صفحة 4 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 69

الموضوع: الدر المكنون فى سورة يوسف

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الثالث والاربعون

    { فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ ياأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } * { قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }

    هل منع الكيل معناه كيلهم ام كيل بنيامين؟

    قال الرازى

    قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ } وفيه قولان: الأول: أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عنده منعوا منه، فقولهم: { منع منا الكيل } إشارة إليه. والثاني: أنه منع الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف:{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } [يوسف: 60] والدليل على أن المراد ذلك قولهم: { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ } قرأ حمزة والكسائي: { يكتل } بالياء، والباقون بالنون، والقراءة الأولى تقوى القول الأول، والقراءة الثانية تقوي القول الثاني.

    قلت انا اسامة خيري

    ربما قولهم نزداد كيل بعير يرجح ان المقصود كيل بنيامين

    وقال ابن الجوزى

    وفي قوله: { مُنع منا الكيل } قولان قد تقدما في قوله:{ فلا كيل لكم عندي } [يوسف 61].

    فإن قلنا: إِنه لم يكل لهم، فلفظ «مُنع» بَيِّن.

    وإِن قلنا: إِنه خوّفهم منع الكيل، ففي المعنى قولان:

    أحدهما: حُكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت، كما تقول للرجل: دخلت والله النار بما فعلت.

    والثاني: أن المعنى: يا أبانا يُمنع منا الكيل إِن لم ترسله معنا، فناب «مُنع» عن «يُمنع» كقوله:{ يَحْسَبُ أنَّ ماله أخلده } [الهمزة 3] أي: يخلده، وقولِه:{ ونادى أصحابُ النار } [الأعراف 50]،{ وإِذ قال الله يا عيسى } [المائدة 116] أي: وإِذ يقول، ذكرهما ابن الأنباري.

    قوله تعالى: { فأرسل معنا أخانا نكتَل } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «نكتل» بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي: «يكتل» بالياء. والمعنى: إِن أرسلته معنا اكتلنا، وإِلا فقد مُنعنا الكيل. قوله تعالى: { هل آمنكم عليه } أي: لا آمنكم إِلا كأمني على يوسف، يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن إِذ خانوه. { فالله خير حفظاً } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «حفظاً»، والمعنى: خير حفظاً من حفظكم. وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: «خير حافظاً» بألف. قال أبو علي: ونصبُه على التمييز دون الحال.

    وقال القشيري

    لم يمنع يوسفُ منهم الكيْلَ، وكيف مَنَعَ وقد قال: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ }

    ولكنهم تجوزوا في ذلك تفخيماً للأمر حتى تسمح نَفْسُ يعقوب عليه السلام بإرسال بنيامين معهم.

    ويقال أرادوا بقولهم: { مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ } وفي المستقبل إذا لم تَجْمِلْه إليه.

    ويقال إنهم تَلَطَّفُوا في القول ليعقوبَ - عليه السلام - حيث قالوا: { أَخَانَا } إظهاراً لشفقتهم عليه، ثم أكَّدوا ذلك بقولهم: { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }.

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الرابع والاربعون

    { وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ }

    مامعنى مانبغي وهل ما نافية ام استفهامية؟

    وهل نبغي من الطلب ام البغي وهو الظلم؟

    ومامعنى ذلك كيل يسير؟وهل هى من كلامهم ام كلام سيدنا يعقوب؟

    قال السمين

    قوله: { مَا نَبْغِي } في " ما " هذه وجهان، أظهرهما: أنها استفهاميةٌ فهي مفعولٌ مقدمٌ واجبُ التقديم؛ لأن لها صدرَ الكلام، أي: أيَّ شيءٍ نبغي. والثاني: أَنْ تكونَ نافيةً ولها معنيان، أحدهما: ما بقي لنا ما نطلب، قاله الزجاج. والثاني: ما نبغي، من البغي، أي: ما افْتَرَيْناه ولا كَذَبْنا على هذا المَلِكِ في إكرامه وإحسانه. قال الزمخشري: " ما نبغي في القول وما نتزيَّد فيما وَصَفْنا لك من إحسان المَلِك ".

    وأَثْبَتَ القرَّاءُ هذه الياءَ في " نبغي " وَصْلاً ووقفاً ولم يَجْعلوها من الزوائد بخلاف التي في الكهف كما سيأتي:{ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } [الكهف: 64]. والفرق أنَّ " ما " هناك موصولةٌ فحُذِفَ عائدُها، والحذفُ يُؤْنِسُ بالحذف، وهذه عبارة مستفيضة عند أهلِ هذه الصناعةِ يقولون: التغيير يُؤْنس بالتغيير بخلافها هنا فإنها: إمَّا استفهاميةٌ، وإمَّا نافيةٌ، ولا حَذْفَ على القولين حتى يُؤْنَسَ بالحذف.

    وقرأ عبد اللَّه وأبو حيوة ورَوَتْها عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم " ما تبغي " بالخطاب. و " ما " تحتمل الوجهين أيضاً في هذه القراءة.

    والجملةُ مِنْ قوله: { هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا } تحتمل أنْ تكونَ مفسِّرةً لقولهم " ما نبغي " ، وأن تكونَ مستأنفةً.

    قوله: { وَنَمِيرُ } معطوفٌ على الجملة الاسمية قبلها، وإذا كانت " ما " نافيةً جاز أن تُعْطَفَ على " نَبْغي " ، فيكونَ عَطْفَ جملةٍ فعلية علىٰ مثلِها. وقرأت عائشة وأبو عبد الرحمن: " ونُمير " مِنْ " أماره " إذا جَعَلَ له المِيرة يُقال: ماره يَميره، وأماره يُمِيْره. والمِيرة: جَلْبُ الخير ...

    وقال الرازى


    وأما قوله: { مَا نَبْغِى } ففي كلمة { مَا } قولان: القول الأول: أنها للنفي، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: الأول: أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا: إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب لمافعل ذلك، فقولهم: { مَا نَبْغِى } أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذباً ولا ذكر شيء لم يكن. الثاني: أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا. الثالث: المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإن هذه التي معنا كافية لنا. والقول الثاني: أن كلمة «ما» ههنا للاستفهام، والمعنى: لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا: ما نبغي بعد هذا، أي أعطانا الطعام، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك؟ واعلم أنا إذا حملنا «ما» على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا.

    وقال الالوسي

    وقوله تعالى: { ذٰلِكَ كَيْلٌ } أي مكيل { يَسِيرٌ } أي قليل لا يقوم بأودنا يحتمل أن يكون إشارة إلى ما كيل لهم أولاً، والجملة استئناف جيء بها للجواب عما عسى أن يقال لهم: قد صدقتم فيما قلتم ولكن ما الحاجة إلى التزام ذلك وقد جئتم بالطعام؟ فكأنهم قالوا: إن ما جئنا به غير كاف لنا فلا بد من الرجوع مرة أخرى وأخذ مثل ذلك مع زيادة ولا يكون ذلك بدون استصحاب أخينا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تحمله أباعرهم، والجملة استئناف وقع تعليلاً لما سبق من الازدياد كأنه قيل: أي حاجة إلى الازدياد؟ فقيل: إن ما تحمله أباعرنا قليل لا يكفينا، وقيل: المعنى أن ذلك الكيل الزائد قليل لا يضايقنا فيه الملك أو سهل عليه لا يتعاظمه، وكأن الجملة على هذا استئناف جيء به لدفع ما يقال: لعل الملك لا يعطيكم فوق العشرة شيئاً/ ويرى ذلك كثيراً أو صعباً عليه وهو كما ترى، وجوز أن يكون ذلك إشارة إلى الكيل الذي هم بصدده وتضمنه كلامهم وهو المنضم إليه كيل البعير الحاصل بسبب أخيهم المتعهد بحفظه كأنهم لما ذكروا ما ذكروا صرحوا بما يفهم منه مبالغة في استنزال أبيهم فقالوا: ذلك الذي نحن بصدده كيل سهل لا مشقة فيه ولا محنة تتبعه، وقد يبقى الكيل على معناه المصدري والكلام على هذا الطرز إلا يسيراً.

    وجوز بعضهم كون ذلك من كلام يعقوب عليه السلام والإشارة إلى كيل البعير أي كيل بعير واحد شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد، وكان الظاهر على هذا ذكره مع كلامه السابق أو اللاحق...

    وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة { ما تبغي } بتاء الخطاب؛ وروت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك عن النبـي صلى الله عليه وسلم، والخطاب ليعقوب عليه السلام، والمعنى أي شيء وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة ذات أيدينا أو وراء ما فعل معنا الملك من الإحسان داعياً إلى التوجه إليه، والجملة المستأنفة موضحة أيضاً لذلك أو أي شيء تبغي شاهداً على صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه، والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد المدلول عليه بفحوى الإنكار، ويحتمل أن تكون { مَا } نافية ومفعول { نَبْغِى } محذوف أن ما نبغي شيئاً غير ما رأيناه من إحسان الملك في وجوب المراجعة إليه أو ما نبغي غير هذه المباغي، والقول بأن المعنى ما نبغي منك بضاعة أخرى نشتري بها ضعيف، والجملة المستأنفة على كل تقدير تعليل للنفي، وإما إذا فسر البغي بمجاوزة الحد ـ فما ـ نافية فقط، والمعنى ما نبغي في القول ولا نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الموجب لما ذكر، والجملة المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي،

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الخامس والاربعون

    { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } * { وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ } * { وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

    مامعنى الا ان يحاط بكم؟

    قال الرازى

    وقوله: { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } فيه بحثان: البحث الأول:قال صاحب «الكشاف»: هذا الاستثناء متصل. فقوله: { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } مفعوله له، والكلام المثبت الذي هو قوله: { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } في تأويل المنفي، فكان المعنى: لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة. البحث الثاني: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان: القول الأول: أن قوله: { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } معناه الهلاك قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذراً عندي، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى:{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] أي أصابه ما أهلكه. وقال تعالى:{ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [يونس: 22] وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه، فقيل: لكل من هلك قد أحيط به. والقول الثاني: ما ذكره قتادة { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين، فلا تقدرون على الرجوع. ..

    سؤال اخر

    هل النصيحة بالدخول من ابواب متفرقة كانت للمرة الاولي؟

    قال الالوسي

    مِن بَابٍ وَاحِدٍ } نهاهم عليه السلام عن ذلك حذراً من إصابة العين فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة وقد اشتهروا بين أهل مصر بالزلفى والكرامة التي لم تكن لغيرهم عند الملك فكانوا مظنة لأن يعانوا إذا دخلوا كوكبة واحدة، وحيث كانوا مجهولين مغمورين بين الناس لم يوصهم بالتفرق في المرة الأولى، وجوز أن يكون خوفه عليه السلام عليهم من العين في هذه الكرة بسبب أن فيهم محبوبه وهو بنيامين الذي يتسلى به عن شقيقه يوسف عليه السلام ولم يكن فيهم في المرة الأولى فأهمل أمرهم ولم يحتفل بهم لسوء صنيعهم في يوسف، والقول أنه عليه السلام نهاهم عن ذلك أن يستراب بهم لتقدم قول أنتم جواسيس ليس بشيء أصلاً، ومثله ما قيل: إن ذلك كان طمعاً أن يتسمعوا خبر يوسف عليه السلام؛....

    سؤال اخر

    الضمير فى قضاها عائد علي من؟

    قال الالوسي

    { إِلاَّ حَاجَةً } استثناء منقطع أي ولكن حاجة { فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخطرة غير معتقد أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقدير، والمراد بالحاجة شفقته عليه السلام وحرازته من أن يعانوا. وذكر الراغب أن الحاجة إلى الشيء الفقر إليه مع محبته و(جمعه حاج و) حاجات وحوائج، وحاج يحوج احتاج ثم ذكر الآية. وأنكر بعضهم مجيء الحوائج جمعاً لها وهو محجوج بوروده في الفصيح، وفي التصريح باسمه عليه السلام إشعار بالتعطف والشفقة والترحم لأنه عليه السلام قد اشتهر بالحزن والرقة، وجوز أن يكون ضمير { قَضَاهَا } للدخول على معنى أن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب عليه السلام وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة، فالمعنى ما كان ذلك الدخول يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً لكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته، والاستثناء منقطع أيضاً، ....

    وقال السمين

    قوله: { إِلاَّ حَاجَةً } فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطع تقديرُه: ولكنَّ حاجةً في نفس يعقوب قضاها، ولم يذكر الزمخشري غيره. والثاني: أنه مفعولٌ مِنْ أجله، ولم يذكر أبو البقاء غيره، ويكون التقدير: ما كان يُغْني عنهم لشي من الأشياء إلا لأجلِ حاجةٍ كانت في نفس يعقوب. وفاعل " يُغْني " ضميرُ التفرقِ المدلولِ عليه من الكلام المتقدم...

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال السادس والاربعون

    { وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }

    لماذا هنا فلما جهزهم بالفاء وقبلها بالواو؟

    ولماذا هنا جعل سيدنا يوسف بنفسه وقبلها قال اجعلوا؟

    وكيف يقول انكم لسارقون وهو يعلم برائتهم؟

    قال الرازى

    وقوله: { إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } فيه قولان: قال وهب: لم يرد أنه أخوه من النسب، ولكن أراد به إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس لئلا تستوحش بالتفرد. والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد تعريف النسب، لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة، فلا وجه لصرفه عنها إلى المجاز من غير ضرورة......

    فإن قيل: هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواماً وينسبهم إلى السرقة كذباً وبهتاناً، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة. قلنا: العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له: إني أريد أن أحبسك ههنا، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنباً. والثاني: أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك. والثالث: أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذباً. الرابع: ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها.....

    وقال القرطبي

    وهنا اعتراضان: الأوّل ـ إن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعاً وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ وكيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته وهم بَرَاء وهو ـ الثاني ـ فالجواب عن الأوّل: أن الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثر فيه فقد بنيامين كل التأثير، أو لا تراه لما فقده قال: { ياأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ } ولم يعرّج على بنيامين ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي فلا اعتراض

    وأما نسبة يوسف السرقة إلى إخوته فالجواب: أن القوم كانوا قد سَرَقوه من أبيه فألقوه في الجبّ، ثم باعوه فاستحقّوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم. جواب آخر ـ وهو أنه أراد أيتها العير حالكم حال السُّرّاق والمعنى: إنّ شيئاً لغيركم صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. جواب آخر ـ وهو أن ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، وهذا بناء على أن بنيامين لم يعلم بدسّ الصاع في رحله، ولا أخبره بنفسه. وقد قيل: إن معنى الكلام الاستفهام أي أو إنكم لسارقون؟ كقوله:{ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ } [الشعراء: 22] أي أوَ تلك نعمة تمنها عليّ؟ والغرض ألاّ يعزى إلى يوسف صلى الله عليه وسلم الكذب....

    وقال البقاعي:

    ثم إنه ملأ لهم أوعيتهم كما أرادوا. وكأنه في المرة الأولى أيضاً في تجهيزهم ليتعرف أخبارهم في طول المدة من حيث لا يشعرون، ولذلك لم يعطف بالفاء، وأسرع في تجهيزهم في هذه المرة قصداً إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي دبرها. فلذلك أتت الفاء في قوله: { فلما جهزهم } أي أعجل جهاز وأحسنه { بجهازهم } ويؤيده{ فلما جاء أمرنا } [هود:66 و 82] في قصتي صالح ولوط عليهما الصلاة والسلام - كما مضى في سورة هود عليه الصلاة والسلام { جعل } أي بنفسه أو بمن أمره { السقاية } التي له...

    وقال ابن عطية

    وقال له: { إني أنا أخوك } واختلف المتأولون في هذا اللفظ فقال ابن إسحاق وغيره: أخبره بأنه أخوه حقيقة واستكتمه، وقال له: لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم. وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير بقوله: { بما كانوا يعملون } إلى ما يعمله فتيان يوسف، من أمر السقاية ونحو ذلك؛ ويحتمل أن يشير إلى ما عمله الإخوة قديماً

    قال القشيري


    حديثُ المحبةِ وأَحكامها أقسام: اشْتَاقَ يعقوبُ إلى لقاء يوسف عليهما السلام فَبَقِيَ سنين كثيرة، واشتاقَ يوسف إلى بنيامين فَرُزِقَ رؤيته في أَوْجَزِ مدةٍ.

    وهَكَذَا الأمر؛ فمنهم موقوفٌ به، ومنهم صاحب بلاء.

    ويقال لئن سَخِنَت عين يعقوب عليه السلام بمفارقة بنيامين فلقد قَرَّتْ عيْنُ يوسفَ بلقائه. كذا الأمر: لا تَغْرُبُ الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين.

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال السابع والاربعون

    { قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ } * { قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } * { قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ }

    كيف علموا انهم ماكانوا سارقين؟

    قال الالوسي

    قَالُواْ } أي الإخوة { وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ } أي على طالبـي السقاية المفهوم من الكلام أو على المؤذن إن كان أريد منه جمع كأنه عليه السلام جعل مؤذنين ينادون بذلك...


    وَلِمَن جَاء بِهِ } أي أتى به مطلقاً ولو من عند نفسه، وقيل: من دل على سارقه وفضحه { حِمْلُ بَعِيرٍ } أي من الطعام جُعلاً له، والحمل على ما في «مجمع البيان» بالكسر لما انفصل وبالفتح لما اتصل، وكأنه أشار إلى ما ذكره الراغب من أن الحمل بالفتح يقال في الأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة { وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } أي كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن.....

    وقال الإمام: ((إن الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " الزعيم غارم " وليست كفالة بشيء مجهول لأن حمل بعير من الطعام كان معلوماً عندهم فصحت الكفالة به إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهي كفالة لما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة. ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم)....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { لقد علمتم } يعنون يوسف { ما جئنا لنفسد في الأرض } أي: لنظلم أحداً أو نسرق.

    فإن قيل: كيف حلفوا على عِلم قوم لا يعرفونهم؟

    فالجواب من ثلاثة أوجه.

    أحدها: أنهم قالوا ذلك، لأنهم ردّوا الدراهم ولا يستحلُّوها، فالمعنى: لقد علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع، فكيف نستحل صاعكم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.

    والثاني: لأنهم لما دخلوا مصر كعموا أفواه إِبلهم وحميرهم حتى لا تتناول شيئاً، وكان غيرهم لا يفعل ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

    والثالث: أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحداً.

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الثامن والاربعون

    { قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ } * { قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } * { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }

    مامعنى جزاؤه من وجد فى رحله؟

    قال الالوسي

    فَمَا جَزَاؤُهُ } أي الصواع، والكلام على حذف مضاف أي ما جزاء سرقته، وقيل: الضمير لسرق أو للسارق والجزاء يضاف إلى الجناية حقيقة وإلى صاحبها مجازاً، وقد يقال: يحذف المضاف فافهم والمراد فما جزاء ذلك عندكم وفي شريعتكم { إِن كُنتُمْ كَـاذِبِينَ } أي في ادعاء البراءة كما هو الظاهر، وفي التعبير ـ بإن ـ مراعاة لجانبهم.....

    وقال السمين

    قوله تعالى: { جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ }: أربعةُ أوجه،

    أحدها: أن يكونَ " جزاؤه " مبتدأً والضميرُ للسارق، و " مَنْ " شرطية أو موصولةٌ مبتدأٌ ثانٍ، والفاءُ جوابُ الشرط أو مزيدةٌ في خبر الموصول لشبهه بالشرط، و " مَنْ " وما في حَيِّزها على وَجْهَيْها خبر المبتدأ الأول، قاله ابن عطية....

    الوجه الثاني من الأوجه المتقدمة: أن يكون " جزاؤه " مبتدأً، والهاءُ تعود على المسروق، و { مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ } خبره، و " مَنْ " بمعنىظ° الذي، والتقدير: جزاء الصُّواع الذي وُجد في رَحْله، كذلك كانت شريعتُهم: يُسْتَرَقُّ السارق، فلذلك اسْـتُفْتوا في جزائه.وقوله " فهو جزاؤه " تقرير للحكم أي: فَأَخْذُ السارقِ نفسِه هو جزاؤه لا غير كقولك: حَقُّ زيدٍ أن يُكسَىظ° ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عليه، فذلك حَقُّه "....

    وقال الرازى


    قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا، والمعنى جزاء هذا الجرم من وجد المسروق في رحله، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم، والمعنى: أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم، قال الزجاج: وفيه وجهان: أحدهما: أن يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره. والمعنى: جزاء السرقة هو الإنسان الذي وجد في رحله السرقة، ويكون قوله: { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } زيادة في البيان كما تقول جزاء السارق القطع فهو جزاؤه. الثاني: أن يقال: { جَزَاؤُهُ } مبتدأ وقوله: { مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } جملة وهي في موضع خبر المبتدأ. والتقدير: كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، إلا أنه أقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان وأنشد النحويون:
    لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت الغني والفقيرا
    وأما قوله: { كَذلِكَ نَجْزِى الظَّـالِمِينَ } أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين يريد إذا سرق استرق ثم قيل: هذا من بقية كلام أخوة يوسف. وقيل: إنهم لما قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، فقال أصحاب يوسف: { كَذلِكَ نَجْزِى الظَّـالِمِينَ }.....

    وقال ابن الجوزى


    قوله تعالى: { فبدأ بأوعيتهم } قال المفسرون: انصرف بهم المؤذن إِلى يوسف، وقال: لا بد من تفتيش أمتعتكم، { فبدأ } يوسف { بأوعيتهم قبل وعاء أخيه } لإِزالة التهمة، فلما وصل إِلى وعاء أخيه، قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، فقالوا: والله لا نبرح حتى تنظر في رحله، فهو أطيب لنفسك. فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع، فذلك قوله: { ثم استخرجها }.

    وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنها ترجع إِلى السرقة، قاله الفراء.

    والثاني: إِلى السقاية، قاله الزجاج.

    والثالث: إِلى الصواع على لغة من أنَّثه، ذكره ابن الأنباري. قال المفسرون: فأقبلوا على بنيامين، وقالوا: أي شيء صنعت؟! فضحتنا وأزريت بأبيك الصدِّيق، فقال: وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم، وقد كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به.

    قوله تعالى: { كذلك كدنا ليوسف } فيه أربعة أقوال:

    أحدها: كذلك صنعنا له، قاله الضحاك عن ابن عباس.

    والثاني: احتلنا له، والكيد: الحيلة، قاله ابن قتيبة.

    والثالث: أردنا ليوسف، ذكره ابن القاسم.

    والرابع: دبَّرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إِلى حبسه. قال ابن الأنباري: لما دبَّر الله ليوسف ما دبَّر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على غير ما ظن إِخوتُه، شُبِّه بالكيد من المخلوقين، لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن يكيدونه.

    قوله تعالى: { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } في المراد بالدين هاهنا قولان:

    أحدهما: أنه السلطان، فالمعنى: في سلطان الملك، رواه العوفي عن ابن عباس.

    والثاني: أنه القضاء، فالمعنى: في قضاء الملك، لأن قضاء الملك، أن من سرق إِنما يُضرب ويُغرَّم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب، فأجرى الله على ألسنة إِخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفاً حتى أظفره بمراده بمشيئة الله، فذلك معنى قوله: { إِلا أن يشاء الله }. وقيل: إِلا أن يشاء الله إِظهار علَّة يستحق بها أخاه.

    قوله تعالى: { نرفع درجات من نشاء } وقرأ يعقوب «يرفع درجاتِ من يشاء» بالياء فيهما. وقرأ أهل الكوفة «درجاتٍ» بالتنوين، والمعنى: نرفع الدرجات بصنوف العطاء، وأنواع الكرامات، وابواب العلوم، وقهر الهوى، والتوفيق للهدى، كما رفعنا يوسف. { وفوق كل ذي علم عليم } أي: فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم مَن هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إِلى الله تعالى، والكمال في العلم معدوم من غيره.

    وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال:

    أحدها: أن المعنى: يوسف أعلم من إِخوته، وفوقه من هو أعلم منه.

    والثاني: أنه نبَّه على تعظيم العِلم، وبيَّن أنه أكثر من أن يُحاط به.

    والثالث: أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يُعجب.

    وقال الالوسي

    وقد استدل بالآية من ذهب إلى أنه تعالى شأنه عالم بذاته لا بصفة علم زائدة على ذلك، وحاصل استدلالهم أنه لو كان له سبحانه صفة علم زائدة على ذاته كان ذا علم لاتصافه به وكل ذي علم فوقه عليم للآية فيلزم أن يكون فوقه وأعلم منه جل وعلا عليم آخر وهو من البطلان بمكان. وأجيب بأن المراد بكل ذي علم المخلوقات ذوو العلم لأن الكلام في الخلق ولأن العليم صيغة مبالغة معناه أعلم من كل ذي علم فيتعين أن يكون المراد به الله تعالى فما يقابله يلزم كونه من الخلائق لئلا يدخل فيما يقابله، وكون المراد من العليم ذلك هو إحدى روايتين عن الحبر، فقد أخرج عبد الرزاق وجماعة عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحدث بحديث فقال رجل عنده: { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } فقال ابن عباس: بئسما قلت الله العليم وهو فوق كل عالم، وإلى ذلك ذهب الضحاك، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال بعد أن تلا الآية يعني الله تعالى بذلك نفسه، على أنه لو صح ما ذكره المستدل لم يكن الله تعالى عالماً بناءاً على أن الظاهر اتفاقه معنا في صحة قولنا فوق كل العلماء عليم، وذلك أنه يلزم على تسليم دليله إذا كان الله تعالى عالماً أن يكون فوقه من هو أعلم منه، فإن أجاب بالتخصيص في المثال فالآية مثله....

    سؤال اخر

    هل يجوز علي قراءة يرفع ويشاء ان يكون المعنى يرفع يوسف درجات من يشاء.. ام فقط المقصود هو الله عز وجل الرافع كما ذكر المفسرون؟

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال التاسع والاربعون

    { قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } * { قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ }

    كيف نسبوا السرقة لسيدنا يوسف؟


    قال ابن الجوزى:

    قوله تعالى: { قالوا } يعني: إِخوة يوسف { إِن يسرق } يعنون بنيامين { فقد سرق أخ له من قبل } يعنون يوسف. قال المفسرون: عوقب يوسف ثلاث مرات، قال للساقي: «اذكرني عند ربك» فلبث في السجن بضع سنين، وقال للعزيز: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب»، فقال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: «وما أُبرىء نفسي»، وقال لإِخوته: «إِنكم لسارقون»، فقالوا: «إِن يسرق فقد سرق أخ له من قبل».

    وفي ما عنوا بهذه السرقة سبعة أقوال.

    أحدها: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في سني المجاعة، فيطعمه للمساكين، رواه عطاء عن ابن عباس.

    والثاني: أنه سرق مكحلة لخالته، رواه أبو مالك عن ابن عباس.

    والثالث: أنه سرق صنماً لجده أبي أمه، فكسره وألقاه في الطريق، فعيَّره إِخوته بذلك، قاله سعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وقتادة.

    والرابع: أن عمة يوسف ـ وكانت أكبر ولد إِسحاق ـ كانت تحضن يوسف وتحبُّه حباً شديداً، فلما ترعرع، طلبه يعقوب، فقالت: ما أقدر أن يغيب عني، فقال: والله ما أنا بتاركه، فعمدت إِلى منطقة إِسحاق، فربطتها على يوسف تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إِسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها مع يوسف، فأخبرت يعقوب ذلك، وقالت: والله إِنه لي أصنع فيه ما شئت، فقال: أنت وذاك، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، فذاك الذي عيَّره به إِخوته، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.

    والخامس: أنه جاءه سائل يوماً، فسرق شيئاً، فأعطاه السائل، فعيَّروه بذلك. وفي ذلك الشيء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان بيضة، قاله مجاهد. والثاني: أنه شاة، قاله كعب. والثالث: دجاجة، قاله سفيان بن عيينة.

    والسادس: أن بني يعقوب كانوا على طعام، فنظر يوسف إِلى عَرْق، فخبأه، فعيَّروه بذلك، قاله عطية العوفي، وإِدريس الأودي. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلِّها ما يوجب السرقة، لكنها تشبه السرقة، فعيَّره إِخوته بذلك عند الغضب.

    والسابع: أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إِليه، قاله الحسن. وقرأ أبو رزين، وابن أبي عبلة: «فقد سُرِّق» بضم السين وكسر الراء وتشديدها.

    قوله تعالى: { فأسرَّها يوسف في نفسه } في هاء الكناية ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنها ترجع إِلى الكلمة التي ذُكرت بعد هذا، وهي قوله: { أنتم شر مكاناً } ، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس.

    والثاني: أنها ترجع إِلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: «فقد سرق أخ له من قبل»، وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا يكون المعنى: أسرَّ جواب الكلمة فلم يجبهم عليها.

    والثالث: أنها ترجع إِلى الحُجة، المعنى: فأسر الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة، ذكره ابن الأنباري.

    انتهي

    قلت انا اسامة خيري لاحظ علي الوجه الرابع سيدنا يوسف استخدم نفس الحيلة التى فعلتها عمته لاخذ اخيه بنيامين

    وقال الالوسي

    واستدل بعضهم بالآية على إثبات الكلام النفسي بجعل { قَالَ } الخ بدلاً من ـ أسر ـ ولعل الأمر لا يتوقف على ذلك لما أشرنا إليه من أن المراد قال في نفسه، نعم قال أبو حيان: إن الظاهر أنه عليه السلام خاطبهم وواجههم به بعد أن أسر كراهية مقالتهم في نفسه وغرضه توبيخهم وتكذيبهم، ويقويه أنهم تركوا أن يشفعوا بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة له بأبيه وفيه نظر.

    قلت انا اسامة خيري

    الاستدلال علي الكلام النفسي يرجع الي عود الضمير فى اسرها علي ماقاله بعد او علي ماقالوه لو علي الاول يجوز الاستدلال

    وقال السمين


    قوله تعالى: { فَقَدْ سَرَقَ }: الجمهور على " سَرَق " مخففاً مبيناً للفاعل. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي وابن أبي شريح عن الكسائي والوليد بن حسان عن يعقوب في آخرين " سُرِّق " مشدداً مبنياً للمفعول أي: نُسِب إلى السَّرِقة. وفي التفسير: أنَّ عَمَّته رَبَّتْه فأخذه أبوه منها، فَشَدَّت في وَسَطِه مِنْطَقَة كانوا يتوارثونها من إبراهيم عليه السلام ففتَّشوا فوجدوها تحت ثيابه. فقال: هو لي فَأَخَذَتْه كما في شريعتهم، وهذه القراءةُ منطبقة على هذا.

    سؤال اخر


    وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }

    { قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }

    ماالمقصود بالاحسان فى الايتين؟

    وقال الرازى

    وقوله: { إِنَّـا إِذًا لَّظَـٰلِمُونَ } أي لقد تعديت وظلمت إن آذيت إنساناً بجرم صدر عن غيره. فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز من يوسف عليه السلام مع رسالته الإقدام على هذا التزوير والترويج وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد. والجواب: لعله تعالى أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر

    وقال الالوسي

    ولجواب يوسف عليه السلام معنى باطن هو أن الله عز وجل إنما أمرني بالوحي أن آخذ بنيامين لمصالح علمها سبحانه في ذلك فلو أخذت غيره كنت ظالماً لنفسي وعاملاً بخلاف الوحي.

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الخمسون


    { فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ } * { ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } * { وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }

    كيف طلب منهم سؤال القرية ؟

    قال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { فلما استيأسوا منه } أي: أيسوا.

    وفي هاء «منه» قولان.

    أحدهما: أنها ترجع إِلى يوسف، فالمعنى: يئسوا من يوسف أن يخلّي سبيل أخيهم.

    والثاني: إِلى أخيهم، فالمعنى: يئسوا من أخيهم...

    وقال القرطبي

    وقرأ ابن كثير: «ٱسْتَايَسُوا» «وَلاَ تَايَسُوا» «إنه لاَ يَايَسُ» «أَفَلَمْ يَايَس» بألف من غير همز على القلب قدَّمت الهمزة وأخَّرت الياء، ثم قلبت الهمزة ألفاً لأنها ساكنة قبلها فتحة والأصل قراءة الجماعة لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء ـ يأساً ـ والإياس ليس بمصدر أَيِسَ بل هو مصدر أُسْتُهُ أَوْساً وَإيَاساً أي أعطيته. وقال قوم: أَيِس وَيئِس لغتان أي فلما يئسوا من ردّ أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا يخالطهم غيرهم من الناس، يتناجون فيما عَرَض لهم. والنَّجيّ فعيل بمعنى المناجي. قوله تعالى: { قَالَ كَبِيرُهُمْ } قال قَتَادة: هو روبيل، كان أكبرهم في السِّن. مجاهد: هو شمعون، كان أكبرهم في الرأي. وقال الكلبي: يهوذا وكان أعقلهم. وقال محمد بن كعب وابن إسحق: هو لاَوَى، وهو أبو الأنبياء. { أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ } أي عهداً من الله في حفظ ٱبنه، وردّه إليه. { وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ } «ما» في محل نصب عطفاً على «أن» والمعنى: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله، وتعلموا تفريطكم في يوسف ذكره النحاس وغيره. و «من» في قوله: «وَمِنْ قَبْلُ» متعلقة بـ «ـتعلموا». ويجوز أن تكون «ما» زائدة فيتعلق الظرفان اللذان هما «مِنْ قَبْلُ» و «فيِ يُوسُفَ» بالفعل وهو «فَرَّطْتُمْ». ويجوز أن تكون «ما» والفعل مصدراً، و «مِنْ قَبْلُ» متعلقاً بفعل مضمر التقدير: تفريطكم في يوسف واقع من قبل فما والفعل في موضع رفع بالابتداء، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به «مِنْ قَبْلُ»....

    أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي } بالممرّ مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب وآخذ أخي، أو أعجز فأنصرف بعذر، وذلك أن يعقوب قال: { لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } ومن حارب وعَجَز فقد أحيط به...

    وقال الالوسي

    خَلَصُواْ } انفردوا عن غيرهم واعتزلوا الناس. وقول الزجاج: انفرد بعضهم عن بعض فيه نظر { نَجِيّاً } أي متناجين متشاورين فيما يقولون لأبيهم عليه الصلاة والسلام،...

    وقال الرازى

    واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال: { فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلاْرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِى أَبِى } قيل إنه روبيل، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب. فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعاً في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع، وأما قوله: وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما هذا الصواع فإن أحداً لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق، فشهدوا بناء على هذا الظن، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ }. والوجه الثاني: في الجواب أن تقدير الكلام { إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن. قال تعالى:{ إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } [هود: 87] أي عند نفسك، وقال تعالى:{ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } [الدخان: 49] أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا. الوجه الثالث: في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى:{ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [الشورى: 40]. الوجه الرابع: أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئاً يوهم ذلك. الوجه الخامس: أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ { إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ } بالتشديد، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراآت لا تدفع السؤال، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة، والقراءة الحقة هي هذه. أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقياً سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة أما قوله: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال: إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وذلك أيضاً يقتضي ما ذكرنا وليست الشهادة أيضاً عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة...

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { قال كبيرهم } فيه قولان:

    أحدهما: أنه كبيرهم في العقل، ثم فيه قولان:

    أحدهما: أنه يهوذا، ولم يكن أكبرهم سناً، وإِنما كان أكبرهم سناً روبيل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل.

    والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد.

    والثاني: أنه كبيرهم في السن وهو روبيل، قاله قتادة، والسدي....

    قوله تعالى: { وما شهدنا إِلا بما علمنا } فيه قولان:

    أحدهما: وما شهدنا عليه بالسرقة إِلا بما علمنا، لأنا رأينا المسروق في رحله، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

    والثاني: وما شهدنا عن يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إِلا بما علمنا من دينك، قاله ابن زيد.

    وفي قوله: { وما كنا للغيب حافظين } ثمانية أقوال:

    أحدها: أن الغيب هو الليل، والمعنى: لم نعلم ما صنع بالليل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وهذا يدل على أن التهمة وقعت به ليلاً.

    والثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة، وقتادة، ومكحول.


    قال ابن قتيبة: فالمعنى: لم نعلم الغيب حين أعطيناك الموثق لنأتينَّك به أنه يسرق فيؤخذ.

    والثالث: لم نستطع أن نحفظه فلا يسرق، رواه عبد الوهاب عن مجاهد.

    والرابع: لم نعلم أنه سرق للملك شيئاً، ولذلك حكمنا باسترقاق السارق، قاله ابن زيد.

    والخامس: أن المعنى: قد رأينا السرقة قد أُخذت من رحله، ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرَّقوه، قاله ابن إِسحاق.

    والسادس: ما كنا لغيب ابنك حافظين، إِنما نقدر على حفظه في محضره، فإِذا غاب عنا، خفيت عنا أموره.

    والسابع: لو علمنا من الغيب أن هذه البلية تقع بابنك ما سافرنا به، ذكرهما ابن الأنباري.

    والثامن: لم نعلم أنك تُصَابُ به كما أُصبتَ بيوسف، ولو علمنا لم نذهب به، قاله ابن كيسان.

    وقال الرازى

    واعلم أنهم لما كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف عليه السلام بالغوا في إزالة التهمة عن أنفسهم فقالوا: { وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا } والأكثرون اتفقوا على أن المراد من هذه القرية مصر وقال قوم، بل المراد منه قرية على باب مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش، ثم فيه قولان: الأول: المراد واسأل أهل القرية إلا أنه حذف المضاف للإيجاز والاختصار، وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب قال أبو علي الفارسي ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات. والثاني: قال أبو بكر الأنباري المعنى: اسأل القرية والعير والجدار والحيطان فإنها تجيبك وتذكر لك صحة ما ذكرناه لأنك من أكابر أنبياء الله فلا يبعد أن ينطق الله هذه الجمادات معجزة لك حتى تخبر بصحة ما ذكرناه، وفيه وجه ثالث، وهو أن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً كاملاً فقد يقال فيه، سل السماء والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظهور إلى الغاية التي ما بقي للشك فيه مجال.

    أما قوله: { وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا } فقال المفسرون كان قد صحبهم قوم من الكنعانيين فقالوا: سلهم عن هذه الواقعة...

    وقال القشيري


    كان لهم في هذه الكَرَّةِ حجة على ما قالوه، ولكن لم يسكن قلبُ يعقوب عليه السلام إليها، فإنَّ تعيُّنَ الجُرْمِ في المرة الأولى أَوْجَبَ التُّهمةَ في الكرَّةِ الأخرى.

    قلت انا اسامة خيري سوف سيتضح قول القشيري الاخير فى الايات القادمة

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الواحد والخمسون

    { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } *{ قَالُواْ تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ } * { قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }* { يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ }

    هل حقا اتهمهم سيدنا يعقوب هذه المرة؟


    انظر اخى الحبيب الى قول اخوة يوسف عند اخذ سيدنا يوسف


    { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }

    من غير اخانا

    وانظر الى قولهم عند اخذ بنيامين


    { فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }

    وانظر الى قولهم عن يوسف لما كذبوا


    { قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ }

    قالوا ولو كنا وكانهم يقولون نحن يجوز ان نكون من الكاذبين

    وانظر الى قولهم لما صدقوا عن بنيامين


    { وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }

    قطعوا على انفسهم بالصدق

    وانظر الى قول سيدنا يعقوب عن يوسف

    { وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }

    وانظر الى قوله عند اخذ بنيامين

    { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }

    لم يقل والله المستعان علي ماتصفون

    ولا تظن اخى الحبيب ان سيدنا يعقوب يقصد بقوله بل سولت لكم امرا ان اخوته فعلوا ببنيامين مثل ما فعلوا فى يوسف

    لا ارجح هذا

    بل يقصد الامر الاول وهو اخذ يوسف لانه الذى ترتب عليه كل هذا فهو يعلم انهم صادقون هذه المرة فالامران شيء واحد فى الايتيتن

    وانظر قال عند يوسف والله المستعان على ماتصفون

    اما عند بنيامين لم يقل لانه يعلم انهم صادقون

    قال ابن كثير فى تفسيره:

    قال محمد بن إسحاق: لما جاؤوا يعقوب، وأخبروه بما جرى، اتهمهم، فظن أنها كفعلتهم بيوسف، قال: { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتباً على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه

    وهذا القول الاخير الذى نقله ابن كثير هو الذى ارجحه والله اعلم

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } أي أعرض عنهم وذلك أن يعقوب لما بلغه خبر بنيامين تَتَامَّ حزنه، وبلغ جهده، وجدّد الله مصيبته له في يوسف فقال: { يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ } ونَسيَ ٱبنه بنيامين فلم يذكره عن ابن عباس...

    وقال القشيري

    تولَّى عن الجميع - وإن كانوا أولادَه - ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ لا تُبْقي ولا نَذَرْ.

    ويقال أراد إخوةُ يوسفَ أن يكونَ إقبال يعقوب عليهم بالكليَّة فأَعْرَضَ، وتولَّى عنهم، وفَاتَهُم ما كان لهم، ولهذا قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فاته الكلُّ.

    ويقال لم يَجِدْ يعقوبُ مُساعِداً لنفسِه على تأسفه على يوسف فتولَّى عن الجميع، وانفرد بإظهار، أسفه، وفي معناه أنشدوا:
    فريدٌ عن الخِلاَّنِ في كل بلدةٍ إذا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ
    ويقال كان بكاءُ داود عليه السلام أكثرَ من بكاء يعقوب عليه السلام، فلم يذهب بَصَرُ داود وذهْب بَصَرَ يعقوب؛ لأن يعقوب عليه السلام بكى لأَجْلِ يوسف ولم يكن في قدْرةِ يوسف أن يحفظَ بصره من البكاء لأجله، وأمَّا داود فقد كان يبكي لله، وفي قدرة الله - سبحانه - ما يحفظ بَصَرَ الباكي لأَجْلِه.

    سمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول ذلك، وقال رحمه الله: إن يعقوبَ بكى لأجل مخلوقٍ فذهب بَصَرَهُ، وداود بكى لأَجْل الله فبقي بَصَرُه.

    وسمعته - رحمه الله - يقول: لم يقل الله: " عَمِيَ يعقوب " ولكن قال: { وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ } ، لأنه لم يكن في الحقيقة عَمَىً، وإنما كان حجاباً عن رؤية غير يوسف.

    ويقال كان ذهابُ بصرِ يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف، لأنه لا شيءَ أشدُّ على الأحبابِ من رؤية غير المحبوب في حال فراقه، وفي معناه أنشدوا:
    لما تَيَقَّنْتُ أني لَسْتُ أُبْصرِكم أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد
    وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: كان يعقوب عليه السلام يتسلَّى برؤية بنيامين في حال غيبة يوسف، فلما بقي عن رؤيته قال: { يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ } أي أنه لما مُنِعَ من النظر كان يتسلى بالأثر، فلمَّا بقي عن النظر قال: يا أسفا على يوسف.

    وقال الالوسي

    وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن } أي بسببه وهو في الحقيقة سبب للبكاء والبكاء سبب لابيضاض عينه فإن العبرة إذا كثرت محقت سواد العين وقلبته إلى بياض كدر فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره، والابيضاض قيل إنه كناية عن العمى فيكون قد ذهب بصره عليه السلام بالكلية واستظهره أبو حيان لقوله تعالى:{ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً } [يوسف: 96] وهو يقابل بالأعمى، وقيل: ليس كناية عن ذلك والمراد من الآية أنه عليه السلام صارت في عينيه غشاوة بيضتهما وكان عليه السلام يدرك إدراكاً ضعيفاً، ...


    { فَهُوَ كَظيمٌ } / أي مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره، وقيل: مملوء من الحزن ممسك له لا يبديه، وهو من كظم السقاء إذا شده بعد ملئه، ففعيل بمعنى مفعول أي مكظوم فهو كما جاء في يونس عليه السلام{ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } [ القلم: 48] ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كقوله تعالى:{ وَٱلْكَاظِمِينَ } [آل عمران: 134] من كظم الغيظ إذا تجرعه أي شديد التجرع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط، وأصله من كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه فكأنه عليه السلام يرد ذلك في جوفه مرة بعد أخرى من غير أن يطلع أحداً عليه....

    وقال ابن الجوزى


    قوله تعالى: { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف } قال ابن الأنباري: معناه: والله، وجواب هذا القسم «لا» المضمرة التي تأويلها: تالله لا تفتأ، فلما كان موضعها معلوماً خفف الكلام بسقوطها من ظاهره، كما تقول العرب: والله أقصدك أبداً، يعنون: لا أقصدك، قال امرؤ القيس:
    فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدَاً وَلَوْ قطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالي
    يريد: لا أبرح. وقالت الخنساء:
    فَأَقْسَمْتُ آسَى عَلَى هَالِكٍ أَو اسْأَلُ نَائِحَةً مَالَهَا
    أرادت: لا آسى، وقال الآخر:
    لَمْ يَشْعُرِ النَّعْشُ مَا عَلَيْهِ مِن ال ـعُرْفِ وَلاَ الحَامِلُونَ مَاحَمَلُوا
    تاللهِ أَنْسَى مُصِيْبتي أَبَدَاً مَا أَسْمَعَتْني حَنِيْنَها الإِبِلُ
    وقرأ أبو عمران، وابن محيصن، وأبو حيوة: «قالوا بالله» بالباء، وكذلك كل قسم في القرآن. وأما قوله: «تفتأ» فقال المفسرون وأهل اللغة: معنى «تفتأ» تزال، فمعنى الكلام: لا تزال تذكر يوسف، وأنشد أبو عبيدة:
    فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتدَّعي ويَلْحَقُ منها لاَحِقٌ وتقطَّعُ
    وأنشد ابن القاسم:
    فَمَا فَتِئَتْ مِنَّا رِعَالٌ كَأنَّها رِعَالٌ القَطَا حَتَّى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ
    قوله تعالى: { حتى تكون حرضاً } فيه أربعة أقوال:

    أحدها: أنه الدَّنِف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: أحرضه الحزن، أي: أدنفه. قال أبو عبيدة: الحرض: الذي قد أذابه الحزن أو الحُب، وهي في موضع مُحْرَض. وأنشد:
    إِني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي حَتى بَلِيتُ وحَتَى شفَّني السَّقَم
    أي: أذابني. وقال الزجاج: الحرض: الفاسد في جسمه، والمعنى: حتى تكون مدنفاً مريضاً.

    والثاني: أنه الذاهب العقل، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن إِسحاق: الفاسد العقل. قال الزجاج: وقد يكون الحرض: الفاسد في أخلاقه.

    والثالث: أنه الفاسد في جسمه وعقله، يقال: رجل حارض وحرض، فحارض، يثنَّي ويُجمع ويُؤنث، وحرض لا يُجمع ولا يثنَّى، لأنه مصدر، قاله الفراء.

    والرابع: أنه الهرم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد.

    قوله تعالى: { أو تكون من الهالكين } يعنون: الموتى.

    فان قيل: كيف حلفوا على شيء يجوز أن يتغير؟

    فالجواب: أن في الكلام إِضماراً، تقديره: إِن هذا في تقديرنا وظننا.....


    فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكاً؟

    فقد ذكر المفسرون عنه ثلاثة أجوبة:

    أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى، وهو الأظهر.

    والثاني: لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله، شدة فاقتهم.

    والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرِّج نفسه إِلى كمال السرور. والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى، ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء. وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيماً، ولا يقدر على دفع سببه.

    قوله تعالى: { وأعلم من الله مالا تعلمون } فيه أربعة أقوال:

    أحدها: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنّا سنسجد له، رواه العوفي عن ابن عباس.

    والثاني: أعلم من سلامة يوسف مالا تعلمون. قال ابن السائب: وذلك أن ملك الموت أتاه، فقال له يعقوب: هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا.

    والثالث: أعلم من رحمة الله وقدرته مالا تعلمون، قاله عطاء.

    والرابع: أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز، طمع أن يكون هو يوسف، قاله السدي، قال: ولذلك قال لهم: { اذهبوا فتحسسوا }. وقال وهب بن منبه: لما قال له ملك الموت: ما قبضت روح يوسف، تباشر عند ذلك، ثم أصبح، فقال لبنيه: { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه }. قال أبو عبيدة: «تحسسوا» أي: تخبَّروا والتمِسوا في المظانّ.

    فان قيل: كيف قال «من يوسف» والغالب أن يقال: تحسست عن كذا؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري:

    أحدهما: أن المعنى: عن يوسف، ولكن نابت عنها «من» كما تقول العرب: حدثني فلان من فلان، يعنون عنه.

    والثاني: أن «مِن» أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسَّسُوا خبراً من أخبار يوسف....

    وقال الرازى

    أما قوله تعالى: { مِنَ ٱلْحُزْنِ } فاعلم أنه قرىء { مِنَ ٱلْحُزْنِ } بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي. قال الواحدي: واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم: الحزن البكاء والحزن ضد الفرح، وقال قوم: هما لغتان يقال أصابه حزن شديد، وحزن شديد، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وروى يونس عن أبي عمرو قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله:{ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً } [التوبة: 92] وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله: { مِنَ ٱلْحُزْنِ } ....


    فإن قيل: القائلون بهذا الكلام وهو قوله: { تَٱللَّهِ } من هم؟ قلنا: الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه.....

    وقال القرطبي

    وقال ابن عباس: «بَثّي» هَمِّي. الحسن: حاجتي. وقيل: أشد الحزن، وحقيقته ما ذكرناه. { وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ } معطوف عليه، أعاده بغير لفظه. { وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سأسجد له. قاله ابن عباس. قتادة: إني أعلم من إحسان الله تعالى إليّ ما يوجب حسن ظنِّي به.

    وقال السمين

    قوله تعالى: { فَتَحَسَّسُواْ }: أي: استقصوا خبره بحواسِّكم، ويكون في الخير والشر. وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في الشر، ولذلك قال هنا " فتحسَّسُوا " ، وفي الحجرات:{ وَلاَ تَجَسَّسُواْ } [الآية: 12]، وليس كذلك، فإنه قد قرىء بالجيم هنا. وتقدَّم الخلاف في قوله " وَلاَ تَيْأَسُواْ ". وقرأ الأعرج: " تَيْئَسوا ".

    والعامَّةُ على " رَوْح اللَّه " بالفتح وهو رحمتُه وتنفيسُه وقرأ الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة بضم الراء. قال الزمخشري، " أي: مِنْ رحمتِه التي يحيا بها العباد ". وقال ابن عطية: " وكأن معنى هذه القراءة: لا تَيْئَسوا مِنْ حَيٍّ معه رُوح اللَّه الذي وهبه، فإنَّ مَنْ بقي روحُه يُرْجَى، ومِنْ هذا قول الشاعر:
    2822 ـ وفي غيرِ مَنْ قدوارَتِ الأرضُ فاطْمَعِ .....................
    ومن هذا قول عبيد بن الأبرص:
    2823 ـ وكلُّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوْبُ وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ
    وقراءة أُبَيّ رحمه اللَّه: { مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } و { عِنْدِ ٱللَّهِ } { مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } تفسيرُ لا تلاوة.

    وقال أبو البقاء: " الجمهورُ على فتح الراء، وهو مصدر في معنى الرحمة، إلا أنَّ استعمالَ الفعل منه قليل، وإنما يُسْتَعمل بالزيادة مثل أراح ورَوَّح، ويُقرأ بضم الراء وهي لغةٌ فيه. وقيل: هو اسمُ مصدرٍ مثل الشِّرْب والشُّرْب "....

    وقال القشيري

    كان يعقوب عليه السلام يبعث بنيه في طلب يوسف، وكان الإخوة يخرجون بطلب المسيرة وفي اعتقادهم هلاكُ يوسف... وكلُّ إنسانٍ وهمُّه.

    ويقال قوله: { فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } أمرٌ بطلب يوسف بجميع حواسِّهم؛ بالبَصَرِ لعلَّهم تقع عليه أعينهم، وبالسَّمْع لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه، وبالشمِّ لعلهم يجدون رِيحَه؛ وقد توهَّم يعقوبُ أنهم مثله في إرادةِ الوقوفِ على شأنه. ثم أحالهم على فضل الله حيث قال: { لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ }.

    ويقال لم يكن ليعقوب أحدٌ من الأولاد بمكان يوسف، فَظَهَر من قِلَّةِ الصبر عليه ما ظهر، وآثَرَ غيْبَةَ الباقين من الأولاد في طلب يوسف على حضورهم عنده.. فشتَّان بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحدٌ لم يَرَهْ فابْيَضَّتْ عيناه من الحزن بفرقته، وآخرون أَمرَهُم - باختياره - بِغَيْبَتِهم عنه.

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الثانى والخمسون

    { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ } * { قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } * { قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }

    هل تجوز الصدقة علي الانبياء؟

    ماذا فعلوا ببنيامين فالمعروف اساءتهم لسيدنا يوسف؟

    قال القرطبي:


    قوله تعالى: { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ } البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء تقول: أبضعت الشيء وٱستبضعته أي جعلته بضاعة وفي المثل: كمستبضع التمر إلى هَجَر. قوله تعالى: { مُّزْجَاةٍ } صفة لبضاعة والإزجاء السَّوْق بدفع ومنه قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً } [النور: 43] والمعنى أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها كل أحد....

    قوله تعالى: { فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ } يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن جريج: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم. { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ } أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة.

    قاله سعيد بن جُبير والسدي والحسن: لأن الصدقة تحرم على الأنبياء. وقيل المعنى: «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» بالزيادة على حقّنا قاله سفيان بن عُيَيْنة. قال مجاهد: ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جُريج: المعنى «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» بردّ أخينا إلينا. وقال ابن شجرة: «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» تَجوَّز عنا....

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { وتصدق علينا } فيه ثلاثة أقوال:

    أحدها: تصدَّق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن الأنباري: كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدُّق، وليس به.

    والثاني: بردِّ أخينا، قال ابن جريج. قال: وذلك أنهم كانوا أنبياء، والصَّدَقَةُ لا تحل للأنبياء.

    والثالث: وتصدَّق علينا بالزيادة على حقِّنا، قاله ابن عيينة، وذهب إِلى أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وأبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى بن الفراء

    وقال القشيري

    لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضُّرِّ، ومقاساة الجوع والفقر، ولم يذكروا حديث يوسف عليه السلام، وما لأجله وَجَّهَهُم أبوهم.

    ويقال استلطفوه بقولهم: { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم.

    ويقال لمَّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا: وجئنا ببضاعة مزجاة - أي رديئة - ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا: { فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ }.

    ويقال قالوا كلنا كيلاً يليق بفضلك لا بفقرنا، وبكرمك لا بعدمنا، ثم تركوا هذا اللسان وقالوا: { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ }: نَزَلَوا أوْضَعَ مَنْزلٍ؛ كأنهم قالوا: إنْ لم نستوجِبْ معاملةَ البيع والشراء فقد استحققنا بَذْلَ العطاءِ، على وجه المكافأة والجزاء.

    فإِنْ قيل كيف قالوا وتصدَّقْ علينا وكانوا أنبياء - والأنبياء لا تحل لهم الصدقة؟

    فيقال لم يكونوا بعد أنبياء، أو لعلّه في شرعهم كانت الصدقةُ غيرَ مُحَرَّمةٍ على الأنبياء.

    ويقال إنما أرادوا أنَّ مِنْ ورائنا مَنْ تَحِلُّ له الصدقة.

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } في سبب قوله لهم هذا، ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنه أخرج إِليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك بن ذعر، وفي آخر الكتاب: «وكتب يهوذا» فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا: هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبدٍ كان لنا، فقال يوسف عند ذلك: إِنكم تستحقون العقوبة، وأمر بهم ليُقتَلوا، فقالوا: إِن كنت فاعلاً، فاذهب بأمتعتنا إِلى يعقوب، ثم أقبل يهوذا على بعض إِخوته، وقال: قد كان أبونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده، فكيف به إِذا أُخبر بهُلكنا أجمعين؟ فرقَّ يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره، وقال لهم هذا القول، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

    الثاني: أنهم لما قالوا: «مسَّنا وأهلنا الضرُّ» أدركته الرحمة، فقال لهم هذا، قاله ابن إِسحاق.

    والثالث: أن يعقوب كتب إِليه كتاباً: إِن رددتَ ولدي، وإِلا دعوتُ عليك دعوةً تدرك السابعَ من ولدك، فبكى، وقال لهم هذا.

    وفي «هل» قولان:

    أحدهما: أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام. قال ابن الأنباري: والمعنى: ما أعظم ما ارتكبتم، وما أسمج ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق، وهذا مثل قول العربي: أتدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ لا يرد بذلك الاستفهام، ولكن يريد تفظيع الأمر، قال الشاعر:
    أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي
    لم يرد الاستفهام، إِنما أراد أن هذا غير مرجوٍّ عندهم. قال: ويجوز أن يكون المعنى: هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من المكروه؟ وهذه الآية تصديق قوله: { لتنبِّئنَّهم بأمرهم }.

    والثاني: أن «هل» بمعنى «قد» ذكره بعض أهل التفسير.

    فان قيل: فالذي فعلوا بيوسف معلوم، فما الذي فعلوا بأخيه، وما سعَوا في حبسه ولا أرادوه؟

    فالجواب من وجوه. أحدها: أنهم فرَّقوا بينه وبين يوسف، فنغَّصوا عيشه بذلك. والثاني: أنهم آذوْهُ بعد فُقْدِ يوسف. والثالث: أنهم سبّوه لما قُذف بسرقة الصاع.

    وفي قوله: { إِذ أنتم جاهلون } أربعة أقوال:

    أحدها: إِذ أنتم صبيان، قاله ابن عباس.

    والثاني: مذنبون، قاله مقاتل.

    والثالث: جاهلون بعقوق الأب، وقطع الرحم، وموافقة الهوى.

    والرابع: جاهلون بما يؤول إِليه أمر يوسف، ذكرهما ابن الأنباري.

    قوله تعالى: { أئنك لأنت يوسف } قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن محيصن: «إِنك» على الخبر، وقرأه آخرون بهمزتين محققتين، وأدخل بعضهم بينهما ألفاً.

    واختلف المفسرون، هل عرفوه، أم شبّهوه؟ على قولين.

    أحدهما: أنهم شبّهوه بيوسف، قاله ابن عباس في رواية.

    والثاني: أنهم عرفوه، قاله ابن إِسحاق. وفي سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنه تبسم، فشبَّهوا ثناياه بثنايا يوسف، قاله الضحاك عن ابن عباس.

    والثاني: أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه، وكان ليعقوب مثلها، ولإِسحاق مثلها، ولسارة مثلها، فلما وضع التاج عن رأسه، عرفوه، رواه عطاء عن ابن عباس.

    والثالث: أنه كشف الحجاب، فعرفوه، قاله ابن إِسحاق.

    وقال الرازى

    ثم إن إخوته قالوا: { أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } قرأ ابن كثير { إِنَّكَ } على لفظ الخبر، وقرأ نافع { أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو { آينك } بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع، والباقون { أئنك } بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام، وقرأ أبي { أَوْ أَنتَ يُوسُفَ } فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر. أما الأولون فقالوا: إن يوسف لما قال لهم: { هَلْ عَلِمْتُمْ } وتبسم فأبصروا ثناياه، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف، فقالوا له استفهاماً { أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ } ويدل على صحة الاستفهام أنه { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } وإنما أجابهم عما استفهموا عنه. وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: { إِنَّكَ لاَنتَ يُوسُفَ } ويجوز أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله: { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } فيه بحثان: البحث الأول: اللام لام الابتداء، وأنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبر إن.

    وقال السمين

    قوله تعالى: { أَإِنَّكَ }: قرأ ابن كثير، إنَّك " بهمزة واحدة والباقون بهمزتين استفهاماً، وقد عَرَفْتَ قراءاتهم في هاتين الهمزتين تخفيفاً وتسهيلاً وغيرَ ذلك. فأمَّا قراءة ابن كثير فيحتمل أن تكون خبراً محضاً، واستُبْعِد هذا مِنْ حيث تخالُفُ القراءتين مع أن القائلَ واحد، وقد أجيب عن ذلك بأنَّ بعضَهم قاله استفهاماً، وبعضهم قاله خبراً، ويحتمل أن تكونَ استفهاماً حُذِفَت منه الأداة لدلالة السياق، والقراءةُ الأخرىٰ عليه. وقد تقدَّم لك نحوٌ من هذا في الأعراف. و " لأَنْتَ " يجوز أن تكونَ " أنت " مبتدأً و " يوسف " خبرُه، والجملةُ خبر " إنَّ " دَخَلَتْ عليها لامُ الابتداء. ويجوز أن يكونَ فصلاً، ولا يجوز أن يكونَ تأكيداً لاسم إنَّ؛ لأنَّ هذه اللامَ لا تَدْخُل على التوكيد.

    وقرأ أُبَيّ: " أإنك أو أنت يوسف " ، وفيها وجهان، أحدهما ما قاله أبو الفتح: من أن الأصل أإنك لغيرُ يوسف أو أنت يوسفُ، فحذف خبر " إن " لدلالة المعنى عليه. الثاني ما قاله الزمخشري: وهو إنك يوسفُ أو أنت يوسف " فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا كلامُ متعجبٍ مُسْتَغْرِبٍ لِما يَسْمع فهو يكرِّر الاستثباتَ ".

    قوله: { يَتَّقِ } قرأ قنبل " يَتَّقي " بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها فيهما. وأمَّا قراءةُ الجماعة فواضحة لأنه مجزوم. وأما قراءةُ قنبل فاخْتَلَفَ فيها الناسُ على قولين، أجودهما: أنَّ إثباتَ حرفِ العلة في الحركة لغةٌ لبعض العرب، وأنشدوا على ذلك قولَ قيس ابن زهير:
    2826 ـ ألم يأتيك والأنباء تَنْمي بما لاقَتْ لَبونُ بني زيادِ
    وقول الآخر:
    2827 ـ هَجَوْت زَبَّانَ ثم جِئْتَ مُعْتَذِراً مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
    وقول الآخر:
    2828 ـ إذا العجوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
    ومذهبُ سيبويه أنَّ الجزمَ بحذف الحركة المقدرة، وإنما تبعها حرفُ العلة في الحذف تَفْرِقةً بين المرفوع والجزوم. واعتُرض عليه بأنَّ الجازم يُبَيِّن أنه مجزوم، وعَدَمَه يبيَّن أنه غير مجزوم. وأجيب بأنه في بعض الصور يُلْبِس فاطَّرَدَ الحَذْفُ، بيانُه أنك إذا قلت: " زُرْني أعطيك " بثبوت الياء احتمل أن يكون " أعطيك " جزاءً لزيارته، وأن يكونَ خبراً مستأنفاً، فإذا قلت: " أُعْطك " بحذفها تعيَّن أن يكونَ جزاءً له، فقد وقَع اللَّبْسُ بثبوت حرف العلة وفُقِد بحَذْفِه، فيقال: حرفُ العلةُ يُحذف عند الجازم لا به. ومذهب ابن السَّراج أن الجازم أَثرَّ في نفسِ الحرف فحذفه، وفيه البحث المتقدم.

    الثاني: أنه مرفوعٌ غير مجزومٍ، و " مَنْ " موصولةٌ والفعل صلتُها، فلذلك لم يَحْذف لامَه. واعْتُرِض على هذا بأنه قد عُطِف عليه مجزومٌ وهو قولُه " ويَصْبِرْ " فإنَّ قنبلاً لم يَقْرأه إلا ساكنَ الراء.....

    وقال الالوسي

    وقرأ قنبل { من يتقي } بإثبات الياء، فقيل: هو مجزوم بحذف الياء التي هي لام الكلمة وهذه ياء إشباع؛ وقيل: جزمه بحذف الحركة المقدرة وقد حكوا ذلك لغة، وقيل: هو مرفوع و { من } موصول وعطف المجزوم عليه على التوهم كأنه توهم أن { من } شرطية و { يتقي } مجزوم، وقيل: أن { يصبر } مرفوع كيتقي إلا أنه سكنت الراء لتوالي الحركات وإن كان ذلك في كلمتين كما سكنت في{ يَأْمُرُكُمْ } [البقرة: 67] و{ يُشْعِرُكُمْ } [الأنعام: 109] ونحوهما أو للوقف وأجرى الوصل مجرى الوقف، والأحسن من هذه الأقوال كما في «البحر» أن يكون يتقي مجزوماً على لغة وإن كانت قليلة، وقول أبـي علي: إنه لا يحمل على ذلك لأنه إنما يجىء في الشعر لا يلتفت إليه لأن غيره من رؤساء النحويين حكوه لغة نظماً ونثراً.

    وقال القشيري


    في الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له في الخطاب: " يا أيها العزيز " فلمّا عرفوه قالوا: { أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ }؛ لأنه لمَّا ارتفعت الأجنبيةُ سقط التكلُّف في المخاطبة، وفي معناه أنشدوا:
    إذا صَفَتْ المودَّةُ بين قومٍ ودام ودادُهم قَبُحَ الثناءُ
    ويقال إنَّ التفاصُلَ والتفارُقَ بين يوسف وإخوته سَبَقا التواصلَ بينه وبين يعقوب عليهما السلام؛ فالإخوةُ خَبَره عرفوه قبلَ أنْ عَرَفَه أبوه ليعلَم أن الحديث بلا شكٍ.

    ويقال لم يتقدموا على أبيهم في استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته، بل إنهم - وإن عرفوه - فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة، وإنما كان غرضُهم حديثَ الميرة والطعام فقط، فقال: { أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي }: يعني إني لأَخٌ لِمِثْلِ هذا لمثلكم؛ ولذا قال: { أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي } ، ولم يقل وأنتم إخوتي، كأنَّه أشار إلى طرفٍ من العتاب، يعني ليس ما عاملتموني به فِعْلَ الإخوة.

    ويقال هَوَّنَ عليهم حالَ بَدَاهَةِ الخجلة حيث قال { أَنَا يُوسُفُ } بقوله: { وَهَـٰذَا أَخِي } وكأنه شَغَلَهم بقوله: { وَهَـٰذَا أَخِي } كما قيل في قوله تعالى:{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] إنه سبحانه شَغَلَ موسى عليه السلام باستماع:{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] بمطالعة العصا في عين ما كوشِف به من قوله:{ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ } [طه: 14].

    ثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر في مقاساة الجهد والعناء فقال: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.

    وسمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول لما قال يوسف: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ } أحَالَ في استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر... فأنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد فقالوا: { تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } يعني ليس بِصَبْرِك يا يوسفُ ولا بتقواك، وإنما هو بإيثار اللَّهِ إياك علينا؛ فبه تقدمت علينا بحمدك وتقواك. فقال يوسف - على جهة الانقياد للحقِّ -: { لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } ، فأسقط عنهم اللوم، لأنه لمَّا لم يَرَ تقواه من نفسه حيث نبَّهوه عليه نَطَقَ عن التوحيد، وأخبر عن شهود التقدير...

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    سؤال اخر

    لماذا قال لهم هذا أخى بالرغم من معرفتهم له؟

    نستكمل قول الرازى الذى ذكرناه من قبل قال:

    وقوله: { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } فيه بحثان: البحث الأول: اللام لام الابتداء، وأنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبر إن. البحث الثاني: أنه إنما صرح بالاسم تعظيماً لما نزل به من ظلم إخوته وماعوضه الله من الظفر والنصر فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون، ولهذا قال: { وَهَـذَا أَخِى } مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول: وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت ثم إنه صار منعماً عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله: { قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { قال أنا يوسف } قال ابن الأنباري: إِنما أظهر الاسم، ولم يقل: أنا هو، تعظيماً لما وقع به من ظلم إِخوته، فكأنه قال: أنا المظلوم المستحَلُّ منه، المراد قتلُه، فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني، ولهذا قال: { وهذا أخي } وهم يعرفونه، وإِنما قصد: وهذا المظلوم كظلمي.

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الثالث والخمسون

    { قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } * { قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }

    هل يغفر الله لكم دعاء ام جزم بالمغفرة؟

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } أي قال يوسف ـ وكان حليماً موفَّقاً ـ: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» وتمّ الكلام. ومعنى «اليوم»: الوقت. والتثريب التَّعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم قاله سفيان الثوري وغيره ومنه قوله عليه السلام: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلِدها الحدّ ولا يُثَرِّب عليها " أي لا يعيرها وقال بشر:
    فعَفَوتُ عنهم عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ وتركتهم لعقابِ يومٍ سَرْمَدِ
    وقال الأَصمعي: ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنى إذا قبحتَ عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحقّ الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بُعضادَتَي الباب يوم فتح مكة، وقد لاَذَ الناسُ بالبيت فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال: «ماذا تظنون يا معشر قريش» قالوا: خيراً، أخ كريم، وٱبن أخ كريم وقد قَدَرت قال: «وأنا أقول كما قال أخي يوسف «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ " فقال عمر رضي الله عنه: ففِضتُ عَرقاً من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ٱستحييت من قولي. { يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ } مستقبل فيه معنى الدعاء سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقف على «عَلَيْكُمُ» والأوّل هو المستعمل فإن في الوقف على «عليكم» والابتداء بـ «ـالْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» جَزْم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بيّن.

    وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ ألم تر قول يوسف: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» وقال يعقوب: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي».

    وقال الالوسي

    ..... و { ٱلْيَوْمَ } متعلقاً بقوله: { يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ } ونقل عن المرتضى أنه قال في «الدرر»: قد ضعف هذا قوم من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله ولم يشتهر ذلك، وقال ابن المنير: لو كان متعلقاً به لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصديق ولم يكن كذلك لقولهم:{ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ } [يوسف: 97] وتعقب بأنه لا طائل تحته لأن المغفرة وهي ستر الذنب يوم القيامة حتى لا يؤاخذوا به ولا يقرعوا إنما يكون ذلك الوقت وأما قبله فالحاصل هو الإعلام به والعلم بتحقق وقوعه بخبر الصادق لا يمنع الطلب لأن الممتنع طلب الحاصل لا طلب ما يعلم حصوله، على أنه يجوز أن يكون هضماً للنفس واعتبر باستغفار الأنبياء عليهم السلام، ولا فرق بين الدعاء والإخبار هنا انتهى. وقد يقال أيضاً: إن الذي طلبوه من أبيهم مغفرة ما يتعلق به ويرجع إلى حقه ولم يكن عندهم علم بتحقق ذلك، على أنه يجوز أن يقال: إنهم لم يعتقدوا إذ ذاك نبوته وظنوه مثلهم غير نبـي فإنه لم يمض وقت بعد معرفة أنه يوسف يسع معرفة أنه نبـي أيضاً وما جرى من المفاوضة لا يدل على ذلك فافهم، وإلى حمل الكلام على الدعاء ذهب غير واحد وذهب جمع أيضاً إلى كونه خبراً والحكم بذلك مع أنه غيب قيل: لأنه عليه السلام صفح عن جريمتهم حينئذٍ وهم قد اعترفوا بها أيضاً فلا محالة أنه سبحانه يغفر لهم ما يتعلق به تعالى وما يتعلق به عليه السلام بمقتضى وعده جل شأنه بقبول توبة العباد، وقيل: لأنه عليه السلام قد أوحى إليه بذلك، وأنت تعلم أن أكثر القراء على الوقف على { ٱلْيَوْمَ } وهو ظاهر في عدم تعلقه ـ بيغفر ـ وهو اختيار الطبري وابن إسحاق وغيرهم واختاروا كون الجملة بعد دعائية وهو الذي يميل إليه الذوق والله تعالى أعلم.

    وقال القشيري


    قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ }

    اعترفوا بالفضل ليوسف - عليه السلام - حيث قالوا: لقد آثرك الله علينا، وأكَّدوا إقرارَهم بالقَسَم بقوله: { تَٱللَّهِ } وذلك بعد ما جحدوا فَضْلَه بقولهم: { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ، وهكذا من جحد فلأنه ما شهد، ومن شهد فما جحد.

    ويقال لمَّا اعترفوا بفضله وأقرُّوا بما اتصفوا به من جُرْمِهم بقولهم: { وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } وجدوا التجاوزَ عنهم حين قال يوسف:

    { قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }.

    أسرع يوسفُ في التجاوز عنهم، وَوَعَد يعقوبُ لهم بالاستغفار بقوله: { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ } لأنه كان أشدَّ حباً لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة، وفي معناه أنشدوا:
    تركُ العتابِ إذا استحق أخ مِنك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ
    ويقال أصابهم - في الحال - مِنَ الخجلة مقام كلِّ عقوبة، ولهذا قيل:

    كفى للمقصِّر الحياءُ يوم اللقاء.

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الرابع والخمسون

    { ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } * { وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ } * { قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ }

    كيف وجد سيدنا يعقوب ريح يوسف علي بعد مئات الكيلو مترات او الاف الكيلو مترات؟

    قال الالوسي

    ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا } هو القميص الذي كان عليه حينئذٍ كما هو الظاهر؛ وعن ابن عباس وغيره أنه القميص الذي كساه الله تعالى إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وكان من قمص الجنة جعله يعقوب حين وصل إليه في قصبة فضة وعلقه في عنق يوسف وكان لا يقع على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى. وضعف هذا بأن قوله:{ إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [يوسف: 94] يدل على أنه عليه السلام كان لابساً له في تعويذته كما تشهد به الإضافة إلى ضميره وهو تضعيف ضعيف كما لا يخفى، وقيل: هو القميص الذي قُدَّ من دبر وأرسله ليعلم يعقوب أنه عصم من الفاحشة ولا يخفى بعده، وأياً ما كان فالباء إما للمصاحبة أو للملابسة أي اذهبوا مصحوبين أو ملتبسين به أو للتعدية على ما قيل أي اذهبوا قميصي هذا { فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } أي يصر بصيراً ويشهد له{ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } [يوسف:96] أو يأت إلي وهو بصير وينصره قوله: { وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } من النساء والذراري وغيرهم مما ينتظمه لفظ الأهل كذا قالوا. وحاصل الوجهين ـ كما قال بعض المدققين ـ أن الإتيان في الأول مجاز عن الصيرورة ولم يذكر إتيان الأب إليه لا لكونه داخلاً في الأهل فإنه يجل عن التابعية بل تفادياً عن أمر الإخوة بالإتيان لأنه نوع إجبار على من يؤتى به فهو إلى اختياره، وفي الثاني على الحقيقة وفيه التفادي المذكور، والجزم بأنه من الآتين لا محالة وثوقاً بمحبته وإن فائدة الإلقاء إتيانه على ما أحب من كونه معافى سليم البصر، وفيه أن صيرورته بصير أمر/ مفروغ عنه مقطوع إنما الكلام في تسبب الإلقاء لإتيانه كذلك فهذا الوجه أرجح وإن كان الأول من الخلافة بالقبول بمنزل، وفيه دلالة على أنه عليه السلام قد ذهب بصره، وعلم يوسف عليه السلام بذلك يحتمل أن يكون بإعلامهم ويحتمل أن يكون بالوحي، وكذا علمه بما يترتب على الإلقاء يحتمل أن يكون عن وحي أيضاً أو عن وقوف من قبل على خواص ذلك القميص بالتجربة أو نحوها إن كان المراد بالقميص الذي كان في التعويذة ويتعين الاحتمال الأول إن كان المراد غيره على ما هو الظاهر. وقال الإمام: يمكن أن يقال: لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما عرا بصره ما عراه إلا من كثرة البكاء وضيق القلب فإذا ألقي عليه قميصه فلا بد وأن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد وذلك يقوي الروح ويزيل الضعف عن القوى فحينئذٍ يقوى بصره ويزول عنه ذلك النقصان فهذا القدر مما يمكن معرفته بالعقل فإن القوانين الطبية تدل على صحته وأنا لا أرى ذلك، قال الكلبـي: وكان أولئك الأهل نحواً من سبعين إنساناً وأخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع بن أنس أنهم اثنان وسبعون من ولده وولد ولده، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن مسعود أنهم ثلاثة وتسعون. وقيل: ست وتسعون وقد نموا في مصر فخرجوا منها مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلاً سوى الذرية والهرمى وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف على ما قيل.

    قال الرازى

    لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال يعقوب عليه السلام لمن حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده { إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } ولم يكن هذا القول مع أولاده لأنهم كانوا غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم:{ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } [يوسف: 87]

    وقال ابن الجوزى

    فان قيل: كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر، ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه منه، والمسافة هناك أقرب؟

    فعنه جوابان. أحدهما: أن الله تعالى أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية التي يتكامل بها الأجر، وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضِّي البلاء ومجيء الفرج.

    والثاني: أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلَّقا في عنق يوسف على ما سبق بيانه. فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب، فعلم أن الرائحة من جهة ذلك القميص. قال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة، فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إِلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: { إِني لأجد ريح يوسف }. وقيل: إِن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير فأذن لها، فلذلك يستروح كل محزون إِلى ريح الصبا، ويجد المكروبون لها رَوْحاً، وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق، قال أبو صخر الهذلي:
    إِذا قُلْتُ هَذَا حِينَ أَسْلُو يَهِيْجُني نَسِيْمُ الصَّبا مِنْ حَيْثُ يطَّلِعُ الفَجْرُ
    قال ابن عباس: وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخاً.

    قوله تعالى: { لولا أن تفنِّدونِ } فيه خمسة أقوال.

    أحدها: تُجهِّلونِ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.

    والثاني: تسفِّهونِ، رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وقتادة، ومجاهد في رواية. وقال في رواية أخرى: لولا أن تقولوا: ذهب عقلك.

    والثالث: تكذِّبونِ، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك.

    والرابع: تهرِّمونِ، قاله الحسن، ومجاهد في رواية. قال ابن فارس: الفَنَد: إِنكار العقل من هرم.

    والخامس: تعجِّزونِ، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تسفِّهون وتعجِّزون وتلومون، وأنشد:
    يَاصَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرٍ بِمَرْدُودِ
    قال ابن جرير: وأصل التفنيد: الإِفساد، وأقوال المفسرين تتقارب معانيها، وسمعت الشيخ أبا محمد إبن الخشاب يقول: قوله: «لولا أن تفنِّدون» فيه إِضمار، تقديره: لأخبرتكم أنه حيّ.


    قلت انا اسامة خيري ربما يظهر سر هذا القميص المبارك بما جاء فى تفسير الجلالين قال:

    وسألهم عن ابيه فقالوا ذهبت عيناه فقال: { ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَٰذَا } وهو قميص إبراهيم الذي لبسه حين ألقي في النار كان في عنقه في الجب وهو من الجنة، أمره جبريل بإرساله وقال إن فيه ريحها لا يُلقى على مبتلى إلاّ عوفي

    قلت انا اسامة خيري لو ربطت اخى الحبيب هذا القول بحديث

    من قتل نفسًا مُعاهِدةً بغيرِ حقِّها لم يرُحْ رائحةَ الجنَّةِ ، فإنَّ ريحَ الجنَّةِ ليُوجَدُ من مسيرةِ مائةِ عامٍ . وفي روايةٍ : وإنَّ ريحَها ليُوجَدُ من مسيرةِ خمسِمائةِ عامٍ

    صِنْفانِ مِن أهْلِ النَّارِ لَمْ أرَهُما، قَوْمٌ معهُمْ سِياطٌ كَأَذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، ولا يَجِدْنَ رِيحَها، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ كَذا وكَذا.

    ربما يظهر لك سر هذا القميص

    والله اعلم

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ } أي لفي ذهاب عن طريق الصواب. وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئِك الماضي من حبّ يوسف لا تنساه. وقال سعيد بن جُبير: لفي جنونك القديم. قال الحسن: وهذا عقوق. وقال قَتَادة وسفيان: لفي محبتك القديمة. وقيل: إنما قالوا هذا لأن يوسف عندهم كان قد مات.

    وقال الرازى

    تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ } وفي الضلال ههنا وجوه: الأول: قال مقاتل: يعني بالضلال ههنا الشقاء، يعني شقاء الدنيا والمعنى: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله:{ إِنَّا إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } [القمر: 24] يعنون لفي شقاء دنيانا، وقال قتادة: لفي ضلالك القديم، أي لفي حبك القديم لا تنساه ولا تذهل عنه وهو كقولهم:{ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ } [يوسف: 8] ثم قال قتادة: قد قالوا كلمة غليظة ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله، وقال الحسن إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات وقد كان يعقوب في ولوعه بذكره، ذاهباً عن الرشد والصواب ...

    وقال القشيري

    البلاءُ إذا هَجَمَ هَجَمَ مَرَّةً، وإذا زال بالتدريج؛ حلَّ البَلاءُ بيعقوب مرةً واحدةً حيث قالوا: { فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ } ولما زال البلاءُ.. فأولاً وَجَدَ ريحَ يوسفَ عليه السلام، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدي يوسف، ثم رؤية يوسف.

    ويقال لمَّا كان سببُ البلاءِ والعمى قميصَ يوسف أراد اللَّهُ أن يكونَ به سَبَبُ الخلاص من البلاء.

    ويقال علم أن يعقوب عليه السلام - لِمَا يلحقه من فَرْطِ السرور - لا يطيقه عند أخذ القميص فقال: { فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي }.

    ويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا لوجدان ريح الأحباب.

    ويقال كان العمى في العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجدَ الشفاءَ من العمى.

    ويقال لمَّا كان البكاء بالعين التي في الوجه كان الشفاء في الإلقاء على العين. التي في الوجه، وفي معناه أنشدوا:
    وما بات مطوياً على أريحية عُقَيب النَّوى إلا فتىً ظلَّ مغرما
    وقوله { وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ }: لما عَلِمَ حزنَ جميعَ الأهلِ عليه أراد أن يشترك في الفرح جميعُ من أصابهم الحزن.

    ويقال عَلِمَ يوسفُ أن يعقوبَ لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضَرَه، إبقاءً على حالِه لا إخلالاً لِقَدْرِه وما وَجَبَ عليه من إجلاله.

    ويقال إنما انفرد يعقوبُ عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرادِه بالأسف عند فقدان يوسف. وإنما يجد ريح يوسف مَنْ وَجَدَ على فراق يوسف؛ فلا يعرف ريحَ الأحبابِ إلا الأحبابُ، وأَمَّا على الأجانب فهذا حديثٌ مُشْكِل.. إذ أنَّى يكون للإنسان ريح!؟.

    ويقال لفظ الريح ها هنا توسع، فيقال هبَّتْ رياحُ فلانٍ، ويقال إني لأَجِدُ ريح الفتنة.. وغير ذلك.

    قوله جلّ ذكره: { لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ }.

    تَفَرَّسَ فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قولُه، فزادوا في الملامة فقالوا: -

    { قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ }.

    قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يُراعوا حقَّه في المخاطبة، فوصفوه بالضلال في المحبة.

    ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرَّف من الريح نسيمَ يوسف عليه السلام، وخبر يوسف كثير حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سُنَّةُ الأحباب: مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال وفي معناه أنشدوا:
    وإنِّي لأستهدي الرياح نسيمكم إذا هي أقبَلْت نحوكم بهُبُوب
    واسألها حَمْلَ السلامِ إليكمُ فإنْ هي يوماً بلَغَتْ فأَجِيبُوا

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال الخامس والخمسون

    { فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } * { قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } * { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }

    لماذا سوف سيدنا يعقوب الاستغفار لهم؟

    قال الرازى

    وقوله: { فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا } أي صيره الله بصيراً كما يقال طالت النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية فالله تعالى جعله بصيراً في هذا الوقت. وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان، فلما ألقوا القميص على وجهه، وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه، فعند هذا قال: { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا، لأن هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم، وهو إشارة إلى ما تقدم من قوله:{ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [يوسف: 86] روي أنه سأل البشير وقال: كيف يوسف قال هو ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة، ثم إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون إليه { وَقَالُواْ يـٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } وظاهر الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال، بل وعدهم بأنه يستغفر لهم بعد ذلك، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: والأكثرون أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر، لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة.

    الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في رواية أخرى أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة، لأنها أوفق الأوقات للإجابة. الثالث: أراد أن يعرف أنهم هل تابوا في الحقيقة أم لا، وهل حصلت توبتهم مقرونة بالإخلاص التام أم لا. الرابع: استغفر لهم في الحال، وقوله: { سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ } معناه أني أداوم على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل، فقد روي أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، ....

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } في الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر قالوا يا أبانا وهذا يدلّ على أن الذي قال له: «تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ» بنو بنيه أو غيرهم من قرابته وأهله لا ولده فإنهم كانوا غُيّبًا، وكان يكون ذلك زيادة في العقوق. والله أعلم. وإنما سألوه المغفرة، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله. قلت: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلماً في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالماً له فإنه يجب عليه أن يَتَحَلَّل له ويخبره بالمَظْلِمة وقدرها وهل ينفعه التّحليل المطلق أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينفع فإنه لو أخبره بمظلِمة لها قَدْرٌ وبَالٌ ربما لم تَطب نفس المظلوم في التَّحلُّل منها. والله أعلم. وفي صحيح البخاريّ وغيره عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من كانت له مَظْلِمَة لأخيه من عِرْضه أو شيءٌ فلْيحلّله منه اليوم قبل ألا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهمٌ إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مَظلِمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فُحمِل عليه " قال المهلَّب فقوله صلى الله عليه وسلم: «أُخذ منه بقدر مَظْلِمته» يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر مشاراً إليها مبيّنة، والله أعلم

    وقال الالوسي

    أَلْقـٰاهُ } أي ألقى البشير القميص { عَلَىٰ وَجْهِهِ } أي وجه يعقوب عليه السلام، وقيل: فاعل { أَلْقَىٰ } ضمير يعقوب عليه السلام أيضاً والأول أوفق بقوله:{ فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ } [يوسف: 93] وهو يبعد كون البشير مالكاً كما لا يخفى، والثاني قيل: هو الأنسب بالأدب ونسب ذلك إلى فرقد قال: إنه عليه السلام أخذه فشمه ثم وضعه على بصره { فَٱرْتَدَّ بَصِيراً } والظاهر أنه أريد بالوجه كله، وقد جرت العادة أنه متى وجد الإنسان شيئاً يعتقد فيه البركة مسح به وجهه، وقيل: عبر بالوجه عن العينين لأنهما فيه، وقيل: عبر بالكل عن البعض ....

    وقال القشيري

    لو أُلقِيَ قميصُ يوسف على وجه مَنْ في الأرض مِنَ العميان لم يرتد بصرهم، وإنما رجع بصرُ يعقوب بقميص يوسف على الخصوص؛ فإنَّ بَصَرَ يعقوبَ ذهب لفراق يوسف، ولمّا جاءوا بقميصه أَنْطَقَ لسانَه، وأَوْضحَ برهانَه، فقال لهم: { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } عن حياة يوسف، وفي معناه أنشدوا:
    وَجْهُك المأمولُ حُجَّتُنا يومَ يأتي النَّاسُ بالحجج....

    وَعدَهُم الاستغفارَ لأنه لم يَفْرَغْ من استبشاره إلى الاستغفار.

    ويقال لم يُجِبْهُم على الوهلة ليدلَّهم على ما قَدَّمُوا من سوء الفَعْلةِ، لأن يوسفَ كان غائباً وقتئذٍ، فوعدهم الاستغفارَ في المستأنف - إذا رضِي عنهم يوسف حيث كان الحقُّ أكثرُه له، لو كان كله ليعقوب لوهبهم على الفور.

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,673
    السؤال السادس والخمسون

    { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ } * { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }

    ماهو متعلق المشيئة؟

    لماذا قال سيدنا يوسف السجن ولم يقل الجب؟

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ } قال ٱبن جريج: أي سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره قال النحاس: يذهب ٱبن جُرَيج إلى أنهم قد دخلوا مصر فكيف يقول: «ٱدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ». وقيل: إنما قال: «إنْ شَاءَ اللَّهُ» تَبَرُّكاً وجَزْماً. «آمنين» من القَحْط، أو من فرعون وكانوا لا يدخلونها إلا بجوازه....

    قوله تعالى: { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً }. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } الهاء في «خَرُّوا لَهُ» قيل: إنها تعود على الله تعالى المعنى: وخرّوا شكراً لله سجداً ويوسف كالقِبْلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن قال النَّقاش: وهذا خطأ والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أوّل السورة: «رَأَيْتُهُمْ ليِ سَاجِدِينَ». وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه السلام، فاقشعرّ جلده وقال: «هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ» وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها ٱثنتان وعشرون سنة. وقال سلمان الفارسيّ وعبد الله بن شَدّاد: أربعون سنة قال عبد الله بن شَدّاد: وذلك آخر ما تبطىء الرؤيا....

    قوله تعالى: { وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ } ولم يقل من الجُبّ ٱستعمالاً للكرم لئلا يُذكِّر إخوته صنيعهم بعد عفوه عنهم بقوله: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ». قلت: وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية: ذِكْرُ الجَفَا في وقت الصَّفَا جَفَا وهو قول صحيح دَلَّ عليه الكتاب. وقيل: لأن في دخوله السجن كان باختياره بقوله: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنيِ إلَيْهِ» وكان في الجبّ بإرادة الله تعالى له. وقيل: لأنه كان في السجن مع اللصوص والعُصَاة، وفي الجبّ مع الله تعالى وأيضاً فإن المِنّة في النّجاة من السّجن كانت أكبر، لأنه دخله بسبب أَمْرٍ هَمَّ به وأيضاً دخله باختياره إذ قال: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ» فكان الكَرْب فيه أكثر وقال فيه أيضاً: «ٱذْكُرْنيِ عِنْدَ رَبِّكَ» فعوقب فيه.....

    قال ابن الجوزى


    قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف } يعني: يعقوب وولده.

    وفي هذا الدخول قولان:

    أحدهما: أنه دخول أرض مصر، ثم قال لهم: { ادخلوا مصر } يعني البلد.

    والثاني: أنه دخول مصر، ثم قال لهم: «ادخلوا مصر» أي: استوطنوها.

    وفي قوله: { آوى إِليه أبويه } قولان:

    أحدهما: أبوه وخالته، لأن أمه كانت قد ماتت، قاله ابن عباس والجمهور.

    والثاني: أبوه وأمه، قاله الحسن، وابن إِسحاق.

    وفي قوله: { إِن شاء الله آمنين } أربعة أقوال.

    أحدها: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إِن شاء الله، إِنه هو الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج.

    والثاني: أن الاستثناء يعود إِلى الأمن. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، فلا يدخلون إِلا بجوارهم.

    والثالث: أنه يعود إِلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقَّاهم قبل دخولهم، على ما سبق بيانه.

    والرابع: أن «إِن» بمعنى: «إِذ» كقوله:{ إِن أَرَدْنَ تحصُّناً } [النور: 33]. قال ابن عباس: دخلوا مصر يومئذ وهم نيِّف وسبعون من ذكر وأنثى، وقال ابن مسعود: دخلوا وهم ثلاثة وتسعون، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً.

    وقال الالوسي


    ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } أي ضمهما إليه واعتنقهما، والمراد بهما أبوه وخالته ليا، وقيل: راحيل وليس بذاك، والخالة تنزل منزلة الأم لشفقتها كما ينزل العم منزلة الأب، ومن ذلك قوله:{ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } [البقرة: 133] وقيل: إنه لما تزوجها بعد أمه صارت رابة ليوسف عليه السلام فنزلت منزلة الأم لكونها مثلها في زوجية الأب وقيامها مقامها والرابة تدعى أماً وإن لم تكن خالة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال بعضهم: المراد أبوه وجدته أم أمه حكاه الزهراوي، وقال الحسن وابن إسحاق: إن أمه عليه السلام كانت بالحياة فلا حاجة إلى التأويل لكن المشهور أنها ماتت في نفاس بنيامين، وعن الحسن وابن إسحاق القول بذلك أيضاً إلا أنهما قالا: إن الله تعالى أحياها له ليصدق رؤياه، والظاهر أنه لم يثبت ولو ثبت مثله لاشتهر، وفي مصحف عبد الله { آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وإخوتُه }....


    قوله: { وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } أي البادية، وأصله البسيط من الأرض وإنما سمي بذلك لأن ما فيه يبدو للناظر لعدم ما يواريه ثم أطلق على البرية مطلقاً، وكان منزلهم على ما قيل: بأطراف الشام ببادية فلسطين وكانوا أصحاب إبل وغنم، وقال الزمخشري: كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع. وزعم بعضهم أن يعقوب عليه السلام إنما تحول إلى البادية بعد النبوة لأن الله تعالى لم يبعث نبياً من البادية. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان يعقوب عليه السلام قد تحول إلى بدا وسكنها ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها: قال ابن الأنباري: إن بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميل بقوله:
    وأنت الذي حببت شعباً إلى بدا إلي وأوطاني بلاد سواهما
    فالبدو على هذا قصد هذا الموضع يقال: بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا كما يقال: أغاروا غوراً إذا أتوا الغور، فالمعنى أتى بكم من قصد بدا فهم حينئذ حضريون كذا قاله الواحدي في " البسيط " وذكره القشيري وهو خلاف الظاهر جداً { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي أفسد وحرش، وأصله منه نزغ الرابض الدابة إذا نسخها وحملها على الجري وأسند ذلك إلى الشيطان مجازاً لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضاً تعظيماً لأمر الإحسان لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعاً.....

    وقال الرازى

    ولم يذكر إخراجه من البئر لوجوه: الأول: أنه قال لإخوته { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريباً لهم فكان إهماله جاراً مجري الكرم، الثاني: أنه لما خرج من البئر لم يصر ملكاً بل صيروه عبداً، أما لما خرج من السجن صيروه ملكاً فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاماً كاملاً، الثالث: أنه لما أخرج من البئر وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته وزالت التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة، الرابع: قال الواحدي: النعمة في إخراجه من السجن أعظم لأن دخوله في السجن كان بسبب ذنب هم به، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع ورغبة النفس، وهذا وإن كان في محل العفو في حق غيره إلا أنه ربما كان سبباً للمؤاخذة في حقه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ثم قال: { وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: القول الأول: جاء بكم من البدو أي من البداية، وقال الواحدي: البدو بسيط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد وأصله من بدا يبدو بدواً، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية.

    والقول الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميعاً كثير فقال:
    وأنت التي حببت شعباً إلى بدا إلى وأوطاني بلاد سواهما
    فالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا يقال بدا القوم يبدون بدوا إذا أتوا بدا كما يقال: غار القوم غوراً إذا أتوا الغور فكان معنى الآية وجاء بكم من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده حضريين لأن البدو لم يرد به البادية لكن عنى به قصد بدا إلى ههنا كلام قاله الواحدي في «البسيط»...

    قلت انا اسامة خيري ربما يرجح هذا القول الثانى قوله تعالي

    (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ )

    لان سيدنا يعقوب كان نبيا بلاشك والمراد من القري ضد البدو والله اعلم

    قال الرازى


    ثم قال: { إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول. ثم قال: { إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } أعني أن كونه لطيفاً في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله، حاكم في قضائه، حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم....

    وقال القشيري

    اشتركوا في الدخول ولكن تباينوا في الإيواء فانفرد الأَبَوَان به لِبُعْدِهما عن الجفاء، كذلك غداً، إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون في وجود الجنان، ولكنهم يتباينون في بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء...

    قوله جلّ ذكره: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ }.

    أوقف كُلاًّ بمحلِّة؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم.

    قوله: { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً }: كان ذلك سجودَ تحيةٍ، فكذلك كانت عادتهم. ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله { وَخَرُّواْ } إخبارٌ عن الجميع، ولأنه كان عن رؤياه قد قال:{ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف: 4] وقال ها هنا: { هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً }.

    قوله جلّ ذكره: { أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }.

    شهد إحسانه فَشَكَرَه.. كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده.

    وذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر.

    وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن { ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ } وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال، وفي معناه أنشدوا:
    وأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح
    تجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة وغادرت ما غادرت بين الجوانح
    وفي قوله: { وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ } إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته - وإنْ كانوا أهل الجفاء، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة.

    قوله: { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ } أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال { بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ } يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال: { بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ }.

    ثم نطق عن عين التوحيد فقال: { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ } فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني

صفحة 4 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •