كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم.

    ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن كان لا يقربه، قال تعالى: { أو تأتيهم الساعة } وأشار إلى أشد ما يكون من ذلك على القلوب بقوله: { بغتة } أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها أصلاً؛ قال الرماني: قال يزيد بن مقسم الثقفي:

    ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة وأفظع شيء حين يفجؤك البغت
    ولما كان هذا المعنى مهولاً، أكده الله بقوله: { وهم لا يشعرون * } أي نوعاً من الشعور ولو أنه كالشعرة، إعلاماً بشدة جهلهم في أن حالهم حال من هو في غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن، لأن الشعور إدراك الشيء بما يلطف كدقة الشعر، وإنما قلت: إنه تأكيد، لأنه معنى البغتة؛ قال الإمام أبو بكر الزبيدي في مختصر العين: البغتة: المفاجأة، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: فاجأت الرجل مفاجأة - إذا جئته على غفلة مغافصة، ثم قال: وفاجأته مفاجأة - إذا لقيته ولم يشعر بك، وفي ترتيب المحكم: فجئه الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عليه من غير أن يشعر به، ويلزم ذلك الإسراع وهو مدار هذه المادة، لأنه يلزم أيضاً التغب - بتقديم المثناة محركاً وهو الهلاك، لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ هو الأصل في حال الحدث، والسلامة فيه هي العجب، والتغب أيضاً: الوسخ والدرن، وتغب - بكسر الغين: صار فيه عيب، ويقال للقحط: تغبة - بالتحريك، والتغب - ساكناً: القبيح والريبة، وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده إلا من عصم الله، وما ذاك إلا لأن هذه الدار مبينة عليه.

    ولما وصف الله سبحانه له صلى الله عليه وسلم أكثر الناس بما وصف من سوء الطريقة للتقليد الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة للعلم، أمر أن يذكر طريق الخلّص فقال: { قل } أي يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحاً وإخلاصاً: { هذه } أي الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله وسننه صلى الله عليه وسلم { سبيلي } القريبة المأخذ، الجلية الأمر، الجليلة الشأن، الواسعة الواضحة جداً، فكأنه قيل: ما هي؟ فقال: { أدعوا } كل من يصح دعاؤه { إلى الله } الحائز لجميع الكمال حال كوني { على بصيرة } أي حجة واضحة من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على الغباوة والجمود، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل ديناً ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين....

    ولما أوضح أبطال ما تعنتوا به من قولهم " لو أنزل عليه كنز " أتبعه ما يوضح تعنتهم في قولهم { أو جاء معه ملك } بذكر المرسلين، وأهل السبيل المستقيم، الداعين إلى الله على بصيرة، فقال: { وما أرسلنا } أي بما من العظمة. ولما كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله { أو جاء معه ملك } كالذي في النحل، لا لإنكار رسالة البشر، أدخل الجار تنبيهاً على ذلك فقال: { من قبلك } أي إلى المكلفين { إلا رجالاً } أي مثل ما أنك رجل، لا ملائكة ولا إناثاً - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل { نوحي إليهم } أي بواسطة الملائكة مثل ما يوحى إليك { من أهل القرى } مثل ما أنك من أهل القرى، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت، وكان العرب كلهم يأتونها؛ قال الرماني: وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء - انتهى.....


    ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال: { أفلم يسيروا } أي يوقع السير هؤلاء المكذبون { في الأرض } أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله { فينظروا } أي عقب سيرهم وبسببه، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل بهم من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه، أتى بالجار فقال: { من قبلهم } في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين، والاعتراض بين ذلك بقوله { قل انتظروا إني معكم من المنتظرين } وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته؛...


    وقال ابن كثير:

    يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إِلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع. وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى، نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } القصص 7 الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم، فبشرها بعيسى عليه السلام، وبقوله تعالى{ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَٰكِعِينَ } آل عمران42-43، وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات كما قال تعالى مخبراً عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى{ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } المائدة 75 فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صدّيقة بنص القرآن. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } الآية، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى{ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ } الفرقان 20 الآية، وقوله تعالى{ وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ } الأنبياء8-9. وقوله تعالى{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } الأحقاف9 الآية. وقوله { مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } المراد بالقرى المدن، لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعاً وأخلاقاً، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعاً، وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالاً من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى { ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } الآية. وقال قتادة في قوله { مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود....

    وقال الالوسي

    { مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } لأن أهلها كما قال ابن زيد وغيره: وهو مما لا شبهة فيه أعلم وأحلم من أهل البادية ولذا يقال لأهل البادية أهل الجفاء، وذكروا ان التبدي مكروه إلا في الفتن، وفي الحديث " من بدا جفا " قال قتادة: ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى، ونقل عن الحسن أنه قال: لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن، وقوله تعالى:{ وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } [يوسف: 100] قد مر الكلام فيه آنفاً....

    وقال ابو حيان

    وقرأ الجمهور: أفلا يعقلون بالياء رعياً لقوله: أفلم يسيروا. وقرأ الحسن، وعلقمة، والأعرج، وعاصم، وابن عامر، ونافع: بالتاء على خطاب هذه الأمة تحذيراً لهم مما وقع فيه أولئك، فيصيبهم ما أصابهم. قال الكرماني: أفلا يعقلون أنها خير. فيتوسلوا إليها بالإيمان انتهى

    وقال القرطبي

    وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ } ٱبتداء وخبره. وزعم الفرّاء أن الدار هي الآخرة وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ، كيوم الخميس، وبارحة الأولى قال الشاعر:
    ولو أَقْوَتْ عليكَ دِيارُ عَبْسٍ عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ اليَقينِ
    أي عِرْفَاناً يقيناً وٱحتجّ الكسائيّ بقولهم: صلاة الأولى واحتجّ الأخفش بمسجد الجامع. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليتعرّف به والأجود الصلاة الأولى، ومن قال صلاة الأولى فمعناه: عند صلاة الفريضة الأولى وإنما سمّيت الأولى لأنها أوّل ما صُلّي حين فُرضت الصّلاة، وأوّل ما أظهر فلذلك قيل لها أيضاً الظهر. والتقدير: ولدار الحال الآخرة خير، وهذا قول البصريين والمراد بهذه الدار الجنة أي هي خير للمتقين. وقرىء: «وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ»

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    السؤال الستون

    { حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ }

    من الذين ظنوا؟

    اعلموا احبابي ان فى هذه الاية كلام كثير واشكال مشهور بين أهل التفسير وهو علي قراءة تخفيف الذال فى كذبوا ((وهى قراءة حفص عن عاصم وغيره))

    ماهو الاشكال؟

    الاشكال ان الظاهر ان الضمير فى ظنوا عائد علي الرسل فيكون المعنى ظنوا انهم قد كذبوا من الكذب اى ظنوا ان هناك من كذب عليهم

    من الذى كذب عليهم ؟؟

    الظاهر هو من وعدهم بالنصر وهو الله عز وجل هذا هو الظاهر

    وهنا أتى الاشكال المشهور علي هذه القراءة ولهذا انكر بعض السلف هذه القراءة المتواترة كما نقل وان كان انكارهم مشكوك النقل فيه لانها متواترة

    ماحل الاشكال؟

    اعلم اخى الحبيب

    ان حل الاشكال فى عدة طرق

    وهو

    معرفة مرجع الضمير فى ظنوا

    معرفة القراءات فى كذبوا

    هذه الخلاصة احبابي وننقل ماورد فى كتب التفسير

    قال السمين:

    قوله تعالى: { حَتَّىٰ }: ليس في الكلامِ شيءٌ تكون " حتى " غايةً له، فمِنْ ثَمَّ اختلف الناسُ في تقدير شيءٍ يَصِحُّ تَغْيِيَتُه بـ " حتى ": فقدَّره الزمخشري: " وما أَرْسَلْنا مِنْ قبلك إلا رجالاً فتراخى نَصْرُهُمْ حتى ". وقَدَّره القرطبي: " وما أَرْسَلْنا من قبلك يا محمدُ إلا رجالاً لم نعاقِب أُمَمَهم بالعقاب حتى إذا ". وقدَّره ابن الجوزي: " وما أَرْسَلْنا مِنْ قبلك إلا رجالاً فَدَعَوا قومهم فكذَّبوهم وطال دعاؤُهم وتكذيبُ قومِهم حتى إذا ". وأَحْسَنُها ما قدَّمْتُه.

    وتَصَيَّد ابن عطية شيئاً من معنى قوله: " أفلم يسيروا " فقال: " ويتضمَّن قولُه " أفلم يسيروا " إلى " مِنْ قبلِهم " أنَّ الرسلَ الذين بعثهم اللَّه من أهل القرىٰ دَعَوْهم فلم يُؤْمنوا بهم حتى نَزَلَتْ بهم المَثُلاتُ فصبروا في حَيِّز مَنْ يُعْتبر بعاقبته، فلهذا المُضَمَّنِ حَسُن أن تَدْخُل " حتى " في قوله: " حتى إذا ". قال الشيخ: " ولم يتلخَّصْ لنا من كلامِه شيءٌ يكون ما بعد " حتى " غايةً له، لأنه عَلَّق الغايةَ بما ادَّعَى أنه فَهِمَ ذلك مِنْ قوله: " أفلم يَسيروا ". الآية ". قلت: دَعَوْهم فلم يؤمنوا هو المُغَيَّىٰ.

    قوله: { كُذِبُواْ } قرأ الكوفيون " كُذِبوا " بالتخفيف والباقون بالتثقيل. فأمَّا قراءةُ التخفيف فاضطربت أقوالُ الناسِ فيها، ورُوي إنكارها عن عائشة رضي الله عنها قالت: " معاذَ اللَّه لم يكنِ الرسلُ لِتَظُنُّ ذلك بربها " وهذا ينبغي أن لا يَصِحَّ عنها لتواتُرِ هذه القراءة.

    وقد وَجَّهها الناسُ بأربعة أوجه، أجودُها: أن الضميرَ في " وظنُّوا " عائدٌ على المُرْسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله:{ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [يوسف: 109]، ولأن الرسلَ تَسْتدعي مُرْسَلاً إليه. والضمير في " أنهم " و " كُذِبوا " عائد على الرسل، أي: وظنَّ المُرْسَل إليهم أنَّ الرسَلَ قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَنْ أُرْسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم.

    الثاني: أنَّ الضمائرَ الثلاثةَ عائدة على الرسل. قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه " حتى إذا اسْتَيْئَسوا من النصر وظنُّوا أنهم قد كُذِبوا، أي: كَذَّبَهم أنفسُهم حين حَدَّثَتْهم أنهم يُنْصَرون أو رجاؤُهم لقولهم رجاءٌ صادق ورجاءٌ كاذب، والمعنىٰ: أن مدَّة التكذيب والعداوةِ من الكفار، وانتظارَ النصر من اللَّه وتأميلَه قد تطاولت عليهم وتمادَتْ، حتىٰ استشعروا القُنوط، وتَوَهَّموا ألاَّ نَصْرَ لهم في الدنيا فجاءهم نَصْرُنا " انتهىٰ/ فقد جعل الفاعلَ المقدر: إمَّا أنفسُهم، وإمَّا رجاؤُهم، وجعل الظنَّ بمعنى التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو تَرَجُّحُ أحدِ الطرفين، وعن مجازه وهو استعمالُه في المُتَيَقَّن.

    الثالث: أنَّ الضمائرَ كلَّها أيضاً عائدة على الرسل، والظنُّ على بابه من الترجيح، وإلى هذا نحا ابن عباس وابن مسعود وابن جبير، قالوا: والرسل بَشَرٌ فَضَعُفوا وساءَ ظَنُّهم، وهذا ينبغي ألاَّ يَصِحَّ عن هؤلاء فإنها عبارة غليظة على الأنبياء عليهم السلام، وحاشىٰ الأنبياء من ذلك، ولذلك رَدَّتْ عائشة وجماعةُ كثيرة هذا التأويلَ، وأعظموا أن تُنْسَبَ الأنبياء إلى شيء مِن ذلك.

    قال الزمخشري: " إن صَحَّ هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظنِّ ما يَخْطِر بالبال ويَهْجِس في القلب مِنْ شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمَّا الظنُّ الذي هو ترجيحُ أحدِ الجائزين على الآخر فغير جائز على رجلٍ من المسلمين، فما بالُ رسلِ اللَّه الذين هم أعرفُ بربهم؟ " قلت: ولا يجوز أيضاً أن يقال: خَطَر ببالهم شبهُ الوسوسة؛ فإنَّ الوسوسة من الشيطان وهم مَعْصومون منه.

    وقال الفارسي أيضا: " إنْ ذهب ذاهب إلى أن المعنىٰ: ظنَّ الرسلُ الذين وعد اللَّه أمَمَهم على لسانهم قد كُذِبوا فيه فقد أتى عظيماً [لا يجوزُ أَنْ يُنْسَبُ مثلُه] إلى الأنبياء ولا إلى صالحي عبادِ اللَّه، وكذلك مَنْ زعم أنَّ ابنَ عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضَعُفوا فظنوا أنهم قد أُخْلفوا؛ لأن اللَّه تعالى لا يُخْلف الميعاد ولا مُبَدِّل لكلماته ". وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: " معناه وظنُّوا حين ضَعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخْلفوا ما وعدهم اللَّه به من النصر وقال: كانوا بشراً وتلا قوله تعالى:{ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ } [البقرة: 214].

    الرابع: أن الضمائر كلَّها تَرْجِعُ إلى المرسَل إليهم، أي: وظَنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذبوهم فيما ادَّعوه من النبوَّة وفيما يُوْعِدون به مَنْ لم يؤمنْ بهم من العقاب قبلُ، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد قالوا: ولا يجوز عَوْدُ الضمائر على الرسل لأنهم مَعْصومون. ويُحكى أن ابن جبير حين سُئِل عنها قال: نعم إذا استيئسَ الرسل من قومهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم " فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضِراً: " لو رَحَلْتُ في هذه إلى اليمن كان قليلاً ".

    وأمَّا قراءةُ التشديدِ فواضحة وهو أن تعودَ الضمائرُ كلها على الرسل، أي: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَّبهم أممُهم فيما جاؤوا به لطول البلاءِ عليهم، وفي صحيح البخاري عن عائشة: " أنها قالت: هم أتباعُ الأنبياءِ الذي آمنوا بهم وصَدَّقوا طال عليهم البلاءُ واستأخر عنهم النصرُ حتى إذا استيئس الرسلُ ممَّن كذَّبهم مِنْ قومهم، وظنَّتْ الرسلُ أن قومَهم قد كَذَّبوهم جاءهم نَصْرُ اللَّهِ عند ذلك ". قلت: وبهذا يَتَّحد معنىٰ القراءتين، والظنُّ هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين وأن يكونَ بمعنى التوهُّم حسبما تقدَّم.

    وقرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد " كَذَبوا " بالتخفيف مبنياً للفاعل، والضمير علىٰ هذه القراءة في " ظنُّوا " عائد على الأمم وفي { أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } عائدٌ على الرسل، أي: ظنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو من العقاب، ويجوز أن يعودَ الضميرُ في " ظنُّوا " على الرسل وفي { أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } على المُرْسَل [إليهم]، أي: وظنَّ الرسلُ أن الأممَ كَذَبَتْهم فيما وعدوهم به مِنْ أنَّهم يؤمنون به، والظنُّ هنا بمعنى اليقين واضح.

    ونقل أبو البقاء أنه قُرِىء مشدَّداً مبنياً للفاعل، وأوَّلَه بأنَّ الرسل ظنُّوا أن الأمم قد كذَّبوهم. وقال الزمخشري: ـ بعد ما حكىٰ قراءة المبني للفاعل ـ " ولو قرىء بهذا مشدَّداً لكان معناه: وظنَّ الرسلُ أنَّ قومَهم كذَّبوهم في موعدهم " فلم يحفظها قراءةً وهي غريبة، وكان قد جَوَّز في القراءة المتقدمة أنَّ الضمائر كلَّها تعود على الرسل، وأن يعودَ الأولُ على المُرْسَل إليهم وما بعده على الرسل فقال: " وقرأ مجاهد " كَذَبوا " بالتخفيف على البناء للفاعل على: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَبوا فيما حَدَّثوا به قومهم من النُّصْرة: إمَّا على تأويل ابن عباس، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يَرَوا لموعدهم أثراً قالوا لهم: قد كَذَبْتُمونا فيكونون كاذبين عند قومهم أو: وظنَّ المُرْسَلُ إليهم أن الرسلَ قد كَذَبوا "......

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ } تقدّم القراءة فيه ومعناه. { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزِلّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. «حَتَّى إِذَا ٱسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» أي يئسوا من إيمان قومهم. «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» بالتشديد أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أَنَّ الْقَوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنّوا وحسِبوا أنهم يُكَذِّبونهم أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شكّ فيكون «وَظَنُّوا» على بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عباس وٱبن مسعود وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ وأبو جعفر بن القَعْقَاع والحسن وقَتَادة وأبو رَجَاء العُطَارِديّ وعاصم وحمزة والكسائيّ ويحيـى بن وَثَّاب والأعمش وخَلَف «كُذِبُوا» بالتخفيف أي ظنّ القوم أن الرسل كَذَبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يَصدقُوا.

    وقيل: المعنى ظنّ الأمم أن الرسل قد كَذَبوا فيما وعدوا به من نصرهم. وفي رواية عن ابن عباس ظنّ الرسلُ أن الله أخلف ما وعدهم. وقيل: لم تصح هذه الرواية لأنه لا يَظنّ بالرسل هذا الظنّ، ومن ظنّ هذا الظنّ لا يستحقّ النّصر فكيف قال: { جَآءَهُمْ نَصْرُنَا }؟ٰ قال القُشَيريّ أبو نصر: ولا يبعد إن صحّت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم وفي الخبر: " إن الله تعالى تجاوز لأمّتي عما حدّثت به أنفسها ما لم ينطق به لسانٌ أو تَعمل به " ويجوز أن يقال: قربوا من ذلك الظنّ كقولك: بلغت المنزل، أي قربت منه. وذكر الثعلبيّ والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشراً فضَعُفوا من طول البلاء، ونسوا وظنُّوا أَنَّهُمْ أخلِفوا ثم تلا:{ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214]. وقال الترمذيّ الحكيم: وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعدما وعد الله النصر، لا من تهمة لوعد الله، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حَدَثاً يَنْقُض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم فكانت إذا طالت عليهم المدّة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه. وقال المهدويّ عن ابن عباس: ظنّت الرُّسل أنهم قد أُخلِفُوا على ما يلحق البشر واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام:{ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } [البقرة: 260] الآية. والقراءة الأولى أولى. وقرأ مجاهد وحميد ـ «قَدْ كَذَبوا» بفتح الكاف والذال مُخَفّفاً، على معنى: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوا، لما رأوا من تفضّل الله عزّ وجلّ في تأخير العذاب. ويجوز أن يكون المعنى: ولما أيقن الرسل أن قومهم قد كَذَبوا على الله بكفرهم جاء الرسلَ نصرُنا. وفي البخاريّ عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عزّ وجلّ: { حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ } قال قلت: أكُذِبُوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا. قلت: فقد ٱستيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أَجَل لعمري! لقد ٱستيقنوا بذلك فقلت لها: «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظنّ ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، وٱستأخر عنهم النصر حتى إذا ٱستيأس الرسل ممن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك. وقي قوله تعالى: { جَآءَهُمْ نَصْرُنَا } قولان: أحدهما: جاء الرسلَ نصُر الله قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب الله قاله ابن عباس....

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { حتى إِذا استيأس الرسل } المعنى متعلق بالآية الأولى، فتقديره: وما أرسلنا من قبلك إِلا رجالاً، فدعَوا قومهم، فكذَّبوهم، وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إِذا استيأس الرسل، وفيه قولان:

    أحدهما: استيأسوا من تصديق قومهم، قاله ابن عباس.

    والثاني: من أن نعذِّب قومهم، قاله مجاهد. { وظنوا أنهم قد كُذبوا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «كُذِّبوا» مشددة الذال مضمومة الكاف، والمعنى: وتيقَّن الرسل أن قومهم قد كذَّبوهم، فيكون الظن هاهنا بمعنى اليقين، هذا قول الحسن، وعطاء، وقتادة. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «كُذِبوا» خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أن الرسل قد كُذِبوا فيما وُعدوا به من النصر، لأن الرسل لا يظنون ذلك. وقرأ أبو رزين، ومجاهد، والضحاك: «كَذَبوا» بفتح الكاف والذال خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أيضاً أنهم قد كَذَبوا، قاله الزجاج.

    وقال الطبري

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: استـيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم، وظنّ قومهم الـمشركون أن الرسل قد كُذِبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم علـيهم وأُخـلِفوا. وقرأ: { جاءَهُمْ نَصْرُنا } قال: جاء الرسل النصر حينئذٍ، قال: وكان أبّـي يقرؤها: { كُذِبُوا }. حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبـي الـمتوكل، عن أيوب ابن أبـي صفوان، عن عبد الله بن الـحرث، أنه قال: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } من إيـمان قومهم { وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } وظن القوم أنهم قد كذبوهم فـيـما جاءوهم به. حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ظنّ قومهم أن رسلهم قد كذبوهم فـيـما وعدوهم به. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن جحش بن زياد الضبـي، عن تـميـم ابن حذلـم، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول فـي هذه الآية: «حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا» قال: استـيأس الرسل من إيـمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظنّ قومهم حين أبطأ الأمر أنه قد كَذَبُوا بـالتـخفـيف. حدثنا أبو الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي الـمعلـى، عن سعيد بن جبـير، فـيقوله: { حتـى إذَا اسْتَـيأَسَ الرُّسُل } قال: استـيأس الرسل من نصر قومهم، وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوهم. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن سعيد بن جبـير: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } أن يصدّقوهم، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذبوهم. قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } أن يصدّقهم قومهم، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذبوهم. حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } يقول: استـيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم، وظنوا: يقول: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كذبوهم الـموعد. والقراءة علـى هذا التأويـل الذي ذكرنا فـي قوله: { كُذِبُوا } بضم الكاف وتـخفـيف الذال، وذلك أيضاً قراءة بعض قرّاء أهل الـمدينة وعامَّة قرّاء أهل الكوفة. وإنـما اخترنا هذا التأويـل وهذه القراءة، لأن ذلك عقـيب قوله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيْهِمْ مِنْ أهْل القُرَى أفَلَـم يَسِيرُوا فـي الأرْضِ فَـيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } فكان ذلك دلـيلاً علـى أن إياس الرسل كان من إيـمان قومهم الذين أهلكوا، وأن الـمضمر فـي قوله: { وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } إنـما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمـم الهالكة، وزاد ذلك وضوحاً أيضاً إتبـاع الله فـي سياق الـخبر عن الرسل وأمـمهم قوله: { فَنُـجِّيَ مَنْ نَشاءُ } إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبتـم، فكَذَّبُوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبُوهم.

    وقد ذهب قوم مـمن قرأ هذه القراءة إلـى غير التأويـل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلـى: حتـى إذا استـيأس الرسل من إيـمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فـيـما وعدوا من النصر. ذكر من قال ذلك: حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبـي ملـيكة، قال: قرأ ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا. قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن أبـي ملـيكة، عن ابن عبـاس، قرأ: { وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } خفـيفة. قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخـلفوا. قال عبد الله: قال لـي ابن عبـاس: كانوا بشراً، وتلا ابن عبـاس:{ حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتـى نَصْرُ اللّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } قال ابن جريج: قال ابن أبـي ملـيكة: ذهب بها إلـى أنهم ضعفوا فظنوا أنهم أخـلفوا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق عن عبد الله، أنه قرأ: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره. قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن سلـيـمان، عن أبـي الضحى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: { حَتـى إذا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: هو الذي تكره، مخففة. قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، أنه قال فـي هذه الآية: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قلت: كُذِبُوا؟ قال: نعم ألـم يكونوا بشراً. حدثنا الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: كانوا بشراً قد ظنوا. وهذا تأويـلٌ وقولٌ، غيره من أهل التأويـل أولـى عندي بـالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفـات الأنبـياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم ويشكوا فـي حقـيقة خبره مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه الـمرسَل إلـيهم، فـيعذروا فـي ذلك أن الـمرسل إلـيهم لأولـى فـي ذلك منهم بـالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفـى أمره. وقد ذكر هذا التأويـل الذي ذكرناه أخيراً عن ابن عبـاس لعائشة، فأنكرته أشدّ النكرة فـيـما ذُكر لنا. ذكر الرواية بذلك عنها رضوان الله علـيها: حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبـي ملـيكة، قال: قرأ ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } فقال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا، قال ابن أبـي ملـيكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، ما حدّث الله رسوله شيئاً قطّ إلا علـم أنه سيكون قبل أن يـموت، ولكن لـم يزل البلاء بـالرسل، حتـى ظنّ الأنبـياء أن من تبعهم قد كذبوهم.

    فكانت تقرؤها: «قد كُذّبوا» تثقلها. قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن أبـي ملـيكة، أن ابن عبـاس قرأ: { وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } خفـيفة قال عبد الله: ثم قال لـي ابن عبـاس: كانوا بشراً. وتلا ابن عبـاس:{ حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتـى نَصْرُ اللّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } قال ابن جريج: قال ابن أبـي ملـيكة: يذهب بها إلـى أنهم ضعفوا، فظنوا أنهم أخـلفوا. قال ابن جريج: قال ابن أبـي ملـيكة: وأخبرنـي عروة عن عائشة، أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم من شيء إلا وقد علـم أنه سيكون حتـى مات، ولكنه لـم يزل البلاء بـالرسل حتـى ظنوا أن من معهم من الـمؤمنـين قد كَذَّبوهم. قال ابن أبـي ملـيكة فـي حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: «وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» مثّقله، للتكذيب. قال: ثنا سلـيـمان بن داود الهاشمي، قال: ثنا إبراهيـم بن سعد، قال: ثنـي صالـح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قال: قلت لها قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: قالت عائشة: لقد استـيقنوا أنهم قد كذِّبوا. قلت: كُذبُوا؟ قالت: معاذ الله، لـم تكن الرسل تُظنّ يوماً، إنـما هم أتبـاع الرسل لـمَّا استأخر عنهم الوحي واشتدّ علـيهم البلاء ظنَّت الرسل أن أتبـاعهم قد كذَّبوهم { جاءَهُمْ نَصْرُنا }. حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: حتـى إذا استـيأس الرجل مـمن كذبهم من قومهم أن يصدّقوهم، وظنت الرسل أن من قد آمن من قومهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. فهذا رُوي فـي ذلك عن عائشة، غير أنها كانت تقرأ: «كُذّبوا» بـالتشديد وضمّ الكاف، بـمعنى ما ذكرنا عنها، من أن الرسل ظنت بأتبـاعها الذين قد آمنوا بهم أنهم قد كذبوهم، فـارتدّوا عن دينهم، استبطاءً منهم للنصر. وقد بـيَّنا أن الذي نـختار من القراءة فـي ذلك والتأويـل غيره فـي هذا الـحرف خاصة. وقال آخرون مـمن قرأ قوله: «كُذّبُوا» بضم الكاف وتشديد الذال، معنى ذلك: حتـى إذا استـيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدّقوهم، وظنت الرسل: بـمعنى واستـيقنت أنهم قد كذَّبهم أمـمُهم جاءت الرسلَ نُصْرَتُنا وقالوا: الظنّ فـي هذا بـمعنى العلـم من قول الشاعر:

    فَظُنُّوا بألْفَـيْ فـارِسٍ مُتَلَبِّب سَرَاتُهُم فـي الفـارِسِيّ الـمُسَرَّدِ
    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، وهو قول قتادة: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } من إيـمان قومهم، «وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا»: أي استـيقنوا أنه لا خير عند قومهم، ولا إيـمان، جاءهم نصرنا. حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } قال: من قومهم «وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» قال: وعلـموا أنهم قد كُذِّبوا، { جاءَهُمْ نَصْرُنا }. وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قرّاء الـمدينة والبصرة والشام، أعنـي بتشديد الذال من «كذبوا» وضمّ كافها. وهذا التأويـل الذي ذهب إلـيه الـحسن وقتادة فـي ذلك إذا قرىء بتشديد الذال وضمّ الكاف خلاف لـما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة، لأنه لـم يوجِّه الظنّ فـي هذا الـموضع منهم أحد إلـى معنى العلـم والـيقـين، مع أن الظنّ إنـما استعمله العرب فـي موضع العلـم فـيـما كان من علـم أدرك من جهة الـخبر أو من غير وجه الـمشاهدة والـمعاينة، فأما ما كان من علـم أدرك من وجه الـمشاهدة والـمعاينة فإنها لا تستعمل فـيه الظنّ، لا تكاد تقول: أظننـي حيًّا وأظننـي إنساناً، بـمعنى: أعلـمنـي إنساناً وأعلـمنـي حيًّا. والرسل الذين كذّبتهم أمـمهم، لا شكّ أنها كانت لأمـمها شاهدة ولتكذيبها إياها منها سامعة، فـيقال فـيها: ظنَّت بأمـمها أنها كذبتها. ورُوي عن مـجاهد فـي ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الـماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم وتأويـل خلاف تأويـلهم وقراءة غير قراءة جميعهم، وهو أنه فـيـما ذكر عنه كان يقرأ: «وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا» بفتـح الكاف والذال وتـخفـيف الذال. ذكر الرواية عنه بذلك: حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبـيد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، أنه قرأها: «كَذَبُوا» بفتـح الكاف بـالتـخفـيف. وكان يتأوّله كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: استـيأس الرجل أن تَعذّبَ قومهم، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذَبوا، جاءهم نصرنا، قال: جاء الرسل نصرُنا. قال مـجاهد: قال فـي الـمؤمن:{ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بـالبَـيِّناتِ فَرِحُوا بِـمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْـمَ } قال: قولهم نـحن أعلـم منهم، ولن نعذَّب. وقوله:{ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الـحقّ. وهذه القراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـى خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتـمل وجهاً من التأويـل وهو أحسن مـما تأوّله مـجاهد، وهو: { حَتـى إذَا استَـيأس الرسُلُ } من عذاب الله قومَها الـمكذّبة بها، وظنت الرسلُ أن قومها قد كَذَّبوا وافتروا علـى الله بكفرهم بها. ويكون الظنّ موجهاً حينئذٍ إلـى معنى العلـم، علـى ما تأوّله الـحسن وقتادة.

    وقال الرازى

    اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي { كَذَّبُواْ } بالتخفيف، وكسر الذال والباقون بالتشديد، ومعنى التخفيف من وجهين: أحدهما: أن الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر. فإن قيل: لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم. قلنا: ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله:{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [يوسف: 109] فيكون الضمير عائداً إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا بمعنى التوهم والحسبان. والوجه الثاني: أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد، لأن المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان: الأول: أن الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى:{ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } [البقرة: 46] أي يتيقنون ذلك. والثاني: أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وظن الرسل أنهم كذبوا، لأنهم كانوا بشراً ألا ترى إلى قوله:{ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } [البقرة: 214] قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت: ما وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة.

    وقال القشيري

    حتى إذا استيأس الرسلُ مِنْ إيمانِ قومهم، وتَيَقَّنُوا أنهم كذبوهم - والظن ها هنا بمعنى اليقين - فعند ذلك جاءهم نصرُنا؛ للرسل بالنجاةِ ولأقوامهم بالهلاك، ولا مَرَدَّ لبأسنا.

    ويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين شيئاً من الأحوال إلا بعد يأسهم منها، قال تعالى:{ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } [الشورى: 28]، فكما أنّه يُنَزِّلُ المَطر بعد اليأسِ فكذلك يفتح الأحوالَ بعد اليأس منها والرضا بالإفلاس عنها

    انتهي

    قد تعمدت نقل اقوال اكثر اهل التفسير لكى تعلم الافق الواسع فى فهم كتاب الله ومدى تأثير مرجع الضمير وعلم القراءات فى التفسير والحمد لله للفقير بحث فى اثر مرجع الضمير فى علم التفسير واثر علم القراءات فى علم التفسير والبحثان موجودان علي صيغة بي دى اف من ارادهما فليتواصل معى وسأكتب اداة التواصل فى اخر البحث ان شاء المولي عز وجل


  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    السؤال الواحد والستون

    { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }


    مامرجع الضمير فى قصصهم؟

    قال الالوسي

    لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي قصص الأنبياء عليهم السلام وأممهم، وقيل: قصص يوسف وأبيه وإخوته عليهم السلام وروي ذلك عن مجاهد، وقيل: قصص أولئك وهؤلاء، والقصص مصدر بمعنى المفعول ورجح الزمخشري الأول بقراءة أحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي وعبد الوارث عن أبـي عمرو { قصصهم } بكسر القاف جمع قصة. ورد بأن قصة يوسف وأبيه وإخوته مشتملة على قصص وأخبار مختلفة على أنه قد يطلق الجمع على الواحد، وفيه أنه كما قيل إلا أنه خلاف المتبادر المعتاد فإنه يقال في مثله قصة لا قصص، واقتصر ابن عطية على القول الثالث وهو ظاهر في اختياره

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } أي في قصة يوسف وأبيه وإخوته، أو في قصص الأمم. { عِبْرَةٌ } أي فكرة وتذكرة وعظة. { لأُوْلِي الأَلْبَابِ } أي العقول. وقال محمد بن إسحاق عن الزّهريّ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْميّ: إن يعقوب عاش مائة سنة وسبعاً وأربعين سنة، وتُوفّي أخوه عِيصُو معه في يوم واحد، وقُبِرا في قبر واحد فذلك قوله: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ } إلى آخر السورة. { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } أي ما كان القرآن حديثاً يفترى، أو ما كانت هذه القصة حديثاً يفترى. { وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } أي ولكن كان تصديق، ويجوز الرفع بمعنى لكن هو تصديق الذي بين يديه أي ما كان قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى وهذا تأويل من زعم أنه القرآن. { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام، والشرائع والأحكام. { وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

    وقال ابن عطية

    و { الذي بين يديه } هو التوراة والإنجيل، والضمير في { يديه } عائد على القرآن، وهم اسم كان. وقوله: { كل شيء } يعني من العقائد والأحكام والحلال والحرام. وباقي الآية بين....

    وقال الرازى

    اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، والمراد منه التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور:

    الأول: أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة، لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته.

    الثاني: أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم،

    الثالث: أنه ذكر في أول السورة{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ظ±لْقَصَصِ } [يوسف: 3] ثم ذكر في آخرها: { لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الألْبَـابِ } تنبيهاً على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة. والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه، ومن الناس من قال: المراد قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام. فإن قيل: لم قال: { عِبْرَةٌ لاّوْلِى الألْبَـابِ } مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك. قلنا: إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل، أو نقول: المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها، لأن { أُوْلِى الألْبَـابِ } لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه،

    واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات.

    الصفة الأولى: كونها { عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالْبَـابِ } وقد سبق تقريره.

    الصفة الثانية: قوله: { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } وفيه قولان: الأول: أن المراد الذي جاء به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت، والثاني: أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه، لأنه لا يصح الكذب منه، ثم إنه تعالى أكد كونه غير مفترى فقال: { وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية، ونصب تصديقاً على تقدير ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى:{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـكِن رَّسُولَ اللَّهِ } [الأحزاب: 40] قاله الفراء والزجاج، ثم قال: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه.

    والصفة الثالثة: قوله: { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } وفيه قولان: الأول: المراد وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته، والثاني: أنه عائد إلى القرآن، كقوله:{ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَـابِ مِن شَىْء } [الأنعام: 38] فإن جعل هذا الوصف وصفاً لكل القرآن أليق من جعله وصفاً لقصة يوسف وحدها، ويكون المراد: ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين. قال الواحدي على التفسيرين جميعاً: فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله:{ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } [الأعراف: 156] يريد: كل شيء يجوز أن يدخل فيها وقوله:{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [النمل: 23]. الصفة الرابعة والخامسة: كونها هدى في الدنيا وسبباً لحصول الرحمة في القيامة لقوم يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله:{ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب

    وقال القشيري

    عِبْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أَحسن إليهم، وأعتقهم حين مَلَكَهم.

    وعبرة في قصصهم لأرباب التقوى؛ فإن يوسفَ لمَّا ترك هواه رقَّاه الله إلى ما رقَّاه.

    وعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهوى من شدة البلاء، كامرأة العزيز لمَّا تبعت هواها لقيت الضرَّ والفقر.

    وعبرةُ للمماليك في حضرة السادة، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ العزيز، وصارت زليخا امرأته حلالاً.

    وعبرةٌ في العفو عند المقدرة، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته.

    وعبرةٌ في ثمرة الصبر، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء يوسف عليه السلام

    انتهت رحلتنا مع سورة يوسف عليه السلام وبحر القرآن لاساحل له وماورد فى كتب المفسرين ماهو الا رشاشات من بحر علم التفسير اخى الحبيب ارجو من الله ان يرزقنا فهم كتابه كما أفهم اوليائه الصالحين انه ولي ذلك والقادر عليه

    للتواصل معى وطلب ابحاثي التى وردت فى البحث pdf

    علي واتس اب

    من خارح مصر

    00201140505531

    من داخل مصر

    01140505531


    كتبه العبد الفقير/أسامة محمد خيري عبد الرحمن ابراهيم

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    بعد إنتهاء البحث رأيت من المفيد ان نذكر المناسبة بين سورة هود وسورة يوسف وبين اول يوسف واخرها

    اولا:المناسبة بين سورة يوسف وسورة هود

    قال ابو حيان فى البحر:

    ووجه مناسبتها لما قبلها وارتباطها أن في آخر السورة التي قبلها:{ وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } [هود: 120] وكان في تلك الأنباء المقصوصة فيها ما لاقى الأنبياء من قومهم، فاتبع ذلك بقصة يوسف، وما لاقاه من أخوته، وما آلت إليه حاله من حسن العاقبة، ليحصل للرسول صلى الله عليه وسلم التسلية الجامعة لما يلاقيه من أذى البعيد والقريب. وجاءت هذه القصة مطولة مستوفاة، فلذلك لم يتكرر في القرآن إلا ما أخبر به مؤمن آل فرعون في سورة غافر. والإشارة بتلك آيات إلى الر وسائر حروف المعجم التي تركبت منها آيات القرآن، أو إلى التوراة والإنجيل، أو الآيات التي ذكرت في سورة هود، أو إلى آيات السورة. والكتاب المبين ....

    وقال البقاعي فى نظم الدرر:

    لما خلل سبحانه تلك مما خللها به من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن من عنده وبإذنه نزل، وأنه لا يؤمن إلاّ من شاء إيمانه، وأنه مهما شاءه كان، وبيّن عظيم قدرته على مثل ما عذب به الأمم وعلى التأليف بين من أراد وإيقاع الخلاف بين من شاء، وأشار إلى أنه حكم بالنصرة لعابديه فلا بد أن يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله، تلاها بهذه السورة لبيان هذه الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي لقي فيها يوسف علية الصلاة والسلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ومن الغربة وشتات الشمل، ثم كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع به من الصبر على شديد البلاء والتفويض لأمر الله جلَّ وعلا تسلية لهذا النبي الأمين وتأسية بمن مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه الكافرين وبعد وفاته ممن دخل منهم في الدين في آل بيته كما وقع ليوسف عليه السلام من تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم، وقد وقع ليوسف عليه السلام بالفعل ما همّ الكفار من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بفعله به كما حكاه سبحانه في قوله{ ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } [الأنفال: 30] فنجا منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلاّ ما كان من الحصر في شعب أبي طالب ومن الهجرة بأمر الحكيم العليم، ثم نصر الله يوسف عليه السلام على إخوته الذين فعلوا به ذلك وملكه قيادهم، فكان في سوق قصته عقب الإخبار بأن المراد بهذه القصص تثبيته صلى الله عليه وسلم وتسلية فؤاده إشارة إلى البشارة بما وقع له صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من ملك قيادهم ورد عنادهم ومنّه عليهم وإحسانه إليهم، وفي إشارتها بشارة بأن المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى، ومن فوائد ذكرها التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح ألاّ من بادر منهم بالتوبة داعي الفلاح، وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صوناً للأكابر عن ذكر ما ربما أوجب اعتقاد نقص، أو توجيه طعن أو غمص، أو هون داء الحسد، عند ذي تهور ولدد، وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر القرآن ونفي التهمة عن هذا النبي العظيم.

    هذا مناسبة ما بين السورتين، وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما أخبر في آخر تلك بتمام علمه وشمول قدرته، دل على ذلك أهل السبق من الفصاحة والفوت في البلاغة في أول هذه بما فعل في كلامه من أنه تعالى يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول - على كرِّ الأزمان وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي - في معناه كل مذهب وتطير كل مطار مع توفر الدواعي واستجماع القوى، ولا تقف من ذلك على أمر محقق ولا مراد معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم بأوائل النظر أدنى معناه فهما يوثق بأنه مراد، ثم لا يزال يبرز منه من دقائق المعاني كلما كرر التأمل وتغلغل الفهم إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف مبانيه فقال تعالى: { الر }....

    وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ما قص عليه صلى الله عليه وسلم من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله سبحانه وتعالى{ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } [هود: 120] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام - كما تقدم - وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم الصلاة والسلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه الصلاة والسلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف عليه الصلاة والسلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن، ثم امتحن جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد

    { مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا } [يوسف:88] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من كيد كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوه، وكل ذلك مما أعقبه جميل صبره وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة، ثم انجرَّ في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة والسلام بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه - إلى ما انجرّ في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [ يوسف: 111] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وما جرى في أممهم، فلهذا فصلت عنهم، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طيّ ذلك، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } [النور:55] - إلى قوله{ آمنا } [ النور: 55] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام بجملتها أشبه شيء بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم{ اذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً } [ آل عمران:103] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - والله أعلم، وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عند ما حد له، فلم يضره ما كان، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر، فأخرت إلى عقب سورة هود عليه الصلاة والسلام لمجموع هذا - والله تعالى أعلم؛

    ثم ناسبت سورة يوسف عليه الصلاة والسلام أيضاً أن تذكر إثر قوله تعالى{ إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } [هود:114]، وقوله{ واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [هود:115] وقول{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } - [هود:118] الآية، وقوله{ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون } [هود:121] فتدبر ذلك،

    إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم

    { لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } [يوسف:91] وعفوه عنهم{ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } [يوسف:92] وندم امرأة العزيز وقولها{ الآن حصحص الحق } [يوسف:51] - الآية، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة؛

    وأما نسبة السورة لقوله تعالى { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على قومه، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى امتحان يوسف عليه الصلاة والسلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال " " ولو لبثتُ في السجن ما لبث اخي يوسف لأجبت الداعي " فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما الصلاة والسلام{ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } [هود:120].

    لما قيل له{ واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [هود:115] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام من المحسنين{ ووهبنا له إسحاق ويعقوب } [الأنعام:84] - إلى قوله{ وكذلك نجزي المحسنين } [الأنعام:84] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له{ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } [الأحقاف:35] ويوسف عليه الصلاة والسلام من أولي العزم؛ ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام - في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب - أنسب شيء لحال نبينا عليه الصلاة والسلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك، ويوضح ما ذكرنا ختم السورة بقوله تعالى{ حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاء نصرنا } [يوسف: 110] الآيه فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء الله فيه؛ وأما النسبة لقوله{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين } [هود:118] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولي الألباب؛

    وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة{ اعملوا على مكانتكم - وانتظروا } [هود: 121] فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، فقد وضح بفضل الله وجهُ ورود هذه السورة عقب سورة هود - والله أعلم. انتهى.

    ثانيا :المناسبة بين اول يوسف واخرها

    قال البقاعي:

    ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة، نبه على ذلك بتقدير سؤال فقال: { ما كان } أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره { حديثاً يفترى } كما قال المعاندون - على ما أشير إليه بقوله: { أم يقولون افتراه } ، والافتراء: القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه، من: فريت الأديم { ولكن } كان { تصديق الذي } كان من الكتب وغيرها { بين يديه } أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه { و } زاد على ذلك بكونه { تفصيل كل شيء } أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا والآخرة؛ والتفصيل: تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه { وهدى ورحمة } وبياناً وإكراماً. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه، قال: { لقوم يؤمنون } أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى: يمكن إيمانهم، فهو عام، وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أنه الكتاب المبين، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة بحقية القرآن، وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون للناس، وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجراً - على سبب ما تبعته هذه القصص، وهو مضمون قوله تعالى:{ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } [ هود: 12] الآية من قولهم{ لولا ألقي عليه كنز أو جاء معه ملك } [ هود: 12] وقولهم: إنه افتراه، على ترتيب ذلك، مع اعتناق هذا الآخر لأول التي تليه، فسبحان من أنزله معجزاً باهراً، وقاضياً بالحق لا يزال ظاهراً، وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله سبحانه وتعالى أعلم.

    أنتهت رحلتنا مع سورة يوسف ولله الحمد والمنة

    كتبه العبد الفقير/أسامة محمد خيري عبد الرحمن

    للتواصل وطلب الابحاث pdf علي واتس اب

    من خارج مصر

    00201140505531

    ومن داخل مصر

    01140505531

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,731
    تم تحويل البحث لصيغة بي دى اف ولله الحمد من أراده فليتواصل مع الفقير علي الواتس أب بالرقم المذكور فى نهاية البحث

  9. #69

    أحسنت يا استاذ أسامة، قد أمتعتنا ..

    وجزاك الله خيرا


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 12345

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •