صفحة 4 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 108

الموضوع: أسرار الاستثناء فى كتاب الله

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثالثة والخمسون

    حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ

    ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ

    قال الامام الالوسي فى تفسيره

    والاستثناء جوز أن يكون متصلاً إن أريد بالأهل الأهل إيماناً، وأن يكون منقطعاً إن أريد به الأهل قرابة،


    ويكفي في صحة الاستثناء المعلومية عند المراجعة إلى أحوالهم والتفحص عن أعمالهم، وجيء بعلى لكون السابق ضاراً لهم كما جيء باللام فيما هو نافع في قوله تعالى:
    وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ
    [الصافات: 171] وقوله سبحانه:
    إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ
    [الأنبياء: 101].

    وَمَنْ آمَنَ عطف على الأهل أي والمؤمنين من غيرهم وإفراد أولئك منهم للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في آمَنَ محافظة على لفظ مِنْ للإيذان بالقلة كما أفصح عن ذلك قوله تعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ قيل: كانوا سبعة زوجته وأبناؤه الثلاثة وكنائنه الثلاث، وروي هذا عن قتادة والحكم بن عقبة وابن جريج ومحمد بن كعب، ويرده عطف وَمَنْ آمَنَ على الأهل إلا أن يكون الأهل بمعنى الزوج فإنه قد ثبت بهذا المعنى لكن قيل: إنه خلاف الظاهر، والاستثناء عليه منقطع أيضاً،


    ملحوظة

    قال الامام الالوسى

    والاستثناء جوز أن يكون متصلاً إن أريد بالأهل الأهل إيماناً، وأن يكون منقطعاً إن أريد به الأهل قرابة،


    وقال الامام ابو السعود فى تفسير ارشاد العقل السليم

    والاستثناءُ منقطِعٌ إن أريد بالأهل الأهلُ إيماناً وهو الظاهرُ كما ستعرفه أو متصلٌ إن أريد به الأهلُ قرابة

    فى الحقيقة اخى الحبيب الذى افهمه قول الامام ابى السعود وليس الامام الالوسي وربما خطا فى الناسخ فى تفسير الالوسي الله اعلم

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الرابعة والخمسون

    قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون

    قوله تعالى: لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ : فيه أقوالٌ،

    أحدها: أنه استثناءٌ منقطع، وذلك أن تَجْعَلَ عاصماً على حقيقته، ومَنْ رَحِم هو المعصوم، وفي " رَحِم " ضميرٌ مرفوعٌ يعود على اللَّه تعالىٰ، ومفعولُه ضميرُ الموصولِ وهو " مَنْ " حُذِف لاستكمالِ الشروط، والتقدير: لا عاصمَ اليومَ البتةَ مِنْ أمر اللَّه، لكن مَنْ رَحِمه اللَّه فهو معصوم.


    الثاني: أن يكونَ المرادُ بـ " مَنْ رَحِم " هو الباري تعالى كأنه قيل: لا عاصمَ اليومَ إلا الراحمَ.


    الثالث: أن عاصماً بمعنى مَعْصوم، وفاعِل قد يجيءُ بمعنىٰ مفعول نحو: ماء دافق، أي: مدفوق، وأنشدوا:2666 ـ بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا مِ أَمْسى فؤادي به فاتِنا
    أي مفتوناً، و " مَنْ " مرادٌ بها المعصومُ، والتقدير: لا معصومَ اليومَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إلا مَنْ رحمه اللَّه فإنه يُعْصَم. ا

    الرابع: أن يكون " عاصم " هنا بمعنى النَّسَب، أي: ذا عِصْمة نحو: لابن وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم، والمرادُ به هنا المَعْصوم.

    وهو على هذه التقاديرِ استثناءٌ متصلٌ، وقد جعله الزمخشري متصلاً لمَدْرك آخرَ، وهو حذفُ مضافٍ تقديرُه: لا يعصمك اليومَ معتصِمٌ قط مِنْ جبلٍ ونحوِه سوى معتصمٍ واحد، وهو مكان مَن رحمهم اللَّه ونجَّاهم، يعني في السفينة ".

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الخامسة والخمسون

    قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ



    قال السمين الحلبى فى الدر المصون


    قوله: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ابن كثير وأبو عمرو برفع " امرأتك " والباقون بنصبها.



    وفي هذه الآية الكريمة كلامٌ كثيرٌ لا بد من استيفائه.


    أمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان،

    أشهرُهما عند المعربين: أنَّه على البدل من " أحد " وهو أحسن من النصب، لأنَّ الكلام غيرُ موجَب. وهذا الوجهُ قد رَدَّه أبو عبيد بأنه يَلْزَمُ منه أنهم نُهوا عن الالتفات إلا المرأة، فإنها لم تُنْهَ عنه، وهذا لا يجوزُ، ولو كان الكلامُ " ولا يلتفت " برفع " يلتفت " يعني على أنْ تكونَ " لا " نافيةً، فيكون الكلام خبراً عنهم بأنهم لم يَلْتفتوا إلا امرأته فإنها تلتفت، لكان الاستثناء بالبدلية واضحاً، لكنه لم يقرأ برفع " يلتفت " أحد.

    وقد استحسن ابنُ عطيةَ هذا الإِلزامَ من أبي عبيد، وقال: " إنه وارِدٌ على القول باستثناءِ المرأة من " أحد " سواءً رَفَعْتَ المرأة أو نَصَبْتها ". قلت: وهذا صحيحٌ، فإن أبا عبيد لم يُرِد الرفعَ لخصوصِ كونه رفعاً، بل لفسادِ المعنىٰ، وفسادُ المعنىٰ دائر مع الاستثناء من " أحد " ، وأبو عبيد يُخَرِّج النصبَ على الاستثناء من " بأهلك " ، ولكنه يَلْزم من ذلك إبطالُ قراءة الرفع، ولا سبيلَ إلى ذلك لتواترها.

    وقد انفصل المبردُ عن هذا الإِشكالِ الذي أورده أبو عبيد بأن النهيَ في اللفظ لـ " أحد " وهو في المعنى للوط ، إذ التقدير: لا تَدَعْ منهم أحداً يلتفت، كقولك لخادمك: " لا يَقُمْ أحدٌ " النهيُ لأحد، وهو في المعنىٰ للخادم، إذ المعنى: " لا تَدَعْ أحداً يقوم ".

    قلت: فآل الجواب إلى أنَّ المعنىٰ: لا تَدَعْ أحداً يلتفت إلا امرأتك فَدَعْها تلتفت، هذا مقتضى الاستثناء كقولك: " لا تَدَعْ أحداً يقوم إلا زيداً، معناه: فَدَعْه يقوم. وفيه نظر؛ إذ المحذور الذي قد فرَّ منه أبو عبيد موجودٌ هو أو قريب منه هنا.

    والثاني: أن الرفعَ علىٰ الاستثناءِ المنقطع،

    والقائلُ بهذا جعل قراءةَ النصبِ أيضاً من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان عنده على حَدٍّ سواء،

    ولنسْرُدْ كلامه لنعرفَه فقال:

    " الذي يظهر أن الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع، لم يُقْصَدْ به إخراجُها من المأمور بالإِسراء معهم، ولا من المنهيين عن الالتفاتِ، ولكن استؤنف الإِخبار عنها، فالمعنىٰ: لكن امرأتَك يَجْري لها كذا وكذا، ويؤيد هذا المعنى أن مثلَ هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناءٌ البتةَ، قال تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ الآية. فلم تقع العنايةُ في ذلك إلا بذكر مَنْ أنجاهم اللَّه تعالىٰ، فجاء شرح حالِ امرأتِه في سورة هود تبعاً لا مقصوداً بالإِخراج مما تقدم، وإذا اتضح هذا المعنى عُلم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع، وفيه النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليه الأكثر، والرفع لغة تميم وعليه اثنان من القراء ".

    قال الشيخ: " وهذا الذي طوَّل به لا تحقيقَ فيه، فإنه إذا لم يُقْصَدْ إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من/ المَنْهِيِّين عن الالتفاتِ، وجُعل استثناءً منقطعاً، كان من المنقطع الذي لم يتوجَّهْ عليه العاملُ بحال، وهذا النوع يجب فيه النصبُ على كلتا اللغتين، وإنما تكون اللغتان في ما جاز توجُّهُ العاملِ عليه، وفي كلا النوعين يكون ما بعد " إلا " من غير الجنس المستثنىٰ، فكونُه جازَ في اللغتان دليل على أنه يمكن أن يتوجَّه عليه العامل، وهو قد فرض أنه لم يُقْصَدْ بالاستثناء إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات، فكان يجب فيه إذ ذاك النصبُ قولاً واحداً ".

    [قلت: القائل بذلك هو الشيخ شهاب الدين أبو شامة]. وأمَّا قولُه: " إنه لم يتوجَّهْ عليه العامل " ليس بمسلَّم، بل يتوجَّه عليه في الجملة، والذي قاله النحاة ممَّا لم يتوجَّهْ عليه العاملُ من حيث المعنى نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، وهذا ليس مِنْ ذاك، فكيف يُعْترض به على أبي شامة؟.
    .

    وأمَّا النصبُ ففيه ثلاثة أوجه،


    أحدها: أنه مستثنىٰ مِنْ " بأهلك " ، واستَشْكلوا عليه إشكالاً من حيث المعنى: وهو أنه يلزم ألاَّ يكونَ سَرَى بها، لكن الفرضِ أنه سرىٰ بها، يدلُّ عليه أنها التفتَتْ، ولو لم تكن معهم لمَا حَسُن الإِخبار عنها بالالتفات، فالالتفاتُ يدلُّ على كونها سَرَتْ معهم قطعاً. وقد أُجيب عنه بأنه لم يَسْرِ هو بها، ولكن لمَّا سَرَى هو وبنتاه تَبِعَتْهم فالتفتت، ويؤيِّد أنه استثناء من الأهل ما قرأ به عبد اللَّه وسقط مِنْ مصحفه " فَأَسْر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك " ولم يذكر قوله وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ .

    والثاني: أنه مستثنىٰ مِنْ " أحد " وإن كان الأحسنُ الرفعَ إلا أنه جاء كقراءة ابن عامر مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ [النساء: 66] بالنصبِ مع تقدُّم النفي الصريح. وقد تقدَّم لك هناك تخريجٌ آخرُ لا يمكن ههنا.

    والثالث: أنه مستثنىٰ منقطعٌ على ما قدَّمْتُه عن أبي شامة.

    وقال الزمخشري: " وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معهم، وأُمِرَ أَنْ لا يلتفتَ منهم أحد إلا هي، فلما سَمِعَتْ هِدَّة العذاب التفتَتْ وقالت: يا قوماه، فأدركها حجرٌ فقتلها، ورُوي أنه أُمِر بأن يُخَلِّفَها مع قومها فإنَّ هواها إليهم ولم يَسْرِ بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين ".

    قال الشيخ: " وهذا وهمٌ فاحشٌ، إذ بنىٰ القراءتين على اختلاف الروايتين مِنْ أنه سَرَىٰ بها أو لم يَسْرِ بها، وهذا تكاذُبٌ في الإِخبار، يستحيل أن تكن القراءتان ـ وهما مِنْ كلام اللَّه تعالىٰ ـ يترتبان على التكاذب ". قلت: وحاشَ للَّه أن تترتب القراءتان على التكاذُب، ولكن ما قاله الزمخشري صحيحٌ، الفرض أنه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ، لأنَّ مَنْ قال إنه سَرَىٰ بها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحِبةً لهم في أوائل الأمر، ثم أخذها العذاب فانقطع سُراها، ومن قال إنه لم يَسْرِ بها، أي: لم يَأْمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فَصَحَّ أن يقال: إنه سَرَى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناسُ بهذا وهو حسنٌ.

    وقال الشيخ أبو شامة: " ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاةُ معنى حسنٌ، وذلك أن يكون في الكلام اختصارَ نَبَّهَ عليه اختلافُ القراءتين فكأنه قيل: فَأَسْرِ بأهلِك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيدة وغيره أنها في مصحف عبد اللَّه هكذا، وليس فيها وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ فهذا دليلٌ على استثنائها مِن السُّرى بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجَتْ معكم وتَبِعَتْكم ـ غيرَ أن تكونَ أنت سَرَيْتَ بها ـ فانْهَ أهلك عن الالتفات غيرَها، فإنها ستلتفت فيُصيبها ما أصاب قومها، فكانت قراءةُ النصب دالَّةً على المعنى المتقدم، وقراءةُ الرفع دالَّةً على المعنى المتأخر، ومجموعُهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح " وهو كلامٌ حسنُ شاهدٌ لِما ذكرته.

    وقال القرطبي فى تفسيره


    إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ بالنصب؛ وهي القراءة الواضحة البيّنة المعنى؛ أي فأسر بِأهلِك إلا ٱمرأتك. وكذا في قراءة ٱبن مسعود «فأسرِ بِأهلِك إِلا ٱمرأتك» فهو ٱستثناء من الأهل. وعلى هذا لم يخرج بها معه. وقد قال الله :
    كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
    [الأعراف: 83] أي من الباقين.

    وقرأ أبو عمرو وٱبن كثير: «إِلا ٱمرأتُك» بالرفع على البدل من «أحد». وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد؛ وقال: لا يصح ذلك إلا برفع «يلتفت» ويكون نعتاً؛ لأن المعنى يصير ـ إذا أبدلت وجزمت ـ أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك.

    قال النحاس: وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون؛ والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج فلان؛ فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب؛ أي لا تدعه يخرج؛ ومثله قولك: لا يقم أحد إلا زيد؛ يكون معناه: ٱنههم عن القيام إلا زيداً؛ وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره؛ كأنه قال: ٱنههم لا يلتفت منهم أحد إلا ٱمرأتك.

    ويجوز أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام؛ أي لا يلتفت منكم أحد إلا ٱمرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطاً خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته؛ فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها.

    وقال ابن كثير فى تفسيره

    إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ قال الأكثرون: هو استثناء من المثبت، وهو قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ تقديره: إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء امرأتك لأنه من مثبت، فوجب نصبه عندهم،


    وقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله: وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ فجوزوا الرفع والنصب.

    وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم، وأنها لما سمعت الوجبة، التفتت، وقالت: واقوماه فجاءها حجر من السماء، فقتلها،

    وقال الرازى فى تفسيره

    واعلم أن القراءة بالرفع أقوى، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطاً بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين

    وأما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلاً ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعاً.

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة السادسة والخمسون

    خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

    قال الامام السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ فيه أقوال كثيرة منتشرة لخّصتها في أربعةَ عشرَ وجهاً،

    أحدها: ـ وهو الذي ذكره الزمخشريُّ فإنه قال: " فإنْ قلت: ما معنى الاستثناء في قوله: إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ وقد ثَبَتَ خلودُ أهلِ الجنة والنار في الأبد مِنْ غير استثناء؟ قلت: هو استثناء مِن الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة، وذلك أنَّ أهل النار لا يُخَلَّدون في عذابها وحدَه، بل يُعَذَّبون بالزمهرير، وبأنواعٍ أُخَرَ من العذاب، وبما هو أشدُّ من ذلك وهو سُخْط اللَّه عليهم، وكذا أهل الجنة لهم مع نعيم الجنة ما هو أكبرُ منه كقوله:
    وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ
    [التوبة: 72]، والدليل عليه قوله:
    عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
    [هود: 108]، وفي مقابله إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ، أي: يَفْعل بهم ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة ما لا انقطاعَ له ". قال الشيخ: " ما ذكره في أهل النار قد يتمشىٰ لأنهم يَخْرُجون من النار إلى الزمهرير فيصحُّ الاستثناء، وأما أهل الجنة فلا يخرجون من الجنة فلا يصحُّ فيهم الاستثناء ". قلت: الظاهر أنه لا يصحُّ فيهما؛ لأنَّ أهلَ النار مع كونهم يُعَذَّبون بالزمهرير هم في النار أيضاً.

    الثاني: أنه استثناءٌ من الزمان الدالِّ عليه قوله: " خالدين فيها ما دامَتِ السماواتُ والأرضُ " والمعنى: إلا الزمان الذي شاءه اللَّه فلا يُخَلَّدون فيها.

    الثالث: أنه مِنْ قوله: " ففي النار " و " ففي الجنة " ، أي: إلا الزمان الذي شاءَه اللَّهُ فلا يكون في النار ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمانُ المستثنىٰ هو الزمان الذي يَفْصِل اللَّهُ فيه بين الخلق يومَ القيامة إذا كان الاستثناءُ مِن الكون في النار أو في الجنة، لأنه زمانٌ يخلو فيه الشقيُّ والسعيدُ مِنْ دخول النار والجنة، وأمَّا إن كان الاستثناءُ مِنْ الخلود يمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمانُ المستثنىٰ هو الزمان الذي فات أهلَ النارِ العصاةَ من المؤمنين الذي يَخْرجون من النار ويَدْخلون الجنة فليسوا خالدين في النار، إذ قد أخرجوا منها وصاروا إلى الجنة. وهذا المعنى مَرْوِيٌّ عن قتادة والضحاك وغيرهما، والذين شَقُوا على هذا شامل للكفار والعصاة، هذا في طرفِ الأشقياء العُصاة ممكنٌ، وأمَّا حقُّ الطرف الآخر فلا يتأتَّى هذا التأويلُ فيه؛ إذ ليس منهم مَنْ يدخلُ الجنةَ ثم لا يُخَلَّد فيها.


    قال الشيخ: يمكن ذلك/ باعتبار أن يكونَ أريد الزمان الذي فاتَ أهلَ النار العصاة من المؤمنين، أو الذي فات أصحابَ الأعراف، فإنه بفوات تلك المدة التي دخل المؤمنون فيها الجنة وخُلِّدوا فيها صَدَقَ على العصاة المؤمنين وأصحابِ الأعراف أنهم ما خُلِّدوا في الجنة تخليدَ مَنْ دخلها لأولِ وَهْلة ".

    الرابع: أنه استثناءٌ من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهو قوله: " ففي النار " و " ففي الجنة "؛ لأنه لمَّا وقع خبراً تحمَّل ضميرَ المبتدأ.

    الخامس: أنه استثناءٌ من الضمير المستتر في الحال وهو " خالدين " ، وعلى هذين القولين تكون " ما " واقعةً على مَنْ يعقل عند مَنْ يرى ذلك، أو على أنواعٍ مَنْ يعقل كقوله:
    مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ
    [النساء: 3] والمراد بـ " ما " حينئذٍ العصاةُ من المؤمنين في طرفِ أهل النار، وأمَّا في طرف أهل الجنة فيجوز أن يكونوا هم أو أصحابُ الأعراف، لأنهم لم يدخلوا الجنة لأولِ وهلة ولا خُلِّدوا فيها خلودَ مَنْ دَخَلها أولاً.

    السادس: قال ابن عطية: " قيل: إنَّ ذلك على طريقِ الاستثناء الذي نَدَبَ الشارعُ إلى استعماله في كل كلامٍ فهو كقولِه:
    لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ
    [الفتح: 27]، استثناء في واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط، كأنه قال: إنْ شاء اللَّه، فليس يحتاج أن يُوْصَفَ بمتصل ولا منقطع ".

    السابع: هو استثناءٌ من طول المدة، ويروى عن ابن مسعود وغيره، أنَّ جهنمَ تخلو مِن الناس وتَخْفِق أبوابُها فذلك قولُه: إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ . وهذا مردودٌ بظواهر الكتابِ والسنة، وما ذكرته عن ابن مسعود فتأويله أنَّ جهنم هي الدَّرَك الأَعْلى، وهي تَخْلو من العُصاة المؤمنين، هذا على تقديرِ صحةِ ما نُقِل عن ابن مسعود.

    الثامن: أن " إلا " حرفُ عطفٍ بمعنى الواو، فمعنى الآية: وما شاءَ ربُّك زائداً على ذلك.

    التاسع: أن الاستثناءَ منقطعٌ، فيقدَّر بـ " لكن " أو بـ " سوىٰ " ، ونَظَّروه بقولك: " لي عليك ألفا درهم، إلا الألفَ التي كنت أسلفتك " بمعنىٰ سوى تلك، فكأنه قيل: خالدين فيها ما دامت السماواتُ والأرضُ سوى ما شاء ربك زائداً على ذلك. وقيل:سوى ما أعدَّ لهم مِنْ عذابٍ غيرِ عذابِ النار كالزَّمْهرير ونحوِه.

    العاشر: أنه استثناءٌ من مدة السماوات والأرض التي فَرَطَت لهم في الحياة الدنيا.

    الحادي عشر: أنه استثناءٌ من التدرُّج الذي بين الدنيا والآخرة.

    الثاني عشر: أنه استثناءٌ من المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولُهم إنما هو زُمَراً بعد زُمَر.

    الثالث عشر: أنه استثناءٌ من قوله: " ففي النار " كأنه قال: إلا ما شاء ربُّك مِنْ تأخُّر قوم عن ذلك، وهذا القولُ مرويٌّ عن أبي سعيد الخدري وجابر.

    الرابع عشر: أنَّ " إلا ما شاء " بمنزلة كما شاء، قيل: كقوله:
    مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ
    [النساء: 22]، أي: كما قَدْ سَلَفَ.

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:

    قوله تعالى: إِلا ما شاء ربك في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة أقوال.

    أحدها: أن الاستثناء في حق الموحِّدين الذين يخرجون بالشفاعة، قاله ابن عباس، والضحاك.

    والثاني: أنه استثناء لا يفعله، تقول: والله لأضربنَّك إِلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، ذكره الفراء، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس: «إِلا ما شاء ربك» قال: فقد شاء أن يخلَّدوا فيها. قال الزجاج: وفائدة هذا، أنه لو شاء أن يرحمهم لرحمهم، ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبداً.

    والثالث: أن المعنى: خالدين فيها أبداً، غير أن الله تعالى يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، فيرجع الاستثناء إِلى تلك الحال، قاله ابن مسعود.

    والرابع: أن «إِلا» بمعنى «سوى» تقول: لو كان معنا رجل إِلا زيد، أي: سوى زيد؛ فالمعنى: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة، وهذا اختيار الفراء. قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام أن تقول: لأُسْكنَنَّك في هذه الدار حولاً إِلا ما شئتَ؛ تريد: سوى ما شئتَ أن أزيدك.

    والخامس: أنهم إِذا حُشروا وبُعثوا، فهم في شروط القيامة؛ فالاستثناء واقع في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب، فالمعنى: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إِلا مقدار موقفهم للمحاسبة، ذكره الزجاج. وقال ابن كيسان: الاستثناء يعود إِلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب؛ قال ابن قتبية: فالمعنى: خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إِلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك، فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب تستعمل، وإن كانتا قد تتغيَّران. واستثنى المشيئة من دوامهما، لأن أهل الجنة والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا، لا في الجنة، ولا في النار.

    والسادس: أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيراً وشهيقاً، إِلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تُذكر؛ وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذُكر، ولهم مما لم يُذكر ما شاء ربك، ذكره الزجاج أيضاً.

    والسابع: أن «إِلا» بمعنى «كما» ومنه قوله:
    ولا تَنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إِلا ما قد سلف
    [النساء 22]، ذكره الثعلبي.

    وقال الالوسي

    { إِلاَّ مَا شَآء رَبُّكَ } قيل: هو استثناء من الضمير المستكن في { خَـٰلِدِينَ } وتكون { مَا } واقعة على نوع من يعقل كما في قوله سبحانه:{ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَآء } [النساء: 3] أو واقعة على من يعقل على مذهب من يرى وقوعها عليه مطلقاً. والمراد بمن شاء فساق الموحدين فإنهم يخرجون منها كما نطقت به الأخبار، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، والتأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، ألا ترى أنك إذا قلت: مكثت يوم الخميس في البستان إلا ثلاث ساعات جاز أن يكون ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوله ومن آخره، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال: فعلى هذا لا يكون قوله سبحانه:{ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } [هود: 105] تقسيماً صحيحاً لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط حيث الانفصال حقيقي أو مانع من الجمع، وهٰهنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون من القسمين وأن حالهم لا تخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص واحد باعتبارين انتهى، وهو ما ذكره الإمام وآثره القاضي.

    واعترض بأنه لا دلالة في اللفظ على المبدأ المعين ولو سلم فالاستثناء يقتضي إخراجاً عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول، فكيف ينتقض بما سبق عليه؟ كيف وقد سبق قوله تعالى: { فِي ٱلْجَنَّةِ }؟ ثم قيل: فإن قلت: زمان تفرقهم عن الموقف هو الابتداء وهو آخر يوم يأتي قلت: إن ادعي أن الابتداء من ابتداء ذلك الزمان جاز أن يسلم دلالة اللفظ عليه ولا ينفع لأن الكل في الدارين غير خالدين على هذا التقدير، وأما جعل ابتداء المدة من انتهائه فلا، وبأن تقابل الحكمين يدل على تقابل القسمين بمعنى منع الجمع مطلقاً؛ وأجيب ـ بعد غمض العين عما في ذلك من الخروج عن آداب المناظرة ـ بأن مبدأ زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول أهل النار في النار، ويدل على ذلك اتحاد معيار الخلودين، وهو { مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فإنه يدل على زمان خلودهما ولا اتحاد مع الاختلاف في المبدأ، والاستثناء عن حكم الخلود من مبدأ معين يكون بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة.

    وخلاصة المعنى على هذا أن السعداء كلهم خالدون في الجنة من زمان دخول أهل النار في النار إلا العصاة منهم الذين أراد الله سبحانه دخولهم في النار مدة معينة علمها عنده جل وعلا، وما ذكر من حديث تقابل الحكمين إن أريد تقابلهما بمعنى منع الجمع فلا تقابل فيهما بهذا المعنى لاجتماعهما في العصاة، وإن أريد مطلقاً فلا دلالة على تقابل القسمين بذلك المعنى انتهى.

    ولا يخفى على المنصف ما في ذلك القول من التكلف ومخالفة الظاهر والانتصار له بما ذكر لا يجديه نفعاً، وقيل: هو استثناء من الضمير المتقدم إلا أن الحكم الخلود في عذاب النار، وكذا يقال فيما بعد: إن الحكم فيه الخلود في نعيم الجنة وأهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى منها كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله تعالى الذي هو أكبر وما يتفضل به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو سبحانه وتعالى، وإلى هذا ذهب الزمخشري سالاً سيف البغي والاعتزال، وقد رده العلامة الطيبـي وأطال الكلام في ذلك.

    وقال «صاحب الكشف»: إن ذلك في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهرير، والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليباً أما دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فكلا، ألا ترى إلى قوله تعالى:{ نَاراً تَلَظَّىٰ } [الليل: 14]{ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } [التحريم: 6] وكم وكم، وأما رضوان الله تعالى عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف وقوله سبحانه: { خَـٰلِدِينَ فِيهَا } لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلاً عن انفرادها بتنعمهم إلا أن يخصص بجنة الثواب لا محض التفضل، وكفاه بطلاناً التخصيص من غير دليل، واعترض بأن لك أن تقول: هجر الأصل في الآيتين اللتين ذكرتا علم من الوصف، وفي هذه الآية ذكرها في مقابلة الجنة يعضد أن المراد بها دار العقاب مطلقاً.

    وقيل: إن الاستثناء مفرغ من أعم الأوقات و { مَا } على أصلها لما لا يعقل وهو الزمان والحكم الكون في النار، والمعنى أما الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زماناً شاء الله تعالى فيه عدم / كونهم فيها وهو زمان موقف الحساب، واعترض بأن عصاة المؤمنين الداخلين النار إما سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى وليس كذلك أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار وهو خلاف مذهب أهل السنة، وأيضاً تأخره عن الحال ـ ولا مدخل لها في الاستثناء ـ لا يفصح، والإبهام بقوله سبحانه: { إِلاَّ مَا شَآء رَبُّكَ } والتفخيم الذي يعطيه لا يبقى له رونق، وأجيب بأنه قد يقال: إن القائل بذلك يخص الأشقياء بالكفار والسعداء بالأتقياء ويكون العصاة مسكوتاً عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان سنياً وإن كان معتزلياً فقد وافق سنن طبعه، ويجاب عما بعد بالمنع، وقيل: أمر الاستثناء ما علمت إلا أن المستثنى مدة لبثهم في الدنيا أو البرزخ ويقطع النظر عن{ يَوْمَ يَأْتِ } [هود: 105] والمعنى أنهم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زماناً شاء الله تعالى لبثهم في الدنيا أو البرزخ، والمراد مع زمان الموقف إذ ليسوا في زمانه أيضاً في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فلا يحتاج للمعية لكن يرد أنهم معذبون في البرزخ أيضاً إلا أن يقال: لا يعتد بذلك لأنه عذاب غير تام لعدم تمام حياتهم فيه، وأورد عليه ما أورد على ما قبله، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأول وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه ما يدل على تعيين زمان حتى لا يمكن الزيادة عليه وهو كما ترى.

    وقيل: هو استثناء من قوله سبحانه:{ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [هود: 106] ورد بأن المقابل لا يجري فيه هذا ويبقى الإشكال، وأجيب بأن المراد ذكر ما تحتمله الآية والإطراد ليس بلازم، وتعقب بأنه ليس المراد إلا بيان ضعف هذا الوجه وكفى بعدم الإطراد ضعفاً، وقيل: { إِلا } بمعنى سوى كقولك: لك عليّ ألفان إلا الألف التي كانت يعني سواها، ونقل ذلك عن الزجاج والفراء والسجاوندي، والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض، والاستثناء في ذلك منقطع، ويحتمل أن يريدوا أن { إِلا } بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها مقدار مدة السماوات والأرض سوى تعالى مما لا يتناهى، وضعف هذا القيل بأنه يلزم حمل السماوات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غير نظر إلى معنى التأييد وهو فاسد، وقيل: { إِلا } بمعنى الواو أي وما شاء ربك زائداً على ذلك، واستشهد على مجيئها بمعنى الواو بقوله:


    وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك (إلا) الفرقدان
    وفيه أن هذا قول مردود عند النحاة، وقال العلامة الطيبـي: الحق الذي لا محيد عنه أن يحمل { مَا } على من لإرادة الوصفية وهي المرحومية، و { خَـٰلِدِينَ } حال مقدرة من ضمير الاستقرار أن في النار، والمعنى وأما الذين شقوا ففي النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله تعالى أن لا يستقر مخلداً فيفيد أن لا يستقر فيها مطلقاً أو يستقر غير مخلد، وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص، وفي ذلك إيذان بأن إخراجهم بمحض رحمة الله تعالى فينطبق عليه قوله سبحانه: { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } وتعقب بأنه لا يجري في المبال إلا بتأويل الإمام وقد مر ما فيه، أو بجعله من أصل الحكم ويقتضي أن لا يدخلوا أصلاً، وإذا أول بمقدرين فلو جعل استثناء من مقدرين لم يتجه، ومن قوله تعالى: { فِي ٱلنَّارِ } فلا يكون لهم دخول أصلاً، ودلالة { مَا } لإبهامها إما على التفخيم أو التحقير ولا يطابق المقام، وقيل: وقيل، والأوجه أن يقال: إن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير فمعنى إلا ما شاء إن شاء لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان مستثنى من مدة خلودهم لكن ذلك لا يقع لدلالة القواطع على عدم وقوعه، / وهذا كما قال الطيبـي من أسلوب{ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمّ ٱلْخِيَاطِ } [الأعراف: 40]{ وَلاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } [الدخان: 56] وذكر أنه وقف على نص من قبل الزجاج يوافق ذلك.

    وفي «المعالم» عن الفراء أيضاً ما يوافقه حيث نقل عنه أنه قال: هذا استثناء استثناه سبحانه ولا يفعله كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه، وحذو القذة بالقذة ما نقله قبل عن بعضهم أن المعنى لو شاء لأخرجهم لكنه لا يشاء لأنه سبحانه حكم لهم بالخلود.

    وفي «البحر» عن ابن عطية نقلاً عن بعض ما هو بمعناه أيضاً حيث قال: ((وأما قوله تعالى: { إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } فقيل فيه: إنه على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام فهو على نحو قوله جل وعلا:{ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ } [الفتح: 27] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قيل: إن شاء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع)) وممن ذهب إلى ذلك أيضاً الفاضل ميرزاجان الشيرازي في «تعليقاته على تفسير القاضي» ونص على أنه من قبيل التعليق بالمحال حتى يثبت محالية المعلق ويكون كدعوى الشيء مع بينة، وهو أحد الأوجه التي ذكرها السيد المرتضى في «درره».

    وتفسير الاستثناء الأول بالشرط أخرجه ابن مردويه عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك الجلال السيوطي في الدر المنثور، ولعل النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل: إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لاحق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى: { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ }.

    وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه كما ذهب إليه المعتزلة حيث أخبر به جل وعلا مؤكداً، والمراد ـ بالذين شقوا ـ على هذا الوجه الكفار فقط فإنهم الأحقاء بهذا الاسم على الحقيقة ـ وبالذين سعدوا ـ المؤمنون كافة مطيعهم وعاصيهم فيكون التقسيم في قوله سبحانه:{ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } [هود: 105] للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى:{ فَفِي ٱلْجَنَّةِ } [هود: 108] لأنه يصدق بالدخول في الجملة.

    وفي «الكشف» بعد نقل أن الاستثناء من باب{ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ } [الأعراف: 40] فإن قلت: فقد حصل مغزى الزمخشري من خلود الفساق، قلت: لا كذلك لأنهم داخلون في السعداء، والآية تقتضي خلود السعيد وذلك بعد دخوله فيها لا محالة، ولا تنفي كينونته في النار قبل دخوله في الجنة فإن اللفظ لا يقتضي أن يدخلوا ـ أعني السعداء ـ كلهم في الجنة معا كيف والقاطع يدل على دخولهم أولا فأولا عى حسب مراتبهم انتهى فتأمل، فإن الآية من المعضلات.

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة السابعة والخمسون

    وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير:


    فأما الاستثناء في حق أهل الجنة، ففيه ستة أقوال:

    أحدها: أنه استثناء لا يفعله.

    والثاني: أن «إِلا» بمعنى «سوى».

    والثالث: أنه يرجع إِلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور.

    والرابع: أنه بمعنى: إِلا ما شاء أن يزيدَهم من النعيم الذي لم يُذكر.

    والخامس: أن «إِلا» كـ «ما»، وهذه الأقوال قد سبق شرحها.

    والسادس: أن الاستثناء يرجع إِلى لبث من لبث في النار من الموحِّدين، ثم أُدخل الجنة، قاله ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. قال ابن قتيبة: فيكون الاستثناء من الخلود مُكث أهل الذنوب من المسلمين في النار، فكأنه قال: إِلا ما شاء ربك من إِخراج المذنبين إِلى الجنة، وخالدين في الجنة إِلا ما شاء ربك من إِدخال المذنبين النارَ مدَّةً.


    ملحوظة

    قال الامام النسفى فى مدار التنزيل:

    هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ورضوانه،

    والله اعلم

    قلت انا اسامة خيرى العجيب تجد ان المفسرين اطنبوا فى الاستثناء الاول اما فى هذه الاية لم يتكلموا عنها وهى أشد حيره من الاولي فى نظري ولم اجد من فتح كنزها الا النسفي وكأن اهل الجنة عند رؤية الله عز وجل خرجوا من الجنة فلايلتفتوا الي نعيم الجنة عند يوم المزيد وفى الحديث

    إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: تُرِيدُونَ شيئًا أزِيدُكُمْ؟ فيَقولونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ، وتُنَجِّنا مِنَ النَّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ الحِجابَ، فَما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إليهِم مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عزَّ وجلَّ. وفي رواية: وزادَ ثُمَّ تَلا هذِه الآيَةَ: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ} [يونس: 26].

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثامنة والخمسون

    فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ

    فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ قَلِيلاً فيه وجهان،

    أحدهما؛

    أن يكون استثناءً منقطعاً، وذلك أن يُحمل التحضيضُ على حقيقته، وإذا حُمل على حقيقته تعيَّن أن يكونَ الاستثناء منقطعاً لئلا يفسُدَ المعنىٰ

    قال الزمشخري: " معناه: ولكن قليلاً ممَّن أَنْجَيْنا مِن القرون نُهوا عن الفساد، وسائرُهم تاركوا النهي ". ثم قال. " فإن قُلْتَ: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يُحْمَلُ عليه؟ قلت: إن جَعَلْتَه متصلاً على ما عليه ظاهرُ الكلام كان المعنىٰ فاسداً؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، كما تقول: هلا قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم، تريد استثناء الصلحاء من المُحَضَّضين على قراءة القرآن ". قلت: لأن الكلام يَؤُول إلى أنَّ الناجين لم يُحَضُّوا على النهي عن الفساد، وهو معنىً فاسدٌ.

    والثاني: أن يكونَ متصلاً، وذلك بأن يُؤَوَّل التحضيضُ بمعنى النفي فيصحَّ ذلك، إلا أنه يؤدِّي إلى النصب في غير الموجَب، وإن كان غيرُ النصب أَوْلىٰ. قال الزمخشري: " فإن قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفسادِ معنىٰ نَفْيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ إلا قليلاً كان استثناءٌ متصلاً ومعنى صحيحاً،

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة التاسعة والخمسون

    وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ مَن رَّحِمَ : ظاهرُه أنه متصلُ وهو استثناءٌ مِنْ فاعل " يَزالون " أو من الضمير في " مختلفين ". وجوَّز الحوفي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ رَحِمَ لم يختلفوا، ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الستون

    سورة يوسف

    وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:


    قوله تعالى: إِلاَّ مَا رَحِمَ : فيه أوجه،

    أحدُها: أنه مستثنىٰ من الضمير المستكنِّ في " أمَّارَةٌ " كأنه قيل: إن النفس لأمَّارة بالسوءِ إلا نَفْساً رحمها ربِّي، فيكون أراد بالنفس الجنسَ، فلذلك ساغ الاستثناء منها كقولِه تعالى:
    إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ
    [العصر: 2-3]، وإلى هذا نحا الزمخشري فإنه قال: " إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعِصْمة كالملائكة " وفيه نظرٌ مِنْ حيث إيقاعُ " ما " على مَنْ يَعْقِلُ والمشهورُ خِلافُه.

    والثاني: أنَّ " ما " في معنى الزمان فيكون مستثنى من الزمن العام المقدَّر. والمعنى: إنَّ النفس لأمَّارَةٌ بالسوء في كلِّ وقتٍ وأوانٍ إلا وقتَ رحمةِ ربي إياها بالعِصْمة. ونظرَّه أبو البقاء بقوله تعالى:
    وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ
    [النساء: 92]. وقد تقدَّم أن الجمهورَ لا يُجيزون أن تكون " أنْ " واقعةً موقعَ ظرفِ الزمان.

    والثالث: أنه مستثنىٰ من مفعول " أمَّارة " ، أي: لأمَّارةٌ صاحبَها بالسوءِ إلا الذي رَحِمه اللَّه. وفيه إيقاعُ " ما " على العاقل.

    والرابع: أنه استثناءٌ منقطعٌ. قال ابن عطية: " وهو قولُ الجمهور ". وقال الزمخشري: " ويجوز أن يكونَ استثناءً منقطعاً، أي: ولكنْ رحمةُ ربي هي التي تَصْرِف الإِساءةَ كقوله:
    وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا
    [يس: 23].

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الواحدة والستون

    قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ في هذا الاستثناء أوجه

    أحدُها: أنه منقطع، قاله أبو البقاء، يعني فيكون/ تقديرُ الكلام: لكن إذا أحيط بكم خَرَجْتُمْ مِنْ عَتَبي وغضبي عليكم إن لم تَأْتوني به لوضوح عُذْركم.

    الثاني: أنه متصل وهو استثناء مِن المفعول له العامِّ. قال الزمخشري: " فإن قلت أخبرْني عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال. قلت: أَن يُحَاطَ بِكُمْ مفعولٌ له، والكلامُ المثبت الذي هو قولُه " لَتأْتُنَّني به " في معنى النفي معناه: لا تَمْتنعون من الإِتيان به إلا للإِحاطة بكم، أو لا تمتنعون منه لعلةٍ من العلل إلا لعلة واحدة وهي أنْ يُحاط بكم، فهو استثناءٌ مِنْ أَعَمِّ العامِّ في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده، فلا بد مِنْ تأويله بالنفي، ونظيرُه في الإِثبات المتأوَّل بمعنى النفي قولهم: " أقسمتُ باللَّه لمَّا فعلتَ وإلا فعلت " ، تريد: ما أطلبُ منك إلا الفعلَ " ولوضوح هذا الوجهِ لم يذكر غيره.

    والثالث: أن مستثنىٰ مِنْ أعمِّ العامِّ في الأحوال. قال أبو البقاء: " تقديره: لَتَأْتُنَّني به على كل حال إلا في حال الإِحاطة بكم ". قلت: قد نَصُّوا على أنَّ " أنْ " الناصبة للفعل لا تقع موقعَ الحال، وإن كانَتْ مؤولةً بمصدر يجوز أن تقع موقع الحال، لأنهم لم يَغْتفروا في المُؤَول ما يَغْتفرونه في الصريح فيجيزون: جئتُك رَكْضاً، ولا يُجيزون: جئتك أن أركضَ، وإن كان في تأويله.

    الرابع: أنه مستثنىٰ من أعم العام في الأزمان والتقدير: لَتَأْتُنَّني به في كلِّ وقتٍ لا في وقت الإِحاطة بكم. وهذه المسألة تَقدَّم فيها خلافٌ، وأن أبا الفتح أجاز ذلك، كما يُجَوِّزه في المصدر الصريح، فكما تقول: " أتيتُكَ صِياحَ الدِّيك " يُجيز " أنْ يَصيح الديك " وجعل من ذلك قول تأبط شراً:2806 ـ وقالوا لا تَنْكِحيهِ فإنَّه لأَِوَّلِ نَصْلٍ أن يُلاقِيَ مَجْمعا
    وقولَ أبي ذؤيب الهذلي:2807 ـ وتاللَّهِ ما إنْ شَهْلَةٌ أمُّ واجدٍ بأوجدَ مني أن يُهانَ صغيرُها
    قال: " تقديره: وقتَ ملاقاتِه الجمعَ، ووقت إهانةِ صغيرها ". قال الشيخ: " فعلَىٰ ما قاله يجوز تخريجُ الآية، ويبقىٰ " لتأتُنَّني به " على ظاهره من الإِثبات ".

    قلت: الظاهر من هذا أنه استثناءٌ مفرغ، ومتى كان مفرَّغاً وَجَبَ تأويلُه بالنفي.

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثانية والستون

    وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

    قال الامام الالوسي فى تفسيره:

    إِلاَّ حَاجَةً استثناء منقطع أي ولكن حاجة فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخطرة غير معتقد أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقدير،

    والمراد بالحاجة شفقته وحرازته من أن يعانوا....

    وجوز أن يكون ضمير قَضَاهَا للدخول على معنى أن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة، فالمعنى ما كان ذلك الدخول يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً لكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته، والاستثناء منقطع أيضاً، وجملة قَضَاهَا صفة حَاجَةً وجوز أن يكون خبر إِلا لأنها بمعنى لكن وهي يكون لها اسم وخبر فإذا أولت بها فقد يقدر خبرها وقد يصرح به كما نقله القطب وغيره عن ابن الحاجب، وفيه أن عمل إلا بمعنى لكن عملها مما لم يقل به أحد من أهل العربية.

    وجوز الطيبـي كون الاستثناء متصلاً على أنه من باب.

    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
    فالمعنى ما أغني عنهم ما وصاهم به أبوهم شيئاً إلا شفقته التي في نفسه، ومن الضرورة أن شفقة الأب مع قدر الله تعالى كالهباء فإذن ما أغنى عنهم شيئاً أصلاً

    وقال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    إِلاَّ حَاجَةً فيه وجهان،

    أحدهما: أنه استثناءٌ منقطع تقديرُه: ولكنَّ حاجةً في نفس يعقوب قضاها، ولم يذكر الزمخشري غيره.

    والثاني: أنه مفعولٌ مِنْ أجله، ولم يذكر أبو البقاء غيره، ويكون التقدير: ما كان يُغْني عنهم لشي من الأشياء إلا لأجلِ حاجةٍ كانت في نفس يعقوب.

    وفاعل " يُغْني " ضميرُ التفرقِ المدلولِ عليه من الكلام المتقدم. وفيما أجازه أبو البقاء نظرٌ من حيث المعنىٰ لا يَخْفَى على متأمِّله. و " قضاها " صفةٌ لـ " حاجةً ".

    وقال ابن عاشور فى التحرير والتنوير:

    والاستثناء في قوله: إلاّ حاجةً منقطع لأن الحاجة التي في نفس يعقوب ــــ ــــ ليست بعضاً من الشيء المنفي إغناؤه عنهم من الله، فالتقدير: لكن حاجة في نفس يعقوب ــــ ــــ قضاها.

    ملحوظة

    الظاهر ان الضمير المرفوع فى قضاها لسيدنا يعقوب او عائد على الدخول كما ذكر الالوسى ونقلناه

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الثالثة والستون

    فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ فيه وجهان

    أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ تقديرُه: ولكن بمشيئة اللَّه أَخَذَه في دين غيرِ الملك، وهو دينُ آلِ/ يعقوب: أن الاسترقاقَ جزاءُ السارق.

    الثاني: أنه مفرغٌ من الأحوال العامة، والتقدير: ما كان ليأخذَه في كل حال إلا في حال التباسِه بمشيئة اللَّه أي إذنه في ذلك. وكلامُ ابنِ عطية مُحْتَمِلٌ فإنه قال: " والاستثناء حكاية حال، التقدير: إلا أن يَشاء اللَّه ما وقع من هذه الحيلة ".

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الرابعة والستون

    { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ }

    قال ابن الجوزى

    وفي قوله: { إِن شاء الله آمنين } أربعة أقوال.

    أحدها: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إِن شاء الله، إِنه هو الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج.

    والثاني: أن الاستثناء يعود إِلى الأمن. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، فلا يدخلون إِلا بجوارهم.

    والثالث: أنه يعود إِلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقَّاهم قبل دخولهم، على ما سبق بيانه.

    والرابع: أن «إِن» بمعنى: «إِذ» كقوله:{ إِن أَرَدْنَ تحصُّناً } [النور: 33]. قال ابن عباس: دخلوا مصر يومئذ وهم نيِّف وسبعون من ذكر وأنثى، وقال ابن مسعود: دخلوا وهم ثلاثة وتسعون، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً.

    سورة ابراهيم

    وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فيه وجهان،

    أظهرُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنَّ دعاءَه ليس من جنسِ السلطانِ وهو الحُجَّةُ البيِّنَةُ.

    والثاني: أنه متصلٌ، لأنَّ القدرةَ على حَمْلِ الإنسانِ على الشرِّ تارةً تكون بالقَهْرِ، وتارةً تكون بقوة الداعية في قلبه، وذلك بالوسوسة إليه فهو نوعٌ من التسلُّطِ.

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة الخامسة والستون

    سورة الحجر

    وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ : فيه خمسةُ أوجهٍ،

    أحدُها: في محلِّ نصب على الاستثناءِ المتصلِ، والمعنى: فإنها لم تُحْفَظْ منه، قاله غيرُ واحدٍ.

    والثاني: منقطع، ومحلُّه النصبُ أيضاً..

    وقال الرازى فى تفسيره:

    وقوله: إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ لا يمكن حمل لفظة إِلا ههنا على الاستثناء، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها، وإنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع. قال الزجاج: موضع مِن نصب على هذا التقدير. قال: وجائز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممن. قال ابن عباس: في قوله: إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ يريد الخطفة اليسيرة، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يحيله فيصير غولاً يضل الناس في البراري

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة السادسة والستون

    إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ : فيه وجهان،

    أحدُهما: أنه استثناءٌ متصل، لأنَّ المرادَ بعبادي العمومُ طائعهم وعاصيهم، وحينئذ يَلْزَمُ استثناءُ الأكثرِ من الأقل، وهي مسالةُ خلافٍ.

    والثاني: أنه منقطعٌ؛ لأنَّ الغاوين لم يَنْدرجوا في " عبادي "؛ إذ المرادُ بهم الخُلَّصُ، والإِضافةُ إضافةُ تشريفٍ.

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ منقطع واختار ذلك غير واحد، واستدل عليه بسقوط الاستثناء في الإسراء، وجوز أن يكون المراد بالعباد العموم والاستثناء متصل والكلام كالتقرير لقوله:
    إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ
    [الحجر: 40] ولذا لم يعطف على ما قبله، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء.

    وفي الآية دليل لمن جوز استثناء الأكثر وإلى ذلك ذهب أبو عبيد والسيرافي وأكثر الكوفية، واختاره ابن خروف والشلوبين وابن مالك، وأجاز هؤلاء أيضاً استثناء النصف، وذهب بعض البصرية إلى أنه لا يجوز كون المستثنى قدر نصف المستثنى منه أو أكثر ويتعين كونه أقل من النصف واختاره ابن عصفور والآمدي وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين، وذهب البعض الآخر من علماء البلدين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف فما دونه ولا يجوز أن يكون أكثر وإليه ذهب الحنابلة، واتفق النحويون كما قال أبوحيان وكذا الأصوليون عند الإمام والآمدي خلافاً لما اقتضاه نقل القرافي عن " المدخل " لابن طلحة على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه، ومن الغريب نقل ابن مالك عن الفراء جواز له على الف إلا ألفين، وقيل: إن كان المستثنى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه النصف والأكثر وإن كان غير صريح لا يمتنعان، وتحقيق هذه المسألة في الأصول، والمذكور في بعض كتب العربية عن أبـي حيان أنه قال: المستقرأ من كلام العرب إنما هو استثناء الأقل وجميع ما استدل به على خلافه محتمل التأويل؛ وأنت تعلم أن الآية تدفع مع ما تقدم/ قول من شرط الأقل لما يلزم عليه من الفساد لأن استثناء الغاوين هنا يستلزم على ذلك أن يكونوا أقل من المخلصين الذين هم الباقون بعد الاستثناء من جنس العباد، واستثناء
    ٱلْمُخْلَصِينَ
    [الحجر: 40] هناك يستلزم أن يكونوا أقل من الغاوين الذين هم الباقون بعد الاستثناء من ذلك فيكون كل من المخلصين والغاوين أقل من نفسه وهو كما ترى.

    وأجاب بعضهم بأن المستثنى منه هنا جنس العباد الشامل للمكلفين وغيرهم ممن مات قبل أن يكلف ولا شك أن الغاوين أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء وهم المخلصون ومن مات غير مكلف والمستثنى منه هناك المكلفون إذ هم الذين يعقل حملهم على الغواية والضلال إذ غير المكلف لا يوصف فعله بذلك والمخلصون أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء أيضاً ولا محذور في ذلك، وذكر بعضهم أن الكثرة والقلة الادعائيتين تكفيان لصحة الشرط فقد ذكر السكاكي في آخر قسم الاستدلال وكذا لا تقول لفلان عليَّ ألف إلا تسعمائة وتسعين إلا وأنت تنزل ذلك الواحد منزلة الألف بجهة من الجهات الخطابية مع أنه ممن يشترط كون المستثنى أقل من الباقي اهـ، وظاهر كلام الأصوليين ينافيه.

    وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً على تقدير إرادة الجنس أيضاً ويكون الكلام تكذيباً للملعون فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده سبحانه فإن منتهى قدرته أن يغرهم ولا يقدر على جبرهم على اتباعه كما قال:
    وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى
    [إبراهيم: 22]. فحاصل المعنى أن من اتبعك ليس لك عليهم سلطان وقهر بل أطاعوك في الإغواء واتبعوك لسوء اختيارهم ولا يضر في الانقطاع دخول الغاوين في العباد بناء على ما قالوا من أن المعتبر في الاتصال والانقطاع الحكم، ويفهم كلام البعض أنه يجوز أن تكون الآية تصديقاً له عليه اللعنة في صريح الاستثناء وتكذيباً في جعل الإخلاص علة للخلاص حسبما يشير إليه كلامه فإن الصبيان والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلة.

    وقال الرازى فى تفسيره:

    اعلم أن إبليس لما قال: لأزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ

    أوهم هذا الكلام أن له سلطاناً على عباد الله الذين يكونون من المخلصين، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعاً له، ولكن حصول تلك المتابعة أيضاً ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول: أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً، فبين تعالى كذبه فيه، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال:
    وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي
    [إبراهيم: 22] وقال تعالى في آية أخرى:
    إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ
    [النحل: 99، 100] قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه،

    وفي الآية قول آخر، وهو أن إبليس لما قال:
    إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ
    [الحجر: 40] فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال: إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ فلهذا قال الكلبي: العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس.

    واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله: إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ استثناء، لأن المعنى: أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي.

    وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء، بل تكون لفظة (إلا) بمعنى لكن، وقوله: إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه، ومن اتبعه من الغاوين

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,824
    الجوهرة السابعة والستون

    قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله تعالى: إِلاَّ آلَ لُوطٍ : فيه [أوجهٌ] أحدُها: أنه مستثنى متصلٌ على أنه مستثنى من الضميرِ المستكنِّ في " مجرمين " بمعنى: أَجْرَموا كلُّهم إلا آلَ لوطٍ فإنهم لم يُجْرِموا، ويكونُ قولُه إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ / استئنافَ إخبارٍ بنجاتهم لكونِهم لم يُجْرِموا، ويكون الإِرسالُ حينئذ شاملاً للمجرمين ولآلِ لوط، لإِهلاكِ أولئك، وإنجاءِ هؤلاء.

    والثاني: أنه استثناءٌ منقطع؛ لأنَّ آل لوط لم يَنْدَرجوا في المجرمين البتَة. قال الشيخ: " وإذا كان استثناءً منقطعاً فهو ممِّا يجبُ فيه النصبُ، لأنه من الاستثناءِ الذي لا يمكن تَوَجُّه العاملِ إلى المستثنى فيه؛ لأنهم لم يُرْسَلوا إليهم، إنما أُرْسِلوا إلى القوم المجرمين خاصةً، ويكون قوله إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ جَرَى مجرى خبرِ " لكن " في اتصالِه بآلِ لوطٍ، لأنَّ المعنى: لكن آل لوطٍ مُنَجُّوهم. وقد زعم بعض النحويين في الاستثناءِ المنقطعِ المقدَّرِ بـ " لكن " إذا لم يكن بعده ما يَصِحُّ أن يكونَ خبراً أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وأنه في موضعِ رفعٍ لجريان " إلا " وتقديرها بـ " لكن ".

    قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ قولَهم: لا يتوجَّه عليه العاملُ، أي: لا يمكن، نحو: " ضحك القومُ إلا حمارَهم " ، و " صَهِلَت الخيلُ إلا الإِبلَ ". وأمَّا هذا فيمكن الإِرسالُ إليهم مِنْ غيرِ مَنْعٍ. وأمَّا قولُه " لأنهم لم يُرْسَلُوا إليهم " فصحيحٌ لأنَّ حكمَ الاستثناءِ كلِّه هكذا، وهو أن يكونَ خارجاً عن ما حُكِم به الأولِ، لكنه لو تَسَلَّط عليه لَصَحَّ ذلك، بخلافِ ما ذكرْتُه مِنْ أمثلتِهم.

صفحة 4 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •