النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: ضعف الاستدلال بالفطرة على وجود الله تعالى

  1. #1

    ضعف الاستدلال بالفطرة على وجود الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ادعى بعض أهل العلم (كما نقل الإمام اللقاني عن الإمام الماتريدي، وما قال الإمام الغزالي ‏في بعض رسائله، رضي الله عن جميعهم) بأن العلم بوجود إله علم ضروري، أي إن ‏الإنسان يعلم بوجود الإله تعالى ابتداء بغير فكر ولا نظر، وبعضهم عبر عن ذلك العلم ‏بكونه فطريا، أي هو غريزي حاصل في خلقة الإنسان، فإن الفطرة هي الخِلقة‎.‎
    وقد تمسّك بهذا القول الحشوية، ليتهربوا من لزوم إفادة النظر العقلي (صحيح الشرط) العلم ‏اليقيني، ليتهربوا من إلزامهم بقبيح معتقدهم في الله تعالى.‏
    ثم اغتر بعض من لم يتعمق في الأصول بقول هؤلاء المزخرف ووهمه حقا، مع أنه ساقط ‏عند التحقيق (أطلق البعض أن العلم بوجود الله تعالى فطري بمعنى أن الإنسان ذو خلقة ‏تؤهله لأن يصل إلى وجود الله تعالى بفكره، أي إن الإنسان إن ترك بغير مؤثر خارجي ‏فسيكفيه ما له من صفات وعقل في أن يصل إلى وجود الله تعالى. وهذا القول ليس في ‏محل النقاش لخروجه عن محل النزاع).‏
    والذي ندعي أن العلم بوجود الإله تعالى ليس فطريا، بل هو نظري، وأن النظر يجب على ‏كل مكلف بحسب طاقته (فليس يجب على كل مكلف أن ينظر في أدلة المتكلمين، بل يكفيه ‏النظر ولو إجمالا كالأعرابي الذي استدل على وجود الله تعالى بمثل دلالة البعرة على ‏البعير والأثر على المسير)، وأن المقصر في النظر مع قدرته عليه آثم، مع كونه مؤمنا‎.‎
    وندَّعي أنَّ دعوى العلم الفطريِّ بالله تعالى باطلة، وأنَّها حتَّى لو صدقت فلا عبرة بها ‏رأساً.‏

    ولتكن مناقشة دعوى من قال بأن العلم بوجود الإله تعالى فطري بخطوات خلفيَّة، أي بعد ‏تقرير كلِّ خطوة أرجع إلى الوراء بحيث أسلِّم تنزُّلاً عدم ثبوت الخطوة السَّابقة –والتَّسليم ‏تنزُّلاً ليس فيه إقرار ببطلان ما قُرِّر سابقاً، بل هو لتبيين أنَّ ضعف دعوى الخصم من ‏جهات عدَّة لدرجة السُّقوط-‏‎...‎

    الخطوة الأولى: أن نثبت بالدَّليل أنَّ العلم بوجود الإله تعالى ليس فطريّاً
    وذلك من جهتين‎:‎
    الأولى: من ضرورة الواقع، وذلك من أن عدم علم الإنسان فطريا بوجود الله تعالى ظاهر ‏جداً، فإن دعوى كون العلم بوجود الإله تعالى فطريا يعني يكون ثبوته للإنسان بحسب ‏خلقته، فيلزم ثبوته للإنسان من بداية وجوده ومن بداية طفولته. لكننا بالمشاهدة نجد كذب ‏هذه الدعوى، فالطفل لا يكون منتبها لمفهوم الصانع لما يراه من أشياء -فضلا عن مفهوم ‏الإله-، وإنما ينتبه لذلك بعد تنبيه الأهل له.‏
    وهذا الأمر حاصل لكل طفل، ليس هناك طفل يثبت عنده مفهوم (الإله) أو (صانع الكون) ‏أو ما يقرب منهما بغير ملقّن خارجي. بل إن الطفل من ولادته إلى عمر معين ينحصر ‏معلومه وفكره في المحسوسات وتفسيرها وطرد الاقترانات بينها، ولو كان عنده إدراك ‏لمفهوم صانع العالم لوجب أن يكون تفكيره مرتبطا بهذه المعلومة بأي شكل، وإذ لم يتحقق ‏ذلك فظاهر جدا عدم علم الطفل بوجود الإله‎.‎
    طرفة: أحد العوام سمع بعض الحشوية يقول إن العلم بالعلو المكاني لله (تعالى الله عما ‏يقولون) فطري -فضلا عن دعوى كون العلم بوجوده تعالى فطريا-، فرجع إلى طفلَيه ‏الصغيرين فسألهما: أين الله؟ فلم يعرف الطفلان بم يجيبان، فانزعج والدهما وصار يعنفهما ‏ويضربهما ويعيد السؤال وهما لا يجيبانه‎!‎
    وإنَّما يفعل مثل هذا الشَّخص مثل هذا الفعل لانفعاله بتلك الدَّعوى التي سمع لكونها موافقة ‏لهواه، فإنَّ فرض أنَّ الإله تعالى يخلق في الإنسان علماً ضروريّاً بوجوده تعالى يتضمَّن ما ‏فيه خير للإنسان، ولمَّا كان الإله محبّاً للنَّاس حكيماً فيلزم أن يعطي الإنسان طريقاً قويّاً ‏لمعرفته تعالى. ومبنى هذا الإلزام للإله تعالى على تشبيهه تعالى بالإنسان، فربُّ الأسرة ‏يجب أن يكون محبّاً لأسرته، والإنسان يقبح منه أن لا يريد الخير لمن يقدر عليهم، ‏فيقيسون الله تعالى على البشر في أنَّه يجب عليه فعل الأصلح للبشر. ولذا يستقرب العامِّيُّ ‏هذه الفكرة وأمثالها، ولاستقراب العوامِّ لها تنتشر بينهم بسهولة. ومن هذا تجد من ‏النَّصارى كذلك يحبُّون هذه الفكرة لأنَّ الإله محبٌّ للبشر.‏
    ملحوظة: حاصل هذه الجهة أننا ندعي ضرورة واقعية مشاهدة بطلان دعوى العلم ‏الفطري، فالمخالف في هذا يكون مخالفا للضرورة، فإنما علينا تنبيهه على الصواب، فلئن ‏أنكر بعد التنبيه فهو معاند‎.‎‏ ‏
    وإنَّما المشكلة مع المنخدع بكلام الحشويَّة لدرجة أن يتشرَّبه فيتوهَّم أنَّه ضروريُّ الثُّبوت ‏في نفسه، فلا يسائل نفسه حتَّى عن ثبوت مدَّعاهم في الواقع.‏

    الثَّانية: دلالة النص الشريف، فذلك بنصوص شريفة كثيرة، منها‎:‎
    النص الشريف الأول: قول الله تعالى: ((والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ‏وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) [النحل: ٧٨].‏
    فهذا النص الشريف صريح بأن الإنسان ولد لا يعلم شيئا، فلا يكون بخلقته عالما بأي ‏شيء، فلا يكون عالما بوجود الله تعالى علما فطريا‎.‎
    والقول بأن دلالة الآية الكريمة عامة مخصوصة عن العلم بوجود الله تعالى باطل ظاهر ‏البطلان، فإن باقي الآية الكريمة دال على أن الوصول إلى شكر الله تعالى يكون بعد ‏حصول السمع والبصر والفؤاد، فهو حاصل بعد تحقق الفكر. فهذا يوكّد أن الإنسان لم يولد ‏عالما يوجود الله تعالى‎.‎
    فإن قيل: الطفل يولد عالما بطريقة الرضاعة، فلذلك يقدر على تحريك فمه للرضاعة بعد ‏ولادته مباشرة‎.‎
    أجيب: هذا ليس علما للطفل، بل هذه حركات آلية لا تكون متعلَّقة الإدراك الواعي، كما أنك ‏يمكن أن تمشي مسافة بعيدة من غير أن تنتبه أنت لزاوية انثناء الركبة ومفاصل الرجل ‏الأخرى‎.‎
    فإن قيل: العلم بوجود الله تعالى ضروري بعد الولادة‎.‎
    أجيب: هذه دعوى بلا مستند، وهي باطلة بالمشاهدة. على أنه يلزم أن يظهر أي شيء على ‏الإنسان عند حصول هذه المعلومة، وليس كذلك‎.‎
    فإن قيل: مشي بعض الحيوان أوَّل ولادته وتحريك الطِّفل شفتيه لرضاعة ‏الحليب ‏أوَّل ‏ولادته فطريٌّ، فلا بدَّ من تخصيص دلالة هذه الآية الكريمة.‏
    أجيب: هذه الأفعال آليَّة يمكن أن تحصل للجنين في بطن أمِّه، وهي تجهيز من الله تعالى ‏لما بعد الولادة، لكنَّها ليست بعلوم لكونها آليَّة، فالخِلقة الآليَّة يمكن تحقُّقها بغير علم. وقد ‏يكون منشأ الوهم هاهنا أنَّ الفعل للكائن الحيِّ معلوم له ما دام إراديّاً، لكنَّا لا نسلِّم أن ذلك ‏الكائن الحيَّ مريد لتلك الحركات التَّفصيليَّة.‏
    النص الشريف الثاني: قول الله تعالى: ((قالت رسلهم أفي الله شك فاطرِ السموات ‏والأرض))[إبراهيم: ١٠].‏
    ودلالة هذا النص الشريف صريحة في أن العلم بوجود الله تعالى يتحقق بالعلم بكون ‏السموات والأرض مفطورتين مخلوقتين، فهنا تعريف للإله تعالى بوصفه كونه خالقا ‏للسموات والأرض، وهذا إنَّما يُعلم بالدَّليل العقليِّ في النَّظر في السَّموات والأرض. فلو كان ‏العلم بوجوده تعالى فطريا لما استدلوا على وجوده تعالى بتعريفه بكون السموات والأرض ‏مفطورتين منه تعالى، بل لكفاهم بكلِّ يسر أن ينبِّهوا النَّاس على ما يعلمون بخلقتهم، بدل أن ‏يدلُّوهم على أدلَّة عقليَّة في التَّفكُّر في المخلوقات.‏
    النص الشريف الثالث: قول الله تعالى: ((فأتيا فرعون فقولا إنَّا رسولا ربِّ ‏العالمين))[الشُّعراء: 16] ثمَّ أخبر تعالى عن سؤال فرعون عن معنى (رب العالمين)، فقال ‏تعالى: ((قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم ‏موقنين. قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأوَّلين. قال إن رسولكم الذي ‏أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون))[الشعراء: ‏‏23-28].‏
    فهذا الحوار يتضمَّن استفهام فرعون عن معنى (رب العالمين)، وتعريف سيدنا موسى على ‏نبينا وعليه الصلاة والسلام لرب العالمين بأنَّه تعالى رب السموات والأرض وغيرهما، ‏والربُّ المدبِّرُّ، فهو يعرِّف الله تعالى من حيث هو المدبِّر للكون. ثمَّ يحيل العلم بوجود رب ‏العالمين إلى تعقُّل من يخاطبهم ((إن كنتم تعقلون))، فدلَّ ذلك على أنَّ تحقُّق العلم بذلك ‏بالنَّظر والفكر، فبالضَّرورة ليس بالخِلقة.‏
    النَّصُّ الشَّريف الرَّابع: قول الله تعالى: ((يا أيُّها النَّاس إن كنتم في ريب من البعث فإنَّا ‏خلقناكم من تراب ثمَّ من نطفة ثمَّ من علقة ثمَّ من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة لنبيِّن لكم ونقرُّ ‏في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمَّى ثمَّ نخرجكم طفلاً ثمَّ لتلبغوا أشدَّكم ومنكم من يُتوفَّى ‏ومنكم من يُردُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ‏عليها الماء اهتزَّت وربت وأنبتت من كلِّ زوج بهيج. ذلك بأنَّ الله هو الحقُّ وأنَّه يحيي ‏الموتى وأنَّه على كلِّ شيء قدير))[الحج: 5-6].‏
    ففي الآيتين الكريمتين ذكر كون خلق الإنسان على مراحل وأنَّ الماء ينزل على الأرض ‏فتهتز وتنبت، ثمَّ ذكر كون هذين الأمرين دالَّين على أنَّ الله تعالى موجود على كلِّ شيء ‏قدير. وليس فيهما بيان جهة دلالة كون خلق الإنسان على مراحل وإنزال الماء ثمَّ النبات ‏على كون الله تعالى موجوداً حقّاً، وإنَّما تُعرف جهة الدَّلالة بنظرنا وتفكُّرنا في هذين ‏الأمرين. فإذن تكون الدَّلالة هنا على الدَّلالة المعلومة بالعقل.‏
    ويفيدنا هذا أمرين:‏
    الأوَّل: أنَّ العلم بوجود الله تعالى يتحقَّق بالنَّظر.‏
    الثَّاني: أنَّ العلم بوجود الله تعالى ليس فطريّاً، فلا معنى لدلالة الخلق على الأدلَّة النَّظريَّة ‏لشيء يعلمونه بالضَّرورة (وعلى التَّسليم تنزُّلاً بالعلم الفطريِّ فإنَّ هذه النُّصوص الشَّريفة ‏تفيد أنَّ العلم الفطريَّ ليس معتبراً، بل المعتبر الدَّلالة بالفكر والنَّظر). ‏
    وهناك نصوص شريفة عدَّة فيها ذكر ما به الدَّلالة لمن يتفَّكرون كدلالة هذه الآية الكريمة.‏
    النَّصُّ الشَّريف الخامس: قول الله تعالى: ((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ ‏الخلق))[العنكبوت: 20]، وكذلك هناك نصوص شريفة كثيرة فيها الحضُّ على النَّظر ‏والتَّفكُّر. فالنَّظر العقليُّ واجب علينا معتبر للعلم بوجود الله تعالى، فليس العلم فطريّاً.‏
    ‏ وهناك نصوص شريفة أخرى فيها مدح المتفكِّرين في خلق السَّموات والأرض، وهي دالَّة ‏على هذا المعنى.‏
    فدلَّ ذلك كلُّه أنَّ طريق العلم بالله تعالى وعدد من صفاته تعالى يكون بالنَّظر والتَّفكُّر منَّا، ‏فلا يكون العلم به تعالى ضروريّاً. فتكون دعوى العلم الفطريِّ ظاهرة البطلان.‏
    ولو استقرينا النُّصوص الشَّريفة التي تدلُّ على هذا المعنى الكلِّيِّ لوجدناها كثيرة بحيث لا ‏يبقى شكٌّ في أنَّ العلم بالله تعالى ليس فطريّاً –لكنَّ المشكلة في انحصار تفكير البعض في ‏ما يريدون هم إثباته، فما يوافق مرادهم أخذوا به وما يخالفه لا ينتبهون إليه رأساً-.‏
    فإن قيل: صحَّة الاستدلال العقليِّ على وجود الإله تعالى لا ينافي ثبوت العلم به تعالى ‏بالفطرة، فإنَّ الأدلة تصلح لمن انتكست فطرته. ‏
    أجيب: بل لو كان العلم فطريّاً لكان الأيسرَ جدّاً والأعمَّ فائدة التَّذكيرُ به بدل ذكر أدلَّة عقليَّة ‏يُحتاج فيها إلى جهد في التَّفكُّر.‏

    سلَّمنا تنزُّلاً أن ليس يثبت دليل على أنَّ العلم بوجود الله تعالى ‏

    الخطوة الثَّانية: لا نسلِّم أنَّ هناك ما يدلُّ على أنَّ هناك علماً فطريّاً بوجود الله تعالى
    فقد ادَّعى الخصم أدلَّة تجريبيَّة ونقليَّة على حصول الفطرة الإنسانيَّة بالعلم بالله تعالى...‏
    أمَّا التَّجريبيَّة فقالوا: التَّديُّن حاصل في المجتمعات البشريَّة كلِّها عبر الزَّمان كلِّه، فهذا يدلُّ ‏على أنَّ هذا الأمر الطَّبيعيُّ عند البشر. والبشر عند حصول الشِّدَّة عندهم يلتجئون إلى الله ‏تعالى حتَّى لو كانوا مشركين أو ملحدين. والإنسان عنده أسئلة طبيعيَّة عن الوجود والمبدأ ‏والمعاد. والإنسان يشعر بحاجته إلى الإله المدبِّر لشعوره بنقصه.‏
    فيجاب بأنَّ هذه كلُّها ضعيفة لا تفيد هذا المطلوب، لأنَّ كلَّ واحد منها يمكن تفسيره تفسيراً ‏قريباً بما لا يوجب أنها عن الفطرة.‏
    أمَّا أنَّ التَّديُّن في كلِّ المجتمعات الإنسانيَّة فلأنَّ الله تعالى أراد أن يرسل إلى كلِّ مجتمع ‏رسولاً.‏
    وأمَّا أنَّ الإنسان يلجأ في الشِّدَّة إلى الله تعالى فهذا بعد أن طرق سمعه السَّابق أن هناك إلها، ‏فحتَّى لو كان ملحداً فهو في تلك اللَّحظة سيتعلَّق بأيِّ شيء ولو كان وهماً عنده. ‏والنُّصوص الشَّريفة تذمُّ المشركين الذين يعتقدون بالإله تعالى ويعتقدون معه آلهة أضعف ‏منه، فلئن أصابتهم شدَّة التجؤوا إلى الأقوى بحسب ما يعتقدون. وليس لكون الأمر فطريّاً.‏
    وأمَّا الأسئلة الطَّبيعيَّة للإنسان عن وجوده ومبدأه ومعاده فطبيعيٌّ ما دام عاقلاً، فهذا الأمر ‏مهمٌّ. بل لو كان العلم بالإله تعالى فطريّاً لما كان هناك حاجة لمثل هذه التَّساؤلات أصلاً.‏
    وأمَّا الشُّعور بالحاجة إلى الإله فدعوى باطلة، بل يكون هناك شعور بالحاجة إلى الغير ‏بحسب ما يصيب الإنسان وما يراه من عجزه، وليس لإله.‏


    وقد ترجم بعضهم كتب بعض النَّصارى في أنَّ العلم الفطريَّ بالإله مدرك بالتَّجربة! أي ‏إنَّهم قد أجروا تجارب مع الأطفال فوجودهم مفضِّلين للقول بصانع للعالم.‏
    والحقُّ هاهنا أنَّ هناك مشاهدات يشاهدها الأهل لأحوال تحصل لأولادهم، ثمَّ يفسِّرها الأهل ‏والمجرِّبون بما يوافق تصوُّراتهم، فالإنسان لحصول فكرة العلم الفطريِّ عنده إذا عرض ‏على طفل مثلاً أنَّ العالم قديم ليس له صانع ورأى الطِّفل مستغرباً لهذا القول فسيقول إنَّ ‏هذا دليل على أنَّ الطِّفل عنده علم فطريٌّ بالخالق. وهذه مغالطة في الاستدلال لا تخفى عن ‏منصف. وهناك تفسيرات كثيرة يمكن أن يُفسَّر بها أقوال الأطفال وتصرُّفاتهم بما لا يوجب ‏صحَّة هذا التَّفسير بعينه.‏
    ثمَّ إنَّ المغالطة كذلك من جهة أخرى وهي أن يدَّعى حصول العلم الفطريِّ لجميع الأطفال ‏مع أنَّ المجرَّب قليل نادر منهم، والتَّجربة مع الأغلب الأعمِّ جدّاً لا تفيد هذه النَّتيجة، بل تفيد ‏نقيضها، فكيف يدَّعى ثبوت شيء بناء على تفسيرات لمشاهدات نادرة في مقابل تجارب ‏أكثر جدّاً تناقضها؟! إلا أن يقال إنَّ هذا العلم الفطريَّ حاصل للبعض الأطفال دون بعض، ‏وهذا لا يقول به أحد. هذا لو سلَّمنا صحَّة روايات القصص وسلَّمنا تفسيرها بما يدَّعون.‏
    وعلى كلِّ حال...‏
    لن نجد طفلاً قادراً على التَّعبير يبتدئ من نفسه بذكر صانع للعالم، وإنَّما يحتمل أن نجد ‏طفلاً إن سألناه عن شيء متعلِّق بهذا أجاب بما يُتوهَّم منبنيأً على علم فطريٍّ، فمثلاً لو ‏عرضنا هذه القضيَّة على طفل فربما نجد عنده اندهاشاَ أو سروراً بما تمَّ تلقينه به، فيُتوهَّم ‏أن هذا دليل على موافقة الطِّفل لكونه عالماً به أصلاً، لكنَّ الواقع أنَّ الطِّفل يوافق أهله على ‏ما يلقنونه به ثقة بهم كأيِّ معلومة أخرى في أيِّ مجال آخر ما لم تكن مخالفة لمحسوسه ‏هو.‏
    وكذلك هاهنا أمر ظاهر إنَّما أنبِّه عليه، وهو أنَّ الطِّفل في مراحله الأولى يبني أحكامه على ‏اكتشاف المحسوسات وتتقوَّى له قوانين قياس الغائب على الشَّاهد، فإن عرَّفه أهله مفهوم ‏الصَّانع، وأخبروه بأنَّ هذا الطعام مصنوع وهذا البيت مصنوع... ثمَّ عرضوا عليه أنَّ ‏لمجموع الأشياء صانعاً فالطِّفل سيوافق على هذا قياساً على ما عرفه، وبعد ذلك يتوهَّم ‏الهل أنَّ هذا علم فطريٌّ عند الطِّفل وليس حاصلاً عن تفكير منه.‏

    أمَّا نقلاً فقد استدلَّ ببعض النُّصوص الشَّريفة عليه، فلننظر فيها...‏
    النَّصُّ الشَّريف الأوَّل: ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ‏أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ‏غافلين))[الأعراف: 172].‏
    وجهة الدَّلالة أنَّ النَّصَّ الشريف صريح بأنَّ الإنسان قبل ولادته عالم بوجود الله تعالى، ‏وأخبر تعالى عن أنَّ هذا لكي لا يقول النَّاس يوم القيامة إنَّهم كانوا غافلين عن العلم بالله ‏تعالى، فلو لم يولد الإنسان على العلم به تعالى لما كان هناك فائدة في الإشهاد.‏
    وضعف هذا الاستدلال أنَّنا بالضَّرورة الواقعيَّة لا نتذكَّر هذا الإشهاد كما لا نتذكر العلم ‏بوجود الله تعالى، والذي يدَّعي وجوب بقاء العلم بوجود الله تعالى مع الإشهاد يلزمه القول ‏بتذكُّر الإشهاد نفسه، وهذا ظاهر البطلان.‏
    فالمفاد من الآية الكريمة أنَّ هناك إشهاداً قبل الولادة، والمدَّعى من المستدلِّ أنَّ الآية ‏الكريمة تفيد حصول العلم بالله تعالى حصولاً مستمرّاً لما بعد الولادة، فالآية الكريمة لا تفيد ‏مطلوبه.‏
    وقد يقال إنَّ هذا الإشهاد ليكون تحمُّل الإنسان للتَّكليف بعلمه، فهو قد أقرَّ في عالم الذَّرِّ ‏بكونه مكلَّفاً. وهذا لكي لا يحتجَّ يوم القيامة بانَّه قد كلِّف بما هو غافل عنه.‏
    والحاصل أنَّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على دعوى العلم الفطريِّ مبطل بحسب الواقع ‏الظَّاهر، ثمَّ يبقى أن كيف نفهم النَّصَّ الشَّريف.‏
    النَّصُّ الشَّريف الثَّاني: قول الله تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ ‏عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))[الرُّوم: 30].‏
    وجهة الاستدلال بأنَّه لمَّا كانت إقامة الوجه للدِّين هي فطرة الله تعالى وخلقته للنَّاس فالتَّديُّن ‏بأصل الخِلقَة.‏
    وضعف هذا الاستدلال بأنَّ قوله تعالى: ((فطرة الله التي فطر النَّاس عليها)) يحتمل أن ‏يكون بياناً لـ ((حنيفاً))، فيكون كون الإنسان حنيفاً هو الذي خلق عليه، وكونه حنيفاً يعني ‏كونه مستقيماً إلى شيء مائلاً عن كلِّ ما سواه، أي: كن مستقيماً كما خلقك الله.‏
    ويحتمل أن يكون متعلَّق: ((للدين))، فيكون فطرة النَّاس وخلقتهم ليكونوا مأمورين ‏بالإيمان، فـ ((عليها)) محتمل لأن يفيد هنا معنى أنَّ الخلق مخلوقون لهذا الأمر، وليس أنَّهم ‏مخلوقون متحقِّقين به.‏
    ويدلُّ على هذا المعنى ما روى البخاريُّ في صحيحه أنَّ سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله ‏عليه وسلَّم قال: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ‏ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك ‏لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت ‏من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به)، وجهة الدَّلالة أنَّ من يموت على ‏الإقرار بهذه الأمور فقد مات على ما خلقه الله تعالى له. ويزيد الدَّلالة على هذا أنَّ ممَّا ذكر ‏من الأمور هنا الكتاب الكريم والنَّبي صلى الله عليه وسلَّم، ولا خلاف في أن ليس العلم بهما ‏فطرّياً بحسب خلقة الإنسان.‏
    ويدلُّ على بطلان مراد الخصم هاهنا أنَّ الدِّين لو كان فطريّاً للزم أن يكون معلوماً للخلق ‏قبل بعثة الرُّسل عليهم صوات الله تعالى وسلامه، وهو ظاهر البطلان.‏
    وكذلك يدلُّ على بطلان مراد الخصم في الآية الكريمة قول الله تعالى: ((لا تبديل لخلق ‏الله))، فلو كان المقصود بالفطرة هنا العلم بوجود الله تعالى للزم أن لا يتبدَّل هذا العلم ‏بشيء، لكنَّه متبدِّل بالجهل والكفر، فباطل أنَّ الفطرة هي العلم بوجود الله تعالى.‏
    وكذلك يدلُّ على بطلان مراد الخصم ((ولكن أكثر النَّاس لا يعلمون))، فهناك شيء يجهله ‏أكثر النَّاس، فلو كانت الفطرة هي العلم بوجود الله تعالى، والخصم يدَّعي تحقُّق ذلك لجميع ‏النَّاس، للزم أن يكون بعض النَّاس عالمين بالفطرة جاهلين بها معاً، وهو تناقض ظاهر.‏
    والحاصل أنَّ الآية الكريمة في نفسها تمنع فهم الخصم.‏
    وقد يصحُّ إطلاق أنَّ الإسلام دين الفطرة بمعنى أنَّه الموافق لخلقة الإنسان ومصالحه، ثملاً ‏الإسلام يدعو للنَّظافة التي فيها حماية للإنسان، ويدعو لحفظ الأنساب لما فيه من مصالح ‏للبشر بحسب خلقتهم، ويدعو إلى ما يوائم حبَّ التَّملُّك وغير ذلك من الأمور المفيدة للأفراد ‏والمجتمع...‏
    النَّصُّ الشَّريف الثَّالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلَّم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج ‏البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) . ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه ‏‏{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.‏
    وجهة الدَّلالة أنَّ صيرورة الإنسان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً بتصيير والديه إيَّاه إلى ‏ذلك، وبالمخالفة إن لم يصيِّره والداه لواحد من تلك الأديان فهو مسلم، وإلا للزم ذكر أنَّ ‏الوالدين يجعلان الطفل مسلماً. ‏
    وقد روي عن بعض العلماء تفسير الفطرة بالإسلام.‏
    وضعف هذا الاستدلال من جهات:‏
    الأولى: أن قد روى مسلم في صحيحه أن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ‏قال: (كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا ‏مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها). وهذه ‏الرِّواية وإن كان إسنادها أقلَّ صحَّة من غيرها إلا أنَّها لا تنزل عن الحسن، وإيراد مسلم ‏إيَّاها في صحيحه الأصل أنَّه تصحيح لها.‏
    وجهة الدَّلالة أن قد ذكر أنَّه لو كان الوالدان مسلمين فهو مسلم كما أنَّهما لو كانا يهوديَّين ‏فيكون يهوديّاً أو نصرانيَّين فنصرانيّاً... فهذا صريح في أن ليست الفطرة الإسلام.‏
    الثَّانية: أنَّ الاستدلال على أنَّ الفطرة الإسلام لكون غير الإسلام مذكوراً يكون بدلالة ‏المخالفة، ودلالة المخالفة ضعيفة عند الأصوليِّين، فالاستدلال نفسه ضعيف.‏
    الثَّالثة: أنَّ من قال إنَّ كلَّ مولود يولد على الإسلام فإمَّا أن يكون المقصود المعنى اللُّغويُّ ‏للإسلام أو المعنى الشَّرعيُّ.‏
    فإن كان المعنى اللُّغويَّ فالإسلام لغة لا يتضمَّن العلم بالله تعالى، بل هو يكون التسليم لما ‏وصل إليه. فلا يفيد مطلوب الخصم.‏
    وإن كان المعنى الاصطلاحيَّ الشَّرعيُّ فهو ظاهر البطلان، لأنَّ الإسلام كلٌّ يتضمَّن هذه ‏العبادات بخصوصيَّاتها كالصلاة بحركاتها، وهذا بالضَّرورة ليس معلوماً للإنسان لولا ‏التعليم. وكذلك الدِّين مجموع أمور اعتقاديَّة وأمور عمليَّة، ومن الأمور الاعتقاديَّة ما لا ‏خلاف في كونه ليس معلوماً للإنسان بحسب خلقته كالعلم بالملائكة والأنبياء والكتب واليوم ‏الآخر وغير ذلك.‏
    الرَّابعة: أنَّ قول سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (كما تنتج البهيمة بهيمة ‏جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) يدلُّ على أنَّ هناك حالة بعد تغير الإنسان عن الأصل ‏الذي يكون عليه، وتلك الحالة بتغيير الوالدين. وبالضَّرورة يُعلم أنَّ الطِّفل لو كان والداه ‏مسلمين فهو سيتغيَّر عن حاله لو لم يكن له والدان أو لو لم يؤثِّر والداه في اعتقاده وأخلاقه ‏وغير ذلك.‏
    الخامسة: أن قد روى مسلم في صحيحه عن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه ‏وسلَّم: (وأمَّا الغلام فطبع يوم طبع كافراً).‏
    وجهة الدَّلالة أنَّه قد ولد على الفطرة ككلِّ مولود، فلو كان الفطرة عين الإيمان لكان قد ‏خلق مسلماً كافراً معاًن وهو تناقض.‏
    ويفيد هذا المعنى ما رواه البيهقيُّ في كتاب القضاء والقدر وغيره بإسناد صحيح عن سيدنا ‏ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد ‏مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم ‏من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت ‏مؤمنا).‏
    وهذا نصٌّ صريح في معارضة كون كلِّ إنسان قد ولد مؤمناً. والمقصود بأن الإنسان يولد ‏مؤمناً أو كافراً بكونه ملحقاً بأهله فله حكمهم، وإذ هو ملحق فليس له قبل تعليهم إيَّاه معتقداً ‏آخر لمعتقدهم، بل يكون خالياً عن الاعتقاد.‏
    والحقُّ أنَّ الفطرة هي الاستعداد الذي خلق الله تعالى الإنسان به بما يتضمَّن قدرته على ‏السَّمع والبصر والتَّفكير، هذه الأمور التي خلق الله تعالى الإنسان بها، وبها يمكن أن يصل ‏إلى العلم بالله تعالى. وعلى هذا فإن قلنا إنَّ الإنسان يعلم الله تعالى بفطرته فيصحُّ هذا ‏المعنى، فخِلقة الإنسان توصله إلى العلم بالله تعالى كما سبق. ‏

    سلَّمنا تنزُّلاً أنَّ هذه النُّصوص الشَّريفة تفيد كون الإنسان عالماً بوجود الله تعالى بالفطرة.‏

    يتبع...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  2. #2
    ...

    الخطوة الثَّالثة: لا نسلِّم أنَّ الاستدلال على ثبوت العلم الفطريِّ بالله تعالى بالنَّصِّ الشريف ‏يوجب ثبوته في الواقع
    فإنَّ المستدلَّ على أنَّ العلم بوجود الله تعالى فطريٌّ بالنُّصوص الشَّريفة يلزمه ‏أن ‏يستدلَّ ‏على صدق النُّصوص الشَّريفة، والاستدلال بصدقها إنَّما يكون بعد العلم بوجود ‏الله ‏تعالى ‏وأنَّه أرسل رسولاً صادقاً مبلِّغاً عنه تعالى. فإن كان العلم بوجود الله تعالى ‏مدلولاً ‏بالفطرة ‏فيكون من مقدِّمات الدَّليل على ثبوت الفطرة ما يثبت بالفطرة، وإنَّه دور ‏ظاهر.‏
    ومعلوم أنَّ الاستدلال الدَّوريَّ لا يفيد شيئاً.‏
    ثمَّ على الأقلِّ حتَّى لو كانت الفطرة بهذا المعنى ثابتة للزم أن لا تكون معتبرة، بل لا بدَّ من ‏غيرها، وهو الاستدلال العقليُّ.‏

    سلَّمنا تنزُّلاً أن العلم الفطريَّ بوجود الله تعالى ثابت في الواقع

    الخطوة الرَّابعة: لا نسلِّم قوَّة هذا العلم الفطريِّ
    بل هو ضعيف لدرجة أن لا يكون هناك عبرة به.‏
    وذلك من جهات:‏
    الأولى: أنَّه يزول سريعاً بمجرَّد تلقين الأهل للطِّفل، فالطِّفل يتأثَّر بما يُلقى إليه مباشرة ولا ‏ينازع فيه، لأنَّ الطِّفل في بداية فهمه لمخاطِبيه يأخذ كلامهم مسلَّماً واثقاً بهم، وهذا نشاهده ‏مشاهدة.‏
    الثَّانية: أنَّه سيشتبه بغيره، فإنَّنا لو فرضنا إنساناً ولد على علم فطريٍّ صحيح بالله تعالى ‏فهناك شيطان يوسوس للإنسان، فقد يقع الإنسان في وسوسة الشَّيطان ويصدِّق باعتقاد ‏فاسد، وعلى هذا فإن رأينا طفلاً على اعتقاد ما حتَّى لو لم يكن من تعليم من بشر فلا يلزم ‏أن يكون فطريّاً، وسيشتبه على الإنسان نفسه فضلاً عن غيره كونه فطريّاً.‏
    الثالثة: أنَّنا نرى الأطفال بالمشاهدة إذا ما تكلَّموا على الإله لم يخرجوا في وصفه عن ‏المحسوس لهم، فلذا يصفونه بأنَّه يأكل وينام وله والدان... وإذا ما وصفتَه للطِّفل بغير ما ‏يكون قياساً على المحسوس كالوالدين والأكل... فسيستغرب. وهذا يدلُّ على تدخُّل فكر ‏الطِّفل الحسِّيِّ في اعتقاده في الإله، فلو كان عنده علم فطريٌّ راسخ بإله غنيٍّ عن غيره ‏غيرِ مصنوع لما غلبه تفكير حسِّيٍّ للطِّفل.‏

    سلَّمنا تنزُّلاً قوَّة هذا العلم الفطريِّ بوجود الإله تعالى

    الخطوة الخامسة: لا نسلِّم وجوب صدق هذه المعلومة ‏
    فنقول إنَّه على تسليم أنَّ هناك معلومة غريزية للإنسان (حاصلة له بخلقته) بأنَّ هناك إلهاً ‏هو خالق للكون فهل ذلك يوجب صدق هذه المعلومة؟
    فلقائل أن يقول إنَّه من الممكن أن تكون هذه المعلومة مغروسة من كائنات حيَّة أخرى ‏حادثة هي خلقت النَّوع البشريَّ أو غرست فيه هذه المعلومة.‏
    أو تكون من وساوس كائنات غير مرئيَّة لنا كالتي نسمِّيها (الشَّياطين).‏
    وربما تكون قد تحصَّلت بعد تطوُّر الدِّماغ بحيث يُختزن معلومات معيَّنة قد يكون من خيال ‏البشر السَّابقين.‏
    وعلى هذا فلا يمكن بمجرَّد حصول هذه المعلومة الغريزيَّة للإنسان الجزم بأنَّها صادقة.‏
    فإن قيل: بل الإله هو من غرسها، والإله تعالى لا يكون إلا صادقاً، فلا تكون كاذبة.‏
    أو قيل: كلُّ الاحتمالات السَّابقة باطلة، لأنَّه حتَّى على فرض أن كائنات أخرى خلقتنا أو ‏بوسوسة شياطين أو بحصول تطوُّر لا بدَّ من إله خالق لها.‏
    أجيب: إثبات وجود الإله الخالق هنا إن يكن بالفطرة نفسها فهذا دور ظاهر، وإن يكن بغير ‏الفطرة فلا تكون الفطرة إذن معتبرة في إثبات وجود الإله تعالى، فلا تكون الفطرة كافية ‏في ثبوت وجود الإله ولا يلزم من ثبوتها صدقها.‏
    ومن مثل هذا قول من قال إنَّ البديهيَّات العقليَّة حاصلة بالفطرة، فمن أنكر الفطرة لزمه أن ‏لا يكون هناك بديهيَّات عقليَّة.‏
    وهذا القول ساقط خطير، فإنَّ اللازم منه أنَّ صحَّة المبادئ العقليَّة ليست ذاتيَّة بل بأمر ‏آخر، فلو قال سوفسطائيٌّ: إنَّ التَّناقض ممكن. وأجابه من يدَّعي هذا بالقول: الفطرة تمنع ‏التَّناقض. فسيجيب السُّوفسطائيُّ: سلَّمنا أنَّ الفطرة تمنع التَّناقض، لكن ما الدَّليل على أنَّ ‏الفطرة يجب أن تكون مطابقة للواقع؟!‏
    اااااااااااا
    والحاصل من هذا التقرير كلِّه أنَّ دعوى كون علم الإنسان بوجود الله تعالى فطريّاً ظاهرة ‏البطلان بالدَّليل الصَّريح، وأنَّه على تسليم عدم الدَّليل على بطلانها فلا تثبت بأيِّ دليل نقليٍّ، ‏وأنَّه على تسليم ورود الدَّليل النَّقليِّ بإثبات العلم الفطريِّ فهو لن يكون كافياً في إثباته للزوم ‏الدَّور، وأنَّه على تسليم كون دلالة الدَّليل النَّقليِّ على العلم الفطريِّ كافية في إثباته فلا يلزم ‏كون هذا العلم الفطريِّ راسخاً غير مشتبه فلا يكون معتبراً، وأنَّه على تسليم كون العلم ‏الفطريِّ راسخا فلا يلزم صدقه أصلاً.‏
    فالحقُّ أنَّ دعوى كون العلم بالإله تعالى فطريّاً ساقطة، وعلى هذا فهناك مشكلة حقيقيَّة عند ‏من يتشبَّث بها تقليداً أو انخداعاً بالغير.‏
    تنبيه: يفيد في البحث في دلالة الفطرة بحث كتبه سيدي الشيخ سعيد فودة حفظه الله بعنوان ‏‏[خلاصة بحث الفطرة]، وهو متضمَّن في الشرح الكبير للطَّحاويَّة للشيخ سعيد حفظه الله.‏

    والحمد لله رب العالمين
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. بوركتم شيخنا .. وعودا حميدا
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

  4. جميل ..
    سؤالي .. هل يوجد شيء نقول عنه فطري ام لا ؟

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •