صفحة 7 من 7 الأولىالأولى ... 34567
النتائج 91 إلى 104 من 104

الموضوع: أسرار من فى القرآن

  1. #91
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    سورة الفتح

    الجوهرة الواحدة والثمانون

    { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }

    قال الالوسي

    { مِنْ } للبيان مثلها في قوله تعالى:{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } [الحج: 30] وليس مجيئها كذلك مخصوصاً بما إذا كانت داخلة على ظاهره كما توهم صاحب «التحفة الإثني عشرية» في الكلام على قوله تعالى:{ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } [النور: 55] فقال: حمل { مِنْ } للبيان إذا كان داخلاً على الضمير مخالف لاستعمال العرب، وأنكر ذلك عليه صاحب الترجمة لكن قال: لو ادعى هذا الخلاف في ضميري الخطاب والتكلم لم يبعد.

    ومن مجيئها للبيان داخلة على ضمير الغائب قوله تعالى:{ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ } [الفتح: 25] عند القائلين بأن ضمير { تَزَيَّلُواْ } للمؤمنين لا للتبعيض كما يقوله الشيعة الزاعمون ارتداد أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أهل بيعة الرضوان وغيرهم، فإن مدحهم السابق بما يدل على الاستمرار التجددي كقوله تعالى: { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } ووصفهم بمايدل على الدوام والثبات كقوله سبحانه: { وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ } يأبى التبعيض والارتداد الذين زعموه عند من له أدنى إنصاف وشمة من دين، ويزيد زعمهم هذا سقوطاً عن درجة الاعتبار أن مدحهم ذاك قد كتبه الله تعالى في التوراة قبل أن يخلق السمٰوات والأرض، ولا يكاد عاقل يقبل أنه تعالى أطلق المدح وكتبه لأناس لم يثبت على تلك الصفة إلا قليل منهم، وإذا قلنا: إن هؤلاء الممدوحين هم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوه عليه الصلاة والسلام في الحديبية كما يشعر به { وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } لا سيما على القول بأن السورة بتمامها نزلت عند منصرفه عليه الصلاة والسلام من الحديبية قبل أن يتفرقوا عنه صلى الله عليه وسلم كان سقوط ذلك الزعم أبين وأبين لأن الارتداد الذي يزعمونه كان لترك مبايعة علي كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم بالنص على خلافته بزعمهم ومبايعة أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، وكيف يكون ذاك ارتداداً والله عز وجل حين رضي عنهم علم أنهم يفعلونه، والقول بأنه سبحانه إنما رضي عن مبايعتهم أو عنهم من حيث المبايعة ولم يرض سبحانه عنهم مطلقاً لأجلها خلاف ظاهر الآية، والظاهر ما نفي، ولا يعكر عليه صدور بعض المعاصي من بعضهم بعد وإنما يعكر صدور ما لا يجامع الرضا أصلاً كالارتداد والعياذ بالله تعالى، وبالجملة جعل { مِنْ } للتبعيض ليتم للشيعة ما زعموه مما يأباه الكتاب والسنة وكلام العترة.

    وفي «التحفة الإثني عشرية» من ذلك ما تنشرح له الصدور وتزداد به قلوب المؤمنين نوراً على نور، ويا سبحان الله أين جعل { مِنْ } للتبعيض من دعوى الارتداد، ولكن من يضلل الله فما له من هاد.

    قال السمين

    قوله: " مِنْهم " " مِنْ " هذه للبيانِ لا للتبعيضِ؛ لأنَّ كلَّهم كذلك فهي كقولِه:{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ } [الحج: 30]

  2. #92
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الثانية والثمانون

    سورة الطور

    { أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ }

    قال السمين

    قوله: { مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ }: يجوزُ أَنْ تكونَ " مِنْ " لابتداءِ الغاية على معنى: أم خُلِقوا مِنْ غير شيء حيّ كالجماد، فهم لا يُؤْمَرون ولا يُنْهَوْن كما الجماداتُ. وقيل: هي للسببية على معنى: مِنْ غيرِ علةٍ ولا لغايةِ ثوابٍ ولا عقابٍ

  3. #93
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الثالثة والثمانون

    سورة الرحمن

    { وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ }

    قال السمين

    والجانُّ قيل: هو اسم جنس كالإِنسان. وقيل: هو أبو الجنِّ إبليسُ. وقيل: هو أبوهم وليس بإبليسَ.

    قوله: { مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ } " مِنْ " الأولى لابتداء الغاية. وفي الثانيةِ وجهان، أحدهما: أنها للبيانِ. والثاني: أنها للتبعيض

    وقال الالوسي

    { وَخَلَقَ الْجَانَّ } هو أبو الجن وهو إبليس قاله الحسن، وقال مجاهد: هو أبو الجن وليس بإبليس، وقيل: هو اسم جنس شامل للجن كلهم. { مِن مَّارِجٍ } من لهب خالص لا دخان فيه كما هو رواية عن ابن عباس وقيل: هو اللهب المختلط بسواد النار، أو بخضرة وصفرة وحمرة كما روي عن مجاهد من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط. و { مِنْ } لابتداء الغاية، وقوله تعالى: { مّن نَّارٍ } بيان لمارج والتنكير للمطابقة ولأن التعريف لكنه عليه فكأنه قيل: خلق من نار خالصة، أو مختلطة على التفسيرين، وجوز جعل { مِنْ } فيه ابتدائية فالتنكير لأنه أريد نار مخصوصة متميزة من بين النيران لا هذه المعروفة، وأياً ما كان فالمارج بالنسبة إلى الجان كالتراب بالنسبة إلى الإنسان

    سورة الواقعة

    وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } * { فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ }

    قال ابن عاشور

    واختلف المفسرون في قوله: { فسلام لك من أصحاب اليمين } فقيل: كاف الخطاب موجهة لغير معين، أي لكل من يسمع هذا الخبر. والمعنى: أن السلامة الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه أمرها. وهذا كما يقال: ناهيك به، وحسبك به، و (من) ابتدائية، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه بعضه، وأصله: فلهم السلامة سلامة تسرّ من بلغه حديثها.

    وقيل: الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وتقرير المعنى كما تقدم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسرّ بما يناله أهل الإسلام من الكرامة عند الله وهم ممن شملهم لفظ { أصحاب اليمين }. وقيل: الكلام على تقدير القول، أي فيقال له: سلام لك، أي تقول له الملائكة.

    و { من أصحاب اليمين } خبر مبتدأ محذوف، أي أنت من أصحاب اليمين، و { من } على هذا تبعيضية، فهي بشارة للمخاطب عند البعث على نحو قوله تعالى:
    { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار }
    [الرعد: 23، 24].

    وقيل: الكاف خطاب لمن كان من أصحاب اليمين على طريقة الالتفات. ومقتضى الظاهر أن يقال: فسلام له، فعدل إلى الخطاب لاستحضار تلك الحالة الشريفة، أي فيسلم عليه أصحاب اليمين على نحو قوله تعالى:
    { وتحيتهم فيها سلام }
    [يونس: 10] أي يبادرونه بالسلام، وهذا كناية عن كونه من أهل منزلتهم، و { من } على هذا ابتدائية.

    وقال الالوسي

    قيل: هو على تقدير القول أي فيقال لذلك المتوفى منهم سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله تعالى:
    { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلَـا ماً سَلَـاماً }
    [الواقعة: 25-26] فالخطاب لصاحب اليمين ولا التفات فيه مع تقدير القول. و { مِنْ } للابتداء كما تقول سلام من فلان على فلان وسلام لفلان منه. وقال الطبري: معناه فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، فمن أصحاب اليمين خبر مبتدأ محذوف والكلام بتقدير القول أيضاً، وكأن هذا التفسير مأخوذ من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال في ذلك: تأتيه الملائكة من قبل الله تعالى تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين، والظاهر أن هذا على هذا المعنى عند الموت، وأنه على المعنى السابق في الجنة. وجوز أن يكون المعنى فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم فإنهم في خير أي كن فارغ البال عنهم لا يهمك أمرهم،

  4. #94
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الرابعة والثمانون

    سورة المجادلة

    { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }

    قال الالوسي

    وَأَيَّدَهُمْ } أي قواهم { بِرُوحٍ مّنْهُ } أي من عنده عز وجل على أن (من) ابتدائية، والمراد بالروح نور القلب وهو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده تحصل به الطمأنينة والعروج على معارج التحقيق، وتسميته روحاً مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية، وجوز كونه استعارة، وقول بعض الأجلة: إن نور القلب ما سماه الأطباء روحاً - وهو الشعاع اللطيف المتكون في القلب وبه الإدراك فالروح على حقيقته ـ ليس بشيء كما لا يخفى، أو المراد به القرآن على الاحتمالين السابقين، واختيرت الاستعارة، أو جبريل عليه السلام وذلك يوم بدر، وإطلاق الروح عليه شائع أقوال.

    وقيل: ضمير { مّنْهُ } للإيمان، والمراد بالروح الإيمان أيضاً، والكلام على التجريد البديعي ـ فمن ـ بيانية أو ابتدائية على الخلاف فيها، وإطلاق الروح على الإيمان على ما مر.

  5. #95
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الخامسة والثمانون

    سورة الممتحنه

    ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ }

    قال السمين

    قوله: { مِنَ الآخِرَةِ } " مِنْ " لابتداء الغاية أي: إنهم لا يُوقنون بالآخرةِ البتةَ.

    و { مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } فيه وجهان، أحدُهما: أنها لابتداء الغايةِ أيضاً، كالأولى، والمعنى أنهم لا يُوقنون ببَعْثِ الموتى البتَةَ، فيَأْسُهم من الآخرةِ كيأسِهم مِنْ مَوْتاهم لاعتقادِهم عَدَم بَعْثِهم. والثاني: أنَّها لبيانِ الجنس، يعني/ أنَّ الكفارَ هم أصحابُ القبورِ. والمعنى: أن هؤلاء يئسوا من الآخرة كما يَئِس الكفارُ، الذين هم أصحابُ القبور، مِنْ خيرِ الآخرة، فيكون متعلَّقُ " يَئِس " الثاني محذوفاً. وقرأ ابنُ أبي الزناد " الكافرُ " بالإِفراد. والله أعلمُ

    وقال ابن كثير

    وقوله تعالى: { كَمَا يَئِسَ الْكُفَّـارُ مِنْ أَصْحَـابِ الْقُبُورِ } فيه قولان: أحدهما كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور؛ أن يجتمعوا بهم بعد ذلك؛ لأنهم لايعتقدون بعثاً ولانشوراً، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه. قال العوفي عن ابن عباس: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } إلى آخر السورة، يعني: من مات من الذين كفروا، فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله عز وجل. وقال الحسن البصري: { كَمَا يَئِسَ الْكُفَّـارُ مِنْ أَصْحَـابِ الْقُبُورِ } قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات. وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا. وكذا قال الضحاك، رواهن ابن جرير.

    والقول الثاني: معناه: كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير. قال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود: { كَمَا يَئِسَ الْكُفَّـارُ مِنْ أَصْحَـابِ الْقُبُورِ } قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه. وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ومقاتل، وابن زيد، والكلبي، ومنصور، وهو اختيار ابن جرير.

  6. #96
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة السادسة والثمانون

    سورة الجمعة

    { ياايُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }

    قال الالوسي

    { مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ } أي فيه كما في قوله تعالى:
    { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ }
    [فاطر: 40] أي فيها، وجوز أبو البقاء أيضاً كون { مِنْ } للتبعيض، وفي «الكشاف» هي بيان ـ لإذا ـ وتفسير له.

    والظاهر أنه أراد البيان المشهور فأورد عليه أن شرط (مِنْ) البيانية أن يصح حمل ما بعدها على المبين قبلها وهو منتف هنا لأن الكل لا يحمل على الجزء واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لأن يوم الجمعة علم لليوم المعروف لا يطلق على غيره في العرف ولا قرينة عليه هنا؛ وقيل: أراد البيان اللغوي أي لبيان أن ذلك الوقت في أي يوم من الأيام إذ فيه إبهام فيجامع كونها بمعنى في، وكونها للتبعيض وهو كما ترى.

  7. #97
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة السابعة والثمانون

    سورة الطلاق

    { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ }

    قال السمين

    قوله: { مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم }: فيه وجهان،أحدُهما: أنَّ " منْ " للتبعيض. قال الزمخشري: " مُبَعَّضُها محذوفٌ معناه: أَسْكنوهنَّ مكاناً مِنْ حيث سَكَنْتُمْ، أي: بعضَ مكانِ سُكْناكم، كقولهِ تعالى:{ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور: 30]، أي: بعضَ أبصارِهم. قال قتادة: " إن لم يكنْ إلاَّ بيتٌ واحدٌ أسْكنها في بعضِ جوانبه ". والثاني: أنها لابتداء الغاية قاله الحوفي وأبو البقاء. قال أبو البقاء: " والمعنى: تَسَبَّبُوا إلى إسكانِهِنَّ من الوجه الذي تُسْكِنون أنفسَكم. ودلَّ عليه قولُه مِنْ وُجْدِكم، والوُجْدُ: الغِنى ".

    قوله: { مِّن وُجْدِكُمْ } فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ مِنْ قولِه " مِنْ حيثُ " بتكريرِ العاملِ، وإليه ذهب أبو البقاء كأنه قيل: أسْكنوهن مِنْ سَعَتكم. والثاني: أنه عطف بيان لقوله { مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } ، وإليه ذهب الزمشخري، فإنه قال بعد أن أعربَ " مِنْ حيث " تبعيضيةً كما تقدَّم: " فإن قلتَ: وقولُه " مِنْ وُجْدِكم "؟ قلت: هو عطفُ بيانٍ لقولِه: { مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } ومُفَسِّرٌ له كأنه قيل: أَسْكِنوهنَّ مكاناً مِنْ مَساكنكم مِمَّا تُطيقونه

  8. #98
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    سورة التحريم

    الجوهرة الثامنة والثمانون

    { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }


    قال السمين

    قوله: { مِنَ الْقَانِتِينَ } يجوزُ في " مِن " وجهان، أحدهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها للتبعيضِ، وقد ذكرهما الزمخشريُّ فقال: " ومِنْ للتبعيض. ويجوزُ أَنْ تكونَ لابتداء الغاية، على أنَّها وُلِدَتْ من القانتين؛ لأنها من أعقابِ هارونَ أخي موسى عليهما السلام ". قال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: لِم قيل: " من القانتين " على التذكير؟ قلت: لأنَّ القُنوتَ صفةٌ تَشْمل منْ قَنَتَتْ من القبيلَيْن، فغلَّب ذكورَه على إناثِه.

  9. #99
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة التاسعة والثمانون

    سورة نوح

    { يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } مجزوم في جواب الأمر. واختلف في (من) فقيل ابتدائية وإن لم تصلح هنا لمقارنة { إِلى } وابتداء الفعل من جانبه تعالى على معنى أنه سبحانه يبتدءُهم بعد إيمانهم بمغفرة ذنوبهم إحساناً منه عز وجل وتفضلاً، وجوز أن يكون من جانبهم على معنى أول ما يحصل لهم بسبب إيمانهم مغفرة ذنوبهم وليس بذاك وقيل بيانية ورجوعها إلى معنى الابتدائية استبعده الرضي ويقدر قبلها مبهم يفسر بمدخولها أي يغفر لكم أفعالكم التي هي الذنوب. وقيل زائدة على رأي الأخفش المجوز لزيادتها مطلقاً وجزم بذلك هنا. وقيل تبعيضية أي يغفر لكم بعض ذنوبكم واختاره بعض.

    واختلف في البعض المغفور فذهب قوم إلى أنه حقوق الله تعالى فقط السابقة على الإيمان، وآخرون إلى أنه ما اقترفوه قبل / الإيمان مطلقاً الظاهر ما ورد من أن الإيمان يجب ما قبله واستشكل ذلك العز بن عبد السلام في «الفوائد المنتثرة» وأجاب عنه فقال كيف يصح هذا على رأي سيبويه الذي لا يرى كالأخفش زيادتها في الموجب بل يقول إنها للتبعيض مع أن الإسلام يجب ما قبله بحيث لا يبقى منه شيء؟ والجواب أن إضافة الذنوب إليهم إنما تصدق حقيقة فيما وقع إذ ما لم يقع لا يكون ذنباً لهم، وإضافة ما لم يقع على طريق التجوز كما في{ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ } [المائدة: 89] إذ المراد بها الأيمان المستقبلة، وإذا كانت الإضافة تارة تكون حقيقة وتارة تكون مجازاً فسيبويه يجمع بين الحقيقة والمجاز فيها وهو جائز - يعني عند أصحابه الشافعية - ويكون المراد من بعض ذنوبكم البعض الذي وقع انتهى ولا يحتاج إلى حديث الجمع من خص الذنوب المغفورة بحقوق الله عز وجل وهاهنا بحث وهو أن الحمل على التبعيض يأباه{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [الصف: 12] و{ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } [الزمر: 53] وقد نص البعلي في «شرح الجمل» على أن ذلك هو الذي دعا الأخفش للجزم بالزيادة هنا، وجعله ابن الحاجب حجة له ورده بعض الأجلة بأن الموجبة الجزئية من لوازم الموجبة الكلية ولا تناقض بين اللازم والملزوم ومبناه الغفلة عن كون مدلول (من) التبعيضية هي البعضية المجردة عن الكلية المنافية لها لا الشاملة لما في ضمنها المجتمعة معها وإلا لما تحقق الفرق بينها وبين (من) البيانية من جهة الحكم ولما تيسر تمشية الخلاف بين الإمام أبـي حنيفة وصاحبيه فيما إذا قال طلقي نفسك من ثلاث ما شئت بناء على أن (من) للتبعيض عنده وللبيان عندهما. قال في «الهداية» وإن قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة وثنتين ولا تطلق ثلاثاً عند أبـي حنيفة وقالا تطلق ثلاثاً إن شاءت لأن كلمة ما محكمة في التعميم وكلمة (من) قد تستعمل للتمييز فتحمل على تمييز الجنس ولأبـي حنيفة أن كلمة (من) حقيقة في التبعيض وما للتعميم فيعمل بهما انتهى.

    ولا خفاء في أن بناء الجواب المذكور على كون (من) للتبعيض إنما يصح إذا كان مدلولها حينئذ البعضية المجردة المنافية للكلية ومن هنا تعجب من صاحب «التوضيح» في تقرير الخلاف المذكور حيث استدل على أولوية التبعيض بتيقنه ولم يدر أن البعض المراد قطعاً على تقدير البيان البعض العام الشامل لما في ضمن الكل لا البعض المجرد المراد هنا فبالتعليل على الوجه المذكور لا يتم التقريب بل لا انطباق بين التعليل والمعلل على ما قيل. وصوب العلامة التفتازاني حيث قال فيما علقه على «التلويح» مستدلاً على أن البعضية التي تدل عليها من التبعيضية هي البعضية المجردة المنافية للكلية لا البعضية التي هي أعم من أن تكون في ضمن الكل أو بدونه لاتفاق النحاة على ذلك حيث احتاجوا إلى التوفيق بين قوله تعالى { يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } وقوله تعالى{ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } [الزمر: 53] فقالوا لا يبعد أن يغفر سبحانه الذنوب لقوم وبعضها لآخرين أو خطاب البعض لقوم نوح عليه السلام وخطاب الكل لهذه الأمة ولم يذهب أحد إلى أن التبعيض لا ينافي الكلية ولم يصوب الشريف في رده عليه قائلاً وفيه بحث إذ الرضي صرح بعدم المنافاة بينهما حيث قال ولو كان أيضاً خطاباً لأمة واحدة فغفران بعض الذنوب لا يناقض غفران كلها بل عدم غفران بعضها يناقض غفران كلها لأن قول الرضي غير مرتضى لما عرفت من أن مدلول التبعيضية البعضية المجردة واعترض قول النحاة أو خطاب البعض لقوم نوح عليه السلام وخطاب الكل لهذه الأمة بأن الاخبار عن مغفرة البعض ورد في مواضع منها قوله تعالى في سورة إبراهيم [10]{ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } ومنها في سورة الأحقاف [31]{ ياقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } ومنها ما هنا وهو الذي ورد في قوم نوح عليه السلام وأما ما ذكر في الأحقاف فقد ورد في الجن وما ورد في إبراهيم فقد ورد في قوم نوح وعاد، وثمود على ما أفصح به السياق فكيف يصح ما ذكروه. وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع / القرآن تفرقة بين الخطابين ووجه بأن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فيتناول الخروج عن المظالم. واعترض بأن التفرقة المذكورة إنما تتم لو لم يجىء الخطاب للكفرة على العموم وقد جاء كذلك كما في سورة الأنفال [38]

    { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } وقد أسلفنا ما يتعلق بهذا المقام أيضاً فتذكر وتأمل

    وقال ابن عطية

    وقوله تعالى: { من ذنوبكم } قال قوم { من } زائدة، وهذا نحو كوفي، وأما الخليل وسيبويه فلا يجوز عندهم زيادتها في الواجب، وقال قوم: هي لبيان الجنس، وهذا ضعيف لأنه ليس هنا جنس يبين، وقال آخرون هي بمعنى " عن ". وهذا غير معروف في أحكام " من " ، وقال آخرون: هي لابتداء الغاية وهذا قول يتجه كأنه يقول يبتدئ الغفران من هذه الذنوب العظام التي لهم. وقال آخرون: هي للتبعيض، وهذا عندي أبين الأقوال، وذلك أنه لو قال: " يغفر لكم ذنوبكم " لعم هذا اللفظ ما تقدم من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجبُّ ما قبله، فهي بعض من ذنوبهم، فالمعنى يغفر لكم ذنوبكم، وقال بعض المفسرين: أراد { يغفر لكم من ذنوبكم } المهم الموبق الكبير لأنه أهم عليهم، وبه ربما كان اليأس عن الله قد وقع لهم وهذا قول مضمنه أن { من } للتبعيض والله تعالى الموفق. وقرأ أبو عمرو: { يغفر لكم } بالإدغام، ولا يجيز ذلك الخليل وسيبويه، لأن الراء حرف مكرر، فإذا أدغم في اللام ذهب التكرير واختل المسموع. وقوله تعالى: { ويؤخركم إلى أجل مسمى } مما تعلق المعتزلة به في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحداً محدوداً لما صح التأخير، إن كان الحد قد بلغ ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ.

    قال القاضي أبو محمد: وليس لهم في الآية تعلق، لأن المعنى أن نوحاً عليه السلام، لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟ ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أجل قد حان لكم، لكن قد سبق في الأزل أنهم إما ممن قضى لهم بالإيمان والتأخير وإما ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة، فكأن نوحاً عليه السلام قال لهم: آمنوا يبين لكم أنكم ممن قضي لهم بالإيمان والتأخير، وإن بقيتم فسيبين لكم أنكم ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة ثم تشدد هذا المعنى ولاح بقوله: { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر }. وقد حكى مكي القول بالأجلين ولم يقدره قدره،

    وقال الطبري

    وقوله: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } يقول: يغفر لكم ذنوبكم. فإن قال قائل: أَوَليست «من» دالة على البعض؟ قيل: إن لها معنيين وموضعين، فأما أحد الموضعين فهو الموضع الذي لا يصلح فيه غيرها. وإذا كان ذلك كذلك لم تدلّ إلا على البعض، وذلك كقولك: اشتريت من مماليكك، فلا يصلح في هذا الموضع غيرها، ومعناها: البعض، اشتريت بعض مماليكك، ومن مماليكك مملوكاً. والموضع الآخر: هو الذي يصلح فيه مكانها عن فإذا، صلحت مكانها «عن» دلت على الجميع، وذلك كقولك: وجع بطني من طعام طعِمته، فإن معنى ذلك: أوجع بطني طعام طعمته، وتصلح مكان «من» عن، وذلك أنك تضع موضعها «عن»، فيصلح الكلام فتقول: وجع بطني عن طعام طعمته، ومن طعام طعمته، فكذلك قوله: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } إنما هو: ويصفح لكم، ويعفو لكم عنها وقد يحتمل أن يكون معناها يغفر لكم من ذنوبكم ما قد وعدكم العقوبة عليه. فأما ما لم يعدكم العقوبة عليه فقد تقدّم عفوه لكم عنها.

  10. #100
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً }

    قال السمين

    قوله: { مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ }: " ما " مزيدةٌ بين الجارِّ ومجرورِه توكيداً. ومَنْ لم يَرَ زيادتَها جَعَلها نكرةً، وجَعَلَ " خطيئاتِهم " بدلاً، وفيه تعسُّفٌ. وتقدَّم الخلافُ في قراءةِ " خَطِيْئاتِهم " في الأعراف. وقرأ أبو رجاء " خَطِيَّاتهم " جمعَ سلامةٍ، إلاَّ أنَّه أَدْغَمَ الياءَ في الياءِ المنقلبةِ عن الهمزةِ. والجحدريُّ ـ وتُرْوى عن أُبَيّ ـ " خطيئتِهم " بالإِفراد والهمز. وقرأ عبد الله " مِنْ خطيئاتِهم ما أُغْرِقوا " فجعلَ " ما " المزيدةَ بين الفعلِ وما يتعلَّق به. و " مِنْ " للسببيَّةِ تتعلَّقُ بـ " أُغْرِقوا ". قال ابن عطية: " لابتداء الغاية " ، وليس بواضح

    سورة الجن

    { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً }


    قال ابن عاشور

    وضمير { منها } للسماء.

    و (من) تبعيضية، أي من ساحاتها وهو متعلق بـ { نقعد } ، وليس المجرور حالاً من { مَقاعَد } مقدَّماً على صاحبه لأن السياق في الكلام على حالهم في السماء فالعناية بمتعلِّق فعل القعود أولى، ونظيره قول كعب:
    يمشي القراد عليها ثم يزلقه مِنْها لبان وأقرب زهاليل
    فقوله (منها) متعلق بفعل (يُزلقه) وليس حالاً من (لَبان).

    سورة المزمل

    قال الالوسي

    وَطَائِفَةٌ مّنَ الَّذِينَ مَعَكَ } دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع إذ لو كان فرضاً عليهم لكان التركيب والذين معك إلا إن اعتقد أنه كان منهم من يقوم في بيته ومنهم من يقوم معه فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع انتهى وأنت تعلم أنه لا يتعين كون (من) تبعيضية بل تحتمل أن تكون بيانية ومن يقول بالفرضية على الكل صدر الإسلام يحملها على ذلك دون البعضية باعتبار المعية فإنها ليست بذاك والله تعالى أعلم.

  11. #101
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة التسعون

    سورة النبأ

    { وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً }

    قال السمين

    قوله: { مِنَ الْمُعْصِرَاتِ }: يجوزُ في " مِنْ " أَنْ تكونَ على بابِها من ابتداءِ الغاية، وأَنْ تكونَ للسببية. ويَدُلُّ قراءةُ عبدِ الله بنِ يزيد وعكرمة وقتادة " بالمُعْصِرات " بالباءِ بدلَ " مِنْ " وهذا على خلافٍ في " المُعْصِرات " ما المرادُ بها؟ فقيل: السحاب. يقال: أَعْصَرَتْ السَّحائِبُ، أي: شارَفَتْ أَنْ تُعْصِرَها الرياحُ فتُمْطِرَ كقولك: " أجَزَّ الزرعُ " إذا حان له أن يُجَزَّ. ومنه " أَعْصَرَتِ الجارِيَةُ " إذا حان لها أَنْ تحيضَ. قاله الزمخشريُّ. وأنشد ابنُ قتيبة لأبي النجم:
    4466ـ تَمْشي الهُوَيْنَى ساقِطاً خِمارُها قد أَعْصَرَتْ أو قَدْ دَنَا إعْصارُها
    قلت: ولولا تأويلُ " أَعْصَرَتْ " بذلك لكان ينبغي أَنْ تكونَ المُعْصَرات بفتح الصادِ اسمَ مفعول؛ لأنَّ الرياحَ تُعْصِرُها.

    وقال الزمخشري: " وقرأ عكرمةُ " بالمُعْصِرات ". وفيه وجهان: أَنْ يُراد الرياحُ التي حانَ لها أَنْ تُعْصِرَ السحابَ، وأَنْ يُرادَ السحائبُ؛ لأنَّه إذا كان الإِنزالُ منها فهو بها/ كما تقول: أَعْطى مِنْ يدِه درهماً، وأَعْطى بيدِه. وعن مجاهد: المُعْصِرات: الرياحُ ذواتُ الأعاصيرِ. وعن الحسن وقتادة: هي السماواتُ. وتأويلُه: أنَّ الماءَ يَنْزِلَ من السماءِ إلى السحاب فكأنَّ السماواتِ يَعْصِرْنَ، أي: يَحْمِلْنَ على العَصْر ويُمَكِّنَّ منه. فإنْ قلتَ: فما وَجْهُ مَنْ قرأ " من المُعْصِرات " وفسَّرها بالرياح ذواتِ الأعاصيرِ، والمطرُ لا يَنْزِلُ من الرياح؟ قلت: الرياحُ هي التي تُنْشِىءُ السحابَ وتَدِرُّ أخلافَه، فيَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَبْدأً للإِنزال. وقد جاء: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الرياحَ فتحملُ الماءَ من السماء، فإنْ صَحَّ ذلك فالإِنْزالُ منها ظاهرٌ. فإنْ قلت: ذكر ابن كَيْسانَ: أنه جَعَلَ المُعْصِرات بمعنى المُغِيثات، والعاصِرُ هو المُغيث لا المُعْصِر. يقال: عَصَرَهُ فاعْتَصَرَ. قلت: وَجْهُه أَنْ يُرادَ: اللاتي أَعْصَرْن، أي: حان لها أَنْ تُعْصِرَ، أي: تُغيث ". قلت: يعني أنَّ " عَصَرَ " بمعنى الإِغاثةِ ثلاثيٌّ، فكيف قيل هنا: مُعْصِرات بهذا المعنى، وهو من الرُّباعي؟ فأجاب عنه بما تقدَّم، يعني أنَّ الهمزةَ بمعنى الدُّخولِ في الشيء

    وقال الالوسي

    وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ } هي السحائب على ما روي عن ابن عباس وأبـي العالية والربيع والضحاك، ولما كانت معصرة اسم مفعول لا معصرة اسم فاعل قيل إنها جمع معصرة من أعصر على أن الهمزة فيه للحينونة أي حانت وشارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، والإفعال يكون بهذا المعنى كثيراً كأجزر إذا حان وقت جزاره وأحصد إذا شارف وقت حصاده ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض قال أبو النجم العجلي:
    تمشي الهوينا مائلاً خمارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارها
    وجوز على تقدير كون الهمزة للحينونة أن يكون المعنى حان لها أن تعصر أي تغيث ومنه العاصر المغيث ولذا قال ابن كيسان سميت السحائب بذلك لأنها تغيث فهي من العصرة كأنه في الأصل بمعنى حان أن تعصر بتخييل أن الدم يحصل منها بالعصر وقيل إنها جمع لذلك أيضاً إلا أن الهمزة لصيرورة الفاعل ذا المأخذ كأيسر وأعسر وألحم أي صار ذا يسر وصار ذا عسر وصار ذا لحم.

    وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة أنها الرياح لأنها تعصر السحاب فيمطر وفسرها بعضهم بالرياح ذوات الأعاصير على أن صيغة اسم الفاعل للنسبة إلى الإعصار بالكسر وهي ريح تثير سحاباً ذا رعد وبرق ويعتبر التجريد عليه على ما قيل، والمازني اعتبر النسبة أيضاً إلا أنه قال المعصرات السحائب ذوات الأعاصير فإنها لا بد أن تمطر معها. وأيد تفسيرها بالرياح بقراءة ابن الزبير وابن عباس وأخيه الفضل وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة (بالمعصرات) بياء السببية والآلية فإنها ظاهرة في الرياح فإن بها ينزل الماء من السحاب ولهذه القراءة جعل بعضهم (من) في قراءة الجمهور وتفسير المعصرات بالرياح للتعليل، وذهب غير واحد إلى أنها للتعليل ابتدائية فإن السحاب كالمبدأ الفاعل للإنزال. وتعقب بأن ورود (من) كذلك قليل.

    وعن أبـي الحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة أيضاً أنها السمظ°وات. وتعقب بأن السماء لا ينزل منها الماء بالعصر فقيل في تأويله أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب فكأن السموات يعصرن أي يحملن على عصر الرياح السحاب ويمكن منه. وتعقب بأنه مع بعده إنما يتم لو جاء المعصر بمعنى العاصر أي الحامل على العصر ولو قيل المراد بالمعصر الذي حان له أن يعصر كان تكلفاً / على تكلف. والذي في «الكشف» أن الهمزة على التأويل المذكور للتعدية فتدبر ولا تغفل.

  12. #102
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الحوهرة الواحدة والتسعون

    سورة القدر

    قال السمين

    قوله: { مِّن كُلِّ أَمْرٍ } يجوزُ في " مِنْ " وجهان، أحدهما: أنها بمعنى اللام. ويتعلَّقُ بـ " تَنَزَّلُ " ، أي: تَنَزَّلُ مِنْ أجلِ كلِّ أمرٍ قُضي إلى العامِ القابل: والثاني: أنَّها بمعنى الباء، أي: تتنزَّلُ بكلِّ أمرٍ، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم. وقرأ العامَّةُ " أَمْرٍ " واحدُ الأمور. وابن عباس وعكرمة والكلبي " امْرِئٍ " مُذ‍كَّرُ امرأة، أي: مِنْ أجلِ كلِّ إنسانٍ. وقيل: مِنْ أجل كلِّ مَلَكٍ، وهو بعيدٌ. وقيل: " مِنْ كلِّ أَمْرٍ " ليس متعلقاً بـ " تَنَزَّلُ " إنما هو متعلِّقٌ بما بعده، أي: هي سلامٌ مِنْ كلِّ أمرٍ مَخُوفٍ، وهذا لا يتمُّ على ظاهرِه لأنَّ " سَلامٌ " مصدرٌ لا يتقدَّم عليه معمولُه، وإنما المرادُ أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه هذا المصدرُ

    وقال ابو حيان

    { بإذن ربهم }: متعلق بتنزل { من كل أمر }: متعلق بتنزل ومن للسبب، أي تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل.

    سورة البينة

    { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ }

    قال الالوسي

    { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكِتَـابِ } أي اليهود والنصارى وإيرادهم بذلك العنوان قيل لإعظام شناعة كفرهم وقيل للإشعار بعلة ما نسب إليهم من الوعد باتباع الحق فإن مناط ذلك وجدانهم له في كتابهم وهو مبني على وجه يأتي إن شاء الله تعالى في الآية بعد. وإيراد الصلة فعلاً لما أن كفرهم حادث بعد أنبيائهم عليهم السلام بالإلحاد في صفات الله عز وجل.

    و(مِنْ) للتبعيض كما قال علم الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي في «التأويلات» لا للتبيين لأن منهم من لم يكفر بعد نبيه وكان على الاعتقاد الحق حتى توفاه الله تعالى وعد من ذلك الملكانية من النصارى فقيل إنهم كانوا على الحق قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث والظاهر خلافه وأيد إرادة التبعيض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بأهل الكتاب اليهود الذين كانوا بأطراف المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع. وقال بعض لا نسلم أن التبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث لجواز أن يكون التعبير عنهم بالذين كفروا باعتبار حالهم بعد البعثة كأنه قيل لم يكن هؤلاء الكفرة وبينوا بأهل الكتاب { وَالْمُشْرِكِينَ } وهم من اعتقدوا لله سبحانه شريكاً، صنماً أو غيره وخصهم بعض بعبدة الأصنام لأن مشركي العرب الذين بمكة والمدينة وما حولهما كانوا كذلك وهم المقصودون هنا على ما روي عن الحبر. وأياً ما كان فالعطف على (أهل الكتاب) ولا يلزم على التبعيض أن لا يكون بعضهم كافرين ليجب العدول عنه للتبيين لأنهم بعض من المجموع كما أفاده بعض الأجلة واحتمال أن يراد بالمشركين أهل الكتاب وشركهم لقولهم المسيح ابن الله وعزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً والعطف لمغايرة العنوان ليس بشيء.

    سورة الفيل

    قال الالوسي

    { مّن سِجّيلٍ } صفة حجارة أي كائنة من طين متحجر معرب سنك كل وقيل هو عربـي من السجل بالكسر وهو الدلو الكبيرة ومعنى كون الحجارة من الدلو أنها متتابعة كثيرة كالماء الذي يصب من الدلو ففيه استعارة مكنية وتخييلية وقيل من الإسجال بمعنى الإرسال والمعنى من مثل شيء مرسل و(مِنْ) في جميع ذلك ابتدائية وقيل من السجل وهو الكتاب أخذ منه السجين وجعل علماً للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار والمعنى من جملة العذاب المكتوب المدون فمن تبعيضية.

  13. #103
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    الجوهرة الثانية والتسعون

    سورة الناس

    مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ }

    قال السمين

    قوله: { مِنَ ٱلْجِنَّةِ }: فيه أوجهٌ،

    أحدُها: أنه بدلٌ من " شَرِّ " بإعادة العاملِ، أي: مِنْ شَرِّ الجِنة.

    الثاني: أنه بدلٌ مِنْ ذي الوَسواس؛ لأنَّ المُوَسْوِسَ من الجنِّ والإِنس.

    الثالث: أنَّه حالٌ من الضمير في " يُوَسْوِسُ " أي: يُوَسْوِس حالَ كونِه مِنْ هذين الجنسَيْنِ.

    الرابع: أنه بدلٌ من " الناس " وجَعَلَ " مِنْ " تَبْييناً. وأَطْلَقَ على الجِنِّ اسمَ الناس؛ لأنهم يتحرَّكون في مُراداتهم، قاله أبو البقاء. إلاَّ أنَّ الزمخشري أبطلَ فقال بعد أَنْ حكاه: " واسْتَدَلُّوا بـ
    { نَفَرٌ }
    [الجن: 1] و
    { رِجَالٌ }
    [الجن: 6] ما أحقَّه؛ لأن الجنَّ سُمُّوا جِنَّاً لاجتنانِهم والناسَ ناساً لظهورِهم، من الإِيناس وهو الإِبصار، كما سُمُّوا بَشَراً. ولو كان يقع الناسُ على القبيلَيْنِ وصَحَّ وثَبَتَ لم يكن مناسِباً لفصاحةِ القرآن وبعده مِنَ التَصَنُّع، وأَجْوَدَ من أن يرادَ بالناس الناسي كقولِه:
    { يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ }
    القمر: 6] وكما قرئ { مِنْ حيث أفاضَ الناسي } ثم بُيِّنَ بالجِنة والناس؛ لأنَّ الثَّقَلَيْن هما النوعان الموصوفانِ بنِسْيان حَقِّ اللَّهِ تعالى " قلت: يعني أنه اجتُزِئ بالكسرةِ عن الياء، والمرادُ اسمُ الفاعلِ، وقد تقدَّم تحقيق هذا في البقرة، وأَنْشَدْتُ عليه هناك شيئاً من الشواهد.

    الخامس: أنه بيانٌ للذي يوسوِسُ، على أن الشيطان ضربان: إنسِيُّ وجنيُّ، كما قال
    { شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ }
    [الأنعام: 112]. وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل اسْتَعَذْتَ من شياطينِ الإِنس؟

    السادس: أنَّه يتعلَّق بـ " يُوَسْوِس " و " مِنْ " لابتداءِ الغاية، أي: يُوَسْوِسُ في صدورِهم من جهة الجنِّ ومِنْ جهة الإِنس.

    السابع: أنَّ " والناس " عطفٌ على " الوَسْواس " أي: مِنْ شَرِّ الوَسْواس والناس. ولا يجوزُ عطفُه على الجِنَّةِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُوَسْوِسُوْنَ في صدورِ الناس إنما يُوَسْوِس الجنُّ، فلمَّا استحالَ المعنى حُمِل على العطف على الوَسْواس، قاله مكي وفيه بُعْدٌ كبيرٌ لِلَّبْسِ الحاصلِ. وقد تقدَّم أنَّ الناسَ يُوَسْوِسون أيضاً بمعنىً يليقُ بهم.

    الثامن: أنَّ { مِنَ ٱلْجِنَّةِ } حالٌ من " الناس " ، أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يُبَيِّنْ: أيُّ الناسِ المتقدمُ أنه صاحبُ الحالِ؟ وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يَصِحُّ معنى الحاليةِ [في شيءٍ منها]، لا الأولُ ولا ما بعدَه. ثم قال: " وقيل: هو معطوف على الجِنَّة " يريد " والناسِ " الأخيرَ معطوفٌ على " الجِنة " وهذا الكلامُ يَسْتدعي تقدُّمَ شيءٍ قبلَه: وهو أَنْ يكونَ " الناس " عطفاً على غير الجِنة كما قال به مكي ثم يقول: " وقيل هو معطوفٌ على " الجِنة " وفي الجملة فهو كلامٌ متسامَحٌ فيه ...

    وقال ابن عاشور

    و { مِن } في قوله: { من الجنة والناس } بيانية بينَتْ { الذي يوسوس في صدور الناس } بأنه جنس ينحلّ باعتبار إرادة حقيقته، ومجازه إلى صنفين: صنف من الجنّة وهو أصله، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول، وجمَع الله هذين الصنفين في قوله:
    { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً }
    [الأنعام: 112].

    ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاءُ ما ينجرّ من وسوسة نوع الإِنسان، لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطراً وهم بالتعوذ منهم أجدر، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر.

    ولا يستقيم أن يكون { من } بياناً للناس إذ لا يطلق اسم { الناس } على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبْعَدَ.

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { من الجِنَّة والناس } الجِنَّة: الجن. ومن معنى الآية قولان.

    أحدهما: يوسوس في صدور الناس جِنَّتهم وناسهم، فسمى الجن هاهنا ناساً، كما سمَّاهم رجالاً في قوله تعالى{ يعوذُون برجال من الجن } [الجن:6] وسماهم نفراً بقوله تعالى:{ استَمَعَ نفر من الجن } [الجن:1] هذا قول الفراء. وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوساً للجن، كما يوسوس للإنس.

    والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من الجِنَّة، وهم من الجن. والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله تعالى: «والناس» على «الوسواس». والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس، هذا قول الزجاج.

    وقال القرطبي

    وذهب قوم إلى أن الناس هنا يراد بهم الجن. سموا ناساً كما سموا رجالاً في قوله:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ } [الجن: 6] ـ وقوماً ونفراً. فعلى هذا يكون «والناسِ» عطفاً على «الجِنةِ»، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين. وذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث: جاء قوم من الجن فوقفوا. فقيل: مَن أَنتْم؟ فقالوا: ناس من الجن. وهو معنى قول الفرّاء. وقيل: الوسواس هو الشيطان. وقوله: «مِن الجِنةِ» بيان أنه من الجن «والناسِ» معطوف على الوسواس. والمعنى: قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس، الذي هو من الجِنة، ومن شر الناس. فعلى هذا أمِر بأن يستعيذ من شر الإنس والجن. والجِنَّة: جمع جِنِّي كما يقال: إنس وإنسيّ. والهاء لتأنيث الجماعة. وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجن، كما يوسوس في صدور الناس. فعلى هذا يكون «في صدور الناس» عاماً في الجميع. و«من الجِنة والناس» بيان لما يوسوس في صدره. وقيل: معنى «مِن شر الوسواسِ» أي الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس. وقد ثبت:عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به " رواه أبو هريرة، أخرجه مسلم. فالله تعالى أعلم بالمراد من ذلك.

    وقال الالوسي

    مِن) لابتداء الغاية أي يوسوس في صدورهم من جهة الجن مثل أن يلقي في قلب المرء من جهتهم أنهم ينفعون ويضرون ومن جهة الناس مثل أن يلقي في قلبه من جهة المنجمين والكهان أنهم يعلمون الغيب وجوز فيه الحالية من ضمير { يُوَسْوِسُ } والبدلية من قوله تعالى:{ مِن شَرِّ } [الناس: 4] بإعادة الجار وتقدير المضاف والبدلية من { ٱلْوَسْوَاسِ } على أن { من } تبعيضية.

    وقال الفراء وجماعة هو بيان للناس بناء على أنه يطلق على الجن أيضاً فيقال كما نقل عن الكلبـي ناس من الجن كما يقال نفر ورجال منهم وفيه أن المعروف عند الناس خلافه مع ما في ذلك من شبه جعل قسم الشيء قسيماً له ومثله لا يناسب بلاغة القرآن وإن سلم صحته وتعقب أيضاً بأنه يلزم عليه القول بأن الشيطان يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الإنس ولم يقم دليل عليه ولا يجوز جعل الآية دليلاً لما لا يخفى.

    وأقرب منه على ما قيل أن يراد بالناس الناسي بالياء مثله في قراءة بعضهم{ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } [البقرة: 199] بالكسر ويجعل سقوط الياء كسقوطها في قوله تعالى:{ يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ } [القمر: 6] ثم يبين بالجنة والناس فإن كان كل فرد من أفراد الفريقين مبتلى بنسيان حق الله تعالى إلا من تداركه شوافع عصمته وتناوله واسع رحمته جعلنا الله ممن نال من عصمته الحظ الأوفى وكال له مولاه من رحمته فأوفى.

  14. #104
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,180
    تم بعون الله وتوفيقه البحث ارجو من الله ان يكون سببا فى جذب أنظار طلاب علم التفسير لجواهر من فى القرآن

    كتبه العبد الفقير/أسامة محمد خيري عبد الرحمن ابراهيم

صفحة 7 من 7 الأولىالأولى ... 34567

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •