الأبعاد المعرفية لمفهوم الاستخلاف والتأسيس لتيار فكرى اسلامى إنساني روحي مستنير 2
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف (منهج الاستخلاف): ويتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، وهى على نوعين:
ا/ السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف ، وهى سنن"الحركة ، التغير،التأثير المتبادل".
ب/السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى ،كسنه “الكدح إلى الله ” المقصورة على الإنسان ، والتي تشير إليها الايه " يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" ، الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني ولا يلغيه.
فلسفه ومنهج معرفه ذوى طابع انسانى - روحي:من العرض السابق نخلص إلى أن البعدين الحكمي والمنهجي لمفهوم الاستخلاف ( اى حكمه الاستخلاف ومنهج الاستخلاف) يقومان على تأكيد قيمه الوجود الانسانى، وإثبات هذا الوجود بأبعاده المتعددة، مع التأكيد على انه وجود محدود تكليفيا "بالسنن الالهيه" و تكليفيا "بالوحي "، وبالتالي يجعلان العلاقة بين الوجود الالهى والوجود الانسانى بأبعاده المتعددة علاقة تحديد وتكامل- فالوجود الالهى يحدد الوجود الانسانى ولكن لا يلغيه - وليست علاقة إلغاء وتناقض " كما في النزعة الانسانيه الغربية ، التي تطرفت في تأكيد الوجود الإنساني، فحولته من وجود محدود "تكوينيا وتكليفيا" ، إلى وجود مطلق "قائم بذاته ومستقل عن غيره" .
البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف (مذهب الاستخلاف): ويتمثل البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمذهب “اى كمجموعه من الحلول للمشاكل التي يطرحها الواقع المعين”.
الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف : حيث أشار القران الكريم إلى الوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف بأممها وشعوبها التكوينية المتعددة: قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ...)(النور:55). تتضمن الايه الاشاره إلى أنواع متعددة من الاستخلاف هي :
أولا: الاستخلاف الاصلى"المثال" : ويتضمن أيضا نوعين من أنواع الاستخلاف:ا/ الاستخلاف النبوي(المثال الاتباعى)، ب/الاستخلاف الراشدي(المثال الاقتدائى).
ثانيا:الاستخلاف التبعى (استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة): ويتضمن هذا الاستخلاف أيضا أنواع متعددة من الاستخلاف:
ا/ استخلاف الامه في الماضي(استخلاف الامه الأول) : وهو استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة، وقد كان قائما على الاتصال الزمانى بالاستخلاف المثال بنوعيه النبوي” والاقتدائى”الراشدي”، كما كان قائما على الاتصال المتناقص بالاستخلاف المثال بنوعيه ، بمعنى انه تضمن انقطاع قيمي تدريجي عنه.
ب/ استخلاف الامه في الحاضر (استخلاف الامه الثاني): وهو استخلاف الامه في الحاضر ، وتحققه يكون بعد انقطاع زماني وقيمي عن الاستخلاف المثال بنوعيه ، وأدله هذا النمط من أنماط الاستخلاف تشير إلى عدد غير معلوم من أنماط الاستخلاف .
ج/ استخلاف الامه في المستقبل(استخلاف الامه الأخير) : وهو استخلاف الامه آخر الزمان- والذي هو ممكن الوقوع في كل زمان- وهو مرتبط بظهور اشراط الساعة الكبرى ، اى الظهور الأكبر لاشراط الساعة .
الاستخلاف ومراحل التغيير: وهناك مرحلتين أساسيتين للتغير:
مرحله الاستطاعة: وهي مرحله الانتقال مما هو كائن، إلى ما هو ممكن ، والتي يمكن التعبير عنها بمصطلح الاستطاعة، ومن أدلتها: تقرير النصوص لقواعد متعددة مها قاعدة الاستطاعة (فَاتّقُوا ْاللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ)، ولهذه المرحلة مستويين :
مستوى أصلى: وهو مستواها الاعتقادى- الفكري، ومضمونه النافي هو تحرير العقل المسلم من نمط التفكير البدعى "المتضمن لنمطي التفكير شبه الخرافي والاسطورى" ، أما مضمونه المثبت فهو تبنى نمط التفكير الاجتهادي " المتضمن لنمطي التفكير العلمي والعقلاني الغير متناقضين مع الوحي" ( على المستوى الفكري)،والاجتهاد في وضع الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها هذا الواقع(على المستوى الاشكالى)،والتحديد النظري لأهداف الامه (على المستوى الغائي)
مستوى فرعى: وهو مستواها العملي ، ومضمونه الانتقال مما هو كائن إلى ما هو ممكن، اى تنفيذ ما يتيح الواقع تنفيذه من حلول نظريه للمشاكل التي يطرحها الواقع ،وبعبارة أخرى اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه تحقيق أهداف الامه .
مرحله العزم: وهي مرحله الانتقال مما هو ممكن إلى ما ينبغي أن يكون ، ويمكن التعبير عنها بمصطلح العزم ، و من أدلتها مفهوم العزم الذي يرتبط بما ينبغي أن يكون كما في قوله ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )( الشورى: 43 ) ، ولهذه المرحلة مستويين:
مستوى أصلى: وهو مستواها العملي، ومضمونه مما هو ممكن إلى مرحله ما ينبغي أن يكون ،وما ينبغي أن يكون هنا هو تنفيذ كل الحلول النظرية للمشاكل التي يطرحها الواقع ، وبعبارة أخرى التحقيق الكامل لكل أهداف الامه.
مستوى فرعي: و هو مستواها الاعتقادى- الفكري،ومضمونه هو الاجتهاد في وضع حلول للمشاكل الجديدة التي يطرحها الواقع بعد تغييره، أو تحديد الأهداف الجديدة للامه بعد تحقق الأهداف السابقة.
ثنائيه "الاستكبار-الاستضعاف" وتعطيل الاراده الشعبيه والاستخلاف وتفعيلها ومراحلها: غاية الاستخلاف تفعيل الاراده الشعبية ، أما غاية ثنائيه الاستكبار/ الاستضعاف إلغائها– وهو ما يؤدى إلى تعطيلها وليس إلغائها ،اما مراحل تفعيل وتعطيل الاراده الشعبية العربية عبر مراحل الاستخلاف " أو الاستكبار- الاستضعاف" التكويني “السياسي" لامه التكوين”الامه العربية ألمسلمه” فهي:
أولا: في مرحله الاستخلاف العام الأول للامه : تضمنت هذه المرحلة مراحل تعطيل وتفعيل الاراده الشعبية التالية :
ا/ التعطيل الاستبدادي”الداخلي : ويتمثل في عدم الالتزام – بدرجات متفاوتة – بقيمه الشورى ،التي كانت متحققة في مرحلتي الاستخلاف النبوي والراشدي.
ب/ التعطيل الغزوى “الخارجي” : ويتمثل في تعرض الامه لغزوات متتالية” المغول والتتار، الصليبين، الاستعمار القديم …” .
ج/ التفعيل الزعامي : ويتمثل في نجاح الاراده الشعبية العربية في تحقيق أهدافها”، والتي تتضمن نجاحها في مقاومه وهزيمة الغزوات المتتالية من خلال توحدها خلف الزعماء التاريخيين الامه، فانتصرت في كثير من المعارك الفاصلة ضد الاستكبار العالمي- والمقصود بالمعارك الفاصلة المعارك التي تمثل بداية نهاية الشكل المعين من أشكال الاستكبار العالمي، وليس المعارك الاخيره - ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
ا/ معركة عين جالوت ( 25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260) ، بقيادة قطز قائد جيش المماليك ضد المغول ، وتمثل المعركة الفاصلة ضد الاستكبار العالمي الثاني ” المغولي – التترى”:
ب/ معركة حطين ( 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187 ) ، بقيادة صلاح الدين الايوبى ضد الصليبيين ، وتمثل المعركة الفاصلة ضد الاستكبار العالمي الثالث ” الصليبي ”.
ج/ حرب السويس ” العدوان الثلاثي” 1956، ضد الاستعمار القديم (البريطاني/ الفرنسي) بقياده جمال عبد الناصر قائد حركه التحرر العربي من الاستعمار القديم والجديد "الامبريالي" والاستيطاني" الصهيوني" ، وتمثل المعركة الفاصلة ضد الاستكبار العالمي الرابع"الاستعماري القديم".
فمرحله التفعيل الزعامي للاراده الشعبية العربية ، هي جزء من المستوى السياسي للاستخلاف العام الأول للامه في شكله التكويني،لان أهم مظاهره تحققت فيها ، و هي وحده الامه وتوحد الاراده الشعبية ، التي يلزم منها تحررها من العدوان الخارجي، تأكيدا لذلك وضع بعض العلماء خلفاء بني أميه ضمن الخلفاء الذين تجتمع عليهم الامه ، ويكون الإسلام في عهدهم عزيزا - كما في الحديث - لأنهم حققوا وحده الامه ، وبصرف النظر عن موقفهم من باقي مواقف العهد الاموى- وهو تقييم موضوعي،اقره الإسلام كما في قوله تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ) ، لأنه لا يرتب على الإقرار بالسلبيات إنكار الايجابيات ، يقول أبو العباس القرطبي (أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه ، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّه ، ويعني بالدِّين : الملك والولاية ، وهو شرح الحال في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم ، لا على طريق المدح) (المفهم:4/8-9)
ثانيا: فى مرحله الاستخلاف العام الثاني للامه : وتضمنت مراحل متعددة لتعطيل وتفعيل الاراده الشعبية العربية ،وأهمها مرحله التعطيل الارتدادي، وهذه المرحلة هي مرحله الانتهاء “الفعلي ” للاستخلاف العام الأول للامه- مع تضمنها مؤشرات لبداية الاستخلاف العام الثاني للامه - وهى مرحله التي بدأت باتخاذ الرئيس المصري / محمد أنور السادات سياسات تتعارض مع أهداف الاراده الشعبية العربية في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة السلطة ، بدعم من الغرب بقياده الولايات المتحدة الامريكيه والكيان الصهيوني , مضمونها الارتداد "السياسي" من مناهضه الاستعمار بكافه أشكاله، إلى التبعية للولايات المتحدة . ومن مناهضه الكيان الصهيوني إلى توقيع معاهده سلام معه- ما يعنى إعطاء شرعيه للاغتصاب الصهيوني لفلسطين – . ومن التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية إلى تطبيق النظام الراسمالى الربوى تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ، ومن التضامن العربي إلى القطيعة مع الدول العربية… ثم سير عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط . وفى هذه المرحلة تعطلت الاراده الشعبية العربية على المستوى السياسي ، نتيجة لتردى النظام السياسي العربي من التجزئة” الشعوبية ” إلى التفتيت” الطائفي “، فضلا عن انزلاق بعض أجزاء النظام السياسي العربي نحو الفوضى .
مرحلتي” ظهور” الاراده الشعبية العربية على المستوى الشعبي (التفعيل الجماهيرى): غير أن التعطيل “الارتدادي” للاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ، أدى إلى ظهور الاراده الشعبية العربية على مستوى آخر هو المستوى الشعبي ، فضلا عن انه مهد الطريق أمام انتقال الاراده الشعبية العربية من مرحله التفعيل الزعامي، إلى مرحله التفعيل الجماهيري لها ، والتي يدعمها تطور وسائل الإعلام والاتصال وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام.) ، وتشمل هذه المرحلة مرحلتين من مراحل تفعيل الاراده الشعبية العربية على المستوى الشعبي ، وهما مرحلتي التفعيل التلقائي والتفعيل ألقصدي .
ا/ التفعيل التلقائي: و قد أخذت هذه المرحلة شكل رد الفعل العاطفي الانفعالي ضد مظاهر تردى النظام السياسي العربي ، ومراحل تطبيق المشاريع ، التي تهدف إلى – أو يلزم منها – إلغاء الإرادة الشعبية العربية"كمشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي - الصهيوني" .وقد حققت الاراده الشعبية العربية في هذه المرحلة العديد من الانتصارات، التي توجت بالموجه الأولى من ثوره الشباب العربي التي نجحت إسقاط عدد من الانظمه الاستبدادية بأساليب سلميه في بعض الدول العربية، قبل أن تنجح القوى التي تتعارض مصالحها مع غايات الاراده الشعبية العربي في تحويل مسارها في دول عربيه أخرى،إلى صراع طائفي مسلح.
ب/ التفعيل ألقصدي: إن تردى النظام السياسي العربي نحو مزيد من التجزئة “التفتيت”، يزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى – وخاصة أجزائه التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية أو العشائرية فيها – وهذا ما يقتضى ضرورة انتقال الاراده الشعبية العربية، إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها، وهى المرحلة ألقصديه ، والتي تتجاوز رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت- إلى الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي “اى القائم على تأسيس مؤسسات ،هيئات ، منظمات،لجان ….شعبيه ، تعبر عن الاراده الشعبية في كل المستويات “، والذي يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من خطوات ، تجاه أهداف الاراده الشعبية العربية ، بأساليب سلميه. وهنا يمكن الحديث عن الموجه الثانية من ثوره الشباب العربي.
شروط الاستخلاف : تشير الايه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ… ﴾ إلى الوعد الالهى بالاستخلاف- والاستخلاف هنا مفهوم شامل ذو أبعاد متعددة ، ولا يجوز اختزاله في بعد معين كالبعد السياسي مثلا كما يفعل مذهب التفسير السياسي للدين "الإسلام السياسي "، كما تشير الايه إلى أن تحقيق هذا الوعد الالهى معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية ( والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان ) ، والموضوعية ( والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح) ، وقد بين الإسلام كدين ” ممثلا في القران والسنة” شروط الاستخلاف في كل زمان ومكان ، وترك للمسلمين أمر الاجتهاد في تحديد شروط الاستخلاف في المكان والزمان المعينين ، وفيما يلي نبين شروط الاستخلاف النصية المطلقة ، اى شروط استخلاف الامه في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف”، و كل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الامه ” ، وشروط الاستخلاف الاجتهادية المقيدة ، اى شروط استخلاف الامه في مكان معين ” الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “الحاضر”، وتتضمن الاخيره أهداف الاراده الشعبية العربية "الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والاصاله والمعاصرة"، والتي يتضمن تأصيلها أن السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، فهي اتساق – وليس تطابق- مع النص، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) .وهذه الأهداف هي حلول لمشاكل مشتركه يطرحها الواقع العربي.
أولا: الاستخلاف السياسي :
ا/ شروطه النصية المطلقة : وتتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي تضبط النشاط السياسي للمجتمع ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،كالمفاهيم الكلية: إسناد الحاكمية (السيادة أو السلطة المطلقة ) لله وحدة ﴿ …إن الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ﴾ ( يوسف: 40)، واستخلاف الجماعة في إظهار حاكمتيه تعالى ، بإسناد الأمر (السلطة المقيدة بالحاكميه"السيادة"الالهيه) إليها، قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾، أما الحاكم فهو نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار ، وكالقيم الكلية:الشورى والعدل والمساواة.
ب/ شروطه الاجتهادية المقيده ( الحرية ): وتتمثل في الحرية - طبقا لمفهومها الاسلامى، المتضمن للشورى والديموقراطيه”طبقا لدلالتها التي العامة التي لا تتناقض مع الفلسفة السياسية الاسلاميه ، والمقيدة بمفاهيمها وقيمها وقواعدها الكلية” - وتحرير الاراده الشعبية الوطنية والقومية – كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية ( الاستعمار القديم والجديد” الامبريالي ، والاستيطاني ” الصهيوني”) ، كمظاهر لثنائيه الاستضعاف – الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي. وقد أكد الإسلام على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة ،قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ،وقال عمر بن الخطاب ( رضوان الله عليه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) (فتوح مصر ، ص 290 ).
ثانيا : الاستخلاف الاقتصادي:
ا/ شروطه النصية المطلقة : وتتمثل شروط في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي تضبط النشاط الاقتصادي للمجتمع، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،كالمفاهيم الكلية: إسناد ملكية المال (اى حق التصرف المطلق في المال) لله تعالى وحده ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33)،وكون الجماعة مستخلفه في الانتفاع به بالاصاله ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7)،وهو ما يتحقق بان تتولى ألدوله كممثل للجماعة أداره مصادر الإنتاج الاساسيه، أما الفرد فمستخلف في الانتفاع بالمال بالتبعية ، وبالتالي فان انتفاعه به مشروط بعدم التعارض مع مصلحه الجماعة(الوظيفة الاجتماعية للملكية).وكالقيم الكلية التي أهمها العدل الاجتماعي بشرطيه تكافؤ الفرض وعدالة توزيع الثروات ، كغاية للنشاط الاقتصادي للدولة الاسلاميه، بالاضافه إلى إشباع الحاجات الاساسيه للجماعة.
ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة (التنمية المستقلة و العدالة الاجتماعية) : وتتمثل في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية – طبقا لمفهومها الاسلامى- كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصادي والظلم الاجتماعي ، كمظاهر لثنائيه الاستضعاف- الاستكبار الاقتصاديين . واعتبر المنظور الاجتماعي الاسلامى أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي للفرد والدولة ” كممثل للمجتمع” ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: الاول هو تكافؤ الفرص ومثال له قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته ،والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى). والشرط الثاني هو عدالة توزيع الثروة مثال له روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة )
ثالثا: الاستخلاف الاجتماعي:
ا/ شروطه النصية المطلقة : و تتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي ضبط النشاط الاجتماعي للمجتمع ، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة .
ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة (الوحدة): و تتمثل في الوحدة (الوطنية والقومية “العربية” والدينية “الاسلاميه”)- طبقا لمفهوم واقعي-عملي “تدريجي / سلمى / مؤسساتي” – كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت. وقد حثت النصوص المسلمين على الوحدة- بشكليها التكليفى "الديني" والتكويني" السياسي" كما في قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92) وقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
رابعا: الاستخلاف الحضاري :
ا/ شروطه النصية المطلقة : وتتمثل شروط في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي تضبط النشاط الحضاري للمجتمع، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة .
ب/ شروطه الاجتهادية المقيده ( الاصاله والمعاصرة والتجديد) : وتتمثل في الجمع بين الاصاله والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد طبقا لضوابطه الشرعية ، كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود والتغريب الحضاري. وقد أشارت العديد من النصوص إلى هذا المفهوم – بدلاله محدده - ومنها الحديث: روى أبو داود عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )(قال البيروتي في أسني المطالب : رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم . وقال السيوطي في مرقاة الصعود : اتفق الحفاظ على تصحيحه ، منهم الحاكم في المستدرك والبيهقي في المدخل ، وممن نص على صحته من المتأخرين الحافظ ابن حجر).
مذهب مستنير: مما سبق نخلص إلى أن مذهب الاستخلاف هو مذهب مستنير، فمصطلحي الاستنارة و التنوير يدلان في اللغات الاوربيه على معاني كالذكاء و المعرف"، ثم استخدم في السياق الغربي على عصر اوروبى معين" القرنين السابع والثامن عشر"،اعتقد فيه الفلاسفة الغربيون أن أنوار العقل الطبيعي وحدها قادرة على السير بالبشر نحو التقدم الحضاري . أما في السياق الاسلامى فان كلمات استنارة تنوير في اللغة العربية مشتقه من الأصل الثلاثي" نور، نار ، أنار"، وقد استخدم القران اللفظ بدلالته المجازية لوصف الله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض)، والقران الكريم وأنزلنا إليكم نورا مبينا)،والرسولصلى الله عليه وسلم)( وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا) .أما من ناحية الاصطلاح فان لمصطلح التنوير دلاله عامه- مشتركه، تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ، ومضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة " كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى"،هو احد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري- وهى دلاله تتفق مع الإسلام- . كما أن له دلاله خاصة - منفردة ، تتمثل في تطبيق مفهوم التنوير في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا ، وطبقا للمعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين-وهى دلاله قد تتفق أو تختلف مع الإسلام- . بناءا على ما سبق فان المقصود بكون مذهب الاستخلاف مذهب مستنير، انه يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة “ كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى والبدعى” ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري، كما يهدف- على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة الموقع التالي:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com