صفحة 7 من 8 الأولىالأولى ... 345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 105 من 107

الموضوع: أسرار الاستثناء فى كتاب الله

  1. #91
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    الجوهرة المائة

    سورة الشوري

    ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }

    قال الرازي

    وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} نقول الجواب عنه من وجهين الأول: أن هذا من باب قوله:
    ولا عيب غير أن سيوفهم بها من قراع الدارعين فلول
    المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى:
    { والمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }
    [التوبة: 71] وقال صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً " والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: { قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى القُرْبَي} تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }.

    ثم قال: { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.

    وقال القرطبي
    قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلاً. { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } قال الزجاج: «إِلاَّ الْمَوَدَّةَ» استثناء ليس من الأول أي إلا أن تَوَدُّوني لقرابتي فتحفظوني. والخطاب لقريش خاصَّةً قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبيّ وغيرهم. قال الشعبيّ: أكْثَرَ الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش، فليس بَطْنٌ من بطونهم إلا وقد وَلَدَه فقال الله له: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني. فـ «ـالْقُرْبَى» هاهنا قرابة الرَّحِم كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوّة. قال عكرمة: وكانت قريش تَصِل أرحامها فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قطعته فقال: " صِلُوني كما كنتم تفعلون " فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجراً لكن أذكّركم قرابتي على استثناء ليس من الأوّل ذكره النحاس. وفي البخاريّ عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجِلت! إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصِلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجراً إلا أن تَودّوا قرابتي وأهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسُّدّي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: " لما أنزل الله عز وجل: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نَوَدُّهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وأبناؤهما» " ويدل عليه أيضاً ما روي " عن عليّ رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي. فقال: «أما ترضى أن تكون رابعَ أربعة أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرّيتنا خلف أزواجنا» " وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عِتْرَتي ومن ٱصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة "

    وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتودّدوا إلى الله عز وجل ويتقرّبوا إليه بطاعته. فـ «ـالْقُرْبَى» على هذا بمعنى القربة. يقال: قُرْبَة وقُرْبى بمعنًى كالزُّلْفة والزُّلْفى. وروى قَزَعة بن سُويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجراً إلا أن توادّوا وتقرّبوا إليه بالطاعة " وروى منصور وعوف عن الحسن «قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قال: يتودّدون إلى الله عز وجل ويتقرّبون منه بطاعته. وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودّة نبيه صلى الله عليه وسلم وصِلة رحِمه، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا:{ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى:{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله:{ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } [صۤ: 86]، وقولِه:{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } [المؤمنون: 72]، وقولِه:{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } [الطور: 40] قاله الضحاك والحسين بن الفضل. ورواه جُوَيبر عن الضحاك عن ابن عباس.

  2. #92
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    الجوهرة الواحدة بعد المائة

    سورة الزخرف

    { إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي }: فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه استثناءٌ منقطع؛ لأنَّهم كانوا عبدةَ أصنامٍ فقط. والثاني: أنه متصلٌ؛ لأنه رُوِي أنهم كانوا يُشْرِكون مع الباري غيرَه.

    الثالث: أَنْ يكونَ مجروراً بدلاً مِنْ " ما " الموصولة في قولِه: " ممَّا تعبدُون " قاله الزمخشريُّ. ورَدَّه الشيخ: بأنه لا يجوزُ إلاَّ في نفيٍ أو شبهه قال: " وغَرَّه كونُ براء في معنى النفي، ولا ينفعه ذلك لأنه موجَبٌ ". قلت: قد تأوَّل النحاةُ ذلك في مواضعَ من القرآن كقولِه تعالى:
    { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ }
    [التوبة: 32]
    { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }
    [البقرة: 45] والاستثناء المفرغُ لا يكونُ في إيجاب، ولكن لَمَّا كان " يأبى " بمعنى: لا يفعلُ، وإنها لكبيرة بمعنى: لا تَسْهُلُ ولا تَخِفُّ ساغ ذلك، فهذا مثلُه.

    الرابع: أَنْ تكونَ " إلاَّ " صفةً بمعنى " غير " على أن تكونَ " ما " نكرةً موصوفةً، قاله الزمخشريُّ قال الشيخ: " وإنما أخرجها في هذا الوجهِ عن كونِها موصولةً؛ لأنَّه يرى أنَّ " إلاَّ " بمعنى " غير " لا يُوْصَفُ بها إلاَّ النكرة " وفيها خلافٌ. فعلى هذا يجوزُ أَنْ تكونَ " ما " موصولةً و " إلاَّ " بمعنى " غير " صفةً لها

  3. #93
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    { وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ }: فيه قولان، أحدهما: أنه متصلٌ والمعنى: إلاَّ مَنْ شهد بالحقِّ كعُزَيْرٍ والملائكةِ، فإنهم يملكون الشفاعةَ بتمليك اللَّهِ إياهم لها. وقيل: هو منقطعٌ بمعنى: أنَّ هؤلاءِ لا يَشْفَعُون إلاَّ فيمَنْ شَهِد بالحقِّ، أي: لكن مَنْ شَهِدَ بالحق يَشْفَعُ فيه هؤلاء، كذا قَدَّروه. وهذا التقديرُ يجوزُ فيه أَنْ يكونَ الاستثناءُ متصلاً على حَذْفِ المفعولِ، تقديرُه: ولا يملكون الذين يَدْعُون مِنْ دونه الشفاعةَ في أحدٍ إلاَّ فيمَنْ شَهِدَ.

    وقال الالوسي

    والاستثناء قيل: متصل إن أريد بالذين يدعون من دونه كل ما يعبد من دون الله عز وجل ومنفصل إن أريد بذلك الأصنام فقط، وقيل: هو منفصل مطلقاً وعلل بان المراد نفي ملك الآلهة الباطلة الشفاعة للكفرة ومن شهد بالحق منها لا يملك الشفاعة لهم أيضاً وإنما يملك الشفاعة للمؤمنين فكأنه قيل على تقدير التعميم: ولا يملك الذين يدعونهم من دون الله تعالى كائنين ما كانوا الشفاعة لهم لكن من شهد بالحق يملك الشفاعة لمن شاء الله سبحانه من المؤمنين؛ فالكلام نظير قولك: ما جاء القوم إليَّ إلا زيداً جاء إلى عمرو فتأمل.

    وقال مجاهد وغيره: المراد بمن شهد بالحق المشفوع فيهم، وجعل الاستثناء عليه متصلاً والمستثنى منه محذوفاً كأنه قيل: ولا يملك هؤلاء الملائكة وأضرابهم الشفاعة في أحد إلا فيمن وحد عن إيقان وإخلاص / ومثله في حذف المستثنى منه قوله:
    نجا سالم والنفس منه بشرقة ولم ينج إلا جفن سيف ومئزراً
    أي ولم ينج شيء إلا جفن سيف، واستدل بالآية على أن العلم ما لا بد منه في الشهادة دون المشاهدة.

    سورة الدخان

    { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ } * { يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } * { إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم

    قال السمين فى دره

    قوله: { إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ } يجوزُ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو قولُ الكسائيِّ - أنه منقطِعٌ. الثاني: أنه متصِلٌ تقديرُه: لا يُغْني قريبٌ عن قريبٍ إلاَّ المؤمنين فإنَّهم يُؤْذَنُ لهم في الشفاعةِ فيَشْفَعُون في بعضِهم. الثالث: أَنْ يكونَ مرفوعاً على البدليةِ مِنْ " مَوْلَى " الأول، ويكونُ " يُغْني " بمعنى يَنْفَعُ، قاله الحوفي. الرابع: أنه مرفوعُ المحلِّ أيضاً على البدلِ مِنْ واو " يُنْصَرُون " أي: لا يمنعُ من العذابِ إلاَّ مَنْ رحمه الله.

    وقال ابن عاشور

    فالاستثناء بالنسبة إلى الثلاثة استثناء متصل، أي إلا من رحمه الله من الموالي، أي فإنه يأذن أن يُشْفَع فيه، ويأذَن للشافع بأن يَشْفَعَ كما قال تعالى:
    { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذِن له }
    [سبإ: 23] وقال:
    { ولا يَشْفعون إلا لمن ارتضى }
    [الأنبياء: 28]. وفي حديث الشفاعة أنه يقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم " سَلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشَفَّع ". والشفاعة: إغناء عن المشفوع فيه. والشفعاء يومئذٍ أولياء للمؤمنين فإن من الشفعاء الملائكَة وقد حكى الله عنهم قولهم للمؤمنين
    { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة }
    [فصلت: 31].

    وقيل هو استثناء منقطع لأن من رحمه الله ليس داخلاً في شيء قبله مما يدل على أهل المحشر، والمعنى: لكن من رحمه الله لا يحتاج إلى من يُغني عنه أو ينصره وهذا قول الكسائي والفراء.

  4. #94
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ }

    قال السمين

    قوله: { لاَ يَذُوقُونَ }: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في " آمِنين " ، وأَنْ يكونَ حالاً ثالثةً أو ثانيةً مِنْ مفعولِ " زَوَّجْناهم " و " آمنين " حالٌ مِنْ فاعلِ " يَدْعُون " كما تقدَّمَ، أو صفةٌ لـ " آمِنين " أو مستأنفٌ. وقرأ عمرو بن عبيد " لا يُذاقون " مبنياً للمفعول.

    قوله: { إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى } فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه منقطعٌ أي: لكنْ الموتةُ الأولى قد ذاقُوها. الثاني: أنه متصلٌ وتَأَوَّلوه: بأنَّ المؤمنَ عند موتِه في الدنيا بمنزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطاه منها، أو لِما يَتَيَقَّنُه مِنْ نعيمِها. الثالث: أنَّ " إلاَّ " بمعنى سِوى نقله الطبريُّ وضَعَّفَه. قال ابن عطية: " وليس تَضْعيفُه بصحيحٍ، بل هو كونُها بمعنى سِوى مستقيمٌ مُتَّسِقٌ ". الرابع: أن " إلاَّ " بمعنى بَعْد. واختاره الطبريُّ، وأباه الجمهورُ؛ لأنَّ " إلاَّ " بمعنى بعد لم يَثْبُتْ. وقال الزمخشري: " فإنْ قلت: كيف اسْتُثْنِيَتِ الموتةُ الأُولى المَذُوْقَةُ قبلَ دخول الجنةِ مِنَ الموتِ المنفيِّ ذَوْقُه؟ قلت: أُريدَ أَنْ يُقالَ: لا يَذُوْقون فيها الموتَ البتةَ، فوضع قولَه { إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى } مَوْضِعَ ذلك؛ لأنَّ الموتَةَ الماضيةَ مُحالٌ ذَوْقُها في المستقبل فهو من بابِ التعليقِ بالمُحال: كأنَّه قيل: إنْ كانت الموتةُ الاُولى يَسْتقيم ذَوْقُها في المستقبلِ؛ فإنَّهم يَذْوْقونها في الجنة ". قلت: وهذا عند علماءِ البيانِ يُسَمَّى نَفْيَ الشيء بدليلِه. ومثلُه قول النابغةِ:
    4022 ـ لا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ بهنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ
    يعني: إنْ كان أحدٌ يَعُدُّ فُلولَ السيوفِ مِنْ قِراع الكتائب عَيْباً فهذا عيبُهم، لكنَّ عَدَّهُ من العيوبِ مُحالٌ، فانتفى عنهم العيبُ بدليل تعلُّقِ الأمرِ على مُحال. وقال ابن عطية بعد ما قَدَّمْتُ حكايَته عن الطبريِّ: فَبيَّنَ أنه نَفَى عنهم ذَوْقَ الموتِ، وأنه لا ينالُهم من ذلك غيرُ ما تقدَّم في الدنيا ". يعني أنه كلامٌ محمولٌ على معناه.

    وقال الرازي

    السؤال الأول: أنهم ما ذاقوا الموتة الأولى في الجنة فكيف حسن هذا الاستثناء؟ وأجيب عنه من وجوه الأول: قال صاحب «الكشاف» أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت ألبتة فوضع قوله { إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى } موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يمكن ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها الثاني: أن إلا بمعنى لكن والتقدير لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها والثالث: أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ومحبته، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضاً في الجنة، وإذا كان الأمر كذلك فقد وقعت الموتة الأولى حين كان الإنسان في الجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة بالله والمحبة، فذكر هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقية هي حصول هذه الحالة لا الدار التي هي دار الأكل والشرب، ولهذا السبب قال عليه السلام: " أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار " والرابع: أن من جرب شيئاً ووقف عليه صح أن يقال إنه ذاقه، وإذا صح أن يسمى العلم بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق فقوله { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} يعني إلا الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى.

    وقال ابن الجوي في زاده

    قوله تعالى: { إِلاّ المَوْتَةَ الأُولى } فيه ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنها بمعنى " سوى " ، فتقدير الكلام: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا؛ ومثله:
    { ولا تَنْكِحوا ما نَكَحَ أباؤكم من النّساء إِلاّ ما قد سَلَف }
    [النساء: 22] وقوله:
    { خالدين فيها ما دامتِ السمواتُ والأرضُ إِلاّ ما شاءَ ربُّكَ }
    [هود: 107] أي: سوى ما شاء لهم ربُّك من الزيادة على مقدار الدنيا، هذا قول الفراء، والزجاج.

    والثاني: أن السُّعداء حين يموتون يصيرون إِلى الرَّوح والرَّيحان. وأسباب من الجنة يَرَوْنَ منازلهم منها، وإِذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة، لا تصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إيّاها، قاله ابن قتيبة.

    والثالث: أن { إلاّ } بمعنى " بَعْد " ، كما ذكرنا في أحد الوجوه في قوله:
    { إلاّ ما قد سَلَفَ }
    [النساء: 22]، وهذا قول ابن جرير.

  5. #95
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة الفتح

    الجوهرة الثانية بعد المائة

    { لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّوءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً }

    قال ابن الجوزي في زاده

    وفي قوله: { إِنْ شاء اللهُ } ستة أقوال.

    أحدها: أن " إن " بمعنى " إذ " ، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة.

    والثاني: أنه استثناء من الله، وقد عَلِمه، والخَلْق يستثنون فيما لا يَعْلَمون، قاله ثعلب؛ فعلى هذا يكون المعنى أنه عَلِم أنهم سيدخُلونه، ولكن استثنى على ما أُمر الخَلْق به من الاستثناء.

    والثالث: أن المعنى: لتدخُلُنَّ المسجد الحرام إِن أمركم اللهُ به، قاله الزجاج.

    والرابع: أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم، لأنه عَلِم أن بعضهم يموت، حكاه الماوردي.

    والخامس: أنه على وجه الحكاية لِما رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المنام أن قائلاً يقول { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شاء الله آمنين } ، حكاه القاضي أبو يعلى.

    والسادس: أنه يعود إِلى الأمن والخوف، فأمّا الدُّخول، فلا شَكَّ فيه، حكاه الثعلبي.

    وقال الالوسي

    وقال أبو عبيدة وقوم من النحاة: { إِن } بمعنى إذ وجعلوا من ذلك قوله تعالى:
    { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }
    [آل عمران: 139] وقوله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور: " أنتم السابقون وإِنّا إن شاء الله بكم لاحقون " والبصريون لا يرتضون ذلك.

    ملحوظة

    راجع ماذكرناه فى قوله تعالي

    وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ

  6. #96
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة النجم

    الجوهرة الثالثة بعد المائة

    { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ اللَّمَمَ } فيه أوجه، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنَّ اللَّمَمَ الصغائرُ، فلم تندرِجْ فيما قبلَها، قاله جماعةٌ وهو المشهور. الثاني: أنه صفةٌ و " إلاَّ " بمنزلة " غير " كقولِه:
    { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ }
    [الأنبياء: 22] أي: كبائرَ الإِثم والفواحش غيرِ اللمم. الثالث: أنه متصلٌ وهذا عند مَنْ يُفَسِّر اللممَ بغير الصغائرِ، والخلاف مذكور في التفسير. وأصلُ اللَّمَم: ما قَلَّ وصَغُر

    وقال ابن كثير

    وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب، ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به.

    وقال الرازي

    المسألة الخامسة: في اللمم وفيه أقوال: أحدها: ما يقصده المؤمن ولا يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه وثانيها: ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال وهو من اللمم الذي هو مس من الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى:
    { وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ }
    [آل عمران: 135] ثالثها: اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولاً من غير لبث طويل، ويقال: ألم بالطعام إذا قلل من أكله، وعلى هذا فقوله: { إِلاَّ ٱللَّمَمَ } يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذ فيه وجهان: أحدهما: استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش وثانيهما: غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب الله تعالى وما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة وفاحشة، ولهذا قال الله تعالى:
    { وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً }
    [الأعراف: 28] غير أن الله تعالى استثنى منها أموراً يقال: الفواحش كل معصية إلا ما استثناه الله تعالى منها ووعدنا بالعفو عنه ثانيها: { إِلا } بمعنى غير وتقديره والفواحش غير اللمم وهذا للوصف إن كان للتمييز كما يقال: الرجال غير أولي الإربة فاللمم عين الفاحشة، وإن كان لغيره كما يقال الرجال غير النساء جاؤوني لتأكيد وبيان فلا وثالثها: هو استثناء من الفعل الذي يدل عليه قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ } لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربونه فكأنه قال: لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللمم.

    وقال القرطبي

    ثم ٱستثنى ٱستثناءً منقطعاً وهي: المسألة الثانية: فقال: { إِلاَّ ٱللَّمَمَ } وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد ٱختلف في معناها فقال أبو هريرة وٱبن عباس والشعبي: «اللَّمَمُ» كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان: " أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار كان له حانوت يبيع فيه تمراً فجاءته امرأة تشتري منه تمراً فقال لها: إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وٱنصرفت فندم نبهان فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع فقال: «لعل زوجها غازٍ» " فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر «هود» وكذا قال ٱبن مسعود وأبو سعيد الخُدري وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرِّجلين المشي، وإنما يصدِّق ذلك أو يكذِّبه الفرج فإن تقدّم كان زنًى وإن تأخر كان لمَمَاً. وفي صحيح البخاري ومسلم عن ٱبن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه "

    والمعنى: أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحدّ في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيرهُ له حظٌّ من الإثم. والله أعلم. وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " كُتِب على ٱبن آدم نصيبه من الزنى مُدْركٌ لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرِّجل زناها الخُطَا والقلب يَهْوَى ويتمنى ويصدِّق ذلك الفرج ويكذِّبه " خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ٱبن عباس فذكر فيه الأُذن واليد والرِّجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: «وزنى الشفتين القُبلة». فهذا قول. وقال ٱبن عباس أيضاً: هو الرجل يُلِمُّ بذنب ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول:
    إن يَغفر اللَّهُ يغفر جَمّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألَمَّا
    رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ٱبن عباس. قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسناداً. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ٱبن عباس في قول الله عز وجل «إِلاَّ اللَّمَمَ» قال: هو أن يلمّ العبد بالذنب ثم لا يعاوده قال الشاعر:
    إن تَغفِرِ اللهم تغفر جَمَّا وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلَمَّا
    وكذا قال مجاهد والحسن: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال: اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى:{ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } [آل عمران: 135] الآية. ثم قال:{ أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } [آل عمران: 136] فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب اللمم: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ } فعلى هذا التأويل يكون { إِلاَّ ٱللَّمَمَ } ٱستثناء متصل. .....

  7. #97
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة القمر

    الجوهرة الرابعة بعد المائة

    { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ آلَ لُوطٍ }: فيه وجهان، أحدهما: أنه مُتصلٌ ويكون المعنى: أنه أرسل الحاصِبَ على الجميع إلاَّ أهلَه فإنه لم يرسِلْ عليهم. والثاني: أنه منقطعٌ، ولا أدري ما وجهُه؟ فإنَّ الانقطاعَ وعدمَه عبارةٌ عن عدم دخولِ المستثنى في المستثنى منه، وهذا داخلٌ ليس إلا. وقال أبو البقاء: " هو استثناءٌ منقطعٌ. وقيل: متصلٌ، لأنَّ الجميع أُرْسِلَ عليهم الحاصبُ فهَلَكوا إلاَّ آل لوطٍ. وعلى الوجهِ الأولِ يكون الحاصِبُ لم يُرْسَلْ على آلِ لوطٍ " انتهى. وهو كلامٌ مُشْكِلٌ

    وقال الرازي

    المسألة الرابعة: { إِلا ءالَ لُوطٍ } استثناء مماذا؟ إن كان من الذين قال فيهم: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـظ°صِباً } فالضمير في عليهم عائد إلى قوم لوط وهم الذين قال فيهم: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } ثم قال: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } لكن لم يستثن عند قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } وآله من قومه فيكون آله قد كذبوا ولم يكن كذلك؟ الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الاستثناء ممن عاد إليهم الضمير في عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } لا يوجب كون آله مكذبين، لأن قول القائل: عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير، فإن قيل: ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } يصح وإن نجا منهم طائفة يسيرة نقول: الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب وإنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصوداً، وحيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصوداً لا يجوز التعميم والإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله:
    { فَسَجَدَ الْمَلَـائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ }
    [الحجر: 30، 31] استثنى الواحد لأنه كان مقصوداً، وقال تعالى:
    { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء }
    [النمل: 23] ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت، لا بيان أنها ما أوتيت، وفي حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا، وأما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني: أن الاستثناء من كلام مدلول عليه، كأنه قال: إنا أرسلنا عليهم حاصباً فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عاماً كما في قوله تعالى:
    { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً }
    [الأنفال: 25] فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصوداً ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ودوابهم ومساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط.

    فإن قيل إذا لم يكن الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمر عام فيجب أن يكون لوط أيضاً مستثنى؟ نقول: هو مستثنى عقلاً لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه وإنجاء أتباعه والذي يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة:
    { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ }
    [العنكبوت: 32] في جوابهم لإبراهيم عليه السلام حيث قال:
    { إِنَّ فِيهَا لُوطاً }
    [العنكبوت: 32] فإن قيل قوله في سورة الحجر:
    { إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ }
    [الحجر: 59] استثناء من المجرمين وآل لوط لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم؟ والجواب مثل ما ذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون وإن كان فيهم من لم يجرم ثانيهما: إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط،

  8. #98
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة الواقعة

    الجوهرة الخامسة بعد المائة

    { إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ قِيلاً }: فيه قولان، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ وهذا واضحٌ؛ لأنه لم يندَرِجْ تحت اللَّغْو والتأثيم. والثاني: أنه متصلٌ وفيه بُعْدٌ، وكأن هذا رأى أن الأصلَ لا يَسْمعون فيها كلاماً فاندرَج عنده فيه. وقال مكي: " وقيل: منصوبٌ بيَسْمعون " وكأنه أرادَ هذا القول.

    قوله: { سَلاَماً سَلاَماً } فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ مِنْ " قيلاً " أي: لا يسمعُون فيها إلاَّ سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعتٌ لقِيلا. الثالث: أنه منصوبٌ بنفس " قيلاً " أي: إلاَّ أَنْ يقولوا: سلاماً سلاماً، هو قولُ الزجَّاج. الرابع: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، ذلك الفعلُ مَحْكِيٌّ بـ " قيلاً " تقديره: إلاَّ قيلاً اسْلَموا سَلاماً.

    وقُرىء " سَلامٌ " بالرفع قال الزمخشري: " على الحكاية ". قال مكي: " ويجوزُ في الكلام الرفعُ على معنى: سلامٌ عليكم، ابتداءٌ وخبرٌ " وكأنه لم يَعْرِفْها قراءةً

  9. #99
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    الجوهرة السادسة بعد المائة

    سورة الحديد

    { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } فيه أوجه، أحدها: أنه استثناء متصلٌ ممَّا هو مفعولٌ من أجلِه. والمعنى: ما كَتَبْناها عليهم لشيءٍ من الأشياءِ إلاَّ لابتغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ، ويكون " كتب " بمعنى قضى، فصار: كَتَبْناها عليهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وهذا قولُ مجاهد. والثاني: أنه منقطعٌ. قال الزمخشري: ـ ولم يذكُرْ غيرَه ـ، أي: ولكنهم ابْتَدعوها. وإلى هذا ذهبَ قتادةُ وجماعةٌ، قالوا: معناه لم يَفْرِضْها عليهم ولكنهم ابتدعوها. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في " كَتَبْنَاها " قاله مكيُّ وهو مُشْكِلٌ: كيف يكونُ بدلاً، وليس هو الأولَ ولا بعضَه ولا مشتملاً عليه؟ وقد يُقال: إنه بدلُ اشتمالٍ، لأن الرهبانيةَ الخالصةَ المَرْعِيَّةَ حَقَّ الرِّعاية قد يكون فيها ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، ويصير نظيرَ قولِك " الجاريةُ ما أحببتها إلاَّ أدبَها " فإلاَّ أدبَها بدلٌ من الضمير في " أَحْبَبْتُها " بدلُ اشتمالٍ، وهذا نهايةُ التمحُّلِ لصحةِ هذا القولِ واللَّهُ أعلمُ.

    وقال الالوسي

    إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوانِ اللَّهِ } استثناء منقطع أي ما فرضناها نحن عليهم رأساً ولكن ابتدعوها وألزموا أنفسهم بها ابتغاء رضوان الله تعالى، وقوله تعالى: { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } أي ما حافظوا عليها حق المحافظة، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر وهو عهد مع الله تعالى يجب رعايته لا سيما إذا قصد به رضاه عز وجل. واستدل بذلك على أن من اعتاد تطوعاً كره له تركه، وجوز أن يكون قوله تعالى: { مَا كَتَبْنَـاهَا } الخ صفة أخرى لرهبانية والنفي متوجه إلى قيد الفعل لا نفسه كما في الوجه الأول، وقوله سبحانه: { إِلاَّ ابْتِغَاء } الخ استثناء متصل من أعم العلل أي ما قضيناها عليهم بأن جعلناهم يبتدعونها لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله تعالى ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها فما رعوها كذلك والوجه الأول مروي عن قتادة وجماعة، وهذا مروي عن مجاهد ولا مخالفة عليه بين { ابتَدَعُوهَا } و { مَا كَتَبْنَـاهَا عَلَيْهِمْ } الخ حيث إن الأول يقتضي أنهم لم يؤمروا بها أصلاً والثاني يقتضي أنهم أمروا بها لابتغاء رضوان الله تعالى لما أشرنا إليه من معنى { مَا كَتَبْنَـاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء } الخ، ودفع بعضهم المخالفة بأن يقال: الأمر وقع بعد ابتداعها أو يؤل ابتدعوها بأنهم أول من فعلها بعد الأمر ويؤيد ما ذكره في الدفع أولاً ما أخرجه أبو داود وأبو يعلى والضياء عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

    لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ما ابتدعوها ما كتبناها عليهم " يعني الآية.

    والظاهر أن ضمير { فَمَا رَعَوْهَا } لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية، والمراد نفي وقوع الرعاية من كلهم على أن المعنى فما رعاها كلهم بل بعضهم، وليس المراد بالموصول فيما سبق أشخاصاً بأعيانهم بل المراد به ما يعم النصارى إلى زمان الإسلام ولا يضر في ذلك أن أصل الابتداع كان من قوم مخصوصين لأن إسناده على نحو الإسناد في ـ بنو تميم قتلوا زيداً ـ والقاتل بعضهم. وقال الضحاك وغيره: الضمير في { فَمَا رَعَوْهَا } للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين، والأول أوفق بالصناعة.


    وقال ابن الجوزي في زاده

    وفي قوله تعالى: { إلا ابتغاء رضوان الله } قولان.

    أحدهما: أنه يرجع إلى قوله تعالى: «ابتدعوها»، وتقديره: ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، ذكره علي بن عيسى، والرماني عن قتادة، وزيد بن أسلم.

    والثاني: أنه راجع إلى قوله تعالى: «ما كتبناها» ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: ما كتبناها عليهم بعد دخولهم فيها تطوعاً إلا ابتغاء رضوان الله. قال الحسن: تطوَّعوا بابتداعها ثم كتبها الله عليهم. وقال الزجاج: لما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع لزمهم إِتمامه، كما أن الإنسان إِذا جعل على نفسه صوماً لم يفترض عليه، لزمه أن يتمَّه. قال القاضي أبو يعلى: والابتداع قد يكون بالقول، وهو ما ينذره ويوجبه على نفسه، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه. وعموم الآية تتضمن الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة، قولاً، أو فعلاً، فعليه رعايتها وإِتمامها.

    والثاني: أن المعنى: ما أمرناهم منها إِلا بما يرضي الله عز وجل، لا غير ذلك، قاله ابن قتيبة.

  10. #100
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    الجوهرة السابعة بعد المائة

    سورة الممتحنه

    { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ } فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه استثناءٌ متصلٌ مِنْ قولِه: " في إبراهيم " ولكنْ لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ ليصِحَّ الكلامُ، تقديرُه: في مقالات إبراهيم/ إلاَّ قولَه كيت وكيت. الثاني: أنه مستثنى مِنْ " أسوةٌ حسنةٌ " وجاز ذلك لأن القولَ أيضاً من جملة الأُسْوة؛ لأن الأسوةَ الاقتداءُ بالشخص في أقوالِه وأفعالِه، فكأنه قيل لكم: فيه أُسْوة في جميع أحوالِه من قَوْلٍ وفِعْلٍ إلاَّ قولَه كذا. وهذا عندي واضحٌ غيرُ مُحْوِجٍ إلى تقديرِ مضافٍ وغيرُ مُخْرِجِ الاستثناءِ من الاتصالِ الذي هو أصلُه إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكُر الزمخشريُّ غيرَه قال: " فإنْ قلتَ مِمَّ استثنى قَولَه: { إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ }؟ قلت مِنْ قولِه: " أُسْوَةٌ حسنةٌ " لأنه أرادَ بالأُسوةِ الحسنةِ قولهم الذي حَقَّ عليهم أَنْ يَأْتَسُوا به ويتخذوه سنةً يَسْتَنُّون بها.

    فإنْ قلت: فإنْ كانَ قولُه: " لأستغفرَنَّ لك " مستثنى من القولِ الذي هو أُسْوَةٌ حسنةٌ فما بالُ قولِه: { وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ } ، وهو غيرُ حقيقٍ بالاستثناء. ألا ترى إلى قولِه:
    { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً }
    [الفتح: 11] قلت: أرادَ استثناءَ جملةِ قولِه لأبيه، والقصدُ إلى موعدِ الاستغفارِ له وما بعده مبنيٌّ عليه وتابعٌ له. كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلاَّ الاستغفارُ ". الثالث: قال ابن عطية: " ويحتمل أن يكون الاستثناءُ من التبرُّؤِ والقطيعة التي ذُكِرت أي: لم تُبْقِ صلةً إلاَّ كذا ". الرابع: أنه استثناءٌ منقطع أي: لكنْ قولُ إبراهيم. وهذا بناءً مِنْ قائليه على أنَّ القولَ لم يَنْدَرِجْ تحت قولِه: " أُسْوة " وهو ممنوعٌ.

  11. #101
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة الجن

    الجوهرة الثامنة بعد المائة

    { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَـالَـاتِهِ } ذكروا في هذا الاستثناء وجوهاً أحدها: أنه استثناء من قوله:
    { لا أَمْلِكُ }
    [الجن: 21] أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله، وقوله:
    { قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى }
    [الجن: 22] جملة معترضة وقعت في البين لتأكيد نفي الاستطاعة عنه وبيان عجزه على معنى: أنه تعالى إن أراد به سوءاً لم يقدر أحد أن يجيره منه، وهذا قول الفراء. وثانيها: وهو قول الزجاج: أنه نصب على البدل من قوله:
    { مُلْتَحَدًا }
    [الجن: 22] والمعنى: ولن أجد من دونه ملجأ إلا بلاغاً، أي لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، وأقول هذا الاستثناء منقطع لأنه تعالى لما لم يقل ولن أجد ملتحداً بل قال: { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } ، والبلاغ من الله لا يكون داخلاً تحت قوله: { مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } لأن البلاغ من الله لا يكون من دون الله، بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه ثالثها: قال بعضهم: (إلا) معناه إن (لا) ومعناه: إن لا أبلغ بلاغاً كقولك: (إلا) قياماً فقعوداً، والمعنى: إن لا أبلغ لم أجد ملتحداً، فإن قيل: المشهور أنه يقال بلغ عنه قال عليه السلام: " بلغوا عني، بلغوا عني " فلم قال ههنا: { بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ }؟ قلنا: (من) ليست (بصفة للتبلغ) إنما هي بمنزلة (من) في قوله:
    { بَرَاءةٌ مّنَ اللَّهِ }
    [التوبة:1] بمعنى بلاغاً كائناً من الله. أما قوله تعالى: { وَرِسَـالَـاتِهِ } فهو عطف على { بَلاَغاً } كأنه قال: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، والمعنى إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا ناسباً القول إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان.


    وقال السمين

    قوله: { إِلاَّ بَلاَغاً }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه استثناءٌ منقطعٌ. أي: لكنْ إنْ بَلَّغْتُ عن اللَّهِ رَحِمني؛ لأنَّ البلاغَ من الله لا يكونُ داخلاً تحت قولِه: { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } ، لأنه لا يكونُ مِنْ دونِ اللَّهِ، بل يكونُ من اللَّهِ وبإعانتِه وتوفيقِه. الثاني: أنه متصلٌ. وتأويلُه: أنَّ الإِجارةَ مستعارةٌ للبلاغِ، إذ هو سببُها، وسببُ رحمتِه تعالى، والمعنى: لن أجِدَ سبباً أميلُ إليه وأعتصمُ به، إلاَّ أَنْ أُبَلِّغَ وأُطيعَ، فيُجيرَني. وإذا كان متصلاً جاز نصبُه من وجهين، أحدهما: وهو الأرجح أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ " مُلْتحداً "؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ. والثاني: أنه منصوبٌ على الاستثناءِ، وإلى البدليةِ ذهب أبو إسحاق. الثالث: أنه مستثنى مِنْ قولِه: { لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً } قال قتادة: أي لا أَمْلِكُ لكم إلاَّ بلاغاً إليكم.

    وقرَّره الزمخشريُّ فقال: " أي: لا أَمْلِكُ إلاَّ بلاغاً من اللَّهِ، و { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي } جملةٌ معترضةٌ اعترضَ بها لتأكيدِ نَفْيِ الاستطاعة ". قال الشيخ: " وفيه بُعْدٌ لطولِ الفَصْلِ بينهما ". قلت: وأين الطولُ وقد وقع الفَصْلُ بأكثرَ مِنْ هذا؟ وعلى هذا فالاستثناءُ منقطعٌ. الرابع: أنَّ الكلامَ ليس استثناءً بل شرطاً. والأصل: إنْ لا فأدغم فـ " إنْ " شرطيةٌ، وفعلُها محذوفٌ لدلالةِ مصدرِه والكلامِ الأولِ عليه، و " لا " نافيةٌ والتقدير: إن لا أُبَلِّغْ بلاغاً من اللَّهِ فلن يُجيرَني منه أحدٌ. وجَعَلوا هذا كقولِ الشاعر:
    4360ـ فطَلِّقْها فَلَسْتَ لها بكُفْءٍ وإلاَّ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
    أي: وإنْ لا تُطَلِّقْها يَعْلُ، حَذَفَ الشرطَ وأبقى الجوابَ. وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ من وجهَيْن، أحدهما: أنَّ حَذْفَ الشرطِ دونَ أداتِه قليلٌ جداً. والثاني: أنَّه حُذِفَ الجزآن معاً أعني الشرطَ والجزاءَ، فيكونُ كقولِه:
    4361ـ قالَتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ كان فقيراً مُعْدَماً قالت: وإِنْ
    أي: قالَتْ: وإنْ كان فقيراً فقد رَضِيْتُه. وقد يُقال: إنَّ الجوابَ إمَّا مذكورٌ عند من يرى جوازَ تقديمِه، وإمَّا في قوةِ المنطوق به لدلالةِ ما قبلَه عليه.

    وقال ابن الجوزي في زاده

    إلا بلاغاً من الله } فيه وجهان، ذكرهما الفراء.

    أحدهما: أنه استثناء من قوله تعالى { لا أملك لكم ضراً ولا رشداً } إلا أن أبلغكم.

    والثاني: لن يجيرني من الله أحد إِن لم أبلِّغ رسالته. وبالأول قال ابن السائب. وبالثاني: قال مقاتل. وقال بعضهم: المعنى: لن يجيرني من عذاب الله إلا أن أبلّغ عن الله ما أُرسِلْتُ، فذلك البلاغ هو الذي يجيرني { ومن يعص الله ورسوله } بترك الإيمان والتوحيد.

    وقال القرطبي

    { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } أي ملتجأً ألجأ إليه قاله قتادة. وعنه: نصيراً ومولىً. السُّديّ: حِرزاً. الكَلْبي: مَدْخلاً في الأرض مثل السَّرَب. وقيل: وليًّا ولا مولَى. وقيل مذهباً ولا مسلكاً. حكاه ابن شجرة، والمعنى واحد ومنه قول الشاعر:
    يا لَهْفَ نفسي ولَهْفِي غيرُ مجِديةٍ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ
    { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ } فإن فيه الأمان والنجاة قاله الحسن. وقال قتادة: { إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ } فذلك الذي أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما. فعلى هذا يكون مردوداً إلى قوله تعالى: { قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } أي لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. وقيل: هو استثناء منقطع من قوله: { لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } أي إِلا أن أبلغكم أي لكن أبلغكم ما أرسلت به قاله الفراء. وقال الزجاج: هو منصوب على البدل من قوله: «مُلْتَحَداً» أي { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } إلا أن أبلغ ما يأتيني من الله ورسالاته أي ومن رسالاته التي أمرني بتبليغها. أو إلا أن أبلغ عن الله وأعمل برسالته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري. وقيل هو مصدر، و«لا» بمعنى لم، و«إن» للشرط. والمعنى لن أجد من دونه ملتحداً: أي إن لم أبلغ رسالات ربي بلاغا.

    انتهي

    { إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى }: يجوزُ أَنْ يكونَ منقطعاً أي: لكن مَنْ ارتضاه فإنه يُظْهِرُه على ما يشاءُ مِنْ غَيْبِه بالوَحْيِ. وقولُه: " مِنْ رسولٍ " بيانٌ للمُرْتَضِيْنَ.

    وقوله: { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ } بيانٌ لذلك. وقيل: هو متصلٌ

  12. #102
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة المزمل

    الجوهرة التاسعة بعد المائة

    { نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ }: للناس في هذا كلامٌ كثيرٌ، واستدلالٌ على جوازِ استثناءِ الأكثرِ والنصفِ، واعتراضاتٌ وأجوبةٌ عنها. وها أنا أذكرُ ذلك مُحَرِّراً له بعون اللهِ تعالى.

    اعلم أنَّ في هذه الآيةِ ثمانيةَ أوجهٍ أحدُها: أنَّ " نصفَه " بدلٌ من " الليلَ " بدلُ بعضٍ من كلٍ. و " إلاَّ قليلاً " استثناءٌ من النصفِ كأنه قيل: قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ. والضميرُ في " مِنْه " و " عليه " عائدٌ على النصفِ.

    والمعنى: التخييرُ بين أمرَيْنِ: بينَ أَنْ يقومَ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ على البَتِّ، وبين أَنْ يَخْتارَ أحدَ الأمرَيْن، وهما: النُّقْصانُ من النصفِ والزيادةُ عليه، قاله الزمخشريُّ: وقد ناقَشَه الشيخ: بأنه يَلْزَمُه تكرارٌ في اللفظِ؛ إذ يَصير التقديرُ: قُم نِصفَ الليلِ إلاَّ قليلاً مِنْ نِصْفِ الليل، أو انقُصْ مِنْ نصفِ الليل. قال: " وهذا تركيبٌ يُنَزَّهُ القرآنُ عنه ". قلت: الوجهُ فيه إشكالٌ، لا من هذه الحيثية فإنَّ الأمرَ فيها سهلٌ، بل لمعنىً آخرَ [سأَذْكرهُ قريباً إنْ شاء الله].

    وقد جعل أبو البقاءِ هذا الوجهَ مرجوحاً فإنه قال: " والثاني هو بدلٌ مِنْ قليلاً ـ يعني النصف ـ قال: " وهو أَشبهُ بظاهرِ الآية لأنه قال: " أو انقُصْ منه أو زِدْ عليه " ، والهاءُ فيهما للنِّصْفِ. فلو كان الاستثناءُ من النصف لصار التقديرُ: قُم نصفَ الليل إلاَّ قليلاً أو انقُصْ منه قليلاً، والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّر، فالنقصانُ منه لا يُعْقَلُ ". قلت: الجوابُ عنه: أنَّ بعضَهم قد عَيَّنَ هذا القليلَ: فعن الكلبيِّ ومقاتلٍ: هو الثلثُ، فلم يكن القليلُ غيرَ مقدَّرٍ. ثم إنَّ في قولِه تناقضاً لأنه قال: " والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّرٍ، فالنقصانُ منه [لا يُعْقَل " ] فأعاد الضميرَ على القليل، وفي الأولِ أعادَه على النصفِ.

    ولقائلٍ أن يقولَ: قد يَنْقَدحُ هذا الوجهُ بإشكالٍ قويٍّ: وهو أنَّه يَلْزَمُ منه تكرارُ المعنى الواحدِ: وذلك أنَّ قولَه: " قُمْ نِصْف الليلِ إلاَّ قليلاً " بمعنى: انقُصْ مِنْ الليل؛ لأنَّ ذلك القليل هو بمعنى النقصانِ، وأنت إذا قلت: قُمْ نصفَ الليلِ إلاَّ القليلَ مِن النصفِ، وقُمْ نصفَ الليل، أو انقُصْ من النصفِ، وجدتَهما بمعنىً. وفيه دقةٌ فتأمَّلْه، ولم يَذْكُرِ الحوفيُّ غيرَ هذا الوجهِ المتقدِّمِ، فقد عَرَفْتَ ما فيه.

    ومِمَّنْ ذَهَبَ إليه أبو إسحاقَ فإنه قال: " نصفَه " بدلٌ من " الليل " و " إلاَّ قليلاً " استثناءٌ من النصفِ. والضميرُ في " منه " و " عليه " عائدٌ للنصف. المعنى: قُمْ نصفَ الليل أو انقُصْ من النصفِ قليلاً إلى الثلثِ، أو زِدْ عليه قليلاً إلى الثلثِ، أو زِد عليه قليلاً إلى الثلثَيْن، فكأنَّه قال: قُمْ ثلثَيْ الليلِ أو نصفَه أو ثلثَه ".

    قلت: والتقديراتُ التي يُبْرزونها ظاهرةٌ حسنةٌ، إلاَّ أنَّ التركيبَ لا يُساعِدُ عليها، لِما عَرَفْتَ من الإِشكال الذي ذكَرْتُه لك آنفاً.

    الثاني: أَنْ يكونَ " نصفَه " بدلاً مِنْ " قليلاً " ، وإليه ذهب الزمخشريُّ وأبو البقاء وابنُ عطية. قال الزمخشريُّ: " وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " نصفَه " بدلاً مِنْ " قليلاً " ، وكان تخييراً بين ثلاثٍ: بين قيامِ النصفِ بتمامِه، وبين قيامِ الناقصِ منه، وبين قيامِ الزائدِ عليه، وإنما وَصَفَ النصفَ بالقِلَّةِ بالنسبة إلى الكلِّ ". قلت: وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أَشْبَهَ مِنْ جَعْلِه بدلاً من " الليل " كما تقدَّمَ.

    إلاَّ أنَّ الشيخ اعترض هذا فقال: " وإذا كان " نصفَه " بدلاً مِنْ " إلاَّ قليلاً " فالضميرُ في " نصفَه ": إمَّا أَنْ يعودَ على المبدلِ منه أو على المستثنى منه، وهو " الليلَ " ، لا جائِزٌ أَنْ يعودَ على المبدلِ منه؛ لأنه يَصيرُ استثناءَ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ؛ إذ التقديرُ: إلاَّ قليلاً نصفَ القليل، وهذا لا يَصِحُّ له معنىً البتةَ، وإن عاد الضميرُ على الليل فلا فائدةَ في الاستثناءِ من " الليل " ، إذ كان يكونُ أَخْصَرَ وأوضحَ وأَبْعَدَ عن الإِلباس: قُمِ الليلَ نصفَه. وقد أَبْطَلْنا قولَ مَنْ قال: " إلاَّ قليلاً " استثناءٌ من البدلِ، وهو " نصفَه " ، وأنَّ التقديرَ: قُم الليلَ نصفَه إلاَّ قليلاً منه، أي: من النصفِ. وأيضاً: ففي دَعْوى أنَّ " نصفَه " بدلٌ مِنْ " إلاَّ قليلاً " والضميرُ في " نِصفَه " عائدٌ على " الليل " ، إطلاقُ القليلِ على النصفِ، ويَلْزَمُ أيضاً أَنْ يصيرَ التقديرُ: إلاَّ نصفَه فلا تَقُمْه/، أو انقُصْ من النصفِ الذي لا تقومه وهذا معنىً لا يَصِحُّ وليس المرادَ من الآيةِ قطعاً ".

    قلت: نقولُ بجواز عَوْدِه على كلٍ منهما، ولا يَلْزَمُ محذورٌ. أمَّا ما ذكره: مِنْ أنه يكونُ استثناءَ مجهولٍ مِنْ مجهولٍ فممنوعٌ، بل هو استثناءُ معلومٍ من معلومٍ، لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ القليل قَدْرٌ معيَّنٌ وهو الثلثُ، والليل، فليس بمجهولٍ. وأيضاً فاستثناءُ المُبْهَمِ قد وَرَدَ. قال تعالى: { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ } [النساء: 66]. وقال تعالى:
    { فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ }
    [البقرة: 249] وكان حقُّه أَنْ يقولَ: لأنه بدلُ مجهولٍ مِن مجهولٍ. وأمَّا ما ذكره مِنْ أَنَّ أَخْصَرَ منه وأَوْضَحَ كيتَ وكيت: أمَّا الأخْصَرُ فمُسَلَّمٌ. وأمَّا أنه مُلْبِس فممنوعٌ، وإنما عَدَلَ عن اللفظِ الذي ذكَرَه لأنه أَبْلَغ.

    وبهذا الوجهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قال بجوازِ استثناءِ النصفِ والأكثرِ. ووجهُ الدلالةِ على الأولِ: أنَّه جَعَلَ " قليلاً " مستثنى من " الليل " ، ثم فَسَّر ذلك القليلَ بالنصفِ فكأنه قيل: قُمِ الليلَ إلاَّ نصفَه.

    ووَجْهُ الدلالةِ على الثاني: أنَّه عَطَفَ " أو زِدْ عليه " على " انقُصْ منه " فيكونُ قد استثنى الزائدَ على النصفِ؛ لأنَّ الضميرَ في " مِنْه " ، وفي " عليه " عائدٌ على النصفِ. وهو استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الكثرة إنما جاءَتْ بالعطفِ، وهو نظيرُ أَنْ تقول: " له عندي عشرةٌ إلاَّ خمسةً ودرهماً ودرهماً " فالزيادةُ على النصفِ بطريقِ العطفِ لا بطريقِ أن الاستثناءِ أخرجَ الأكثرَ بنفسِه.

    الثالث: أنَّ " نصفَه " بدلٌ من " الليلَ " أيضاً كما تقدَّم في الوجه الأولِ، إلاَّ أنَّ الضميرَ في " منه " و " عليه " عائدٌ على الأقلِّ من النصف. وإليه ذهب الزمخشري فإنه قال: " وإنْ شِئْتَ قلت: لَمَّا كان معنى { قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ } إذا أَبْدَلْتَ النصفَ من " الليل ": قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليل، رَجَعَ الضميرُ في " منه " و " عليه " إلى الأقلِّ من النصفِ، فكأنه قيل: قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ أو قُمْ أنقصَ مِنْ ذلك الأقلِّ أو أزيدَ مِنْه قليلاً، فيكون التخييرُ فيما وراءَ النصفِ بينه وبينَ الثُّلُثِ ".

    الرابع: أَنْ يكونَ " نصفَه " بدلاً مِنْ " قليلاً " كما تقدَّمَ، إلاَّ أنَّك تجعلُ القليلَ الثاني رُبْعَ الليلِ. وقد أوضح الزمخشريُّ هذا أيضاً فقال: " ويجوز إذا أَبْدَلْتَ " نصفَه " مِنْ " قليلاً " وفَسَّرْتَه به أَنْ تجعلَ " قليلاً " الثاني بمعنى نصفِ النصفِ، بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفَه، وتجعلَ المزيدَ على هذا القليل ـ أعني الربعَ ـ نصفَ الربع، كأنه قيل: أو زِدْ عليه قليلاً نصفَه. ويجوزُ أَنْ تجعلَ الزيادةَ لكونِها مُطْلَقَةً تتمَّةَ الثلثِ فيكون تخييراً بين النصفِ والثلثِ والرُّبُع " انتهى. وهذه الأوجهُ التي حَكَيْتُها عن أبي القاسم مِمَّا يَشْهدُ له باتِّساعِ عِلْمِه في كتاب الله. ولَمَّا اتسَعَتْ عبارتُه على الشيخ قال: " وما أوسعَ خيالَ هذا الرجلِ!! فإنه يُجَوِّزُ ما يَقْرُبُ وما يَبْعُدُ ". قلت: وما ضَرَّ الشيخَ لو قال: وما أوسعَ عِلْمَ هذا الرجلِ!!.

    الخامس: أَنْ يكونَ " إلاَّ قليلاً " استثناءً مِنْ القيامِ، فتجعلَ الليلَ اسم جنسٍ ثم قال: " إلاَّ قليلاً " أي: إلاَّ اللياليَ التي تترُكُ قيامَها عند العُذْرِ البيِّن ونحوِه: وهذا النَّظر يَحْسُنُ مع القولِ بالنَّدْبِ، قاله ابنُ عطية، احتمالاً مِنْ عندِه. وفي عبارته: " التي تُخِلُّ بقيامِها " فأَبْدَلْتُها: " التي تَتْرُكُ قيامَها ". وفي الجملة فهذا خلافُ الظاهرِ، وتأويلٌ بعيدٌ.

    السادس: قال الأخفش: " إنَّ الأصل: قُم الليلَ إلاَّ قليلاً أو نصفَه، قال: " كقولك: أَعْطِه درهماً درهَمْين ثلاثةً ".

    أي: أو درهمَيْن أو ثلاثةً ". وهذا ضعيفٌ جداً؛ لأن فيه حَذْفَ حرفِ العطفِ، وهو ممنوعٌ لم يَرِدْ منه إلاَّ شَيْءٌ شاذٌّ يمكن تأويلُه كقولِهم: " أكلْتُ لحماً سَمَكاً تَمْراً ". وقول الآخر:
    4364ـ كيف أَصْبَحْتَ كيف أَمْسَيْتَ مِمَّا يَزْرَعُ الوُدَّ في فؤادِ الكريم
    أي: لحماً وسمكاً وتمراً، وكذا كيف أصبَحْتَ وكيف أمسَيْتَ. وقد خَرَّجَ الناس هذا على بَدَلِ البَداء.

    السابع: قال التبريزيُّ: " الأمرُ بالقيام والتخييرُ في الزيادةِ والنقصان، وقعَ على الثلثَيْن مِنْ آخرِ الليلِ؛ لأنَّ الثلثَ الأولَ وقتُ العَتَمَةِ، والاستثناءُ واردٌ على المأمورِ به، فكأنه قال: قُمْ ثُلُثي الليلِ إلاَّ قليلاً، أي: ما دونَ نصفِه، أو زِدْ عليه، أي: على الثلثَيْنِ، فكان التخيير في الزيادةِ والنقصانِ واقعاً على الثلثَيْن " وهو كلامٌ غريبٌ لا يَظْهَرُ من هذا التركيبِ.

    الثامن: أنَّ " نصفَه " منصوبٌ على إضمارِ فِعْلٍ/، أي: قُمْ نصفَه، حكاه مكيٌّ عن غيرِه، فإنَّه قال: " نصفَه بدلٌ من " الليل " وقيل: انتصبَ على إضمارِ: قُمْ نصفَه ". قلت: وهذا في التحقيقِ هو وجهُ البدلِ الذي ذكرَه أولاً؛ لأنَّ البدلَ على نيةِ تَكْرارِ العاملِ.


    وقال الرازي

    اعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير هذه الآية وعندي فيه وجهان ملخصان

    الأول: أن المراد بقوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } الثلث، والدليل عليه قوله تعالى في آخر هذه السورة:
    { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ }
    [المزمل: 20] فهذه الآية دلت على أن أكثر المقادير الواجبة الثلثان، فهذا يدل على أن نوم الثلث جائز، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد في قوله: { قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } هو الثلث، فإذاً قوله: { قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } معناه قم ثلثي الليل ثم قال: { نّصْفَهُ } والمعنى أو قم نصفه، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس ذا أو ذا أيهما شئت، فتحذف واو العطف فتقدير الآية: قم الثلثين أو قم النصف أو انقص من النصف أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، ويكون الثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه يكون مندوباً، فإن قيل: فعلى هذا التأويل يلزمكم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الواجب، لأنه تعالى قال: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } فمن قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف، وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان عليه السلام تاركاً للواجب، قلنا: إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد، فربما أخطأوا في ذلك الاجتهاد ونقصوا منه شيئاً قليلاً فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء عند الله، ولذلك قال تعالى لهم:
    { عِلْمٍ أَلَّن تُحْصُوهُ }
    [المزمل: 20]،

    الوجه الثاني: أن يكون قوله: { نّصْفَهُ } تفسيراً لقوله: { قَلِيلاً } وهذا التفسير جائز لوجهين الأول: أن نصف الشيء قليل بالنسبة إلى كله والثاني: أن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل منه، وإذا ثبت هذا فنقول: { قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } معناه قم الليل إلا نصفه، فيكون الحاصل: قم نصف الليل، ثم قال: { أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً } يعني أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع، ثم قال: { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } يعني أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه، وحينئذ يرجع حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف، وبين أن يقوم ربع الليل، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لا بد منه هو قيام الربع، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله:

    { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ }
    [المزمل: 20] يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات، فزال السؤال المذكور، والله أعلم

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ } هذه الآية تفسير لقوله تعالى: { قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } كما تقدّم، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدّم. «تَقُومُ» معناه تصلّي و { أَدْنَىٰ } أي أقلّ. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع وأبو حَيْوة وهشام عن أهل الشام { ثُلُثَيِ } بإسكان اللام. { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالخفض قراءة العامة عطفاً على «ثُلُثَيِ» المعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم كقوله تعالى: { عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ } فكيف يقومون نصفه أو ثلثه وهم لا يحصونه. وقرأ ٱبن كثير والكوفيون «ونِصْفَهُ وَثُلُثَه» بالنصب عطفاً على «أَدْنَى» التقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وثلثَه. قال الفراء: وهو أشبه بالصواب لأنه قال أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القِلّة لا أقلّ من القلّة. القُشَيْري: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل أنهم أُمروا بقيام نصف الليل، ورُخّص لهم في الزيادة والنقصان، فكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى الثلث. ويحتمل أنهم قدّر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نُسخ عنهم. وقال قوم: إنما ٱفترض الله عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. وهذا القول تحكُّم

  13. #103
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    سورة المدثر

    الجوهرة العاشرة بعد المائة

    { إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ }: فيه وجهان، أحدُهما: أنها استثناءٌ متصلٌ؛ إذ المرادُ بهم المسلمون الخالِصون الصالحون. والثاني: أنه منقطعٌ؛ إذ المرادُ بهم الأطفالُ أو الملائكةُ

    سورة النبأ

    { إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً }

    قوله: { إِلاَّ حَمِيماً }: يجوزُ أَنْ يكونَ استثناءً متصلاً من قولِه " شَراباً " وهذا واضِحٌ. والثاني: أنَّه منقطعٌ. قال الزمخشري: " يعني لا يذُوقون فيها بَرْداً ولا رَوْحاً يُنَفِس عنهم حَرَّ النارِ، ولا شَراباً يُسَكِّن مِنْ عَطَشِهم، ولكنْ يَذُوقون فيها حميماً وغَسَّاقاً ".

    قلت: ومكيٌّ لَمَّا جَعَله منقطعاً جعل البَرْدَ عبارةً عن النومِ، قال: " فإن جَعَلْتَه النومَ كان " حميماً " استثاءً ليس من الأول ". وإنما الذي حَمَلَ الزمخشريُّ على الانقطاع مع صِدْقِ اسم الشرابِ على الحميمِ والغَسَّاقِ وَصْفُه له بقولِه " ولا شَراباً يُسَكِّنُ مِنْ عَطَشِهم " فبهذا القَيْدِ صار الحميمُ ليس من جنسِ هذا الشراب. وإطلاقُ البَرْدِ على النوم لغةُ هُذَيْلٍ. وأنشد:
    4470ـ فإن شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سواكمُ وإنْ شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْداً
    وفي كلامِ بعضِ الأعراب " مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ " قيل: وسُمِّي بذلك لأنه يقطعُ سَوْرةَ العطشِ. والذَّوْقُ على هذين القولين ـ أعني كونَه رَوْحاً يُنَفِّسُ عنهم الحَرَّ، وكونَه النومَ ـ مجازٌ. وأمَّا على قولِ مَنْ جعله اسماً للشرابِ الباردِ المُسْتَلَذُّ، ويُعْزَى لابنِ عباس، وأنشد قولَ حَسَّانَ رضي الله عنه:
    4471ـ يَسْقُونَ مْن وَرَدَ البَرِيصَ عليهمُ بَرْداً يُصَفِّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ
    وقول الآخر:
    4472ـ أَمانِيُّ مِنْ سُعْدَى حِسانٌ كأنَّما سَقَتكَ بها سُعْدى على ظَمَأ بَرْدا
    فالذَّوْقُ حقيقةٌ، إلاَّ أنه يصير فيه تَكْرارٌ بقولِه بعد ذلك: " ولا شراباً ".

    الثالث: أنه بدلٌ مِنْ قولِه " ولا شراباً " ، وهو الأحسنُ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ. وتقدَّم خلافُ القُراء في { وَغَسَّاقاً } تخفيفاً وتثقيلاً، والكلامُ عليه وعلى حميم انتهي


    يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ وَقَالَ صَوَاباً }

    قال الرازي

    المسألةالثالثة: الاستثناء إلى من يعود؟ فيه قولان:

    أحدهما: إلى الروح والملائكة، وعلى هذا التقدير؛ الآية دلت على أن الروح والملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها: حصول الإذن من الله تعالى، ونظيره قوله تعالى:
    { مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }
    [البقرة: 255] والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله.

    والشرط الثاني: أن يقول: صواباً، فإن قيل: لما أذن له الرحمن في ذلك القول، علم أن ذلك القول صواب لا محالة، فما الفائدة في قوله: { وَقَالَ صَوَاباً }؟ والجواب من وجهين: الأول: أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب، فكأنه قيل: إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد ورود ذلك الإذن يجتهدون، ولا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق وصواب، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة والعبودية الوجه الثاني: أن تقديره: لا يتكلمون إلا في حق { مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ وَقَالَ صَوَاباً } والمعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له الرحمن في شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صواباً، واحتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صواباً وهو شهادة أن لا إله إلا الله، لأن قوله: { وَقَالَ صَوَاباً } يكفي في صدقه أن يكون قد قال صواباً واحداً، فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال وتكلم بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني: أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات والأرض، والمقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى.

    وقال الماتريدي في تفسيره

    وقوله - عز وجل -: { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ وَقَالَ صَوَاباً } ، جائز أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع؛ أي: الشافع لا يقول فيما يشفع غير الصواب، وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة الله تعالى لا يزيله عن التكلم بالحق؛ بل الله تعالى يثبته على الحق، ويجري على لسانه الصواب.

    وقال بعضهم: معناه: لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا، وهو الحق.

    وقيل: معناه: أنه لا ينال من الشفاعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب، والصواب أن يكون مقيما فيما دان به من التوحيد.

  14. #104
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    الجوهرة الحادية عشر بعد المائة

    سورة الانشقاق

    { إِلاَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ }

    قال الالوسي

    { إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَـاتِ } استثناء منقطع من الضمير المنصوب في
    { فَبَشِّرْهُمْ }
    [الانشقاق: 24] وجوز أن يكون متصلاً على أن يراد بالمستثنى من آمن وعمل الصالحات من آمن وعمل بعد منهم أي من أولئك الكفرة. والمضي في الفعلين باعتبار علم الله تعالى أوهما بمعنى المضارع ولا يخفى ما فيه من التكلف مع أن الأول أنسب منه بقوله تعالى: { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } لأن الأجر المذكور لا يخص المؤمنين منهم بل المؤمنين كافة وكون الاختصاص إضافياً بالنسبة إلى الباقين على الكفر منهم خلاف الظاهر على أن إيهام الاختصاص بالمؤمنين منهم يكفي في الغرض كما لا يخف

    انتهي

    سورة الاعلي

    { إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى }

    قال السمين

    قوله: { إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه مفرغٌ، أي: إلاَّ ما شاءَ الله أن يُنْسِيَكَهُ فإنك تَنْساه. والمرادُ رَفْعُ تلاوتِه. وفي الحديث: " أنه كان يُصبح فينسَى الآياتِ لقولِه:
    { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا }
    [البقرة: 106]. وقيل: إنَّ المعنى بذلك القِلَّةُ والنُّدْرَةُ، كما رُوِيَ " أنه عليه السلام أسقطَ آيةً في صلاتِه، فحسِب أُبَيٌّ أنها نُسِخَتْ، فسأله فقال: " نَسِيْتُها " " وقال الزمخشري: " الغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيان رَأْساً، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سَهِيْمي فيما أَمْلِكُ إلاَّ ما شاء اللَّهُ، ولم يَقْصِدْ استثناءَ شيءٍ، وهو مِنْ استعمالِ القلَّة في معنى النفي " انتهى. وهذا القولُ سبقَه إليه الفراء ومكي. وقال الفراء وجماعة معه: " هذا الاستثناءُ صلةٌ في الكلام على سنةِ الله تعالى في الاستثناء. وليس [ثم] شيءٌ أُبيح استثناؤُه ". قال الشيخ: " هذا لا يَنْبغي أَنْ يكونَ في كلامِ اللَّهِ تعالى ولا في كلامٍ فصيحٍ، وكذلك القولُ بأنَّ " لا " للنهي، والألفَ فاصلةٌ " انتهى. وهذا الذي قاله الشيخُ لم يَقْصِدْه القائلُ بكونِه صلةً، أي: زائداً مَحْضاً بل المعنى الذي ذكره، وهو المبالغةُ في نَفْي النسيانِ أو النهي عنه.

    وقال مكي: " وقيل: معنى ذلك، إلاَّ ، وليس يشاءُ اللَّهُ أَنْ يَنْسَى منه شيئاً، فهو بمنزلةِ قولِه في هود في الموضعَيْنِ: خالِدِيْنَ فيها ما دامَتِ السماواتُ والأرضُ إلاَّ ما شاء ربُّك " وليس جَلَّ ذِكْرُه تَرَكَ شيئاً من الخلودِ لتقدُّمِ مَشيئتِه بخُلودِهم ". وقيل: هو استثناءٌ مِنْ قولِه { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىظ° }. نقله مكي. وهذا يَنْبغي أَنْ لا يجوزَ البتة


    وقال ابن عاشور

    فقوله: { فلا تنسى } خبر مراد به الوعد والتكفل له بذلك.

    والنسيان: عدم خطور المعلوم السابق في حافظة الإنسان برهة أو زماناً طويلاً.

    والاستثناء في قوله: { إلا ما شاء اللَّه } مفرّع من فعل { تنسى } ، و(ما) موصولة هي المستثنى. والتقدير: إلا الذي شاء الله أن تنساه، فحذف مفعول فعل المشيئة جرياً على غالب استعماله في كلام العرب، وانظر ما تقدم في قوله:
    { ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم وأبصارهم }
    في سورة البقرة (20).

    والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبي إذا شاء الله أن ينساه. وذلك نوعان:

    أحدهما: وهو أظهرهما أن الله إذا شاء نسخ تلاوة بعض ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يترك قراءَته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن لا يقرأوه حتى ينساه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون.

    وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال: «كان فيما أنزل الشيخُ والشيخه إذا زنيا فارجموهما» قال عمر: لقد قرأنَاها، وأنه كان فيما أنزل: «لا تَرغبوا عن ءابائكم فإنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن ءابائكم». وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: { أو ننسها } في قراءة من قرأ:
    { نُنْسِها }
    في سورة البقرة (106).

    النوع الثاني: ما يعرض نسيانه للنبيء صلى الله عليه وسلم نسياناً موقتاً كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض الله له ما يذكره به. ففي «صحيح البخاري» عن عائشة قالت: «سمع النبيءُ صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ من الليل بالمسجد فقال: يرحمه الله لقد أذكَرَنِي كذا وكذا آيةً أسقطتهن أو كنت أنسيتُها من سورة كذا وكذا، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أبَيّ بن كعب أُنسِخَتْ؟ فقال: «نسيتُها».

    وليس قوله: { فلا تنسى } من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، أمَّا إنه ليست (لا) فيه ناهية فظاهر ومن زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره.

    وقال ابن الجوزي في زاده

    قوله تعالى: { إلا } فيه ثلاثة أقوال.

    أحدها: إلا أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن، وقتادة.

    والثاني: إلا أن تنسى شيئاً، فإنما هو كقوله تعالى:
    { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إِلا ما شاء ربك }
    [هود:107] فلا يشاء.

    وقال ابن عطية في المحرر

    وقوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى } ، قال الحسن وقتادة ومالك ابن أنس: هذه الآية في معنى قوله تعالى:
    { لا تحرك به لسانك }
    [القيامة: 16] الآية، وعد الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ينسى نسياناً لا يكون بعده ذكر، فتذهب الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرك شفتيه مبادرة خوفاً منه أن ينسى، وفي هذا التأويل آية النبي صلى الله عليه وسلم في أنه أمي، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمنه من نسيانه، وقال آخرون: ليست هذه الآية في معنى تلك، وإنما هذه وعد بإقرار الشرع والسور، وأمره أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن ترك النسيان ليس في قدرته، فقد نهي عن إغفال التعاهد، وأثبت الياء في " تنسى " لتعديل رؤوس الآي، وقال الجنيد: معنى { فلا تنسى } ، لا تترك العمل بما تضمن من أمر ونهي، وقوله تعالى: { إلا } ، قال الحسن وقتادة وغيره مما قضى الله تعالى بنسخه، وأن ترفع تلاوته وحكمه. وقال الفراء وجماعة من أهل المعاني: هو استثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح نسيانه، وقال ابن عباس: { إلا } أن ينسيكه لتسن به على نحو قوله عليه السلام " إني لأنسى أَو أُنَسَّى لأسنَّ " وقال بعض المتأولين: { إلا } أن يغلبك النسيان عليه ثم يذكرك به بعد، ومن هذا " قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قراءة عباد بن بشر يرحمه الله: " لقد أذكرني كذا في سورة كذا وكذا " ".

    قال القاضي أبو محمد: ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ،

    وقال القرطبي

    وقيل: معناه إلا أن يؤخر إنزاله. وقيل: المعنى فجعله غثاء أحوى إلا أن يناله بنو آدم والبهائم، فإنه لا يصير كذلك.

    وقال الالوسي


    { إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي لا تنسى أصلاً مما سنقرئكه شيئاً من الأشياء إلا أن تنساه، قيل أي أبداً، قال الحسن وقتادة وغيرهما وهذا مما قضى الله تعالى نسخة وأن يرتفع حكمه وتلاوته. والظاهر أن النسيان على حقيقته. وفي «الكشاف» ((أي إلا فذهب به عن حفظك برفع حكمه وتلاوته)) وجَعَلَ النسيان عليه بمعنى رفع الحكم والتلاوة وكناية عنه لأن ما رفع حكمه وتلاوته يترك فينسى فكأنه قيل بناه على إرادة المعنيين في الكتايات سنقرئك القرآن فلا تنسى شيئاً منه ولا يرفع حكمه وتلاوته إلا فتنساه ويرفع حكمه وتلاوته أو نحو هذا، وأنا لا أرى ضرورة إلى اعتبار ذلك والباء في (برفع) الخ للسببية والمراد إما بيان السبب العادي البعيد لذهاب الله تعالى به عن الحفظ فإن رفع الحكم والتلاوة يؤدي عادة في الغالب إلى ترك التلاوة لعدم التعبد بها وإلى عدم إخطاره في البال لعدم بقاء حكمه وهو يؤدي عادة في الغالب أيضاً إلى النسيان أو بيان السبب الدافع لاستبعاد الذهاب به عن حفظه عليه الصلاة والسلام وهو كالسبب المجوز لذلك وأياً ما كان فلا حاجة إلى جعل معنى{ فَلاَ تَنسَىٰ } [الأعلى: 6] فلا تترك تلاوة شيء منه والعمل به فتأمل.

    ثم إنه لا يلزم من كون تعالى نسيانه مما قضى سبحانه إن يرتفع / حكمه وتلاوته أن يكون كل ما ارتفع حكمه وتلاوته قد شاء الله تعالى نسيان النبـي صلى الله عليه وسلم له فإن من ذلك ما يحفظه العلماء إلى اليوم فقد أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات» الحديث وكونه صلى الله عليه وسلم نسي الجميع بعد تبليغه وبقي ما بقي عند بعض من سمعه منه عليه الصلاة والسلام فنقل حتى وصل إلينا بعيد وإن أمكن عقلاً. وقيل كان صلى الله عليه وسلم يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل عليه السلام فقيل لا تعجل فإن جبريل عليه السلام مأمور أن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه ثم لا تنساه إلا تعالى ثم تذكره بعد النسيان. وأنت تعلم أن الذكر بعد النسيان وإن كان واجباً إلا أن العلم به لا يستفاد من هذا المقام.

    وقيل إن الاستثناء بمعنى القلة وهذا جار في العرف كأنه قيل إلا ما لا يعلم لأن المشيئة مجهولة وهو لا محالة أقل من الباقي بعد الاستثناء فكأنه قيل فلا تنسى شيئاً إلا شيئاً قليلاً وقد جاء في «صحيح البخاري» وغيره


    " أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة وكانت صلاة الفجر فحسب أبـي أنها نسخت فسأله عليه الصلاة والسلام فقال نسيتها " ثم إنه عليه الصلاة والسلام لا يقر على نسيانه القليل أيضاً بل يذكره الله تعالى أو ييسر من يذكره ففي «البحر» أنه صلى الله عليه وسلم قال حين سمع قراءة عباد بن بشير " لقد ذكرني كذا وكذا آية في سورة كذا وكذا " وقيل الاستثناء بمعنى القلة وأريد بها النفي مجازاً كما في قولهم قل من يقول كذا، قيل والكلام عليه من باب:
    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
    البيت، والمعنى فلا تنسى إلا نسياناً معدوماً. وفي «الحواشي العصامية على أنوار التنزيل» أن الاستثناه على هذا الوجه لتأكيد عموم النفي لا لنقض عمومه. وقد يقال الاستثناء من أعم الأوقات أي فلا تنسى في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله تعالى نسيانك لكنه سبحانه لا يشاء وهذا كما قيل في قوله تعالى في أهل الجنة{ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } [هود: 107] وقد قدمنا ذلك وإلى هذا ذهب الفراء فقال إنه تعالى أن ينسي النبـي صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أن المقصود من الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصيره عليه الصلاة والسلام ناسياً لذلك لقدر عليه كما قال سبحانه{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [الإسراء: 86] ثم انا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال له صلى الله عليه وسلم{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65] مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يشرك البتة وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن يعرفه الله تعالى قدرته حتى يعلم صلى الله عليه وسلم أن عدم النسيان من فضله تعالى وإحسانه لا من فوته أي حتى يتقوى ذلك جداً أو ليعرف غيره ذلك وكأن نفي أن يشاء الله تعالى نسيانه عليه الصلاة والسلام معلوم من خارج ومنه آية{ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } [القيامة: 16] الآية وقد أشار أبو حيان إلى ما قاله الفراء وإلى الوجه الذي قبله وأباهما غاية الآباء لعدم الوقوف على حقيقتهما وقال لا ينبغي أن يكون ذلك في كلام الله تعالى بل ولا في كلام فصيح وهو مجازفة منه عفا الله تعالى عنه.

    ثم إن المراد من نفي نسيان شيء من القرآن نفى النسيان التام المستمر مما لا يقر عليه صلى الله عليه وسلم كالذي تضمنه الخبر السابق ليس كذلك وقد ذكروا أنه عليه الصلاة والسلام لا يقر على النسيان فيما كان من أصول الشرائع والواجبات وقد يقر على ما ليس منها أو منها وهو من الآداب والسنن ونُقِلَ هذا عن الإمام الرازي عليه الرحمة فليحفظ.

  15. #105
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,688
    الجوهرة الثانية عشر بعد المائة

    سورة الغاشية

    { إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ } * { فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ }

    قال الرازى

    ففيه مسائل.

    المسألة الأولى: في الآية قولان: أحدهما: أنه استثناء حقيقي، وعلى هذا التقدير هذا الاستثناء، استثناء عماذا؟ فيه احتمالان الأول: أن يقال التقدير: فذكر إلا من تولى وكفر والثاني: أنه استثناء عن الضمير في
    { عَلَيْهِمْ }
    [الغاشية: 22] والتقدير: لست عليهم بمسيطر إلا من تولى. واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ مأموراً بالقتال وجوابه: لعل المراد أنك لا تصبر مسلطاً إلا على من تولى القول الثاني: أنه استثناء منقطع عما قبله، كما تقول في الكلام: قعدنا نتذكر العلم، إلا أن كثيراً من الناس لا يرغب، فكذا ههنا التقدير لست بمسئول عليهم، لكن من تولى منهم فإن الله يعذبه العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم، قالوا وعلامة كون الاستثناء منقطعاً حسن دخول أن في المستثني، وإذا كان الاستثناء متصلاً لم يحسن ذلك، ألا ترى أنك تقول: عندي مائتان إلا درهماً، فلا تدخل عليه أن، وههنا يحسن أن، فإنك تقول: إلا أن من تولى وكفر فيعذبه الله.



    وقال السمين

    قوله: { إِلاَّ مَن تَوَلَّى}: العامَّةُ على " إلاَّ " حرفَ استثناء، وفيه قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ لأنه مستثنى مِنْ ضمير " عليهم ". والثاني: أنه متصلٌ لأنه مستثنى مِنْ مفعول " فَذَكِّرْ " ، أي: فَذَكِّرْ عبادي إلاَّ مَنْ تولَّى. وقيل: " مَنْ " في محلِّ خفض بدلاً من ضمير " عليهم " ، قاله مكي. ولا يتأتَّى هذا عند الحجازيين، إلاَّ أَنْ يَكونَ متصلاً، فإنْ كان منقطعاً جاز عند تميمٍ؛ لأنهم يُجْرُوْنه مُجْرى المتصل، والمتصلُ يُختار فيه الإِتباعُ لأنه غيرُ موجَبٍ. هذا كلُّه إذا لم يُجْعَل " مَنْ تولَّى " شرطاً وما بعده جزاؤُه، فإنْ جَعَلْتَه كذلك كان منقطعاً، وقد تقدَّم تحقيقُه، وعلى القولِ بكونِه مستثنى مِنْ مفعول " فَذَكِّرْ " المقدرِ تكون جملةُ النفي اعتراضاً.

    وقرأ زيد بن علي وزيد بن أسلم وقتادة " ألا " حرفَ استفتاحٍ، وبعده جملةٌ شرطية أو موصولٌ مضمَّنٌ معناه.


    ملحوظة

    وكأن الله قال لحبيبه لست مسلط عليهم بقتالهم بعد الا من تولي وكفر فقاتله حتي يؤمن ومن هنا قال الحبيب

    أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل " ثم قرأ: { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ

    ومن هنا قال تعالي

    { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } * { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ

    وافهم قول القرطبي :


    إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ } استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. { فَيْعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ } وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال «الأكبر» لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقَحْط والأسر والقتل. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: «إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَر. فإنه يعذبه الله». وقيل: هو استثناء متصل. والمعنى: لست بمسلّط إلا على من تولى وكفر، فأنت مُسَلَّط عليه بالجهاد، والله يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. ورُوِي أن علياً أتِي برجل ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ { إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ }. وقرأ ابن عباس وقتادة «أَلاَ» على الاستفتاح والتنبيه، كقول امرىء القيس:
    أَلاَ رُبَّ يومٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ
    و«مَنْ» على هذا: للشرط. والجواب { فَيْعَذِّبُهُ ٱللَّهُ } والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله، لأنه لو أريد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان: إلا من تولى وكفر يعذبه الله

صفحة 7 من 8 الأولىالأولى ... 345678 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •