صفحة 12 من 13 الأولىالأولى ... 28910111213 الأخيرةالأخيرة
النتائج 166 إلى 180 من 185

الموضوع: الياقوت والمرجان فى تفسير القرآن بالقرآن

  1. #166
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الثالثة والعشرون بعد المائتين

    قال ابن كثير

    فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ } أي فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكباراً وعناداً. وقال مجاهد تعزز بأصحابه، وقال قتادة غلب عدو الله على قومه، وقال ابن زيد { فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ } أي بجموعه التي معه، ثم قرأ{ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } هود 80 والمعنى الأول قوي كقوله تعالى{ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } الحج 9 أي معرض عن الحق مستكبر

  2. #167
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الرابعة والعشرون بعد المائتين

    قال ابن كثير

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيمَ استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى{ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }

  3. #168
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الخامسة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي فى سورة الفاتحة

    الحادية عشرة: قوله تعالى: { الْعَالَمِينَ } اختلف أهل التأويل في { الْعَـالَمِينَ } اختلافاً كثيراً؛ فقال قتادة: العالمَون جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم؛ قاله الحسين بن الفضل؛ لقوله تعالى:{ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 165] أي من الناس. وقال العَجَاج:
    فَخنْدِفٌ هامةُ هذا العالَمِ
    وقال جرير بن الخَطَفَى:
    تَنَصَّفُه البريّةُ وهْوَ سامٍ ويُضحِي العالَمون له عِيالا
    وقال ابن عباس: العالَمون الجنّ والإنس؛ دليله قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَـالَمِينَ نَذِيراً } [الفرقان: 1] ولم يكن نذيراً للبهائم. وقال الفرّاء وأبو عبيدة: العالَم عبارة عمن يعقل؛ وهم أربع أمم: الإنس والجنّ والملائكة والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالَم؛ لأن هذا الجمع إنما هو جَمْع مَن يعقل خاصّة.

    قال الأعشى:
    ما إنْ سمعتُ بمثلهم في العالَمينا
    وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون؛ ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس أيضاً: كل ذي رُوح دبّ على وجه الأرض. وقال وَهَب بن مُنَبّه: إن لله عزّ وجلّ ثمانية عشر ألف عالَم؛ الدنيا عالَم منها. وقال أبو سعيد الخُدْرِي: إن لله أربعين ألف عالَم؛ الدنيا مِن شرقها إلى غربها عالَمٌ واحد. وقال مقاتل: العالمُون ثمانون ألف عالَم، أربعون ألف عالَم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجنّ عالم، والإنس عالَم؛ وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالَم، خلقهم لعبادته.

    قلت: والقول الأوّل أصحّ هذه الأقوال؛ لأنه شامل لكل مخلوق وموجود؛ دليله قوله تعالى:{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ } [الشعراء: 23]. ثم هو مأخوذ من العَلَم والعَلاَمة؛ لأنه يدل على مُوجده

  4. #169
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة السادسة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ } «كلما» منصوب لأنه ظرف. وإذا كان «كلما» بمعنى «إذا» فهي موصولة والعامل فيه «مَشَوْا» وهو جوابه، ولا يعمل فيه «أضاء»؛ لأنه في صلة ما. والمفعول في قول المبرد محذوف، التقدير عنده: كلما أضاء لهم البرق الطريقَ. وقيل: يجوز أن يكون فَعَل وأفْعَل بمعنىً، كَسكَت وأسْكَت؛ فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول. قال الفراء: يقال ضاء وأضاء، وقد تقدّم. والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنِسُوا ومشَوْا معه، فإذا نزل من القرآن ما يَعْمَوْنَ فيه ويَضِلون به أو يكلَّفونه «قاموا»، أي ثبتوا على نفاقهم؛ عن ٱبن عباس. وقيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النِّعم قالوا: دِين محمد دينٌ مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدّة سَخِطوا وثبتوا في نفاقهم؛ عن ٱبن مسعود وقتادة. قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته:{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } [الحج: 11

  5. #170
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة السابعة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    الحادية عشرة: قوله تعالىٰ: { رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ } أي محمداً صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن مسعود وابن عباسٍ وأكثر المفسرين. وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظيّ: هو القرآن، وليس كلهم سمع رسول الله. دليل هذا القول ما أخبر الله تعالىٰ من مؤمِنِي الجِنّ إذ قالوا:{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ } [الجن: 1]. وأجاب الأوّلون فقالوا: من سمع القرآن فكأنما لقِي النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهذا صحيح معنى. وأنْ من { أَنْ آمِنُواْ } في موضع نصب على حذف حرف الخفض، أي بأن آمنوا. وفي الكلام تقديم وتأخير، أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي؛ عن أبي عبيدة. وقيل: اللام بمعنى إلي، أي إلى الإيمان؛ كقوله:{ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [المجادلة: 8]. وقوله:{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } [الزلزلة: 5] وقوله:{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا } [الأعراف: 43] أي إلى هذا، ومثله كثير. وقيل: هي لام أجل، أي لأجل الإيمان.

  6. #171
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الثامنة والعشرون بعد المائتين

    قال القرطبي

    السادسة ـ قوله تعالىٰ: { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله عليه السَّلام: " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله وٱستحللتم فروجهنّ بكلمة الله " قاله عكرمة والربيع. الثاني ـ قوله تعالىٰ:{ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } [البقرة:229] قاله الحسن وٱبن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. الثالث ـ عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح؛ قاله مجاهد وٱبن زيد. وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم.

  7. #172
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة التاسعة والعشرون بعد المائتين

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِلللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }

    قال الالوسي فى اولي الامر

    وقيل: المراد بهم أهل العلم، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة، واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى:{ وَلَوْ رَدُّوهُ / إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: 83] فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام، وحمله كثير ـ وليس ببعيد ـ على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير أمر الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز.

    واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ } فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقاً والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين { فَرُدُّوهُ } فراجعوا فيه { إِلَى اللَّهِ } أي إلى كتابه { وَالرَّسُولِ } أي إلى سنته، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. وجعل بعضهم: الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضاً مجادلة ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل، وقيل: على إرادة الأعم يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء، ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا على الحق فلا يجب طاعتهم فيما خالف الشرع، فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى...

  8. #173
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الثلاثون بعد المائتين

    { وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ } يُعَزِّي نبيّه ويسلّيه، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قَبْلَك { عَدُوّاً } أي أعداء. ثم نعتهم فقال: { شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } حكى سيبويه جعل بمعنى وصف. «عَدُوًّا» مفعول أوّل. «لِكُلِّ نَبِيًّ» في موضع المفعول الثاني. «شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ» بدل من عدوّ. ويجوز أن يكون «شياطين» مفعولا أوّل، «عدواً» مفعولا ثانياً؛ كأنه قيل: جعلنا شياطين الإنس والجن عدوّاً. وقرأ الأعمش: «شياطين الجن والإنس» بتقديم الجن. والمعنى واحد. { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس. وسُمِّيَ وَحْياً لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفاً لتزيينهم إياه؛ ومنه سمي الذهب زخرفا. وكل شيء حسَن مُمَوّه فهو زُخْرُف. والمزخرَف المزيّن. وزخارف الماء طرائقه. و«غُرُوراً» نصب على المصدر، لأن معنى «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» يغرونهم بذلك غروراً. ويجوز أن يكون في موضع الحال. والغرور الباطل. قال النحاس: ورُوي عن ٱبن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل: «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» قال: مع كل جني شيطان، ومع كل إنسيّ شيطان، فيلقى أحدهما الآخر فيقول: إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله. ويقول الآخر مثل ذلك؛ فهذا وحي بعضهم إلى بعض. وقاله عكرمة والضحاك والسُّدِّي والكَلْبي. قال النحاس: والقول الأوّل يدل عليه{ وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } [الأنعام: 121]؛ فهذا يبيّن معنى ذلك.

    قلت: ويدُلّ عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام: " «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قَرِينُه من الجن» قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» " روى «فأسلم» برفع الميم ونصبها. فالرفع على معنى فأسلم من شره. والنصب على معنى فأسلم هو. فقال: «ما منكم من أحد» ولم يقل ولا من الشياطين؛ إلا أنه يحتمل أن يكون نبّه على أحد الجنسين بالآخر؛ فيكون من باب «سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ» وفيه بُعْدٌ، والله أعلم. وروى عَوف بن مالك عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يا أبا ذَرّ هل تعوّذت بالله من شرّ شياطين الإنس والجن»؟ قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: «نعم هم شرٌ من شياطين الجن» " وقال مالك بن دِينار: إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوّذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عِياناً. وسَمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ٱمرأة تنشد:
    إن النساء رَياحين خلقن لكم وكلُّكم يشتهِي شمّ الرياحين
    فأجابها عمر رضي الله عنه:
    إن النساء شياطين خُلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين

    انتهي

    قال القرطبي

    { قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ } أي من الاستمتاع بالإنس؛ فحذف المصدر المضاف إلى المفعول، وحرف الجر؛ يدل على ذلك قوله: { رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } وهذا يردّ قول من قال: إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس؛ لأن الإنس قبِلوا منهم. والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضاً؛ فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذّذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذّذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زَنَوْا وشرِبوا الخمور بإغواءِ الجن إيّاهم. وقيل: كان الرجل إذا مَرّ بوادٍ في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر. وفي التنزيل{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً } [الجن: 6]. فهذا استمتاع الإنس بالجنّ. وأما استمتاع الجنّ بالإنس فما كانوا يُلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالأنس أنهم يعترفون أن الجنّ يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون. ومعنى الآية تقريع الضالين والمضِلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين...

    انتهي

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ } أي يوم نحشرهم نقول لهم ألم يأتكم رسل، فحذف؛ فيعترفون بما فيه افتضاحهم. ومعنى «منكم» في الخلق والتكليف والمخاطبة. ولما كانت الجن ممن يُخاطب ويعقل قال: «منكم» وإن كانت الرسل من الإنس وغلّب الإنس في الخطاب كما يُغلّب المذكر على المؤنث. وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلّغوا قومَهم ما سمعوه من الوحي؛ كما قال:{ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } [الأحقاف: 29]. وقال مُقاتِل والضحّاك: أرسل الله رسلاً من الجن كما أرسل من الإنس. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنُّذُر من الجن؛ ثم قرأ «إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ». وهو معنى قولِ ابن عباس، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في «الأحقاف». وقال الكلبيّ: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يُبعثون إلى الإنس والجن جميعاً.

    قلت: وهذا لا يصحّ، بل في صحيح مسلم من حديث جابر ابن عبد الله الأنصاريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطيتُ خمساً لم يُعطهُنّ نبيّ قبلي كان كلّ نبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعثتُ إلى كل أحمرَ وأسوَد " الحديث. على ما يأتي بيانه في «الأحقاف». وقال ابن عباس: كانت الرسل تُبعث إلى الإنس وإن محمداً صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الجن والإنس؛ ذكره أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ. وقيل: كان قوم من الجن ٱستمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم؛ كالحال مع نبينا عليه السلام. فيقال لهم رسل الله، وإن لم يُنصّ على إرسالهم. وفي التنزيل:{ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [الرحمن: 22] أي من أحدهما، وإنما يخرج من المِلح دون العَذْب، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن؛ فمعنى «منكم» أي من أحدكم. وكان هذا جائزاً؛ لأن ذكرهما سبق. وقيل: إنما صيّر الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن الثَّقَلين قد ضمتهما عَرْصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق؛ فلما صاروا في تلك العَرْصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة؛ لأن بدء خلقهم للعبودية، والثوابُ والعِقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا؛ فمنهم مؤمن وكافر. وعدوّنا إبليس عدوّ لهم، يعادي مؤمنهم ويُوالِي كافرهم. وفيهم أهواء: شِيعَةٌ وقدريّة ومُرْجئة يتلون كتابنا. وقد وصف الله عنهم في سورة «الجن» من قوله: «وَأَنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ ومِنَّا القَاسِطُونَ».{ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً }

  9. #174
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الواحدة و الثلاثون بعد المائتين

    { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدّم معنى الخلق في غير موضع. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» أي خلقناكم نُطفاً ثم صوّرناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صوّرناكم في ظهره. وقال الأخفش: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: المعنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم عليه السَّلام، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم؛ على التقديم والتأخير. وقيل: «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم؛ ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» راجع إليه أيضاً. كما يُقال: نحن قتلناكم؛ أي قتلنا سيدكم. { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير؛ عن ابن عباس أيضاً. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحوّاء؛ فآدم من التراب وحوّاء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبوَيْكم ثم صوّرناهما؛ قاله الحسن. وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صوّرناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وظ±بن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صوّرهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوّي هذا{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } [الأعراف: 172]. والحديث. " أنه أخرجهم أمثال الذَّرِّ فأخذ عليهم الميثاق " وقيل: «ثم» للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم صَوّرناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس

    انتهي

    فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِه الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " ملَكين " بفتح اللام وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي كثير والضحال " مِلكين " بكسر اللام، ويؤيد هذه القراءة قوله في آية أخرى{ وملك لا يبلى } [طه:120]

  10. #175
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الثانية و الثلاثون بعد المائتين

    قال القرطبي

    { تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ }

    قوله تعالىٰ: { تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } أي هذه القرىٰ التي أهلكناها؛ وهي قُرىٰ نُوحٍ وعادٍ ولُوطٍ وهُودٍ وشُعَيْب المتقدّمة الذكر. { نَقُصُّ } أي نتلو. { عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا } أي من أخبارها. وهي تسلية للنبيّ عليه السلام والمسلمين. { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم؛ قاله مجاهد. نظيره{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ } [الأنعام: 28]. وقال ابن عباس والرّبيع: كان في علم الله تعالىٰ يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. { بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهاً لا طوعاً. قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرهاً فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة. نظيره{ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110]. { كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ } أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم

  11. #176
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الثالثة و الثلاثون بعد المائتين

    قال القرطبي

    قوله تعالىٰ: { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } قال ٱبن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة. فمرض المؤمن كفارة، ومرض الكفار عقوبة. وقيل: العذاب الأوّل الفضيحة بٱطلاع النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم؛ على ما يأتي بيانه في المنافقين. والعذاب الثاني عذاب القبر. الحسن وقتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر. ٱبن زيد: الأوّل بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب القبر. مجاهد: الجوع والقتل. الفراء: القتل وعذاب القبر. وقيل: السباء والقتل وقيل: الأوّل أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم، والثاني عذاب القبر. وقيل: أحد العذابين ما قال تعالىٰ: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ } ـ إلى قوله ـ { إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }. والغرض من الآية اتباع العذاب، أو تضعيف العذاب عليهم.

  12. #177
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الرابعة و الثلاثون بعد المائتين

    { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ }.يكون المعنى: ولكل أُمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينهم؛ مثل.{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } [النساء: 41]. وقال ٱبن عباس: تُنكر الكفار غداً مجيء الرسل إليهم، فيؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتكم الرسالة؛ فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب. دليله قوله:{ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [البقرة: 143]. ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم؛ فمن آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعُذّب. دليله قوله تعالى:{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء: 15]. والقسط: العدل. «وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ» أي لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة

  13. #178
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة الخامسة و الثلاثون بعد المائتين

    قال القرطبي

    { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } أي لا ينظر وراءه منكم أحد؛ قاله مجاهد. ٱبن عباس: لا يتخلف منكم أحد. عليّ بن عيسى: لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع. { إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ } بالنصب؛ وهي القراءة الواضحة البيّنة المعنى؛ أي فأسر بِأهلِك إلا ٱمرأتك. وكذا في قراءة ٱبن مسعود «فأسرِ بِأهلِك إِلا ٱمرأتك» فهو ٱستثناء من الأهل. وعلى هذا لم يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل:{ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } [الأعراف: 83] أي من الباقين. وقرأ أبو عمرو وٱبن كثير: «إِلا ٱمرأتُك» بالرفع على البدل من «أحد». وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد؛ وقال: لا يصح ذلك إلا برفع «يلتفت» ويكون نعتاً؛ لأن المعنى يصير ـ إذا أبدلت وجزمت ـ أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون؛ والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج فلان؛ فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب؛ أي لا تدعه يخرج؛ ومثله قولك: لا يقم أحد إلا زيد؛ يكون معناه: ٱنههم عن القيام إلا زيداً؛ وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره؛ كأنه قال: ٱنههم لا يلتفت منهم أحد إلا ٱمرأتك. ويجوز أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام؛ أي لا يلتفت منكم أحد إلا ٱمرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطاً خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته؛ فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها.

  14. #179
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة السادسة و الثلاثون بعد المائتين

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم؛ وقد تقدّم في «الأعراف». وفي التفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرحمة. وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهرويّ. واختلف في «السِّجِّيل» فقال النحاس: السجيل الشديد الكثير؛ وسجيل وسِجِّين اللام والنون أختان. وقال أبو عبيدة: السجيل الشديد؛ وأنشد:
    ضَرْبـاً تَوَاصَـى به الأبطالُ سِجِّينَـا
    قال النحاس: وردّ عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به؟ قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى؛ وقول أبي عبيدة يردّ من جهة أخرى؛ وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلاً؛ لأنه لا يقال: حجارة من شديد؛ لأن شديداً نعت. وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلاً طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحق: إن سجيلاً لفظة غير عربية عُرِّبت، أصلها سَنْج وجِيلْ. ويقال: سَنْك وكِيلْ؛ بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسماً واحداً. وقيل: هو من لغة العرب.

    وقال قتادة وعِكرمة: السجيل الطين بدليل قوله:{ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ } [الذاريات: 33]. وقال الحسن: كان أصل الحجارة طيناً فشدّدت. والسجيل عند العرب كل شديد صُلْب. وقال الضحاك: يعني الآجر. وقال ابن زيد: طين طبخ حتى كان كالآجر؛ وعنه أن سجيلاً اسم السماء الدنيا؛ ذكره المهدويّ؛ وحكاه الثعلبيّ عن أبي العالية؛ وقال ابن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه بـ«منضود».

    وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة. وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله:{ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } [النور: 43]. وقيل: هو مما سجّل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم؛ فهو في معنى سِجين؛ قال الله تعالى:{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } [المطففين: 8 ـ 9] قاله الزجاج واختاره. وقيل: هو فِعِّيل من أسجلته أي أرسلته؛ فكأنها مرسَلة عليهم. وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيتَه؛ فكأنه عذاب أُعطوه؛ قال:
    مَنْ يُساجِلْني يُساجِلْ ماجِداً يَمْلأ الدَّلْو إلى عَقْدِ الكَرَب
    وقال أهل المعاني: السجّيل والسجّين الشديد من الحَجَر والضَّرب؛ قال ابن مُقْبل:
    ورَجْلةٍ يضرِبون البَيْضَ ضَاحِيَة ضَرْباً تَواصَى بهِ الأبطالُ سِجِّينَا

  15. #180
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    11,114
    الجوهرة السابعة و الثلاثون بعد المائتين

    قال الماتريدى

    ثم قال أهل التأويل قوله: { جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا } أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله:{ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ } [النجم: 53] قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.....


    وقوله - عز وجل -: { وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ }.

    قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.

    وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.

    ويحتمل قوله: { وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر:{ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ } الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.

صفحة 12 من 13 الأولىالأولى ... 28910111213 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •