صفحة 5 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 108

الموضوع: أسرار الاستثناء فى كتاب الله

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثامنة والستون

    إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ

    قال السمين الحلبي فى الد المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ : فيه وجهان: أحدُهما: أنه استثناءٌ مِنْ آل لوط. قال أبو البقاء: " والاستثناءُ إذا جاء بعد الاستثناءِ كان الاستثناءُ الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولِك: " له عندي عشرةٌ إلا أربعةً إلا درهماً " فإنَّ الدرهمَ يُستثنى من الأربعة، فهو مضافٌ إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا أربعةً، أو عشرة إلا ثلاثةً ".

    الثاني: أنَّها مستثناةٌ من الضمير المجرور في " مُنجُّوهم ". وقد مَنَعَ الزمخشريُّ الوجهَ الأول، وعَيَّن الثاني فقال: " فإن قلتَ: فقوله: " إلا امرأته " مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناءٌ مِنْ استثناءٍ؟ قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله " لمنجُّوهُمْ " وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيءٍ؛ لأنَّ الاستثناءَ من الاستثناء إنما يكونُ فيما اتَّحد الحكمُ فيه، وأن يقالَ: أهلكناهم إلا آلَ لوطٍ إلا امرأتَه، كما اتحد في قولِ المُطْلَق: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدةً، وقولِ المُقِرِّ لفلان: عليَّ عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا درهماً، وأمَّا الآيةُ فقد اختلف الحكمان لأنَّ إِلاَّ آلَ لُوطٍ متعلقٌ بـ " أَرْسَلْنا " أو بمجرمين، و إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قد تعلَّق بقولِه " لمنجُّوهم " فأنَّى يكون استثناءً من استثناء "؟

    قال الشيخ: " ولمَّا استسلف الزمخشريُّ أن " امرأته " استثناءٌ من الضمير في لمنجُّوهم " أنى أن يكون استثناءً من استثناء؟ ومَنْ قال إنه استثناءٌ من استثناء فيمكن تصحيحُ قولِه بأحدِ وجهين، أحدُهما: أنَّه لمَّا كان " امرأتَه " مستثنى من الضمير في " لمُنجُّوهم " وهو عائدٌ على آلِ لوط صار كأنه مستثنى مِن آلِ لوط، لأنَّ المضمرَ هو الظاهر. والوجهُ الآخر: أن قولَه إِلاَّ آلَ لُوطٍ لمَّا حَكَمَ عليهم بغيرِ الحكم الذي حَكَم به على قومٍ مجرمين اقتضى ذلك نجاتَهم فجاء قولُه: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ تاكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آلَ لوط لم يُرْسَلْ إليهم بالعذاب، ونجاتُهم مترتبةٌ على عدمِ الإِرسال إليهم بالعذاب، فصار نظيرَ قولِك: " قام القومُ إلا زيداً لم يَقُمْ " ، أو " إلا زيداً فإنه لم يَقُمْ " ، فهذه الجملةُ تأكيدٌ لِما تَضَمَّن الاستثناءُ من الحكم على ما بعد إلاّ بضدِّ الحكم السابق على المستثنى منه، فـ " إلا امرأته " على هذا التقريرِ الذي قَرَّرْناه مستثنى مِنْ آل لوط، لأنَّ الاستثناءَ ممَّا جيء به للتأسيسِ أَوْلَى من الاستثناءِ ممَّا جِيْءَ به للتأكيد ".

    وقال القرطبي فى تفسيره:

    لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الإستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي؛ فإذا قال رجل: له عليّ عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهماً؛ ثبت الإقرار بسبعة؛ لأن الدرهم مستثنًى من الأربعة، وهو مثبت لأنه مستثنى من منفي، وكانت الأربعة منفية لأنها مستثناة من موجب وهو العشرة، فعاد الدرهم إلى الستة فصارت سبعة. وكذلك لو قال: عليّ خمسة دراهم إلا درهماً إلا ثلثيه؛ كان عليه أربعة دراهم وثلث. وكذلك إذا قال: لفلان عليّ عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة؛ كان الاستثناء الثاني راجعاً إلى ما قبله، والثالث إلى الثاني فيكون عليه درهمان؛ لأن العشرة إثبات والثمانية إثبات فيكون مجموعها ثمانية عشر. والتسعة نفي والسبعة نفي فيكون ستة عشر تسقط من ثمانية عشر ويبقى درهمان، وهو القدر الواجب بالإقرار لا غير. فقوله سبحانه: إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ فاستثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثم قال «إلا ٱمرأته» فاستثناها من آل لوط، فرجعت في التأويل إلى القوم المجرمين كما بينا. وهكذا الحكم في الطلاق، لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً إلا ٱثنتين إلا واحدة طلقت ثنتين؛ لأن الواحدة رجعت إلى الباقي من المستثنى منه وهي الثلاث. وكذا كل ما جاء من هذا فتفهّمه.

    ملحوظة

    اطنب الالوسي وافاد واجاد فى شرح هذا الاستثناء فى تفسيره فقال:

    وقوله سبحانه: إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ على التقديرين عند جار الله مستثنى من الضمير المجرور في لمنجوهم ولم يجوز أن يكون من الاستثناء من الاستثناء في شيء قال: لأن ذلك إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه كقول المطلق أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة والمقر لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً، وهٰهنا قد اختلف الحكمان لأن آل لوط متعلق بأرسلنا أو بمجرمين و إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ تعلق ـ بمنجوهم ـ فأنى يكون استثناءً من استثناء انتهى. وقد يتوهم أن الإرسال إذا كان بمعنى الإهلاك فلا اختلاف إذ التقدير إلا آل لوط لم نهلكهم فهو بمعنى منجوهم فيكون من الاستثناء من الاستثناء على أحد التقديرين. وأجاب عن ذلك صاحب " التقريب " بأن شرط الاستثناء المذكور أن لا يتخلل لفظ بين الاستثنائين متعدد يصلح أن يكون مستثنى منه وهٰهنا قد تخلل منجوهم ولو قيل إلا آل لوط إلا امرأته لجاز ذلك؛ وتعقب بأنه لا يدفع الشبهة لأن السبب حينئذٍ في امتناعه وجود الفاصل لا اختلاف الحكمين فلا وجه للتعبير به عنه، وفي «الكشف» المراد من اتحاد الحكم اتحاده شخصاً وعدداً فلا يرد أن الإرسال إذا كان بمعنى الإهلاك كان قوله سبحانه:
    إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ
    [الحجر: 59] وقوله تعالى: إِلا ءالَ لُوطٍ في معنى واحد فالاستثناء من الأول في المعنى، وإنما شرط الاتحاد لأن المتصل كاسمه لا يجوز تخلل جملة بين العصا ولحائها وكذلك في المنقطع وبه يتضح حال ما تقدم أتم اتضاح، وفيه أيضاً، فإن قلت: لم لا يرجع الاستثناء إليهما؟ قلت: لأن الاستثناء متعلق بالجملة المستقلة والخلاف في رجوعه إلى الجملتين فصاعداً لا إلى جملة، وبعض جملة سابقة، هذا والمعنى مختلف في ذلك ومحل الخلاف الجمل المتعاطفة لا المنقطع بعضها عن بعض انتهى، والأمر كما ذكر في تعيين محل الخلاف، والمسألة قل من تعرض لها من النحاة وفيها مذاهب

    . الأول وهو الأصح وعليه ابن مالك أن الاستثناء يعود للكل إلا أن يقوم دليل على إرادة البعض كما في قوله تعالى:
    وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ
    [النور: 6] الآية فإن إِلاَّ ٱلَّذِينَ فيه عائد إلى فسقهم وعدم قبول شهادتهم معاً لا إلى الجلد للدليل، ولا يضر اختلاف العامل لأن ذلك مبني على أن إلا هي العاملة.

    الثاني أنه يعود للكل إن سيق الكل لغرض واحد نحو حبست داري على أعمامي ووقفت بستاني على أخوالي وسبَّلت سقايتي لجيراني إلا أن يسافروا وإلا فللأخيرة فقط نحو أكرم/ العلماء واحتبس دارك على أقاربك وأعتق عبيدك إلا الفسقة منهم.

    الثالث: إن كان العطف بالواو عاد للكل أو بالفاء أو ثم عاد للأخيرة وعليه ابن الحاجب،

    الرابع: أنه خاص بالأخيرة واختاره أبو حيان.

    الخامس: إن اتحد العامل فللكل أو اختلف فللأخيرة إذ لا يمكن حمل المختلفات في مستثنى واحد وعليه البهاباذي، وهو مبني على أن عامل المستثنى الأفعال السابقة دون إلا، هذا ويوهم كلام بعضهم أنه لوجعل الاستثناء من آل لوط لزم أن تكون امرأته غير مهلكة أو غير مجرمة وهو توهم فاحش لأن الاستثناء من آل لوط إن قلنا به بملاحظة الحكم عليهم بالإنجاء وعدم الإهلاك أو بعدم الإجرام والصلاح فتكون الامرأة محكوماً عليه بالإهلاك أو الإجرام. ويرشدك إلى هذا ما ذكره الرضى فيما إذا تعدد الاستثناء وأمكن استثناء كل تال من متلوه نحو جاءني المكيون إلا قريشاً إلا بني هاشم إلا بني عقيل حيث قال: لا يجوز في الموجب حينئذ في كل وتر إلا النصب على الاستثناء لأنه عن موجب، والقياس أن يجوز في كل شفع الإبدال والنصب على الاستثناء لأنه عن غير موجب والمستثنى منه مذكور، والكلام في وتر وشفع غير الموجب على عكس هذا، وهو مبني على ما ذهب إليه الجمهور من أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي خلافاً للكسائي حيث قال: إن المستثنى مسكوت عن نفي الحكم عنه أو ثبوته له، ولا دلالة في الكلام على شيء من ذلك، واستفادة الإثبات في كلمة التوحيد من عرف الشرع، وكما وقع الخلاف في هذه المسألة بين النحويين وقع بين الأئمة المجتهدين وتحقيق ذلك في محله. واختار ابن المنير كون إِلا ءالَ لُوطٍ مستثنى من
    قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ
    [الحجر: 58] على أنه منقطع قال: وهو أولى وأمكن لأن في استثنائهم من الضمير العائد على قوم منكرين بعداً من حيث إن موقع الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل المستثنى في حكم الأول، وهنا الدخول متعذر مع التنكير ولذلك قلما تجد النكرة يستثنى منها إلا في سياق نفي لأنها حينئذ تعم فيتحقق الدخول لولا الاستثناء، ومن ثمة لم يحسن رأيت قوماً إلا زيداً وحسن ما رأيت أحداً إلا زيداً انتهى.

    ورد بأن هذا ليس نظير رأيت قوماً إلا زيداً بل من قبيل رأيت قوماً أساءوا إلا زيداً فالوصف يعينهم ويجعلهم كالمحصورين، قال في «همع الهوامع»: ولا يستثنى من النكرة في الموجب ما لم تفد فلا يقال: جاء قوم إلا رجلاً ولا قام رجال إلا زيداً لعدم الفائدة، فإن أفاد جاز نحو
    فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً
    [العنكبوت: 14] وقام رجال كانوا في دارك إلا رجلاً، على أن المراد بالقوم أهل القرية كما صرح به في آية أخرى فهم معنى محصورون، ونقل المدقق عن السكاكي أنه صرح في آخر بحث الاستدلال من " كتابه " بأن الاستثناء من جمع غير محصور جائز على المجاز، مع أن بعض الأصوليين أيضاً جوزوا الاستثناء من النكرة في الإيجاب وأطلقوا القول في ذلك.

    نعم المصرح به في كثير من كتب النحو نحو ما في «الهمع».

    وزعم بعضهم أنه ينبغي أن يكون الاستثناء من الظاهر والضمير منقطعاً، وعلل ذلك بأن الضمير في الصفة هو عين الموصوف المقيد بالصفة، وذكر الجلال السيوطي أن بعض الفضلاء رفع هذا مع عدة أسئلة نثراً ونظماً إلى الكمال بن الهمام ولم يذكر أنه أجاب عنها، والجواب عما زعمه هنا قد مرت إليه الإشارة، وأما الجواب عن سائر ما استشكله وسئل عنه الكمال فيغني عنه الإطلاع على السؤال فإنه مما يتعجب منه، ومن هنا قال الشهاب: أظن أن ابن الهمام إنما سكت عن جواب ذلك لوضوح اندفاعه وأنه لا ينبغي أن يصدر عمن تحلى بحلية الفضل، نعم بعد كل حساب الذي ينساق إلى الذهن أن الاستثناء من الظاهر لكن الرضيّ أنه إذا اجتمع شيآن فصاعداً يصلحان لأن يستثني منهما فهناك تفصيل فإِما بأن يتغايرا معنى أو لا فإن تغايرا وأمكن اشتراكهما في/ ذلك الاستثناء بلا بعد اشتركا فيه نحو ما بر أب وابن إلا زيدا أي زيد أب بار وابن بار، فإن لم يمكن الاشتراك نحو ما فضل ابن أباً إلا زيداً أو كان بعيداً نحو ما ضرب أحد أحداً إلا زيداً فإن الأغلب مغايرة الفاعل للمفعول نظرنا فإن تعين دخول المستثنى في أحدهما دون الآخر فهو استثناء منه وليه أوْلاً نحو ما فدى وصي نبياً إلا علياً كرم الله تعالى وجهه، وإن احتمل دخوله في كل واحد منهما فإن تأخر عنهما المستثنى فهو من الأخير نحو ما فضل ابن أباً إلا زيداً وكذا ما فضل أباً ابن إلا زيد لأن اختصاصه بالأقرب أولى لما تعذر رجوعه إليهما، وإن تقدمهما معاً فإن كان أحدهما مرفوعاً لفظاً أو معنى فالاستثناء منه لأن مرتبته بعد الفعل فكأن الاستثناء وليه بعده نحو ما فضل إلا زيداً أبا ابن أو من ابن، وإن لم يكن أحدهما مرفوعاً فالأول أولى به لقربه نحو ما فضلت إلا زيداً واحداً على أحد ويقدر للأخير عامل، وإن توسطهما فالمتقدم أحق به لأن أصل المستثنى تأخره عن المستثنى منه نحو ما فضل أبا إلا زيد ابن ويقدر أيضاً للأخير عامل، وإن لم يتغايرا معنى اشتركا فيه، وإن اختلف العاملان فيهما نحو ما ضرب أحد وما قتل إلا خالداً لأن فاعل قتل ضمير أحد انتهى.

    وجزم ابن مالك فيما إذا تقدم شيآن مثلاً يصلح كل منهما للاستثناء منه بأن الاستثناء من الأخير وأطلق القول في ذلك فليتأمل ذاك مع ما نحن فيه، وقال القاضي البيضاوي: إنه على الانقطاع يجوز أن يجعل إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ مستثنى من
    آلَ لُوطٍ
    [الحجر: 59] أو من ضمير مُنَجُّوهُم وعلى الاتصال يتعين الثاني لاختلاف الحكمين اللهم إلا إذا جعلت جملة

    إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ
    [الحجر: 59] معترضة انتهى، ومخالفته لما نقل عن الزمخشري ظاهرة حيث جوز الاستثناء من المستثنى في الانقطاع ومنعه الزمخشي مطلقاً، وحيث جعل اختلاف الحكمين في الاتصال وأثبته الزمخشري مطلقاً أيضاً وبين اختلاف الحكمين بنحو ما بين به في كلام الزمخشري، ولم يرتض ذلك مولانا سري الدين وقال: المراد بالحكمين الحكم المفاد بطريق استثناء الثاني من الأول وهو على تقدير الاتصال إجرام الامرأة والحكم المقصود بالإفادة وهو الحكم عليها بالإهلاك وبين إتحاد هذا الحكم المقصود مع الحكم المفاد بالاستثناء على تقدير الانقطاع بأنه على ذلك التقدير تكون إلا بمعنى لكن و
    إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ
    [الحجر: 59] خبراً له ثابتاً للآل فيكون الحكم الحاصل من الاستثناء منه بعينه هو الحكم المقصود بالإفادة ويقال على تقدير الاتصال والاعتراض: إن الحكمين وإن اختلفا ظاهراً إلا أنه لما كانت الجملة المعترضة كالبيان لما يقتضيه الاستثناء الأول كان في المعنى كأنه هو وصار الإخراج منه كالإخراج منه، وهذا بخلاف ما إذا كان استئنافاً فإنه يكون منقطعاً عنه ويكون جواباً لسؤال مقدر ولا يتم الجواب بدون الاستثناء ولا يخلو عن الاعتراض. وقال بعضهم في توجيه الاستثناء على هذا: إن هناك حكمين الإجرام والإنجاء فيجر الثاني الاستثناء إلى نفسه كيلا يلزم الفصل إلا إذا جعل اعتراضاً فإن فيه سعة حتى يتخلل بين الصفة وموصوفها فيجوز أن يكون استثناء من
    آلَ لُوطٍ
    [الحجر: 59] ولذا جوز الرضيّ أن يقال: أكرم القوم والنحاة بصريون إلا زيداً، ويرد عليه أن كون الحكم المفاد بالاستثناء غير الحكم المقصود بالإفادة باقياً بحاله ولا يحتاج الأمر إلى ما سمعت وهو كما سمعت، والذي ينساق إلى الذهن ما ذكره الزمخشري. وفي «الحواشي الشهابية» أنه الحق دراية ورواية. أما الأول: فلأن الحكم المقصود بالإخراج منه هو الحكم المخرج منه الأول والثاني حكم طارىء من تأويل إلا بلكن وهو أمر تقديري، وأما الثاني: فلما ذكر في " التسهيل " من أنه تعدد الاستثناء فالحكم المخرج منه حكم الأول، ومما يدل عليه أنه لو كان الاستثناء مفرغاً في هذه الصورة كما إذا قلت: لم يبق في الدار إلا اليعافير أبقاها الزمان إلا يعفور صيد منها فإنه يتعين إعرابه بحسب العامل الأول كقولك:/ ما عندي إلا عشرة إلا ثلاثة، ثم إن كلامه مبني على أمر ومانع معنوي لا على عدم جواز تخلل كلام منقطع بين المستثنى والمستثنى منه كما قيل وأن كان مانعاً أيضاً كما صرح به الرضيُّ فتدبر انتهى، فافهم ذاك والله سبحانه يتولى هداك

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة التاسعة والستون

    سورة النحل

    مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قولِه: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مستثنى مقدَّمٌ مِنْ قولِه فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ ، وهذا يكونُ فيه منقطعاً؛ لأنَّ المُكْرَه لم يَشْرَحْ بالكفرِ صدراً. وقال أبو البقاء: " وقيل: ليس بمقدَّمٍ فهو كقول لبيد:
    3016- ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ ..............................
    فظاهرُ كلامِه يَدُلُّ على أنَّ بيتَ لبيدٍ لا تقديمَ فيه، وليس كذلك فإنه ظاهرٌ في التقديمِ جداً.

    الثاني: أنه مستثنى مِنْ جوابِ الشرط، أو مِنْ خبر المبتدأ المقدر، تقديرُه: فعليهمْ غضبٌ من الله إلا مَنْ أُكْرِه، ولذلك قَدَّر الزمخشري جزاءَ الشرط قبل الاستثناء، وهو استثناءٌ متصلٌ؛ لأنَّ الكفرَ يكون بالقولِ مِنْ غير اعتقادٍ كالمُكْرَه، وقد يكون - والعياذُ بالله - باعتقادٍ، فاستثنى الصِّنفَ الأول.

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة السبعون

    سورة الاسراء

    وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ إِيَّاهُ : فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنه لم يَنْدَرِجْ فيما ذُكِر، إذ المرادُ به آلهتُهم من دون الله.

    والثاني: أنه متصلٌ؛ لأنهم كانوا يَلْجَؤون إلى آلهتِهم وإلى اللهِ تعالى.

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    والدعاء في هذا على ظاهره. والاستثناء متصل بناء على أن ما عبارة عن المدعوين مطلقاً وأنهم كانوا يدعون الله تعالى وغيره في الحوادث، وإن كانت ما عبارة عن آلهتهم الباطلة فقط وأنهم كانوا في حالة السراء يدعونها وحدها كما يدل عليه ظاهر ما بعد فالاستثناء منقطع، وفسر الدعاء على هذا بدعاء العبادة واللجأ. وقال أبو حيان: الظاهر الانقطاع لأنه تعالى لم يندرج في مَن تَدْعُونَ إذ المعنى ضلت آلهتهم أي معبوداتهم وهم لا يعبدون الله تعالى. وتعقب بأن مقتضى كونهم مشركين أنهم يعبدونه سبحانه أيضاً لكن على طريق الإشراك بل قولهم
    مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى
    [الزمر: 3] كما قص سبحانه عنهم يقتضي أنه جل مجده المعبود الحقيقي عندهم، وقد يقال: إن الشارع أسقط مثل هذه العبادة عن درجة الاعتبار فهم غير عابدين الله شرعاً بل قيل إنهم غير عابدين لغة أيضاً لأن العبادة لغة غاية الخضوع والتذلل ولا يتحقق ذلك مع الشركة ولو على الوجه الذي زعموه فتأمل. وجوز غير واحد أن يكون المعنى ضل من تدعونه عن إغاثتكم إلا إياه تعالى، والضلال فيه إما بمعنى الغيبة أو بمعنى عدم الاهتداء منه كأنه قيل ضل عن حجة الصواب في إنقاذكم ولم يقدر على ذلك، وأمر الاستثناء من الاتصال والانقطاع ومبنى كل على حاله. والزمخشري جوز أن يكون المعنى ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله تعالى هو الذي ترجونه وجعل الاستثناء عليه منقطعاً فقيل إن ذلك لتخصيصه المدعوين بالآلهة. وفي «الكشف» لعل الوجه فيه أنه تعالى ما كانوا يدعونه أي دعاء العبادة واللجأ إلا في تلك الحالة وأما في حالة السراء فيخصون آلهتهم بالدعاء، والتحقيق أن الضلال بهذا المعنى لم يتناول الحق سبحانه لأن معناه ضل المدعوون وغابوا عن إغاثتهم ولا يراد غابوا وحضر بل المراد ولكن رجوا أن يغيثهم ولا يخذلهم فعل المدعوين على حسبانهم وهذا هو الوجه إن شاء الله تعالى

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الواحدة والسبعون

    وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ رَحْمَةً : فيها قولان، أحدُهما: أنها استثناء متصلٌ لأنها تَنْدَرِجُ في قولِه " وكيلا ".

    والثاني: أنها استثناء منقطعٌ فتتقدر بـ " لكن " عند البصريين، و " بل " عند الكوفيين. و " مِنْ ربِّك ": يجوز أن يتعلَّقَ بـ " رحمة " وأن يتعلَّقَ بمحذوف، صفةً لها.

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ استثناء منقطع على ما اختاره ابن الأنباري وابن عطية وغيرهما وهو مفسر بلكن في المشهور. والاستدراك على ما صرح به الطيبـي وغيره واقتضاه ظاهر كلام جمع عن قوله تعالى: إِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ وقال في «الكشف»: إنه ليس استدراكاً عن ذلك فإن المستثنى منه
    وَكِيلاً
    [الإسراء: 86] وهذا من المنقطع الممتنع إيقاعه موقع الاسم الأول الواجب فيه النصب في لغتي الحجاز وتميم كما في قوله تعالى:
    لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ
    [هود: 43] في رأي، وقولهم: لا تكونن من فلان إلا سلاماً بسلام فقد صرح الرضي وغيره بأن الفريقين يوجبون النصب ولا يجوزون الإبدال في المنقطع فيما لا يكون قبله اسم يصح حذفه، وكون / ما نحن فيه من ذلك ظاهر لمن له ذوق. والمعنى ثم بعد الإذهاب لا تجد من يتوكل علينا بالاسترداد ولكن رحمة من ربك تركته غير منصوب فلم تحتج إلى من يتوكل للاسترداد مأيوس عنه بالفقدان المدلول عليه بـِ
    لا تجد
    [الإسراء: 86]، والتغاير المعنوي بين الكلامين من دلالة الأول على الإذهاب ضمناً والثاني على خلافه حاصل وهو كاف فافهم. ويفهم صنيع البعض اختيار أنه استثناء متصل من
    وَكِيلاً
    [الإسراء: 86] أي لا تجد وكيلاً باسترداده إلا الرحمة فإنك تجدها مستردة، وأنت تعلم أن شمول الوكيل للرحمة يحتاج إلى نوع تكلف. وقال أبو البقاء: إن رَحْمَةً نصب على أنه مفعول له والتقدير حفظناه عليك للرحمة، ويجوز أن يكون نصباً على أنه مفعول مطلق أي ولكن رحمناك رحمة اهـ وهو كما ترى. والآية على تقدير الانقطاع امتنان بإبقاء القرآن بعد الامتنان بتنزيله، وذكروا أنها على التقدير الآخر دالة على عدم الإبقاء فالمنة حينئذ إنما هي في تنزيله، ولا يخفى ما فيه من الخفاء وما يذكر في بيانه لا يروي الغليل.

    والآية ظاهرة في أن مشيئة الذهاب به غير متحققة وأن فقدان المسترد إلا الرحمة إنما هو على فرض تحقق المشيئة لكن جاء في الأخبار أن القرآن يذهب به قبل يوم القيامة، فقد أخرج البيهقي والحاكم وصححه وابن ماجه بسند قوي عن حذيفة قال قال رسول الله : " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها " وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: خطب رسول الله فقال: " يا أيها الناس ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب الله تعالى يوشك أن يغضب الله تعالى لكتابه فيسري عليه ليلاً لا يترك في قلب ولا ورق منه حرف إلا ذهب به فقيل: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات؟ قال: من أراد الله تعالى خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله "

    وأخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن أبـي هريرة قال: يسري على كتاب الله تعالى فيرفع إلى السماء فلا يبقى في الأرض آية من القرآن ولا من التوراة والإنجيل والزبور فينزع من قلوب الرجال فيصبحون في الضلالة لا يدرون ما هم فيه. وأخرج الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً " لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الله : مالك؟ فيقول منك خرجت وإليك أعود أتلى ولا يعمل بـي "؛ وأخرج محمد بن نصر نحوه موقوفاً على عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: سيرفع القرآن من المصاحف والصدور، ثم قرأ
    وَلَئِن شِئْنَا
    [الإسراء: 86] الآية، وفي «البهجة» أنه يرفع أولاً من المصاحف ثم يرفع لأعجل زمن من الصدور والذاهب به هو جبريل كما أخرجه ابن أبـي حاتم من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده فيا لها من مصيبة ما أعظمها وبلية ما أوخمها فإن دلت الآية على الذهاب به فلا منافاة بينها وبين هذه الأخبار وإذا دلت على إبقائه فالمنافاة ظاهرة إلا أن يقال: إن الإبقاء لا يستلزم الاستمرار ويكفي فيه إبقاؤه إلى قرب قيام الساعة فتدبر.

    ومما يرشد إلى أن سوق الآية للامتنان قوله تعالى: إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ لم يزل ولا يزال عَلَيْكَ كَبِيرًا ومنه إنزال القرآن واصطفاؤه على جميع الخلق وختم الأنبياء به وإعطاؤه المقام المحمود إلى غير ذلك وقال أبو سهل: أنها / سيقت لتهديد غيره بإذهاب ما أوتوا ليصدهم عن سؤال ما لم يؤتوا كعلم الروح وعلم الساعة. وقال صاحب «التحرير» يحتمل أن يقال: أنه لما سئل عن الروح وذي القرنين وأهل الكهف وأبطأ عليه الوحي شق عليه ذلك وبلغ منه الغاية فأنزل الله تعالى هذه الآية تسكيناً له والتقدير أيعز عليك تأخر الوحي فإنا إن شئنا ذهبنا بما أوحينا إليك جميعه فسكن ما كان يجده وطاب قلبه انتهى، وكلا القولين كما ترى

    وقال الرازى فى تفسيره:

    إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى ولكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثانية والسبعون

    سورة الكهف

    { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً }

    قال السمين

    قوله: { وَمَا يَعْبُدُونَ } يجوز في " ما " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ مقدرٌ، أي: واعْتَزَلْتُم الذي يعبدونه. و " إلا الله " يجوز فيه أن يكونَ استثناءً متصلاً، فقد رُوي أنهم كانوا يعبدون اللهَ ويُشْرِكون به غيرَه، ومنقطعاً، فقد رُوي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. والمستثنى منه يجوز أن يكونَ الموصولَ، وأن يكون عائدَه، والمعنى واحد.

    والثاني: أنها مصدريةٌ، أي: واعتزلتُمْ عبادَتهم، أي: تركتموها. و " إلا اللهَ " على حَذْفِ مضاف، أي: إلا عبادةَ اللهِ. وفي الاستثناء الوجهان المتقدمان.

    الثالث: أنها نافيةٌ، وأنَّه مِنْ كلامِ الله تعالى، وعلى هذا فهذه الجملةُ معترضةٌ بين أثناءِ القصةِ وإليه ذهب الزمخشري. و { إِلاَّ اللَّهَ } استثناءٌ مفرغٌ أخبر الله عن الفتنةِ أنَّهم لا يعبدون غيرَه. وقال أبو البقاء: " والثالث: أنها حرفُ نفيٍ فيخرج في الاستثناء وجهان، أحدهما: هو منقطعٌ، والثاني: هو متصلٌ، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم إلا الله وما يعبدون إلا اللهََ " قلت: فظاهرُ هذا الكلامِ: أن الانقطاعَ والاتصالَ في الاستثناءِ مترتبان على القولِ بكون " ما " نافيةً، وليس الأمرُ كذلك.

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    و مَا يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية، والعطف في الاحتمالين على الضمير المنصوب،

    والظاهر أن الاستثناء فيهما متصل، ويقدر على الاحتمال الثاني مضاف في جانب المستثنى ليتأتى الاتصال، أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم الذين يعبدونهم إلا الله تعالى أو إذا اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله ، وتقدير مستثنى منه على ذلك الاحتمال لذلك نحو عبادتهم لمعبوديهم تكلف،

    ويحتمل أن يكون منقطعاً،

    وعلى الأول: يكون القوم عابدين الله تعالى وعابدين غيره كما جاء ذلك في بعض الآثار. أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو نعيم عن عطاء الخراساني أنه قال: كان قوم الفتية يعبدون الله تعالى ويعبدون معه آلهة شتى فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى. وعلى الثاني: يكونون عابدين غيره تعالى فقط، قيل وهذا هو الأوفق بقوله تعالى أولاً:
    هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً
    [الكهف: 15] فتأمل.

    وجوز أن تكون (ما) نافية والاستثناء مفرغ والجملة إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضة بين (إذ) وجوابه أعني قوله تعالى: فَأْوُواْ أي التجؤا إِلَى ظ±لْكَهْفِ ووجه الاعتراض على ما في «الكشف» أن قوله تعالى: وَإِذِ ظ±عْتَزَلْتُمُوهُمْ فأووا معناه وإذا اجتنبتم عنهم وعما يعبدون فأخلصوا له العبادة في موضع تتمكنون منه فدل الاعتراض على أنهم كانوا صادقين وأنهم أقاموا بما وصى به بعضهم بعضاً فهو يؤكد مضمون الجملة. وإلى كون فَأْوُواْ جواب (إذ) ذهب الفراء، وقيل: إنه دليل الجواب أي وإذا اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانياً أو إذا أردتم الاعتزال الجسماني فافعلوا ذلك

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثالثة والسبعون

    سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً

    قال القرطبي فى تفسيره

    قوله تعالى: فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً أي لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بما أوحيناه إليك؛ وهو ردّ علم عدتهم إلى الله تعالى. وقيل: معنى المراء الظاهر أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا تحتج على أمر مقدّر في ذلك. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبيّن لأحد عددهم فلهذا قال إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً أي ذاهباً؛ كما قال:
    وتـلك شَكَـاةٌ ظاهـرٌ عنـك عارُهـا
    ولم يبح له في هذه الآية أن يماري؛ ولكن قوله: «إلاّ مراءً» استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب. سميت مراجعته لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر؛ ففارق المراء الحقيقي المذموم. والضمير في قوله: «فيهم» عائد على أهل الكهف. وفي قوله «منهم» عائد على أهل الكتاب المعارضين. وقوله: فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ يعني في عدتهم؛ وحذفت العدّة لدلالة ظاهر القول عليها.

    وقال الماتريدى فى تاويلات اهل السنة

    ثم اختلف في قوله: فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً :

    قال بعضهم: ذلك في أمر أصحاب الكهف، أي: لا تمار فيهم ولا تستفت فيهم منهم إلا قدر ما كان في كتبهم، فإنك لو ماريتهم بما ليس في كتابهم كذبوك، ولكن قدر ما في كتبهم؛ هذا كان على المسألة، فإن كان على غير المسألة في غير أمر أصحاب الكهف على ابتداء المحاجة والحجاج فهو يحتمل وجهين:

    أحدهما: أي: لا تمار فيهم إلا بما هو أظهر ويعرفون ذلك ظاهراً، من نحو ما يعرفون أن الأصنام التي عبدوها لا تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، ونحو ذلك مما يعرفون أنها كذلك.

    والثاني: لا تحاجهم بلطائف الحكمة ودقائقها، ولكن بشيء محسوس ظاهر من الآية، لا بما يلطف ويدق، على ما يحاجهم الأنبياء بآيات حسيات.

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الرابعة والسبعون

    إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله تعالى: إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ : قاله أبو البقاء: " في المستثنى منه ثلاثةُ أوجهٍ،

    أحدُها: هو مِنَ النَّهْيِ. والمعنى: لا تقولَنَّ: أفعل غداً، إلا أَنْ يُؤْذَنَ لك في القول.

    الثاني: هو من " فاعلٌ " ، أي: لا تقولَنَّ إني فاعلٌ غداً حتى تَقْرِنَ به قولَ " إن شاء الله ".

    والثالث: أنه منقطعٌ. وموضعُ " أَنْ يشاء اللهُ " نصبٌ على وجهين، أحدُهما على الاستثناءِ، والتقدير: لا تقولَنَّ ذلك في وقتٍ إلا وقتَ أنْ يشاء الله، أي: يَأْذَنَ، فحذف الوقتَ وهو مُرادٌ. والثاني: هو حالٌ والتقدير: لا تقولَنَّ أفعل غداً إلا قائلاً: إن شاء الله، وحَذْفُ القولِ كثيرٌ، وجَعَل قولَه إلا أن يشاء في معنى: إن شاء وهو ممَّا حُمِلَ على المعنى. وقيل: التقدير إلا بأَنْ يشاءَ اللهُ، أي: ملتبساً بقولِ: " إن شاء الله ".

    قلت: قد رَدَّ الزمخشريُّ الوجهَ الثاني، فقال: " إلا أَنْ يشاء " متعلقٌ بالنهي لا بقولِه " إنِّي فاعلٌ " لأنَّه لو قال: إني فاعلٌ كذا إلا أَنْ يشاء اللهُ كان معناه: إلا أن تَعْتَرِضَ مشيئةُ اللهِ دونَ فِعْلِه، وذلك ممَّا لا مَدْخَلَ فيه للنهي ". قلت: يعني أنَّ النهي عن مثلِ هذا المعنى لا يَحْسُن.

    ثم قال: " وتعلُّقُه بالنهي مِنْ وجهين،

    أحدهما: ولا تقولنَّ ذلك القولَ إلا أَنْ يشاءَ الله أَنْ تقولَه بأَنْ يَأْذَنَ لك فيه.

    والثاني: ولا تقولَنَّه إلا بأَنْ يشاءَ الله أَي: إلا بمشيئته، وهو في موضعِ الحال، أي: ملتبساً بمشيئةِ الله قائلاً إنْ شاء الله.

    وفيه وجهٌ ثالث: وهو أَنْ يكونَ " إلا أَنْ يشاء " في معنى كلمةِ تأبيد كأنَّه قيل: ولا تقولَنَّه أبداً، ونحوُه:
    وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا
    [الأعراف: 89] لأنَّ عَوْدَهم في ملَّتِهم ممَّا لم يَشَأ الله ".

    وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ قد رَدَّه ابنُ عطية بعد أنْ حكاه عن الطبري وغيرِه ولم يوضِّح وجهَ الفسادِ.

    وقال الشيخ: " وإلا أَنْ يشاءَ اللهُ استثناءٌ لا يمكن حَمْلُه على ظاهرِه، لأنه يكونُ داخلاً تحت القول فيكونُ من المقول، ولا ينهاه اللهُ أَنْ يقول: إني فاعل ذلك غداً إلا أَنْ يشاءَ اللهُ، لأنه كلامٌ صحيحٌ في نفسِه لا يمكنُ أَنْ يَنْهى عنه، فاحتيج في تأويلِ هذا الظاهرِ إلى تقديرٍ. فقال ابن عطية: " في الكلامِ حَذْفٌ يَقْتضيه الظاهرُ، ويُحَسِّنه الإيجازُ، تقديرُه: إلا أَنْ تقولَ: إلا أَنْ يشاءَ الله، أو إلا أَنْ تقولَ: إنْ شاء الله. والمعنى: إلا أَنْ تذكُرَ مشيئةَ الله، فليس " إلا أن يشاءَ اللهُ " من القولِ الذي نَهَى عنه ".

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ استثناء متعلق بالنهي على ما اختاره جمع من المحققين، وقول ابن عطية اغتراراً برد / الطبري ((إنه من الفساد بحيث كان الواجب أن لا يحكى)) خروج عن الإنصاف، وهو مفرغ من أعم الأحوال. وفي الكلام تقدير باء للملابسة داخلة على أن والجار والمجرور في موضع الحال أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حال ملابسته بمشيئة الله بأن تذكر. قال في «الكشف»: إن التباس القول بحقيقة المشيئة محال فبقي أن يكون بذكرها وهو إن شاء الله تعالى ونحوه مما يدل على تعليقه الأمور بمشيئة الله تعالى. ورد بما يصلح أن يكون تأييداً لا رداً، وجوز أن يكون المستثنى منه أعم الأوقات أي لا تقولن ذلك في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله تعالى ذلك القول منك، وفسرت المشيئة على هذا بالإذن لأن وقت المشيئة لا يعلم إلا بإعلامه تعالى به وإذنه فيه فيكون مآل المعنى لا تقولن إلا بعد أن يؤذن لك بالقول. وجوز أيضاً أن يكون الاستثناء منقطعاً، والمقصود منه التأبيد أي ولا تقولن ذلك أبداً، ووجه ذلك في «الكشف» بأنه نهي عن القول إلا وقت مشيئة الله تعالى وهي مجهولة فيجب الانتهاء أبداً، وأشار إلى أنه هو مراد الزمخشري لا ما يتوهم من جعله مثل قوله تعالى:
    وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ
    [الأعراف: 89] من أن التأبيد لعدم مشيئته تعالى فعل ذلك غداً لقبحه كالعود في ملة الكفر لأن القبح فيما نحن فيه على إطلاقه غير مسلم، والتخصيص بما يتعلق بالوحي على معنى لا تقولن فيما يتعلق بالوحي إني أخبركم به إلا أن يشاء الله تعالى والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك فإذاً لا تقولنه أبداً يأباه النكرة في سياق النهي المتضمن للنفي والتقييد بالمستقبل، وأن قوله:
    فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً
    [الكهف: 23] أي مخبر عن أمر يتعلق بالوحي غداً غير مؤذن بأن قوله في الغد يكون من عنده لا عن وحي فالتشبيه في أن الاستثناء بالمشيئة استعمل في معرض التأبيد وإن كان وجه الدلالة مختلفاً أخذاً من متعلق المشيئة تارة ومن الجهل بها أخرى، ولا يخفى أن الظاهر في الآية الوجه الأول وأن أمته وهو في الخطاب الذي تضمنته سواء مخصوصاً بالنبـي ، ولا يجوز أن يكون الاستثناء متعلقاً بقوله تعالى:
    إِنّى فَاعِلٌ
    [الكهف: 23] بأن يكون استثناء مفرغاً مما في حيزه من أعم الأحوال أو الأوقات لأنه حينئذ إما أن تعتبر تعلق المشيئة بالفعل فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى الفعل وهو غير سديد أو يعتبر تعلقها بعدمه فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى عدم الفعل، ولا شبهة في عدم مناسبته للنهي بل هو أمر مطلوب.

    وقال الخفاجي: إذا كان الاستثناء متعلقاً بِـ
    إِنّى فَاعِلٌ
    [الكهف: 23] والمشيئة متعلقة بالعدم صار المعنى إني فاعل في كل حال إلا إذا شاء الله تعالى عدم فعلي وهذا لا يصح النهي عنه، أما على مذهب أهل السنة فظاهر، وأما على مذهب المعتزلة فلأنهم لا يشكون في أن مشيئة الله تعالى لعدم فعل العبد الاختياري إذا عرضت دونه بإيجاد ما يعوق عنه من الموت ونحوه منعت عنه وإن لم تتعلق عندهم بإيجاده وإعدامه، وكذا لا يصح النهي إذا كانت المشيئة متعلقة بالفعل في المذهبين، فما قيل: إن تعلق الاستثناء بما ذكر صحيح والمعنى عليه النهي عن أن يذهب مذهب الاعتزال في خلق الأعمال فيضيفها لنفسه قائلاً إن لم تقترن مشيئة الله تعالى بالفعل فأنا فاعله استقلالاً فإن اقترنت فلا لا يخفى ما فيه على نبيه فتأمل.

    وقد شاع الاعتراض على المعتزلة في زعمهم أن المعاصي واقعة من غير إرادة الله تعالى ومشيئته وإنه تعالى لا يشاء إلا الطاعات بأنه لو كان كذلك لوجب فيما إذا قال الذي عليه دين لغيره قد طالبه به والله لأعطيتك حقك غداً إن شاء الله تعالى أن يكون حانثاً إذا لم يفعل لأن الله تعالى قد شاء ذلك لكونه طاعة وإن لم يقع فتلزمه الكفارة عن يمينه ولم ينفعه الاستثناء / كما لو قال: والله لأعطينك إن قام زيد فقام ولم يفعل، وفي التزام الحنث في ذلك خروج عن الإجماع. وقد أجاب عنه المرتضى بأن للاستثناء الداخل في الكلام وجوهاً مختلفة فقد يدخل في الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الأخبار وهذا يقتضي التوقف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ويصير به الكلام كأنه لا حكم له، ويصح في هذا الوجه الاستثناء في الماضي فيقال: قد دخلت الدار إن شاء الله تعالى ليخرج بذلك من أن يكون خبراً قاطعاً أو يلزم به حكم، ولا يصح في المعاصي لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصلح ذلك فيها قال: وهذا الوجه أحد محتملات الآية، وقد يدخل في الكلام ويراد به التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال وهذا هو المراد إذا دخل في المباحات وهو ممكن في الآية، وقد يدخل لمجرد غرض الانقطاع إلى الله تعالى ويكون على هذا غير معتد به في كون الكلام صادقاً أو كاذباً وهو أيضاً ممكن في الآية، وقد يدخل ويراد به اللطف والتسهيل وهذا يختص بالطاعات ولا يصح أن تحمل الآية عليه لأنها تتناول كل ما لم يكن قبيحاً.

    وقول المديون السابق إن قصد به هذا المعنى لا يلزم منه الحنث إذا لم يفعل، ويدين المديون وغيره إن ادعى قصد ما لا يلزمه فيه شيء فلا ورود لما اعترضوا به، والإنصاف أن الاعتراض ليس بشيء والرد عليهم غني عن مثل ذلك.

    هذا ثم اعلم أن إطلاق الاستثناء على التقييد بإِن شاء الله تعالى بل على التقييد بالشرط مطلقاً ثابت في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في «شرح الكتاب». وقال الراغب: الاستثناء دفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله تعالى:
    قُل لا أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً
    [الأنعام: 145] الخ أو دفع ما يوجبه اللفظ كقوله: امرأته طالق إن شاء الله تعالى انتهى.

    وفي الحديث " من حلف على شيء فقال: إن شاء الله تعالى فقد استثنى " فما قيل: إن كلمة إن شاء الله تعالى تسمى استثناء لأنه عبر عنها هنا بقوله سبحانه: إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ ليس بسديد فكذا ما قيل: إنها أشبهت الاستثناء في التخصيص فأطلق عليها اسمه كذا قال الخفاجي، ولا يخفى أن في الحديث نوع إباء لدعوى أن إطلاق الاستثناء على التقييد بإِن شاء الله تعالى لغوي لأنه لم يبعث لإفادة المدلولات اللغوية بل لتبليغ الأحكام الشرعية فتذكر

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    قوله تعالى: ولا تقولَنَّ لشيء إِني فاعل ذلك غداً إِلا أن يشاء الله سبب نزولها أن قريشاً سألوا النبي عن ذي القرنين، وعن الرُّوح، وعن أصحاب الكهف، فقال: غداً أخبركم بذلك، ولم يقل: إِن شاء الله، فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يوماً لتركه الاستثناء، فشقَّ ذلك عليه، ثم نزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الكلام: ولا تقولن لشيء: إِني فاعل ذلك غداً، إِلا أن تقول: إِن شاء الله، فحذف القول.

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الخامسة والسبعون

    سورة مريم

    فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ : فيه وجهان، أظهرهما: أنه استثناءٌ متصلٌ. وقال الزجاج: " هو منقطعٌ " وهذا بناءً منه على أنَّ المُضَيِّعَ للصلاة من الكفار.

    وقال ابن عطية فى المحرر الوجيز:
    وقوله إلا من تاب استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع، وقوله وآمن يقتضي أن الإضافة أولاً هي إضاعة كفر هذا مع اتصال الاستثناء، وعليه فسر الطبري

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً استثناء منقطع عند الزجاج. وقال في «البحر»: ظاهره الاتصال، وأيد بذكر الإيمان كون الآية في الكفرة أو عامة لهم ولغيرهم لأن من آمن لا يقال إلا لمن كان كافراً إلا بحسب التغليظ، وحمل الإيمان على الكامل خلاف الظاهر، وكذا كون المراد إلا من جمع التوبة والإيمان، وقيل: المراد من الإيمان الصلاة كما في قوله تعالى:
    وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ
    [البقرة: 143] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة وذكر العمل الصالح في مقابلة اتباع الشهوات

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة السادسة والسبعون

    لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً
    قال السمين الحلبي فى الدر المصون
    قوله: إِلاَّ سَلاَماً : أبدى الزمخشريُّ فيه ثلاثةَ أوجهٍ

    أحدُها: أَنْ يكونَ معناه: إنْ كان تَسْلِيمُ بعضِهم على بعض - أو تسليمُ الملائكة عليهم - لغواً، فلا يسمعون لغواً إلى ذلك فهو مِنْ وادي قولِه:
    3234- ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ فُلولٌ من قراعِ الكتائبِ
    الثاني: أنهم لا يَسْمعون فيها إلا قولاً يَسْلَمون فيه من العيبِ والنقيصةِ، على الاستثناء المنقطع.

    الثالث: أنَّ معنى السلامِ هو الدعاءُ بالسلامةِ، ودارُ السلام هي دارُ السلامةِ، وأهلُها عن الدعاءِ بالسلامةِ أغنياءُ، فكان ظاهرُه من باب اللَّغْوِ وفُضولِ الحديث، لولا ما فيه من فائِدةِ الإكرامِ.

    قلت: ظاهرُ هذا أنَّ الاستثناء على الأول وأخر متصلٌ؛ فإنه صَرَّح بالمنقطع في الثاني.

    أمَّا اتصالُ الثالثِ فواضحٌ، لأنه أَطْلَقَ اللغوَ على السلامِ بالاعتبارِ الذي ذكره،

    وأمَّا الاتصالُ في الأولِ فَعَسِرٌ؛ إذ لا يُعَدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول، وسيأتي تحقيقُ هذا إنْ شاء الله تعالى عند قولِه تعالى
    لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ
    [الدخان: 56].

    الجوهرة السابعة والسبعون

    لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: لاَّ يَمْلِكُونَ : في هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ سِيْقت للإِخبارِ بذلك. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال ممَّا تقدَّم.

    وفي هذه الواوِ قولان، أحدهما: أنها علامةٌ للجمع ليسَتْ ضميراً البتَة، وإنما هي علامةٌ كهي في لغةِ " أكلوني البراغيث " والفاعلُ " مِنْ اتَّخَذَ " لأنه في معنى الجمع. قاله الزمخشري. وفيه بُعْدٌ، وكأنه قيل: لا يملك الشفاعةَ إلا المتخذون عَهْداً. قال الشيخ: " ولا ينبغي حَمْلُ القرآنِ على هذه اللغةِ القليلةِ مع وضوحِ جَعْلِ الواوِ ضميراً. وقد قال الأستاذ أبو الحسن ابنُ عصفور: إنها لغة ضعيفة ".

    قلت: قد قالوا ذلك في قوله تعالى:
    عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ
    [المائدة: 71]
    وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ
    [الأنبياء: 3] فلهذا الموضعِ بهما أُسْوَةٌ.

    ثم قال الشيخ: " وأيضاً فالألفُ والواوُ والنونُ التي تكون علاماتٍ لا ضمائرَ لا يُحْفَظُ ما يجيءُ بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع وصريحِ التثنية أو العطفِ، أمَّا أنْ يأتيَ بلفظٍ مفردٍ، ويُطلَقَ على جمع أو مثنى، فيُحتاج في إثباتِ مثلِ ذلك إلى نَقْلِ. وأمَّا عُوْدُ الضمائرِ مثناةً أو مجموعةً على مفردٍ في اللفظِ يُراد به المثنى والمجموعُ فمسموعٌ معروفٌ في لسانِ العرب، على أنه يمكنُ قياسُ هذه العلاماتِ على تلك الضمائرِ، ولكن الأَحْوَطَ أن لا يُقال إلا بسماعٍ ".

    والثاني: أن الواوَ ضميرٌ. وفيما تعود عليه حينئذٍ أربعةُ أوجهٍ،

    أحدُها: انها تعودُ على الخَلْق جميعِهم لدلالة ذِكْر الفريقين - المُتَّقين والمجرمين - عليهم، إذ هما قِسْماه.

    والثاني: أنه يعودُ على المتقين والمجرمين، وهذا لا تظهر مخالفتُه للأولِ أصلاً لأنَّ هذين القسمين هما الخَلْقُ كله.

    والثالث: أنه يعودُ على المُتَّقين فقط أو المجرمين فقط، وهو تَحَكُّمٌ. قوله: إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ هذا الاستثناءُ يترتيب على عَوْدِ الواو على ماذا؟ فإنْ قيل بأنَّها تعودُ على الخَلْقِ أو على الفريقَيْن المذكورَيْن أو على المتَّقين فقط فالاستثناءُ حينئذٍ متصلٍ.

    وفي محلِّ المستثنى الوجهان المشهوران: إمَّا على الرفعُ على البدلِ، وإمَّا النصبُ على أصلِ الاستثناء. وإنْ قيل: إنه يعودُ على المجرمينَ فقط كان استثناءً منقطعاً، وفيه حينئذٍ اللغتان المشهورتان: لغةُ الحجازِ التزامُ النصبِ، ولغةُ تميمٍ جوازُه مع جوازِ البدلِ كالمتصل.

    وجَعَلَ الزمخشريُّ هذا الاستثناء من " الشفاعة " على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: لا يملكونَ الشفاعةَ إلا شفاعةَ مَنِ اتَّخذ، فيكون نصبُه على وَجْهَي البدلِ وأصلِ الاستثناء، نحو: " ما رأيت أحداً إلا زيداً ". وقال بعضُهم: إن المستثنى منه محذوفٌ والتقديرُ: لا يملكون الشفاعةَ لأحدٍ لِمَن اتَّخَذَ عند الرحمن عَهْداً، فَحُذِفَ المستثنى منه للعلم به فهو كقول الآخر:
    3259- نجا سالمٌ والنفسُ منه بِشِدْقِهِ ولم يَنْجُ إلا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
    أي: ولم يَنْجُ شيءٌ.

    وجَعَلَ ابنُ عطية الاستثناءَ متصلاً وإن عاد الضميرُ في لاَّ يَمْلِكُونَ على المجرمين فقط على أَنْ يُراد بالمجرمين الكفرةُ والعُصاةُ من المسلمين. قال الشيخ: " وحَمْلُ المجرمين على الكفارِ والعُصاة بعيدٌ ". قلت: ولا بُعْدَ فيه، وكما اسْتَبْعَدَ إطلاقَ المجرمين على العصاة كذلك يَسْتَبعد غيرُه إطلاقَ المُتَّقين على العُصاة، بل إطلاقُ المجرمِ على العاصي أشهرُ مِنْ إطلاقِ المتَّقي عليه.

    وقال ابن كثير فى تفسيره

    وقوله: وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً أي: عطاشاً لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبراً عنهم:
    فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ
    [الشعراء: 100 -101]. وقوله: إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثامنة والسبعون

    سورة طه

    إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ

    قال الالوسي فى تفسيره
    إِلاَّ تَذْكِرَةً نصب على الاستثناء المنقطع أي ما أنزلناه لشقائك لكن تذكيراً ...

    وكون الآية نظير ما ضربتك للتأديب إلا اشفاقاً مما يشهد به الذوق، ويجوز أن تكون حالاً من الكاف أو
    ٱلْقُرْءانَ
    [طه: 2] والاستثناء مفرغ، والمصدر مؤول بالصفة أو قصد به المبالغة. وجوز الحوفي كونها بدلاً من
    ٱلْقُرْءانَ
    [طه: 2] والزجاج كونها بدلاً من محل
    لِتَشْقَىٰ
    [طه: 2] لأن الاستثناء من غير الموجب يجوز فيه الإبدال. وتعقب بأن ذلك إذا كان متصلاً بأن كان المستثنى من جنس المستثنى منه والبدلية حينئذ البدلية البعضية في المشهور، وقيل: بدلية الكل من الكل، ولا يخفى عدم تحقق ذلك بين التذكرة والشقاء. والقول ببدلية الاشتمال في مثل ذلك لتصحيح البدلية هنا بناء على أن التذكرة تشتمل على التعب مما لم يقله أحد من النحاة

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة التاسعة والسبعون

    سورة الانبياء

    لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
    قال السمين الحلبي فى الدر المصون
    قوله: إِلاَّ ٱللَّهُ : " إلاَّ " هنا صفةٌ للنكرة قبلها بمعنى " غَيْر ". والإِعرابُ فيها متعذَّر، فَجُعِل على ما بعدها. وللوصفِ بها شروطٌ منها: تنكيرُ الموصوفِ، أو قُرْبُه من النكرة بأَنْ يكونَ معرفاً بأل الجنسية. ومنها أَنْ يكونَ جمعاً صريحاً كالآية، أو ما في قوةِ الجمعِ كقوله:
    3334ـ لو كان غيري سُلَيْمى اليومَ غيَّره وَقْعُ الحوادِثِ إلاَّ الصارمُ الذَّكَرُ
    فـ " إلاَّ الصارِمُ " صفةُ لغيري لأنه في معنى الجمع. ومنها أَنْ لا يُحْذَفَ موصوفُها عكسَ " غير ". وقد أَتْقَنَّا هذا كلَّه في " إِيضاحِ السبيل إلى شرح التسهيل " فعليك به. وأنشد سيبويهِ على ذلك قولَ الشاعر:
    3335ـ وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أخُوه لَعَمْرُ أبيكَ إلاَّ الفرقدانِ
    أي: وكلُّ أخٍ غيرُ الفرقدين مفارِقُه أخوه. وقد وقع الوصفُ بـ إلاَّ كما وقع الاستثناء بـ " غير " ، والأصلُ في " إلاَّ " الاستثناءُ وفي " غير " الصفةُ. ومن مُلَحِ كلامِ أبي القاسم الزمخشري: " واعلم أنَّ " إلاَّ " وغير يَتَقَارضان ".

    ولا يجوزُ أَنْ ترتفعَ الجلالةُ على البدل مِنْ " آلهة " لفسادِ المعنى. قال الزمخشري: " فإن قلت: ما مَنَعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأنَّ " لو " بمنزلةِ " إنْ " في أنَّ الكلامَ معها موجَبٌ، والبدلُ لا يَِسُوغ إلاَّ في الكلام غيرِ الموجبِ كقوله تعالىٰ: وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتُكَ [هود: 81] وذلك لأنَّ أعمَّ العامِّ يَصِحُّ نفيُه ولا يَصِحُّ إيجابُه ". فجعل المانعَ صناعياً مستنداً إلى ما ذُكِر مِنْ عدم صحةِ إيجاب أعمِّ العام.

    وأحسنُ مِنْ هذا ما ذكره أبو البقاء مِنْ جهة المعنىٰ فقال: " ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً، لأنَّ المعنىٰ يصيرُ إلى قولك: لو كان فيهما اللهُ لَفَسَدَتا، ألا ترىٰ أنَّك لو قلت: " ما/ جاءني قومُك إلاَّ زيدٌ " على البدلِ لكان المعنىٰ: جاءني زيدٌ وحدَه. ثم ذكر الوجه الذي رَدَّ به الزمخشريُّ فقال: " وقيل: يمتنعُ البدلُ لأنَّ قبلها إيجاباً ". ومنع أبو البقاء النصبَ على الاستثناء لوجهين، أحدُهما: أنه فاسدٌ في المعنىٰ، وذلك أنك إذا قلتَ: " لو جاءني القومُ إلاَّ زيداً لقتلتُهم " كان معناه: أنَّ القَتْلَ امتنع لكونِ زيدٍ مع القوم. فلو نُصِبَتْ في الآية لكان المعنىٰ: إنَّ فسادَ السماواتِ والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة. وفي ذلك إثباتُ إلهٍ مع الله. وإذا رُفِعَتْ على الوصفِ لا يلزمُ مثلُ ذلك؛ لأنَّ المعنىٰ: لو كان فيهما غيرُ اللهِ لفسدتا. والوجهُ الثاني: أنَّ آلهة هنا نكرةٌ، والجمعُ إذا كان نكرةً لم يُسْتثنَ منه عند جماعةٍ من المحققين؛ إذ لا عمومَ له بحيث يدخلُ فيه المستثنىٰ لولا الاستثناءُ ".
    وهذا الوجهُ الذي منعاه ـ أعني الزمخشري وأبا البقاء ـ قد أجازه أبو العباس المبرد وغيره: أمَّا المبردُ فإنه قال: " جاز البدلُ لأنَّ ما بعد " لو " غيرُ موجَبٍ في المعنىٰ. والبدلُ في غير الواجبِ أحسنُ من الوصفِ. وفي هذه نظرٌ من جهة ما ذكره أبو البقاء من فسادِ المعنىٰ.

    وقال ابنُ الضائعِ تابعاً للمبرد: لا يَصِحُّ المعنى عندي إلاَّ أن تكون " إلاَّ " في معنى " غير " التي يُراد بها البدلُ أي: لو كان فيهما آلهةٌ عِوَضَ واحدٍ أي بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا. وهذا المعنى أرادَ سيبويه في المسألةِ التي جاء بها توطئةً.

    وقال الشَّلَوْبين في مسألةِ سيبويه " لو كان معنا رجلٌ إلاَّ زيدٌ لَغُلِبْنا ": إنَّ المعنى: لو كانَ معنا رجلٌ مكانَ زيد لَغُلبنا، فـ " إلاَّ " بمعنى " غير " التي بمعنى مكان. وهذا أيضاً جنوحٌ من أبي عليّ إلى البدلِ. وما ذكره ابنُ الضائع من المعنى المتقدمِ مُسَوِّغٌ للبدل. وهو جوابٌ عَمَّا أَفْسَد به أبو البقاء وجهَ البدل، إذ معناه واضحٌ، ولكنه قريبٌ من تفسير المعنى لا من تفسيرِ الإِعراب.

    وقال الرازى فى تفسيره

    أما قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ففيه مسألتان:

    المسألة الأولى: قال أهل النحو إلا ههنا بمعنى غير أي لو كان يتولاهما ويدير أمورهما شيء غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا، ولا يجوز أن يكون بمعنى الاستثناء لأنا لو حملناه على الإستثناء لكان المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء لم يكن الله معهم أو كان فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت أن المراد ما ذكرناه.

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    سورة الحج

    الجوهرة الثمانون

    الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّه كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: إِلاَّ أَن يَقُولُواْ فيه وجهان،

    أحدهما: أنه منصوبٌ على الاستثناءِ المنقطع، وهذا ممَّا يُجْمِعُ العربُ على نصبه؛ لأنه منقطعٌ لا يمكنُ تَوَجُّهُ العاملِ إليه، وما كان كذا أجمعوا على نصبهِ، نحو: " ما زاد إلاَّ ما نقصَ " ، " وما نفعَ إلاَّ ما ضَرَّ ". فلو توجَّهَ العاملُ جاز فيه لغتان: النصبُ وهو لغةُ الحجاز، وأَنْ يكونَ كالمتصلِ في النصبِ والبدل نحو: " ما فيها أحدٌ إلاَّ حمارٌ " ، وإنما كانت الآيةُ الكريمةُ من الذي لا يتوجَّه عليه العاملُ؛ لأنك لو قلت: " الذين أُخْرِجوا مِنْ ديارهم إلا أَنْ يقولوا ربُّنا الله " لم يَصحَّ.

    الثاني: أنه في محلِّ جر بدلاً من " حَقّ " قال الزمخشري: " أي بغير موجِبٍ سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإِقرارِ والتمكينِ لا موجبَ الإِخراجِ والتسييرِ. ومثلُه:
    هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ
    [المائدة: 59].

    وممَّنْ جَعَلَه في موضع جرٍّ بدلاً ممَّا قبله الزجاجُ. إلاَّ أن الشيخ قد رَدَّ ذلك فقال: " ما أجازاه من البدل لا يجوز؛ لأنَّ البدلَ لا يجوزُ إلاَّ حيث سبقه نفيٌ أو نهيٌ أو استفهامٌ في معنى النفي. وأمَّا إذا كان الكلام موجَباً أو أمراً فلا يجوزُ البدلُ؛ لأنَّ البدلَ لا يكون إلا حيثُ يكونُ العاملُ يَتَسَلَّطُ عليه. ولو قلت: " قام إلاَّ زيدٌ " ، و " لْيَضْرِبْ إلاَّ عمروٌ " لم يجز. ولو قلت في غير القرآن: " أُخْرِجَ الناسُ مِنْ ديارِهم إلاَّ بأَنْ يقولوا: لا إلهَ إلاَّ اللهُ " لم يكن كلاماً. هذا إذا تُخُيِّل أَنْ يكونَ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ في موضعِ جرٍّ بدلاً من " غير " المضاف إلى " حَقٍّ ". وأمَّا إذا كان بدلاً من " حق " كما نَصَّ عليه الزمخشريُّ فهو في غايةِ الفسادِ؛ لأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ البدلُ يلي " غيراً " فيصير التركيبُ: بغير إلاَّ أَنْ يقولوا، وهذا لا يَصِحُّ، ولو قَدَّرْنا [إلاَّ] بـ " غير " كما/ يُقَدَّرُ في النفي في: " ما مررت بأحدٍ إلاَّ زيدٍ " فتجعلُه بدلاً لم يَصِحَّ؛ لأنه يصيرُ التركيبُ: بغير غيرِ قولِهم ربُّنا اللهُ، فتكون قد أضَفْتَ غيراً إلى " غير " وهي هي فيصير: بغير غير، ويَصِحُّّ في " ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ زيدٍ " أن تقول: ما مررت بغير زيد، ثم إن الزمخشري حيث مَثَّل البدلَ قَدَّره: بغير موجبٍ سوى التوحيدِ، وهذا تمثيلٌ للصفة جَعَلَ [إلاَّ] بمعنى سِوَى، ويَصِحُّ على الصفةِ فالتبسَ عليه بابُ الصفة بباب البدل.ويجوز أن تقولَ: " مررتُ بالقومِ إلاَّ زيدٍ " على الصفة لا على البدل ".


    وقال الالوسي فى تفسيره

    وقوله تعالى: إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ استثناء متصل من حَقّ و(أن) وما بعدها في تأويل مصدر بدل منه لما في غير من معنى النفي، وحاصل المعنى لا موجب لإخراجهم إلا التوحيد وهو إذا أريد بالموجب الموجب النفس الأمري على حد قول النابغة:
    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
    وجوز أن يكون الإبدال من غير وفي (أخرجوا) معنى النفي أي لم يقروا في ديارهم إلا بأن يقولوا الخ وهو كما ترى، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً وأوجبه أبو حيان أي ولكن أخرجوا بقولهم ربنا الله، وأوجب نصب ما بعد (إلا) كما أوجبوه في قولهم: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر، ورد كونه متصلاً وكون ما بعد (إلا) بدلاً من حَقّ بما هو أشبه شيء بالمغالطة، ويفهم من كلامه جواز أن تكون (إلا) بمعنى سوى صفة لحق أي أخرجوا بغير حق سوى التوحيد، وحاصله أخرجوا بكونهم موحدين.

    وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ : في هذه الجملةِ بعد " إلاَّ " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من " رسول " والمعنى: وما أَرْسَلْناه إلاَّ حالُهُ هذه، والحالُ محصورةً. الثاني: أنها في محلِّ الصفةِ لـ " رسول " ، فيجوزُ أَنْ يُحْكَمَ على موضعها بالجرِّ باعتبارِ لفظِ الموصوف، وبالنصبِ باعتبارِ محلِّه؛ فإنَّ " مِنْ " مزيدةٌ فيه. الثالث: أنَّها في موضعِ استثناءٍ من غيرِ الجنس. قاله أبو البقاء. يعني أنه استثناءٌ منطقعٌ.انتهي

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ

    بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ

    قال الالوسي فى تفسيره

    إِلاَّ بِإِذْنِهِ أي بمشيئته، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب، وصح ذلك في الموجب قيل لصحة إرادة العموم أو لكون يُمْسِكُ فيه معنى النفي أي لا يتركها تقع بسبب من الأسباب كمزيد مرور الدهور عليها وكثقلها بما فيها إلا بسبب مشيئته وقوعها، وقيل: استثناء من أعم الأحوال أي لا يتركها تقع في حال من الأحوال إلا في كونها ملتبسة بمشيئته تعالى ولعل ما ذكرناه أظهر. وفي «البحر» أن الجار والمجرور متعلق بتقع، وقال ابن عطية: يحتمل أن يتعلق بيمسك لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه فكأنه أراد إلا بإذنه فبه يمسكها ولو كان كما قال لكان التركيب بدون إلا انتهى، ولعمري إن ما قاله ابن عطية لا يقوله من له أدنى روية كما لا يخفى، ثم إنه لا دلالة في الآية على وقوع الإذن بالوقوع، وقيل فيها إشارة إلى الوقوع وذلك يوم القيامة فإن السماء فيه تتشقق وتقع على الأرض، وأنا ليس في ذهني من الآيات أو الأخبار ما هو صريح في وقوع السماء على الأرض في ذلك اليوم وإنما هي صريحة في المور والانشقاق والطي والتبدل وكل ذلك لا يدل على الوقوع على الأرض فضلاً عن أن يكون صريحاً فيه.

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الواحدة والثمانون

    سورة المؤمنون

    وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ

    قال السمين الحلبي فى تفسيره
    قوله: إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ فيه أوجهٌ،

    أحدُها: أنَّه متعلقٌ بـ " حافِظون " على التضمين. يعني مُمْسِكين أو قاصِرين. وكلاهما يتعدَّىٰ بـ على. قال تعالىٰ:
    أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
    [الأحزاب: 37]

    الثاني: أن " على " بمعنى " مِنْ " أي: إلاَّ مِنْ أزواجهم. فـ " على " بمعنى " مِنْ " ، كما جاءَتْ " مِنْ " بمعنى " على " في قوله
    وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ
    [الأنبياء: 77]، وإليه ذَهَب الفراءُ.

    الثالث: أَنْ يكونَ في موضع نصبٍ على الحالِ. قال الزمخشري: أي إلاَّ والين على أزواجِهم أو/ قَوَّامين عليهنَّ. مِنْ قولِك: كان فلان على فلانةَ فمات عنها، فخلف عليها فلانٌ. ونظيرُه: كان زيادٌ على البصرة أي: والياً عليها. ومنه قولُهم: " ثلاثةٌ تحت فلان، ومِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ المرأةُ فِراشاً ".

    الرابع: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه " غيرُ مَلومين ". قال الزمخشري: " كأنه قيل: يُلامُون إلاَّ على أزواجِهم أي: يلامون على كلِّ مباشِر إلاَّ على ما أُطْلِقَ لهم فإنهم غيرُ ملومين عليه ". قلت: وإنما لم يَجْعَلْه متعلقاً بـ " ملومين " لوجهين.

    أحدهما: أنَّ ما بعد " إنَّ " لا يَعْمل فيما قبلها

    والثاني: أنَّ المضافَ إليه لا يَعْمل فيما قبلَ المضاف، ولفسادِ المعنىٰ أيضاً.

    الخامس: أَنْ يُجْعل صلةً لحافظين. قال الزمخشري: " مِنْ قولِك: احفَظْ عَلَيَّ عِنَانَ فرسي " ، على تضمينِه معنى النفي كما ضُمِّن قولُهم: " نَشَدْتُك باللهِ إلاَّ فَعَلْتَ " معنى: ما طَلَبْتُ منك إلاَّ فِعْلَك. يعني: أَنَّ صورتَه إثباتُ ومعناه نفيٌ.

    قال الشيخ بعدما ذكَرْتُه عن الزمخشري: " وهذه وجوهٌ متكلَّفَةٌ ظاهرٌ فيها العُجْمَةُ " قلت: وأيُّ عُجْمَةٍ في ذلك؟ على أنَّ الشيخَ جعلها متعلقةً بـ " حافظون " على ما ذكره مِنَ التضمين. وهذا لا يَصِحُّ له إلاَّ بأَنْ يرتكبَ وجهاً منها: وهو التأويلُ بالنفيِ كـ " نَشَدْتُك الله " لأنه استثناءٌ مفرغ، ولا يكونُ إلاَّ بعد نفيٍ أو ما في معناه.

    السادس: قال أبو البقاء: " في موضعِ نصبٍ بـ حافِظُون " على المعنىٰ؛ لأنَّ المعنىٰ: صانُوها عن كل فَرْجٍ إلاَّ عن فروجِ أزواجِهم ". قلت: وفيه شيئان، أحدهما: تضمين " حافظون " معنىٰ صانُوا، وتضمينُ " على " معنىٰ " عن ".

    وقال الالوسي فى تفسيره

    والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إلا حال كونهم والين وقوامين على أزواجهم من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان ولذا سميت المرأة فراشاً أو متعلقة بمحذوف يدل عليه غَيْرُ مَلُومِينَ كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه، وكلا الوجهين ذكرهما الزمخشري

    فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ

    قال الالوسي فى تفسيره

    إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ استثناء منقطعاً، واختار بعضهم حمل الأهل على المشهور وإرادة امرأته وبنيه منه كما في سورة هود وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً

    ملحوظة

    ذكرنا الأية فی جوهرة سابقة

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثانية والثمانون
    سورة النور

    وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

    قال ابو حيان فى البحر المحيط:

    إلاّ الذين تابوا هذا الاستثناء يعقب جملاً ثلاثة، جملة الأمر بالجلد وهو لو تاب وأكذب نفسه لم يسقط عنه حد القذف، وجملة النهي عن قبول شهادتهم أبداً وقد وقع الخلاف في قبول شهادتهم إذا تابوا بناء على أن هذا الاستثناء راجع إلى جملة النهي، وجملة الحكم بالفسق أو هو راجع إلى الجملة الأخيرة وهي الثالثة وهي الحكم بفسقهم والذي يقتضيه النظر أن الاستثناء إذا تعقب جملة يصلح أن يتخصص كل واحد منها بالاستثناء أن يجعل تخصيصاً في الجملة الأخيرة، وهذه المسألة تكلم عليها في أصول الفقه وفيها خلاف وتفصيل، ولم أر من تكلم عليها من النحاة غير المهاباذي وابن مالك فاختار ابن مالك أن يعود إلى الجمل كلها كالشرط، واختار المهاباذي أن يعود إلى الجملة الأخيرة وهو الذي نختاره، وقد استدللنا على صحة ذلك في كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل. وقال الزمخشري: وجعل يعني الشافعي الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية وحق المستثنى عنده أن يكون مجرور بدلاً من هم في لهم وحقه عند أبي حنيفة النصب لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث مجموعهن جزاء الشرط يعني الموصول المضمن معنى الشرط كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوه وردوا شهادته وفسِّقوه أي اجمعوا له الحد والرد والفسق.

    إلاّ الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله غفور رحيم فينقلبون غير محدودين ولا مردودين ولا مفسقين انتهى. وليس يقتضي ظاهر الآية عود الاستثناء إلى الجمل الثلاث، بل الظاهر هو ما يعضده كلام العرب وهو الرجوع إلى الجملة التي تليها والقول بأنه استثناء منقطع مع ظهور اتصاله ضعيف لا يصار إليه إلاّ عند الحاجة.

    وقال القرطبي فى تفسيره

    الحادية والعشرون: قوله تعالى: إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ في موضع نصب على الاستثناء. ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. والمعنى ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، وردّ شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، إلا ما روي عن الشَّعْبِيّ على ما يأتي.

    وعاملٌ في فسقه بإجماع. واختلف الناس في عمله في ردّ الشهادة؛ فقال شُريح القاضي وإبراهيم النَّخَعِيّ والحسن البصريّ وسفيان الثَّوْريّ وأبو حنيفة: لا يعمل الاستثناء في ردّ شهادته، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى. وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال.وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قُبلت شهادته؛ وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقاً قبل الحدّ وبعده، وهو قول عامة الفقهاء. ثم اختلفوا في صورة توبته؛ فمذهب عمر بن الخطاب والشّعبِيّ وغيره، أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حُدّ فيه. وهكذا فعل عمر؛ فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أَجَزْت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجِز شهادته؛ فأكذب الشّبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كَلَدة أنفسهما وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل؛ فكان لا يقبل شهادته. وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة. وقالت فرقة ـ منها مالك تعالى وغيره ـ: توبته أن يَصْلُح ويَحْسُن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب؛ وحسبه الندم على قذفه والاستغفارُ منه وترك العود إلى مثله؛ وهو قول ابن جرير. ويروى عن الشّعبِيّ أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا تاب وظهرت توبته لم يُحدّ وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق؛ لأنه قد صار ممن يُرْضَى من الشهداء؛ وقد قال الله :
    وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ
    [طه: 82] الآية...

    الرابعة والعشرون: الاستثناء إذا تعقّب جُمَلاً معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعيّ وأصحابهما. وعند أبي حنيفة وجُلِّ أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور وهو الفسق؛ ولهذا لا تقبل شهادته، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة.

    وسبب الخلاف في هذا الأصل سببان:

    أحدهما: هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسِها في الاستقلال وحرفُ العطف محسّن لا مُشَرِّك، وهو الصحيح في عطف الجمل؛ لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض، على ما يعرف من النحو.

    السبب الثاني: يشبِّه الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة، فإنه يعود إلى جميعها عند الفقهاء، أو لا يُشبَّه به، لأنه من باب القياس في اللغة وهو فاسد على ما يعرف في أصول الفقه. والأصل أن كل ذلك محتمَل ولا ترجيح، فتعيّن ما قاله القاضي من الوقف. ويتأيّد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب الله كِلاَ الأمرين؛ فإن آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع باتفاق، وآية قتل المؤمن خطأ فيها ردّ الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق، وآية القذف محتملة للوجهين، فتعيّن الوقف من غير مَيْن. قال علماؤنا: وهذا نظر كليّ أصولي. ويترجح قول مالك والشافعيّ رحمهما الله من جهة نظر الفقه الجزئي بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق والنهي عن قبول الشهادة جميعاً إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له. وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أوْلى؛ والله أعلم. قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة؛ قال: وليس مَن نسب إلى الزنى بأعظم جرماً من مرتكب الزنى، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته؛ «لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى؛ مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ منها قوله تعالى:
    إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ـ إلى قوله ـ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ
    [المائدة: 33]. ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع؛ وقال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته. قال: وقوله: «أَبَداً» أي ما دام قاذفاً؛ كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً؛ فإن معناه ما دام كافراً. وقال الشَّعْبِي للمخالف في هذه المسألة: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله: «وأولئك هم الفاسِقون» تعليل لا جملة مستقلة بنفسها؛ أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلمَ لا تقبل شهادتهم.

    ثم توبة القاذف إكذابه نفسه، كما قال عمر لقَذَفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار. ولو كان تأويل الآية ما تأوّله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف أبداً، ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب؛ فسقط قولهم، والله المستعان.

    وقال الالوسي فى تفسيره


    ...وذكر بعض أجلة المحققين أن الحنفية إنما قالوا برجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة هنا لأن الجملتين الأوليين وردتا جزاء لأنهما أخرجتا بلفظ الطلب مخاطباً بهما الأئمة ولا يضر اختلافهما أمراً ونهياً والجملة الأخيرة مستأنفة بصيغة الإخبار دفعاً لتوهم استبعاد كون القذف سبباً لوجوب العقوبة التي تندرىء بالشبهة وهي قائمة هنا لأن القذف خبر يحتمل الصدق وربما يكون حسبة، ووجه الدفع أنهم فسقوا بهتك ستر العفة بلا فائدة حيث عجزوا عن الإثبات فلذا استحقوا العقوبة وحيث كانت مستأنفة توجه الاستثناء إليها...

    هذا وإلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب ذهب الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقد روى ذلك عن كل الجلال السيوطي في «الدر المنثور» وإلى ما ذهب إليه الشافعي من قبول شهادته ذهب مالك وأحمد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد والشعبـي والزهري ومحارب وشريح ومعاوية بن قرة وعكرمة وسعيد بن جبير على ما ذكره الطيبـي وعدّ ابن جبير من القائلين كقول الشافعي يخالفه ما سمعت آنفاً، وعد ابن الهمام شريحاً ممن قال كقول أبـي حنيفة وعن ابن عباس روايتان، وفي «صحيح البخاري» جلد عمر رضي الله تعالى عنه أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعاً بقذف المغيرة ثم استتابهم وقال من تاب قبلت شهادته، ومن تتبع تحقق أن أكثر الفقهاء قائلون كقول الشافعي عليه الرحمة ودعوى إجماع فقهاء التابعين عليه غير صحيحة كما لا يخفى والله تعالى أعلم...

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثالثة والثمانون
    وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير:
    إلا ما ظهر منها وفيه سبعة أقوال.

    أحدهما: انها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، وفي لفظ آخر قال هو الرداء.

    والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه.

    والثالث: الكحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس.

    والرابع: القُلْبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن مخرمة.

    والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد.

    والسادس: الخاتم والسوار، قاله الحسن.

    والسابع: الوجه والكفان

    سورة الفرقان


    وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً
    قال الالوسي فى تفسيره
    وقال ابن الأنباري: الجملة حالية والاستثناء من أعم الأحوال والتقدير إلا وإنهم. قال أبو حيان: وهو المختار،

    وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ هذا الاستثناءُ مفرَّغٌ. والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ أي: لا يَأْتُونك بمَثَلٍ إلاَّ في حالِ إتيانِنا إياك كذا

    قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ مَن شَآءَ : فيه وجهان،

    أحدُهما: هو منقطعٌ أي: لكنْ مَنْ شاءَ أَنْ يتَّخِذَ إلى ربه سبيلاً فَلْيَفْعَلْ.

    والثاني: أنه متصلٌ على حَذْفِ مضافٍ يعني: إلاَّ أجرَ مَنْ، أي: الأجر الحاصل على دعائِه إلى الإِيمانِ وقَبولِه؛ لأنَّه تعالى يَأْجُرُني على ذلك. كذا حكاه الشيخ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لم يُسْنِدِ السؤالَ المنفيَّ في الظاهر إلى اللهِ تعالى، إنما أسندَه إلى المخاطبين. فكيف يَصِحُّ هذا التقديرُ؟

    وقال ابن عطية فى المحرر الوجيز:

    وقوله إلا من شاء الظاهر فيه أنه استثناء منقطع، والمعنى مسؤولي ومطلوبي من شاء أن يهتدي ويؤمن ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة، قال الطبري المعنى لا أسألكم أجراً إلا إنفاق المال في سبيل الله فهو المسؤول وهو السبيل إلى الرب.

    قال الفقيه الإمام القاضي: فالاستثناء على هذا كالمتصل، وكأنه قال إلا أجر من شاء والتأويل الأول أظهر.

    وقال الرازى فى تفسيره

    أما قوله: إِلاَّ مَن شَاء فذكروا فيه وجوهاً متقاربة أحدها: لا يسألهم على الأداء والدعاء أجراً إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق في الجهاد وغيره، فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه وثانيها: قال القاضي: معناه لا أسألكم عليه أجراً لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم وثالثها: قال صاحب «الكشاف»: مثال قوله: إِلاَّ مَن شَاء والمراد إلا فعل من شاء، واستثناؤه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثواباً، فإني أطلب الثواب، والثانية إظهار الشفقة البالغة، وأن حفظك لمالك يجري مجرى الثواب العظيم الذي توصله إلي، ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة، وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله.

    وقال الالوسي

    { قُلْ } لهم دافعاً عن نفسك تهمة الانتفاع بإيمانهم { مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على تبليغ الرسالة الذي ينبىء عنه الإرسال أو على المذكور من التبشير والإنذار، وقيل: على القرآن { مِنْ أَجْرٍ } أي أجر ما من جهتكم { إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبّهِ } أي إلى رحمته ورضوانه { سَبِيلاً } أي طريقاً، والاستثناء عند الجمهور منقطع أي لكن ما شاء أن يتخذ إلى ربه سبحانه سبيلاً أي بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والنفقة في سبيل الله تعالى ليناسب الاستدراك فليفعل، وذهب البعض إلى أنه متصل، وفي الكلام مضاف مقدر أي إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بالإيمان والطاعة حسبما أدعو إليهما، وهو مبني على الادعاء وتصوير ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الإتيان به، وهذا كالاستثناء في قوله:
    ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم يعاب بنسيان الأحبة والوطن
    وفي ذلك قلع كلي لشائبة الطمع وإظهار لغاية الشفقة عليهم حيث جعل ذلك مع كون نفعه عائداً إليهم عائداً إليه صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى ما أسألكم عليه أجراً إلا أجر من آمن أي إلا الأجر الحاصل لي من إيمانه فإن الدال على الخير كفاعله وحينئذ لا يحتاج إلى الادعاء والتصوير السابق، والأولى ما فيه قلع شائبة الطمع بالكلية

    انتهي

    وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً

    قال الالوسي فى تفسيره

    إِلاَّ بِٱلْحَقّ متعلق بلا يقتلون والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها كالزنا بعد الإحصان والكفر بعد الإيمان، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي لا يقتلونها نوعاً من القتل إلا قتلاً ملتبساً بالحق وأن يكون حالاً أي لا يقتلونها في حال من الأحوال إلا حال كونهم ملتبسين بالحق. وقيل: يجوز أن يكون متعلقاً بالقتل المحذوف والاستثناء أيضاً من أعم الأسباب أي لا يقتلون النفس التي حرم الله تعالى قتلها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق. ويكون الاستثناء مفرغاً في الإثبات لاستقامة المعنى بإرادة العموم أو لكون حرم نفياً معنى, ولا يخفى ما فيه من التكلف وَلاَ يَزْنُونَ ولا يطؤن فرجاً محرماً عليهم.

صفحة 5 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •