المذهب الوهابي وضرورة الانتقال من التضييق المذهبي إلى الشمول الشرعي (1)
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
ملخص الدراسة: توضح الدراسة أن الكثير من العلماء نسب التضييق المذهبي إلى المذهب الوهابي، استنادا إلى ميل المنتمين إليه إلى إلزام المسلمين، بكثير من الأحكام الاجتهادية للمذهب الوهابي خاصة أو المذهب الحنبلي عامه ، في مسائل فروع الدين الاجتهادية - سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- ويترتب على هذا تبديع وتكفير كل مخالف للمذهب- سواء بقصد أو بدون قصد- وترى الدراسة أن هذا التضييق المذهبي يفسر محدودية اثر المذهب الوهابي على التدين الشعبي العربي، و ان هذا يعنى أن تفعيل اثر المذهب على التدين الشعبي العربي، ليصبح احد مذاهبه – بجوار مذاهبه الأخرى –فضلا عن قطع الطريق على ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة انتسابها إلى أعلام المذهب الوهابي والحنبلي- يتوقف على عده شروط منها الانتقال من مذهب التضييق المذهبي إلى مذهب الشمول الشرعي، ويتضمن ذلك تجاوز القراءة الجزئية للتراث الفكري لأعلام المذهب الوهابي والحنبلي، إلى قراءه شامله له، توضح رفضهم لمذهب التضييق المذهبي، وأخذهم بمذهب الشمول الشرعي،ويتضمن ذلك بيان : ا/ تقريرهم لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنه ”،ب/ نهيهم عن التعصب المذهبي، ج/ إقرارهم بضوابط التكفير الشرعية، د/ إقرارهم بضوابط القتال الشرعية. ثم تعرض الدراسه نماذج تطبيقيه للانتقال من التضييق المذهبي إلى الشمول الشرعي( بالانتقال من مذهب لإجمال إلى مذهب التفصيل)، من خلال بيان حكم (الغناء، الاحتفال بالمولد ، النقاب ، إعفاء اللحية ، إسبال الثوب، بناء الاضرحه وزيارتها ، التوسل، التسبيح بالسبحة ، تعليق التمائم)، بين الإجمال و التفصيل.
تعريف مذهب التضييق المذهبي: هو المذهب القائل بوجوب اخذ جميع المسلمين بحكم اجتهادي لمذهب فقهي معين ، في مسالة من مسائل فروع الدين الاجتهادية، التي مصدرها نص ظني الورود أو الدلالة ، والتي يباح فيها الخلاف- بعبارة أخرى فان هذا المذهب يقوم على الإلزام في ما ليس فيه إلزام- ويترتب على هذا تبديع وتكفير – وما يترتب عليه من أباحه دماء- المسلم المخالف في المذهب. وهذا يعنى انه يقصر مصطلح أهل السنه على مذهب معين من مذاهب أهل السنه المتعددة" هي مذهبه " ، ولا يفهم مصطلح ألبدعه الفهم الصحيح" الاضافه إلى أصول الدين الثابتة ، وليس فروع الدين المتغيرة"، ولا يلتزم بالضوابط الشرعية للتكفير والقتال،ويرجع التضييق المذهبي إلى أسباب متعددة منها التعصب المذهبي ، والأخذ بمذهب الإجمال الذي يضع حكم كلي (سواء بالمنع بدرجاته ،أو الإيجاب بدرجاته) ، ينطبق على جميع كيفيات الفعل المعين. ونقيض مذهب التضييق المذهبي هو مذهب الشمول الشرعي ، وهو المذهب يقول باباحه "جواز"- وليس وجوب- الأخذ بحكم اجتهادي لمذهب فقهي معين ، في مسالة من مسائل فروع الدين الاجتهادية- بعبارة أخرى فان هذا المذهب يقوم على عدم الإلزام في ما ليس فيه إلزام- وبالتالي لا يترتب عليه تبديع أو تكفير – أو أباحه دماء- المسلم المخالف في المذهب. وهذا يعنى أن هذا المذهب لا يقصر مصطلح أهل السنه على مذهب معين من مذاهب أهل السنه المتعددة ، ويفهم مصطلح ألبدعه الفهم الصحيح" الاضافه إلى أصول الدين النصية الثابتة ، وليس إلى فروع الدين الاجتهادية المتغيرة "، ويلتزم بالضوابط الشرعية للتكفير والقتال. ولهذا المذهب العديد الشروط أهمها رفض التعصب المذهبي ،والأخذ بمذهب التفضيل الذي يميز في الحكم علي الفعل المعين بين الكيفيات له.
إشكاليه التضييق المذهبي في المذهب الوهابي: وقد نسب الكثير من العلماء التضييق المذهبي إلى المذهب الوهابي، استنادا إلى ميل المنتمين إليه إلى إلزام المسلمين، بكثير من الأحكام الاجتهادية للمذهب الوهابي خاصة أو المذهب الحنبلي عامه ، في مسائل فروع الدين الاجتهادية - سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- ويترتب على هذا تبديع وتكفير كل مخالف للمذهب- سواء بقصد أو بدون قصد-
ضرورة الانتقال إلى مذهب الشمول الشرعي : وهذا ما يفسر محدودية اثر المذهب الوهابي على التدين الشعبي العربي، وهذا يعنى أن تفعيل اثر المذهب على التدين الشعبي العربي، ليصبح احد مذاهبه – بجوار مذاهبه الأخرى –فضلا عن قطع الطريق على ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة انتسابها إلى أعلام المذهب الوهابي والحنبلي-يتوقف على عده شروط منها الانتقال من مذهب التضييق المذهبي إلى مذهب الشمول الشرعي، ويتضمن ذلك تجاوز القراءة الجزئية للتراث الفكري لأعلام المذهب الوهابي والحنبلي، إلى قراءه شامله له، توضح رفضهم لمذهب التضييق المذهبي، وأخذهم بمذهب الشمول الشرعي،ويتضمن ذلك بيان : ا/ تقريرهم لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنه ”،ب/ نهيهم عن التعصب المذهبي، ج/ إقرارهم بضوابط التكفير الشرعية، د/إقرارهم بضوابط القتال الشرعية.
مصطلح "أهل السنه " بين مذهبي الشمول الشرعي والتضييق المذهبي: مذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنه ” هو المذهب الذي يقول بتعدد مذاهب أهل السنه ، وبالتالي يرى أن المصطلح يشمل المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير” الاشعرى ” أساسه العقدى
مذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنة “عند ائمه المذهب الحنبلي :
الإمام ابن تيميه : أورد ابن تيميه تعريفا عاما لمصطلح أهل السنة، ينطبق على العديد من المذاهب ، حيث يقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). كما يورد دلالتين للمصطلح ،الأولى هي الدلالة العامة له ويمكن أن يندرج تحتها كل مذاهب أهل السنه الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي…ألاعتقاديه الكلامية: الماتريدي والطحاوي وأهل الظاهر والاشعرى – ويشكل الأخير الأساس الفقهي والاعتقادى للتصوف السني- حيث يقول ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة/ 2/ ص 221)، وطبقا لما سبق فانه يمكن القول أن ابن تيميه يعتبر أن التصوف السني أو جزء غالب منه، يندرج تحت الدلالة العامة لمصطلح أهل السنة ، حيث يضع التصوف مع باقي مذاهب وفرق أهل السنة في كثير من النصوص، كما في قوله(وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف ، فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم ، وهم المتبعون للرسالة إتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه) ( مجموع الفتاوى / 12 / 36). أما الدلالة الثانية هي الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة). اتساقا مع ما سبق فان الإمام ابن تيميه يعتبر أن المذهب الاشعرى هو احد مذاهب أهل السنه ،طبقا لمعيار نسبى مضمونه أن الاشاعره يعدون أهل السنه في البلاد التي يكون فيها أهل البدع هم المعتزلة والرافضة حيث يقول (… فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم )(نقض تأسيس المطبوع: ج 2، ص87). ويذكر عن الاشاعره أنهم من المتكلمين (المنتسبين إلى السنة )( الجواب الصحيح:ج1، ص 252 ) .
تقرير بعض أعلام المذهب الحنبلى مذهب الشمول الشرعي للمصطلح: يقول العلامة السفاريني الحنبلي ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية : ج1 / ص73) . ويقول العـلامة ابن الشطي الحنبلي (فائدة: أهل السنة والجماعة ثلاث فرق، الأثرية وإمامهم الإمام أحمد رضي الله عنه. والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية، ص 73) . ويقول العلامة ألمواهبي الحنبلي (طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) (العين والأثر، ص53).
إقرار الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة : هناك العديد من النصوص التي كتبها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، والتي تفيد انه يأخذ بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح " أهل السنة " – على الأقل على المستوى الفقهي – حيث يقول مثلا في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق(أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، مما هو من حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)
النهى عن التعصب المذهبي: يقول ابن تيميَّة( ومن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الأئمَّة دون الباقين، فهو بِمَنْزلة مَن تعصَّب لواحدٍ بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضيِّ الذي يتعصَّب لعليٍّ دون الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، وكالخارجيِّ الذي يَقْدح في عثمانَ وعليٍّ - رضي الله عنهما - فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماعِ أنَّهم مذمومون خارجون عن الشَّريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسولَه، فمن تعصَّب لواحدٍ من الأئمة بعينه ففيه شَبهٌ من هؤلاء، سواءٌ تعصَّب لمالكٍ أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد، أو غيرهم. )(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ج22، ص252 – 254)..ويقول ابن القيِّم( وأما المتعصِّب الذي جعل قولَ متبوعه عيارًا على الكتاب والسُّنة وأقوالِ الصحابة، يزِنُها به، فما وافق قول متبوعه منها قبِلَه، وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصَّواب... فو الله إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلاَّ مَن عرف الحق، وحكم به، وأفتى به، وأما من عداهما فسيَعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء )(إعلام الموقِّعين: ج 2/ ص232).
تقرير الشيخ محمد بن عبد الوهاب التزامه بضوابط التكفير:
عدم التكفير بالظن : يقول( من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن ، لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه )( الرسائل الشخصية : ج3/ ص24 ).
عدم التكفير بالعموم : يقول( وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم )(الرسائل الشخصية: ج 15/ ص101 ).
عدم تكفير الا من كفره جميع العلماء الموثوقين : يقول( ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم إني أقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجييء عندي فهذا أيضا من البهتان ؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت ؛ ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه ؛ وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس ؛ فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً )(الرسائل الشخصية : ج9/ ص58 )
عدم تكفير الا من كفر أهل التوحيد : يقول( فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول : سبحانك هذا بهتان عظيم الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد )(الرسائل الشخصية: ج7/ ص 48 )
عدم تكفير من لم تبلغه الحجة ونفيه تكفير من توسل بالصالحين او من حلف بغير الله دون تمييز: يقول( من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم ، في أي زمان وأي مكان ،وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك ، وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها، قوله إني أكفر من توسل بالصالحين، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وقوله إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وإني أكفر من يحلف بغير الله فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول : (سبحانك هذا بهتان عظيم ) "( الرسائل الشخصية: ج 11: ص64)
إقرار أعلام المذهب الحنبلي بالضوابط الشرعية للقتال:كما اقر أعلام المذهب الحنبلي بالعديد من ضوابط القتال الشرعية ومنها:
أن الجهاد يكون مع جماعة المسلمين وامامهم: يقول الإمام أحمد بن حنبل(والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك).
عدم جواز الخروج بالسيف على السلطان الجائر (التغيير المسلح): قرر اغلب علماء أهل السنة – وليس اغلبهم قاعدة اجتهادية-وليست نصيه- مضمونها عدم جواز الخروج على السلطان الجائر بالسيف، اى تغيير الحاكم باستخدام القوه المسلحة ،استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها "، يقول الإمام ابن تيمية (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) (مجموع الفتاوى:ج 12، ص35)، ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقه ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم : ج 12 ، ص432-433).
اقرار الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضوابط القتال الشرعية:
اباحه القتال مشروط بالدفاع عن النفس والحرمة: يقول(وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام.)( الرسائل الشخصية : ج 5، ص37 )
تحريم الخروج على ولى الأمر"استخدام القوه المسلحة لتغيير لحاكم":يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته لأهل القصيم (وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه) (مجموعة مؤلفات الشيخ : ج5/ ص11)، ويقول أيضا( الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشيّاً) (مجموعة مؤلفات الشيخ:ج1/ ص394) بواسطة (دعاوى المناوئين : ص233-234).
نماذج تطبيقيه للانتقال من التضييق المذهبي إلى الشمول الشرعي(من الإجمال الى التفصيل):
حكم الغناء: اختلف الفقهاء في مسالة الحكم على الغناء إلى مذهبين:المذهب الأول هو مذهب المنع- وهو المذهب الذي يأخذ به المذهب الوهابي- ويتضمن المذهب القول بان حكم الغناء التحريم،وقد نسب إلى عدد من العلماء وقال به ابن القيم ، كما يتضمن هذا المذهب القول بان حكم الغناء الكراهة،ويرى كثير من العلماء أن مذهب أحمد بن حنبل أقرب إلى الكراهة ، فهو يجعل الغناء ينبت النفاق في القلب،ويستدل مذهب المنع بالعديد من الادله منها قول الرسول (صلى الله علي وسلم)( أن الله تعالى حرم القينه وبيعها وتعليمها) ( أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف )،والقينه الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب وقوله (صلى الله علي وسلم) (ما رفع احد صوته إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بإعقابهما على صدره حتى يمسك ) ، وتفسير ابن عباس السمد الوارد في الايه (فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وانتم سامدون ) بأنه الغناء بلغة حمير .أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه،وقال به أبو حامد الغزالي ، وأبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحاق ، وابن الصباغ ، وابن حزم الاندلسى الذي يتتبع الأحاديث التي اعتمد عليها الذين ذهبوا إلى التحريم، وهو يحمل عليها من جهة سندها ورواتها حيث يقول (إنه لم يصح في باب تحريم الغناء حديث)، ومثله ـ في هذا المنهج ـ أبو الفضل المقدسيّ. وقد قام أنصار هذا المذهب بتقديم تفسير أخر للنصوص التي استند إليها مذهب المنع ، ففيما يتعلق بالحديث الأول قالوا أن التحريم هنا متعلق بتحريم الغناء في مجلس الشرب،وفيما يتعلق بالحديث الثاني قال الغزالي( هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي يحرك من القلب ما مراد الشيطان من الشهوة )، وفيما يتعلق بالايه قال الغزالي (مخصوص بأشعار وغناء الكفار في معرض الاستهزاء بالمسلمين ).كما قاموا بتقديم العديد من الادله التي تفيد أباحه الغناء منها قول عائشة (رضى الله عنها) ” دخل رسول (صلى الله علي وسلم) وعندي جاريتان تغنيان بغناء فأضجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر فانتهرني وقال مزامير الشيطان عند رسول الله فاقبل عليه رسول (صلى الله علي وسلم) وقال دعهما فان اليوم عيد، قال فغمزتهما فخرجتا “(الصحيحتين ).وما هو معلوم من إنشاد النساء عند قدوم رسول الله (صلى الله علي وسلم) المدينة ” طلع البدر علينا من ثنيات الوداع “( أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث عائشة متصلا).
أما مذهب التفصيل فيقوم على التمييز بين كيفيتين للغناء : الكيفية الأولى هي الغناء الذي لا يشتمل على محرم وحكمها الاباحه،والثانية هي الغناء الذى يشتمل على محرم وحكمها المنع، وقد أشار كثير من العلماء إلى هذا التمييز، يقول الإمام العز بن عبد السلام(أن السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:1- منها ما هو حرام محض: وهو لأكثر الناس من الشباب ومن تغلبت عليهم شهواتهم ولذاتهم ، وملكهم حب الدنيا. وتكدرت بواطنهم وفسدت كل مقاصدهم فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب عليهم وعلى قلوبهم من الصفات الذميمة 2- ومنها ما هو مباح وهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن واستدعاء السرور والفرح، أو يتذكر غائبًا أو ميتًا فيثير حزنه فيروح بما سمعه.3-ومنها ما هو مندوب: وهو لمن غلب عليه حب الله تعالى والشوق إليه، فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة وتضاعف الشوق إلى الله سبحانه وتعالى)( كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز « أو بين الشريعة والحقيقة» للعز بن عبد السلام، ص28- 29 ) ، ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي في رسالته عن الموسيقى والغناء (أن حكم سماع الأصوات والآلات المطربة عنده أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات، أو اتخذ وسيلة للمحرمات، أو أوقع في المحرمات كان حراما، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلمه ).ويقول الإمام الهروى (وحكم السماع شرعا: يتبع ما تعلق به. إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر. فإن كان المقصود بالسماع حب الله تعالى والتبتل إليه والازدياد من الإيمان، والتحبب إليه. فأنعم به من سماع. وإن كان السماع مثيرًا للهوى موقظًا لغرائز النفس. ويراد به غير المقصود منه فهو في مثل هذا المقام فتنة ويحرم)(التمكين في شرح منازل السائرين، ص50 ).
حكم الاحتفال بالمولد النبوي : اختلف العلماء في الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الأول: هو مذهب المنع- وهو المذهب الذي يأخذ به المذهب الوهابي - ويستند إلى العديد من الادله أهمها: أن الاحتفال بالمولد النبوي حادث بعد القرون الثلاثة، فهو بدعه، وإن الاحتفال بالمولد النبوى يشتمل على أمور محرّمة في الغالب. أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه: ويرد على الدليل الأول بالقول بأن الاحتفال بالمولد النبوي حادث ، فهو بدعة ولكنها بدعه حسنه ، فهو يميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنه ،استنادا إلى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن صلاه التراويح جماعه(نعم البدعة هي)، وقول الشافعي ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم )، وهناك من أنصار هذا المذهب من يرى ان الاحتفال بالمولد النبوي هو سنه حسنه. كما يرد على الدليل الثاني بالقول بأنه إذا اشتمل الاحتفال بالمولد على أمور محرمه فيجب تحريمها، لكن التحريم متعلق بتلك الأمور لا بأصل الاحتفال بالمولد . كما يورد العديد من الادله التي تفيد جواز الاحتفال بالمولد النبوي منها انه إظهار لمحبه الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره،وهما الأمران اللذان أشارت لهم كثير من النصوص،و ان الرسول( صلى الله عليه وسلم ) كان يعظم يوم مولده كما جاء في حديث أبي قتادة و أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد . أما مذهب التفصيل:فيميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد النبوي:الكيفية الأولى: تقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار أن الاحتفال بالمولد النبوي هو من اصول الدين، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على كثير من الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة أو تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى هي بدعه ، و طبقا لمستواها السلوكي تتضمن ما هو محرم او مكروه. أما الكيفية الثانية: فتقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي ليس من الدين وأصوله،فهو من العرف الذى يمكن ان يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة التبعية، في حال تقيده بالقواعد الامره الناهية التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل التذكير لا الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على رفض الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى ليست بدعه وطبقا لمستواها السلوكي لا تتضمن ما هو محرم او مكروه، وهنا يمكن الاستئناس بقول ابن تيميه انه قد يثاب بعض الناس على فعل المولد لحسن نيتهم وقصدهم – رغم تقريره ان ان الاحتفال بالمولد بدعه – حيث يقول (قَدْ يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك مَا يُحْدِثُهُ بَعضُ النَّاس إمَّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما مَحبَّةً للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له، والله قد يُثيبهم على هذه المحبَّة والاجتهاد، لاَ عَلَى البِدَعِ…) ( اقتضاء الصراط المستقيم في ص 297 ) .. كما ان مذهب التفصيل يميز بين الحكم الشرعي على الكيفية الأولى للاحتفال بالمولد النبوي(باعتبارها بدعه)،وبين الحكم على مخالف هذا الحكم فلا يكفر المخالف او يبيح دمه استنادا إلى قاعدة العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). يقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى ، وحكمه حكم المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يغفر عنهم)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).
.