النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ضعف الاستدلال بدليل النِّظام ودليل العناية على وجود الله تعالى

  1. #1

    ضعف الاستدلال بدليل النِّظام ودليل العناية على وجود الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ‏0. مقدِّمة‏
    الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا ومولانا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.‏
    وبعدُ فهذه مناقشة لدليل النِّظام ودليل العناية أبيِّن فيها ما أراه ضعفاً لهما، وقد اهتمَّ بهذين الدَّليلين ‏كثير من علماء أهل السُّنَّة ومن غيرهم، حتَّى إنَّ للمعاصرين اهتماماً كبيراً بهما.‏

    ‏1. نظم دليل النظام‎...

    ‏1-1) العالَم منتظم (بالمشاهدات الكثيرة جداً الدَّقيقة جدّاً في الفيزياء والبيولوجيا...).‏
    ‏1-2) لكل منتظم منظِّم عالِم (بالضَّرورة).‏‎
    ‏1-3) إذن... للعالَم منظم عالِم.‏
    ‏1-4) منظِّم العالَم إمَّا منظَّم أو غير منظَّم.‏
    ‏1-5) لو لم يكن هناك منظِّم غير منظَّم للزم الدور أو التسلسل، وكلاهما باطل‎.
    ‏1-6) هناك منظِّم غير منظَّم.‏
    ‏1-7) المنظِّم غير المنظَّم غير محتاج إلى غيره.‏
    ‏1-8) غير المحتاج إلى غيره هو الإله تعالى.‏
    ‏1-9) الإله تعالى موجود.‏

    لا يقال: العالم فيه أجزاء منتظمة وفيه أجزاء غير منتظمة، فلئن دلَّت الأجزاء المنتظمة على الفاعل العالِم فكذا ‏تدلُّ الأجزاء غير المنتظمة على السَّبب غير العالِم.‏
    لأنَّا نقول: لا نسلِّم عدم انتظام ما تدَّعي عدم انتظامه، غاية ما هنالك أنَّك لم تدرك انتظامه، وعدم العلم ‏بالانتظام ليس علماً بعدم الانتظام.‏
    سلَّمنا عدم الانتظام لبعض أجزاء العالم، لكن لا يلزم من عدم انتظامها أنَّها ليست من فعل فاعل عالِم، فإنَّ ‏الفاعل العالِم المختار له أن يختار الانتظام وله أن يختار عدم الانتظام. وعلى هذا فإنَّ الجزء غير المنتظم من ‏العالم لا يدلُّ على فاعل عالِم ولا على سبب غير عالِم.‏

    لا يقال: احتمال أن يكون العالم منتظماً بغير منظِّم لا يساوي الصِّفر مهما كان قليلاً، فلذا لا تكون الدَّلالة ‏قطعيَّة.‏
    لأنَّا نقول: الاحتمال العقليُّ لا ينافي الوجوب العاديَّ، ومدَّعانا الوجوب العاديَّ المفيد لوقوع ذلك.‏

    ااااااا

    ‏2. فرع: دليل العناية
    يمكن أن يُقرَّر هذا الاستدلال هكذا:‏
    ‏2-1) كلَّما كان العالَم منتظماً انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير كان ذلك العالم مصنوعاً ‏من منظِّم عالِم مريد لأن يكون العالَم مناسباً لحيواتنا.‏
    ‏2-2) لكنَّ العالَم منتظم انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير.‏
    ‏2-3) إذن: العالم مصنوع من منظِّم عالِم مريد لأن يكون العالَم مناسباً لحيواتنا.‏

    ااااااااااا

    ‏3. الدَّلالة على ضعف دليل النِّظام

    أوَّلاً: المقدِّمة (1-1)‏
    قولكم: «العالم منتظم».‏
    قلنا: لا نسلِّم.‏
    قولكم: «بالمشاهدات الكثيرة جداً الدَّقيقة جدّاً في الفيزياء والبيولوجيا...».‏
    قلنا: هذه الانتظامات التي نرى وجدناها في ما شاهدنا من العالم، ونحن لم نحط بالعالَم علماً، فقد ‏يكون العالم أكبر ممَّا نشاهد جدّاً ولا يكون منتظماً في باقي العالم، ويكون الانتظام الذي نشاهد في الجزء ‏الذي نعيش فيه من العالم عرضيّاً، فهذا الذي نراه انتظاماً ليس بانتظام في نفس الأمر.‏
    مثال ذلك أنَّني لو دخلت غرفة مظلمة فوجدت فيها 10 كراسيَّ قائمة على أرجلها مصطفَّة في صفٍّ ‏واحد مستقيم، فسأقول: هذه الكراسيُّ منتظمة.‏
    لكن لو أضيئت الغرفة فكانت واسعة جداً وفيها تريليون كرسيٍّ، والكراسيُّ فيها ملقاة عشوائيّاً في ‏الغرفة، فسيكون هناك احتمال كبير في أن يكون بعض هذه الكراسيِّ قد ألقي ووصل الأرض قائماً على ‏أرجله، ولكثرة هذه الكراسيِّ جدّاً فسيكون هناك احتمال كبير جدّاً لأن يكون هناك 10 كراسيَّ قد ‏ألقيت عشوائيّاً فوصلت الأرض قائمة على الأرجل مصطفَّة ذلك الاصطفاف.‏
    فيكون ذلك الجزء الذي رأيتُه منتظماً غير منتظم في حقيقة الأمر لأنَّه ضمن نظام في كلِّه عشوائيٌّ، ‏فيكون هذا الانتظام جزءا من العشوائيَّة، والانتظام عارض للجزء فقط.‏
    ومثل ذا العالَم، يمكن أن يكون أكبر ممَّا هو عليه جدّاً (متَّصلاً أو بأكوان منفصلة، لكنَّه يكون متناهياً)، ‏ويكون الذي نراه منتظماً منه ليس إلا مظهراً من مظاهر عشوائيَّته.‏
    ويمكن أن يكون العالم قديم البداية جدّاً (ليس لا نهائيَّ القِدَم)، فيكون ما نراه الآن من الحركات ‏العشوائيَّة منتظماً بالعَرَض.‏
    لا يقال: نحن ندلُّ بالفيزياء على امتناع الأكوان المتعدِّدة وامتناع أن يكون العالم أكبر جدّا ممَّا نشاهد أو ‏أقدم كثيراً. ولئن سلَّمنا أنَّه ليس هناك دليل على استحالته فليس لكم دليل على ثبوته، وإذ لا دليل لكم ‏على ثبوته فلايتمُّ اعتراضكم. ولئن سلَّمنا أنَّ تلك الأكوان الكثيرة موجودة فلا بدَّ أنَّها لها قوانين ‏منتظمة فتدلُّ على المنظِّم العالِم كذلك. ‏
    لأنَّا نقول: ‏
    قولكم: «نحن ندلُّ بالفيزياء على امتناع الأكوان المتعدِّدة وامتناع أن يكون العالم أكبر جدّا ممَّا نشاهد أو ‏أقدم كثيراً».‏
    قلنا: لو سلَّمنا صحَّة تلك الأدلَّة في الفيزياء فلا نسلِّم قطعيَّتها، لأنَّ المستند إليه القوانين الفيزيائيَّة ‏المشاهدة في عالمنا، فلعلَّ تلك الأكوان أو الأجزاء من الكون الكبير لا تنطبق عليها تلك القوانين، فلا ‏دليل على امتناع ذينك الأمرين. وكذا قد تكون قوانين العالَم مختلفة من زمن إلى زمن بناء على بعض ‏الاختلافات في بِنيته، فلا يلزم أن يكون بدايته في قريب 14 بليون سنة قبل الآن.‏
    على أنَّنا لا يصحُّ لنا أن ندَّعي أنَّ جميع القوانين الفيزيائيَّة المدركة حالياً هي قوانين العالم المشاهَد، فإلى ‏الآن نحن نعلم أنَّ الفيزياء المعاصرة قاصرة عن درك حقائق العلاقات الفيزيائيَّة، فالاستناد إلى هذه ‏القوانين المدركة حالياً استناد إلى قاصر. ‏
    على أنَّنا حتَّى لو فرضنا أنَّ القوانين المدركَة لنا حالياً لا يظهر قصورها فهذا لا يعني أنَّها ليست قاصرة ‏ناقصة في نفس الأمر.‏
    قولكم: «ولئن سلَّمنا أنَّه ليس هناك دليل على استحالته فليس لكم دليل على ثبوته، وإذ لا دليل لكم ‏على ثبوته فلايتمُّ اعتراضكم».‏
    قلنا: الخصم هنا في مقام السَّائل وأنت في مقام المعلِّل، فاللَّازم عليك أنت أن تمنع هذا الاحتمال، وما لم ‏تمنعه فلا يتمُّ دليلك. إذن: مقام السَّائل هنا أن يمنع مقدِّمتك بأن يطالبك بالدَّليل عليها، وإنَّما يَسلَم ‏الدَّليلُ عليها بإثبات أن ليس العالَم إلا هذا المشاهد وأنَّه ليس أكبر كثيراً عشوائيٌّ ولا أنَّ ثَمَّ أكواناً ‏كثيرة العدد جدّاً.‏
    قولكم: «ولئن سلَّمنا أنَّ تلك الأكوان الكثيرة موجودة فلا بدَّ أنَّها لها قوانين منتظمة فتدلُّ على المنظِّم ‏العالِم كذلك».‏
    قلنا: لا نسلِّم انتظام قوانين لها.‏
    سلَّمنا انتظام قوانين، فلِمَ لا تكون راجعة لنفس الموادِّ والظُّروف التي فيها؟ كما أنَّنا لو فرضنا في العالَم ‏المشاهد مادَّة قريبة من نجم ذي كتلة كبيرة جدّاً فإنَّ القوانين الكيميائيَّة لها تختلف عما لو كانت هذه ‏المادَّة عينها على كوكبنا.‏
    فإن قلتم: نحن نمنع أن يكون هناك أحكام ذاتيَّة تأثيريَّة بين الممكنات لجواز تبدُّلها منطقيّاً، فيستحيل ‏انتظام تلك القوانين من نفس الموادِّ والظُّروف التي فيها.‏
    أجيب: نعم، لكنَّ هذا يكون استدلالاً على وجود الفاعل المختار العالِم بغير طريق النِّظام، فيُستغنى به ‏عنه. فلا يكون لدليل النِّظام دلالة على أيِّ مطلب هاهنا.‏

    ‏---‏

    ثانياً: المقدِّمة (1-2)‏
    قولكم: «لكل منتظم منظِّم عالِم».‏
    قلنا: لا نسلِّم.‏
    قولكم: «بالضَّرورة [العاديَّة]».‏
    قلنا: لا نسلِّم، وإنَّما تصحُّ الضَّرورة العاديَّة في أنَّ للمنتظم منظِّماً عالِماً في حال قيود للأحداث.‏
    مثل أن يقال إنَّك دخلتَ غرفتك فوجدتَ كتاباً مخطوطاً عليه بالخطوط المنتظمة الدَّالَّة على البحث في ‏علم المنطق مثلاً. فوجود هذا الكتاب يمتنع عادة أن يكون من غير فاعل عالِم، وإنَّما الامتناع العاديُّ ‏هنا لأنَّ غرفتك مقيَّدة الظُّروف جدّاً.‏
    أمَّا ما نحن فيه فالعالم غير مقيَّد الظُّروف، فلو فرضنا أنَّ العالم كلَّه منتظم فهناك احتمال عقليٌّ مهما قلَّ ‏فلا يساوي الصِّفر في كونه عن عشوائيَّة وليس عن منظِّم عالِم، ودعوى الوجوب العاديِّ هنا لا دليل ‏عليها إذ لا دليل على تقيُّد ظروف الكون بحيث يمتنع أن يكون انتظامه عن عشوائيَّة.‏
    ولمزيد بيان فليضرَب مثل قصر في الصَّحراء وحركة الكواكب، فنحن نجزم بأنَّنا إن وجدنا قصراً في ‏الصَّحراء أنَّه لا بدَّ موجود من بانٍ عالِم، لكن قد نفرض أنَّ الوصف الفيزيائيَّ بأحداث عشوائيَّة كاف ‏لتفسير كون مداراتها بيضاويَّة ناشئاً عن انفجار سوبرنوفا نشأت منه المجموعة الشَّمسيَّة بشكل ‏عشوائيٍّ أدَّى إلى هذه النَّتيجة وهذا التَّرتيب الحاضر. فهنا انتظام يمكن استقراب أنَّ مصدره عشوائيٌّ ‏‏–على الأقلِّ حركات الأجرام لا القوانين-.‏

    فإن قيل: القيود في عالمنا تمنع وجود هذه الكائنات الحيَّة ذوات هذا التَّعقيد الكبير جدّاً جدّاً في كلِّ ‏خليَّة -فضلاً عن بناء جسم الكائن الحيِّ- عن مجرَّد العشوائيَّة.‏
    أجيب: نحن لا نقدر على الجزم بأنَّ العالم منحصر في المشاهَد، فتحتاج لإثبات مطلوبك هذا منع ‏خلاف ذلك.‏
    ثمَّ ما المانع من أن يكون هذا التَّعقيد الكبير راجعاً إلى وجه أكثر بساطة صار متطوِّراً شيئاً فشيئاً؟
    فإن قيل: التَّطوُّر الدَّاروينيُّ باطل لمحدوديَّة الكون زماناً ومكاناً، ولأدلَّة بيولوجيَّة كانفجار الكامبري ‏والتَّطوُّر المتباعد وغيرهما.‏
    أجيب: ‏
    قولكم: «التَّطوُّر الدَّاروينيُّ باطل لمحدوديَّة الكون زماناً ومكاناً».‏
    نقول: قد سبق أن المحدوديَّتين الزَّمانيَّة والمكانيَّة لا تنافيان القدم الكبير أو الحجم الكبير فوق ما ‏أدركناه، على أنَّه قد يكون هناك آليّات للتَّطوُّر غير الآليَّة الدَّاروينيَّة مع الآليَّة الدَّاروينيَّة لم نكتشفها ‏بعدُ.‏
    قولكم: «ولأدلَّة بيولوجيَّة كانفجار الكامبري والتَّطوُّر المتباعد (‏Divergent Evolution‏) ‏وغيرهما».‏
    نقول: أقلُّ ما يقال هاهنا أنَّ هذه تفيد ثغرات في نظريَّة التَّطوُّر وفق ما وصلنا إليه من علم، وحصول ‏الثَّغرات لا يسقط النَّظريَّة، لأنَّ الثَّغرات هي بعدم علمنا بتفسير هذه الظَّواهر وفق القول بالتَّطوُّر، وعدم ‏العلم به لا يعني العلم بعدم وجود تفسير أدركناه في المستقبل بتطوُّر العلم أو لم نعلمه مطلقاً.‏
    فعلى الأقلِّ يقال: دعوى بطلان التَّطوُّر غير مقطوع بها.‏
    فإن قيل: بعد هذا لا دليل قطعيّاً على تحقُّق التَّطوُّر.‏
    أجيب: فعلاً ليس هناك دليل قطعيٌّ على ثبوت التَّطوُّر (ولن يكون)، لكن كذلك ليس ثَمَّ دليل قطعيٌّ ‏على عدم حصول التَّطوُّر، فإذ لم تمنعوا احتماله فلا يتمَّ لكم الاستدلال بمجرَّد هذا الانتظام المذهل ‏للكائنات الحيَّة المعاصرة.‏
    فقد يقال: لا يمتنع منطقيّاً أن يكون هناك تجمُّع لمواد كيميائيَّة بشكل عشوائيٍّ في ظرف معيَّن ليتركَّب ‏كائن حيٌّ وحيد الخليَّة البدائيَّة، ثمَّ يتغيَّر الظَّرف ليتطوَّر ذلك الكائن. فإنَّ الذي يظهر لنا من هذا ‏الكائن الذي نسمِّيه حيّاً ليس إلا تلك المجموعة من المركَّبات الكيميائيَّة.‏

    تنبيه: الفقير لا يقول بالتَّطوُّر في حقِّ الإنسان لدلالة النَّصِّ الشَّريف القطعيَّة على خلق الإنسان مبتدأً ‏من طين. ‏

    فإن قيل: غاية ما هنالك أن يكون هناك احتمال ما بكون الكون قد حصل بعشوائيَّة، لكنَّ هذا الاحتمال ‏صغير جدّاً جدّاً إلى درجة لا يصحُّ أن يعتبرها عاقل.‏
    أجيب: مهماً كان الاحتمال بعيداً فلا يعني أنَّه احتمال صفريٌّ، فلا تكون هذه المقدِّمة التي أوردتَ ‏قطعيَّة، وأنت تريد بهذا الدَّليل إثبات وجود الإله تعالى قطعاً، فلا يكون مطلوبك متحقِّقاً.‏
    وإن يكن مطلوبك من هذا الدَّليل الظنَّ لا القطع فلا يفيدك ذلك.‏
    ثمَّ يقال: نعم، التَّعقيد الذي نراه شديد جدّاً بحيث يكون تحقُّقه عن سبب عشوائيٍّ صغيراً جدّاً جدّاً ‏جدّاً... لكن لو قلنا إنَّ الحوادث العشوائيَّة كثيرة جدّاً جدّاً جدّاً جدّاً... فلن يكون احتمال تحقُّق هذا ‏العالم على هذه الصُّورة بعيداً، بل قد يكون قريباً جدّاً.‏
    وذلك مثل أن ترى أمامك 10 أحجار نرد وكلُّها يظهر منها الوجه رقم 5، فستقول إنَّ هذا يمتنع كونه ‏حالة عشوائيَّة، لأنَّ احتمال أن تكون تلك الأحجار العشرة على الوجه 5 معاً هو 1\6^10، أي ‏‏1\60466176، أي سيكون تحقُّق ذلك في حالة كلَّ 60 مليون حالة.‏
    لكن لو عرفتَ أنَّ هذه الأحجار قد ألقيت ضمن تريليون حجر نرد فستقول إنَّه من الطَّبيعيِّ جدّاً وفق ‏الحالة العشوائيَّة أن يكون 10 من هذه الأحجار عليها الرَّقم 5. وذلك لأنَّ احتمال الحصول يزداد كلَّما ‏كانت الحالات أكثر، فلو كنت في غرفة ورميت حجر نرد واحد فاحتمال أن يكون الوجه الظَّاهر 5 في ‏الغرفة مرَّة واحدة هو 1\6، لكن لو رميت حجرَي نرد فاحتمال أن يكون حالة ظهور الوجه 5 ‏مرة واحدة في تلك الغرفة هو 1\3، ولو كان معي مئة حجر نرد فرميتها فسأجزم بأنَّ الوجه ‏‏5 سيظهر مرَّة واحدة على الأقلِّ. فلو فرضتُ اجتماع أحجار نرد أكثر بكثير مع زيادة التَّعقيد ‏الذي أريد فإنَّ الاحتمال سيبقى قريباً.‏
    والعالم المشاهَد فيه الانتظام بقوانين مطَّردة ودائمة وموادَّ... مهما كان معقَّداً فهناك ما يمكن ‏التَّعبير به عن هذا التَّعقيد بالاحتمالات، فنقول: احتمال كون الكون قد حصل بطريق عشوائيٍّ ‏هو 1\ف، ثمَّ ليس هناك دليل يمنع من كون المحاولات لنشوء مثل هذا الكون أكبر كثيراً جدّاً ‏من مقلوب احتمال حصول الكون، أي تكون المحاولات ف^ف مثلاً، وعليه يكون احتمال ‏حصول العالَم على صورته هذه عشوائيّاً قريباً جداً.‏
    والحاصل أنَّنا نسلِّم أنَّ العالم بكلِّه منتظم، لكن ما المانع من كون هذا الانتظام بسبب حوادث ‏عشوائيَّة؟ فلا يتمُّ دليلكم.‏
    وبعد ذلك لا يقال: حتَّى لو فرضنا العوالم كثيرة جدّاً جدّاً فإنَّ فرصة تحقُّق مجموع هذه الحيثيَّات التي ‏تسمح لتحقُّق الحياة في هذا العالم وهذا الكوكب ستبقى صغيرة جدّاً جدّاً.‏
    لأنَّا نقول: الكلام على تحقُّق مجموع هذه الحيثيّات في الكون، فتكون فرصته كبيرة بفرض تعدُّد ‏الأكوان أو كون الحوادث العشوائية كثيرة جدّاً.‏
    وذلك مثل أن يكون معك مليون صندوق في كلِّ صندوق 3 أحجار نرد، ففرصة أن يكون صندوق من ‏هذه الألف فيه كلُّ واحد من هذه الأحجار يظهر فيها الوجه 5 كبير، ولكون هذا الاحتمال كبيراً ‏سنجزم بحصوله في بعض الصَّناديق، ولا يبطل ذلك أن نعيِّن صندوقاً بعينه قبل النَّظر فيه.‏

    تنبيه: قد يكون سبب دعوى ضرورة المقدِّمة (1-2) هو مجرَّد عكس القضيَّة «كلَّما كان هناك فعل من ‏عالِم فاعل للانتظام فسيكون هناك انتظام» عكساً كلِّيّاً، فالقضيَّة الأصل صحيحة ضروريَّة، ثم ‏قديكون هناك انتقال ذهنيٌّ تلقائيٌّ إلى عكسها كلِّيَّة «كلَّما كان هناك انتظام كان هناك فعل من عالِم ‏فاعل للانتظام»، لكنَّ انعكاسها إلى كلِّيَّة غير لازم، فيكون هذا الانتقال مغالطيّاً.‏

    ‏---‏

    ثالثاً: المقدِّمة (1-7)‏
    قولكم: «المنظِّم غير المنظَّم غير محتاج إلى غيره».‏
    قلنا: لا نسلِّم، فعدم احتياجه إلى المنظِّم لا يعني عدم احتياجه إلى السَّبب.‏
    فسلَّمنا أنَّ هناك منظِّماً للعالَم أو لبعض ما فيه غير منظَّم من غيره، لكن لِمَ لا يقال إنَّه له شكل حيويٌّ ‏بسيط حصل له بشكل عشوائيٍّ، وله قدرة على التَّشكيل والتَّصميم.‏
    فعليكم الدَّلالة على امتناع تحقُّق صورة من صور الحياة ذات ذكاء وقدرة على التَّصميم، وهي أبسط ‏من صورة حيواتنا المعقَّدة بالخلايا، وأن تكون هي المصمِّمة لهذا النِّظام المعقَّد.‏

    تنبيه: من هذا يكون استدلال من استدلَّ من علمائنا على كون الإله تعالى عالماً من انتظام المخلوقات ‏عسيراً غير محتاج إليه، فإنَّنا يلزمنا بعد أن نثبت أنَّ هناك منظِّماً غير منظَّم أنَّ الإله تعالى فاعل بالاختيار ‏لا موجِب بالذَّات، وأنَّه هو تعالى خالق كلِّ شيء.‏
    لكنَّ طريق إثبات أنَّ الله تعالى فاعل بالاختيار كون العالم حادثاً، مع منع أن يكون موجِباً لشيء ويكون ‏هذا الشَّيء محدِثاً بالاختيار، وهذا بإبطال أن يكون غير الله تعالى مؤثِّراً.‏
    ومع هذا فيكفينا إثبات كون الله تعالى عالماً من مجرَّد كونه فاعلاً بالاختيار، وكون العلم شرطاً ‏للإرادة.‏

    ااااااااااا

    ‏4. الدَّلالة على ضعف دليل العناية‏

    المقدِّمة (2-1)‏
    قولكم: «كلَّما كان العالَم منتظما انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير كان ذلك العالم ‏مصنوعاً من منظِّم عالِم مريد لأن يكون العالَم مناسباً لحيواتنا».‏

    فيقال: لا يلزم، فإنَّما هذا وهم ناشئ من عكس الكلِّيَّة كلِّيَّة، وهو غير لازم. وإنَّما يُتوهَّم عكس الكلِّيَّة كلِّيَّةً ‏لوهم انحصار الملزوم في واحد، وهذا يكون عادة بمجرَّد استبعاد أن يكون هناك ملزوم آخر (وفق ما ‏يسمى شفرة أوكام). وعند المعاصرين يُسمَّى هذا تعقُّلاً اختطافيّاً (‏Abductive Reasoning‏)، وهو ‏متضمِّن للمغالطة السَّابقة. ‏

    ‏---‏

    المقدِّمة (2-2)‏
    قولكم: «العالَم منتظم انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير».‏
    فيقال: لِمَ لا يقال إنَّ حيواتنا هي المناسبة لظروف ما نحن فيه من العالم؟ فلا يلزم أن يكون هناك منظِّم مريد ‏لمناسبة العالم لحيواتنا.‏
    فإن قيل: فالتَّنظيم حاصل على كلِّ حال، لأنَّكم أقررتم بأنَّ حيواتنا مناسبة لظروفها.‏
    أجيب: حيواتنا قد تكون ناشئة من تطوُّر عشوائيٍّ ويبقى الأصلح.‏
    ثمَّ يقال: لِمَ قلتم إنَّ العالم لا بدَّ أن يكون له خصوصيَّة لنشوء الحياة؟ بحيث إن حصول حيواتنا دليل على ‏خصوصيَّة للعالم وانتظام دقيق له؟
    لأنَّا نقول: قد يصحُّ صور حياتيَّة أخرى كثيرة وفق ظروف أخرى، فلا تكون الحياة دليلاً على خصوصيَّة ‏غائيَّة للعالم -أو بعضه-.‏
    أي: دليل المستدلِّ هنا هذا:‏
    ‏4-1) لو كان هناك حياة في العالم لكانت تحصل في ظروف خاصَّة جدّاً. ‏
    ‏4-2) لكن: الحياة موجودة في العالم.‏
    ‏4-3) إذن: في العالم ظروف خاصَّة جدّاً.‏
    ‏4-4) كلَّما كان في العالم ظروف خاصَّة جدّاً فهناك عالِم فاعل لتلك الظُّروف قاصد لها.‏
    لكن: (4-3).‏
    ‏4-5) إذن: هناك عالِم فاعل لتلك الظُّروف قاصد لها.‏
    فنقول: (1-4) ممنوعة (كما سبق)، فيسقط الاستدلال.‏
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  2. #2
    ااااااااااا

    ‏5. خاتمة‏
    هذان الدَّليلان فيما أرى ضعيفان، ولذا يلزمني أن أبيِّن ضعفهما لكي لا يكون تمثيل مثبتي وجود الله تعالى ‏بالاستدلال بهما مضعفاً لموقفهم. ولذا يلزم –لو ثبت ضعفهما- تركهما.‏
    وإنِّي أتمنَّى أن أكون مخطئاً في قولي بضعف هذين الدَّليلَين، لأنَّ كثرة الأدلَّة التَّامة على وجود الله تعالى مفيد ‏للنَّاس أكثر، لكنَّ أمنيَّتي هذه لا تعني أنِّي لا أجزم في ضعفهما. لكنِّي أنتظر نقاشاً لمناقشتي يفيدني بقوَّة هذين ‏الدَّليلين أو أحدهما، هذا يسُّرني بإذن الله.‏

    تنبيه: ادَّعى من علمائنا –كالإمام الخطَّابيِّ رحمه الله- أنَّ بعض النُّصوص الشَّريفة تفيد الدَّلالة بالعناية.‏
    ولا نسلِّم ذلك...‏
    بل يمكن أن يوجَّه الاستدلال بها استدلالاً بحدوث الأجسام بطريق تغيُّرها كما قال غيرهم -كالإمام أبو ‏عبد الله بن مجاهد رحمه الله، مع قوله بطريق النِّظام كذلك-، أو الاستدلال بحدوث الأعراض أو إمكانها، ‏ويمكن أن يوجَّه بعضها على أنَّه استدلال على وحدانيَّة الله تعالى، من جهة أنَّه لو تعدَّد الإله لفسد نظام ‏العالم، فتحقُّق هذا النِّظام دليل على عدم تعدُّد الإله. وبعضها دالٌّ على ما به منَّة الله تعالى على خلقه بأن ‏سخَّر لهم ما في السَّموات والأرض.‏

    تنبيه: تمسَّك ابن رشد الحفيد وابن تيميَّة بدليل النِّظام دون دليلي حدوث الأجسام وإمكان الأجسام لأنَّهما ‏يقولان بقدم بعض الأجسام (ابن رشد قال بقدم الأفلام ومادة العالم السُّفليِّ وابن تيميَّة قال بقدم جسم هو ‏الله، تعالى الله عمَّا يقول).‏
    لكنَّ دليل النِّظام موجب على المجسِّم أن يكون لله تعالى منظِّم، لأنَّ جسم الله تعالى عند المجسِّم لا بدَّ ‏منتظم، وإلا لبطل أنَّ لكلِّ منتظم منظِّماً، فيسقط استدلاله بهذا.‏

    تنبيه: الفقير يجزم بأنَّه لا شيء في العالم إلا وهو مخلوق من الله تعالى مراد منه تعالى بمحض إرادته، بالدَّليل ‏القاطع على أنَّه تعالى خالق كلِّ شيء وأنَّه فاعل بالإرادة المحضة وأنَّه بكلِّ شيء عليم. والمنقود الاستدلال ‏بنفس النِّظام على وجوده تعالى.‏
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. #3
    الحمد لله المتصف بصفات الجلال والكمال والجمال "ليس كمثله شئ وهو السميع البصير"
    والصلاة والسلام الدائمان المتلازمان على خير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
    وبادئ ذى بدء نرحب بنجم " الأصلين"وعالمه الفذ أصلحه الله وهيئ له من أمره رشدا، وأرجو أن يسمح لى وهو كأستاذ وأنا كتلميذ أن أناقش معه
    ما جاء بهذا الموضوع القيم من افتراضات لعلى أجد تصويبا لمعلوماتى عن هذا الكون العظيم
    (وقد جعلت كلام السيد أكرم باللون الأحمر ليتميز عن ردودى)

    ويقول أكرمه الله : لكنِّي أنتظر نقاشاً لمناقشتي يفيدني بقوَّة هذين ‏الدَّليلين أو أحدهما، هذا يسُّرني بإذن الله.
    إن شاء الله سيكون

    نقول وبالله التوفيق :تقولون :
    لا يقال: العالم فيه أجزاء منتظمة وفيه أجزاء غير منتظمة، فلئن دلَّت الأجزاء المنتظمة على الفاعل العالِم فكذا ‏تدلُّ الأجزاء غير المنتظمة على السَّبب غير العالِم.‏
    لأنَّا نقول: لا نسلِّم عدم انتظام ما تدَّعي عدم انتظامه، غاية ما هنالك أنَّك لم تدرك انتظامه، وعدم العلم ‏بالانتظام ليس علماً بعدم الانتظام.‏
    سلَّمنا عدم الانتظام لبعض أجزاء العالم، لكن لا يلزم من عدم انتظامها أنَّها ليست من فعل فاعل عالِم، فإنَّ ‏الفاعل العالِم المختار له أن يختار الانتظام وله أن يختار عدم الانتظام.
    وعلى هذا فإنَّ الجزء غير المنتظم من ‏العالم لا يدلُّ على فاعل عالِم ولا على سبب غير عالِم.‏‏


    كلام سليم ..بفرض أن هناك أجزاء من العالم غير منتظمة لا نراها أو نفترض وجودها ..مع أنى لا أسلم بذلك ولكن الجدال مع غير المؤمنين يلزمنى بذلك
    وتقول :

    يمكن أن يُقرَّر هذا الاستدلال هكذا:‏
    ‏2-1) كلَّما كان العالَم منتظماً انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير كان ذلك العالم مصنوعاً ‏من منظِّم عالِم مريد لأن يكون العالَم مناسباً لحيواتنا.‏
    ‏2-2) لكنَّ العالَم منتظم انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير.‏
    ‏2-3) إذن: العالم مصنوع من منظِّم عالِم مريد لأن يكون العالَم مناسباً لحيواتنا.


    كلام صحيح تماما لا غبار عليه

    قولكم :

    أوَّلاً: المقدِّمة (1-1)‏
    قولكم: «العالم منتظم».‏
    قلنا: لا نسلِّم.‏
    قولكم: «بالمشاهدات الكثيرة جداً الدَّقيقة جدّاً في الفيزياء والبيولوجيا...».‏
    قلنا: هذه الانتظامات التي نرى وجدناها في ما شاهدنا من العالم، ونحن لم نحط بالعالَم علماً، فقد ‏يكون العالم أكبر ممَّا نشاهد جدّاً ولا يكون منتظماً في باقي العالم، ويكون الانتظام الذي نشاهد في الجزء ‏الذي نعيش فيه من العالم عرضيّاً، فهذا الذي نراه انتظاماً ليس بانتظام في نفس الأمر.


    لا أوافقك الرأى ..فالمشاهد بالعين المجردة والات الرؤية التى يُشاهد بها أجراما بالغة البعد، ومعلومات سفن الفضاء، لا تدل على صحة هذا الفرض
    وقد وصلت الرؤية إلى أبعاد سحيقة فى الكون ..فهل يراد منا أن نفترض أننا نعيش فى الجزء المنتظم، وهناك أجزاء أخرى غير منتظمة ؟
    ليس هذا إلا رجما بالغيب
    وعلى أى أساس علمى يكون هذا الفرض صحيحا ؟!

    وتقول :
    مثال ذلك أنَّني لو دخلت غرفة مظلمة فوجدت فيها 10 كراسيَّ قائمة على أرجلها مصطفَّة في صفٍّ ‏واحد مستقيم، فسأقول: هذه الكراسيُّ منتظمة.‏
    لكن لو أضيئت الغرفة فكانت واسعة جداً وفيها تريليون كرسيٍّ، والكراسيُّ فيها ملقاة عشوائيّاً في ‏الغرفة، فسيكون هناك احتمال كبير في أن يكون بعض هذه الكراسيِّ قد ألقي ووصل الأرض قائماً على ‏أرجله، ولكثرة هذه الكراسيِّ جدّاً فسيكون هناك احتمال كبير جدّاً لأن يكون هناك 10 كراسيَّ قد ‏ألقيت عشوائيّاً فوصلت الأرض قائمة على الأرجل مصطفَّة ذلك الاصطفاف.‏
    فيكون ذلك الجزء الذي رأيتُه منتظماً غير منتظم في حقيقة الأمر لأنَّه ضمن نظام في كلِّه عشوائيٌّ، ‏فيكون هذا الانتظام جزءا من العشوائيَّة، والانتظام عارض للجزء فقط.‏‏

    ‏كلام صحيح ولكن إذا كان عدد الكراسى فرضا تريليون، مثلا فسيكون العدد العشوائى المنتظم أكبر من عشرة، فطبقا لنظرية الاحتمالات يكون عدد الكراسى المنتظمة 1/6 تريليون كرسى
    فالنتيجة تكون دقيقة كلما كان العدد كبيرا..
    ولن يكون الــ 1/6 تريليون كرسى قائم على أرجله مصفوفا ومنتظما، بل سيكون مبعثرا فى ارجاء المكان
    لا ينطبق هذا الكلام أخى على هذا الكون السحيق كما ذكرتُ سابقا، فإن افتراض أننا لا نرى إلا جزءا ضئيلا من الكون وهذا عكس ما عليه الواقع
    وبذلك تبطل العشوائية..
    ولى مع العشوائية كلام ..وسيأتى

    وتقول: ومثل ذا العالَم، يمكن أن يكون أكبر ممَّا هو عليه جدّاً (متَّصلاً أو بأكوان منفصلة، لكنَّه يكون متناهياً)، ‏ويكون الذي نراه منتظماً منه ليس إلا مظهراً من مظاهر عشوائيَّته.

    الإجابة كما قلت سابقا: هذا يخالف ما عليه الواقع

    قولكم: «لكل منتظم منظِّم عالِم».‏
    قلنا: لا نسلِّم.‏
    قولكم: «بالضَّرورة [العاديَّة]».‏
    قلنا: لا نسلِّم، وإنَّما تصحُّ الضَّرورة العاديَّة في أنَّ للمنتظم منظِّماً عالِماً في حال قيود للأحداث.‏
    مثل أن يقال إنَّك دخلتَ غرفتك فوجدتَ كتاباً مخطوطاً عليه بالخطوط المنتظمة الدَّالَّة على البحث في ‏علم المنطق مثلاً. فوجود هذا الكتاب يمتنع عادة أن يكون من غير فاعل عالِم، وإنَّما الامتناع العاديُّ ‏هنا لأنَّ غرفتك مقيَّدة الظُّروف جدّاً.‏
    أمَّا ما نحن فيه فالعالم غير مقيَّد الظُّروف، فلو فرضنا أنَّ العالم كلَّه منتظم فهناك احتمال عقليٌّ مهما قلَّ ‏فلا يساوي الصِّفر في كونه عن عشوائيَّة وليس عن منظِّم عالِم، ودعوى الوجوب العاديِّ هنا لا دليل ‏عليها إذ لا دليل على تقيُّد ظروف الكون بحيث يمتنع أن يكون انتظامه عن عشوائيَّة.‏

    عجبا !!كيف تحكم العشوائية هذا الكون العظيم، الذى لا يكاد يرى له بداية ولا نهاية؟!!
    هذه الأجرام الهائلة ..هل يمكن أن تتحرك بانتظام تام عن عشوائية ؟!!حتى لو كان الإحتمال قريبا من الصفر؟ !!
    إن العشوائية لا يمكن أن تحكم أجراما ذات أحجام هائلة كما هو موجود فى الكون، ولكن قد تحكم حياة كائنات قد تكون موجودة على هذه الأجرام
    قائل هذا الكلام مُطالب بإثبات صحة فرضيته ..
    بل هو مطالب بإثبات أنه هناك أجزاء هائلة الاتساع من الكون لم نرها بعد.. فإذا استطاع أن يثبت ذلك سلمنا له بفرضيته
    لأنه قد يكون صحيحا طبقا لنظرية الإحتمالات
    أما إذا لم يستطع اثبات ذلك، فيكون فرضا ساقطا..
    لأنه يكون مخالفا لحسابات الإحتمالات
    أما إذا صمم على رأى أنه هناك أجزاءً هائلة من الكون لم نرها بعد، نقول إن ما نراه من اتساعات هائلة كافٍ تماما لنفى العشوائية..
    وأيضا نقول : لو كان انتظام الكون عن عشوائية فلابد أم يكون وجوده كذلك (عياذا بالله من الكفر)
    وصاحب رأى العشوائية يعتقد أن الكون لا موجد له، أى أنه موجود عن غير موجد، عياذا بالله، لأنه لو كان له موجد لاهتم بأمره وأمر تنظيمه ولم يتركه إلى عشوائية فى أحواله
    وإذا سايرنا أصحاب رأى العشوائية بأن هناك جزءا عشوائيا لا نراه فنقول الآتى :
    ــــ هذا الجزء العشوائى لابد أن يكون كبيرا جدا، طبقا لنظرية الإحتمالات، وهو بهذا لا ينبغى أن يكون مختفيا
    أو يكون أمر اكتشافه سهلا ..
    ــــ هذا الجزء العشوائى المزعوم كيف تكون صور أحواله العشوائية فيه؟!نتخيل أن تكون : دوران بغير انتظام واندفاع فى الكون بغير انتظام أيضا وارتطام الأجرام ببعضها البعض

    وتقول : فعلى الأقلِّ يقال: دعوى بطلان التَّطوُّر غير مقطوع بها.‏
    فإن قيل: بعد هذا لا دليل قطعيّاً على تحقُّق التَّطوُّر.‏
    أجيب: فعلاً ليس هناك دليل قطعيٌّ على ثبوت التَّطوُّر (ولن يكون)، لكن كذلك ليس ثَمَّ دليل قطعيٌّ ‏على عدم حصول التَّطوُّر، فإذ لم تمنعوا احتماله فلا يتمَّ لكم الاستدلال بمجرَّد هذا الانتظام المذهل ‏للكائنات الحيَّة المعاصرة.‏
    فقد يقال: لا يمتنع منطقيّاً أن يكون هناك تجمُّع لمواد كيميائيَّة بشكل عشوائيٍّ في ظرف معيَّن ليتركَّب ‏كائن حيٌّ وحيد الخليَّة البدائيَّة، ثمَّ يتغيَّر الظَّرف ليتطوَّر ذلك الكائن. فإنَّ الذي يظهر لنا من هذا ‏الكائن الذي نسمِّيه حيّاً ليس إلا تلك المجموعة من المركَّبات الكيميائيَّة.‏

    أقول : تقول : أجيب: فعلاً ليس هناك دليل قطعيٌّ على ثبوت التَّطوُّر (ولن يكون)،
    ونجيب هذا صحيح، ولكن إذا كان هناك تطور كما يقول هذا، فلماذا لا يكون هذا التطور من مُنِّظم عالم قادر؟
    ‏ولماذا نفترض أنه تم تلقائيا ؟
    ويقول علماء الأحياء أن الفيل تطور عن كائن بحجم الشاة أو أكبر قليلا (الماموث )، إلى ما هو عليه الآن من حجم هائل ..
    فهل هذا التطور تم تلقائيا ؟ وما الدليل ؟
    وتقول : فإنَّ الذي يظهر لنا من هذا ‏الكائن الذي نسمِّيه حيّاً ليس إلا تلك المجموعة من المركَّبات الكيميائيَّة.

    نقول : قام العلماء بتلقيح بويضة لتخليق طفل خارج الرحم، وهيأوا له بيئة طبيعية مشابهة تماما لبيئة الرحم، فنما الجنين طبيعيا تماما، ولكن بغير روح، لأنه لم يكن من صنع الإله سبحانه، أى أن التطور الكيميائى ليس كافيا لأن ينشأ مخلوق خلقا سويا تماما ..
    أما إذا قال فكيف يتم الحمل بطفل الأنابيب، نقول له أنه بعد تلقيح البويضة بماء الزوج خارج الرحم، يتم وضعها بعد ذلك فى رحم الأم وبذلك يتم الحمل طبيعيا
    ومن هذا يتبين لنا أن التفاعلات الكيميائية للمادة ليست كافية وحدها بنشوء مخلوق سوى تماما

    وكذلك الحمل بما يسمى بالإستنساخ، وهو تخليق كائن من إحدى خلاياه من غير البويضة الأصلية، فإنه يكون مخلوقا مغايرا كثيرا للطبيعى ولا يعيش طويلا، وقالوا أنه يكون أكبر سنا فى هيئته من المولود طبيعيا!فيبدو وكأنه عجوز وهو فى سن الطفل
    ومن ذلك يبطل قوله : . فإنَّ الذي يظهر لنا من هذا ‏الكائن الذي نسمِّيه حيّاً ليس إلا تلك المجموعة من المركَّبات الكيميائيَّة
    تنبيه: الفقير لا يقول بالتَّطوُّر في حقِّ الإنسان لدلالة النَّصِّ الشَّريف القطعيَّة على خلق الإنسان مبتدأً ‏من طين
    ثبتنا الله وإياك
    تقول : فإن قيل: غاية ما هنالك أن يكون هناك احتمال ما بكون الكون قد حصل بعشوائيَّة، لكنَّ هذا الاحتمال ‏صغير جدّاً جدّاً إلى درجة لا يصحُّ أن يعتبرها عاقل.‏
    أجيب: مهماً كان الاحتمال بعيداً فلا يعني أنَّه احتمال صفريٌّ، فلا تكون هذه المقدِّمة التي أوردتَ ‏قطعيَّة، وأنت تريد بهذا الدَّليل إثبات وجود الإله تعالى قطعاً، فلا يكون مطلوبك متحقِّقاً.‏
    وإن يكن مطلوبك من هذا الدَّليل الظنَّ لا القطع فلا يفيدك ذلك


    المشاهدات والأبحاث العلمية لا تؤيد هذا الكلام،
    ثمَّ يقال: نعم، التَّعقيد الذي نراه شديد جدّاً بحيث يكون تحقُّقه عن سبب عشوائيٍّ صغيراً جدّاً جدّاً ‏جدّاً... لكن لو قلنا إنَّ الحوادث العشوائيَّة كثيرة جدّاً جدّاً جدّاً جدّاً... فلن يكون احتمال تحقُّق هذا ‏العالم على هذه الصُّورة بعيداً، بل قد يكون قريباً جدّاً.

    أين هذه الحوادث العشوائية كثيرة جدا جدا جدا، أم أنك تتكلم بعشوائية ؟
    فلسنا نرى أحداثا عشوائية حقا إلا فى حياة بعض الناس
    فليثبت لنا أن هناك أحداثا عشوائة كثيرة جدا ونحن نصدقه، فليس حولنا وفى الكون إلا الانتظام ومنذ خُلق الإنسان!
    وإذا كان فرضا فليس له عليه دليل ودليله صفر
    وما جاء بعد ذلك فقد سبق أن رددنا عليه..

    والحاصل أنَّنا نسلِّم أنَّ العالم بكلِّه منتظم، لكن ما المانع من كون هذا الانتظام بسبب حوادث ‏عشوائيَّة؟ فلا يتمُّ دليلكم.‏
    ولماذا يتم دليلك أنت ؟ وقد أثبتنا أن العشوائية التى تقول عنها ليست موجودة إلا فى خيالك !!وقد سبق


    مرة أخرى نقول اثبت لنا أن هناك حوادث عشوائية كثيرة جدا!

    ثالثاً: المقدِّمة (1-7)‏
    قولكم:«المنظِّم غير المنظَّم غير محتاج إلى غيره».‏
    قلنا: لا نسلِّم، فعدم احتياجه إلى المنظِّم لا يعني عدم احتياجه إلى السَّبب.‏
    فسلَّمنا أنَّ هناك منظِّماً للعالَم أو لبعض ما فيه غير منظَّم من غيره، لكن لِمَ لا يقال إنَّه له شكل حيويٌّ ‏بسيط حصل له بشكل عشوائيٍّ، وله قدرة على التَّشكيل والتَّصميم.‏
    فعليكم الدَّلالة على امتناع تحقُّق صورة من صور الحياة ذات ذكاء وقدرة على التَّصميم، وهي أبسط ‏من صورة حيواتنا المعقَّدة بالخلايا، وأن تكون هي المصمِّمة لهذا النِّظام المعقَّد.

    ‏أجد حرجا من الخوض فى الكنه، وامتنع عن الرد،
    وهل يقدر قائل هذا عن شرح أسرار جسمه وعقله وروحه وكيف يفكر وغير ذلك ؟
    فإذا كان عن ذلك عاجزا، فهو عن خالقه أعجز..

    المقدِّمة (2-1)‏
    قولكم: «كلَّما كان العالَم منتظما انتظاماً دقيقاً مناسباً جدّاً لحيواتنا وقدرتنا على التَّفكير كان ذلك العالم ‏مصنوعاً من منظِّم عالِم مريد لأن يكون العالَم مناسباً لحيواتنا».
    هذا صحيح‏
    فيقال: لا يلزم، فإنَّما هذا وهم ناشئ من عكس الكلِّيَّة كلِّيَّة، وهو غير لازم. وإنَّما يُتوهَّم عكس الكلِّيَّة كلِّيَّةً ‏لوهم انحصار الملزوم في واحد، وهذا يكون عادة بمجرَّد استبعاد أن يكون
    هناك ملزوم آخر (وفق ما ‏يسمى شفرة أوكام). وعند المعاصرين يُسمَّى هذا تعقُّلاً اختطافيّاً (‏Abductive Reasoning‏)، وهو ‏متضمِّن للمغالطة السَّابقة. ‏
    .........


    المقدِّمة (2-2)‏
    ما جاء بعدها صحيح
    والله تعالى أعلم ..


    الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •