صفحة 1 من 7 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 101

الموضوع: جواهر ما وإن فى كتاب الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919

    Lightbulb جواهر ما وإن فى كتاب الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والصلاة والسلام علي حامل علوم وأسرار القرآن

    أما بعد

    قد يتعجب البعض من عنوان البحث ويقول هل ما تحتاج لبحث فى كتاب الله وهل إن تحتاج لبحث فى كتاب الله

    وأنا اقول وجدت عجبا فى أسرار ما وإن فى القرآن والمتأمل فى كتاب الله يعلم تأثير ما وإن فى علم التفسير

    ومنذ سنوات أبحث عن اسرارهما فى كتاب الله وجمعت قدرا كبيرا من أثرهما علي علم التفسير

    وسوف نبدأ البحث بما ثم إن وأن فى القرآن

    جواهر ما فى كتاب الله

    الملاحظ إن ما ف كتاب الله لها استخدامات عديدة غير النفي فهناك الموصولة و هناك المصدرية و.....

    ومن خلال بحثي في التفسير وجدت إن ما تحتاج مزيد تأمل

    فلذلك قررت أن اجمع بحث أضع فيه إستخدامات ما في كتاب الله

    واعلم اخي الكريم إن التدبر فى هذا الفن من الأدوات التي تعين المفسر علي فهم كتاب الله

    كبحثنا في الضمائر والقراءات والاستثناءو......

    أرجو من الله ان ينفع بهذه السلسلة انه ولي ذلك والقادر عليه

    الجوهرة الأولي

    وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ

    قال الالوسي

    يأَبَانَا مَا نَبْغِي } إذا فسر البغي بمعنى الطلب كما ذهب إليه جماعة ـ فما ـ يحتمل أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم ـ لنبغي ـ فالمعنى ماذا نطلب وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره والمراجعة إليه في الحوائج وقد كانوا أخبروه بذلك على ما روي أنهم قالوا له عليه السلام: إنا قدمنا على خير رجل وأنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته.

    وقال السمين الحلبي:

    قوله: مَا نَبْغِي في " ما " هذه وجهان،

    أظهرهما: أنها استفهاميةٌ فهي مفعولٌ مقدمٌ واجبُ التقديم؛ لأن لها صدرَ الكلام، أي: أيَّ شيءٍ نبغي.

    والثاني: أَنْ تكونَ نافيةً ولها معنيان، أحدهما: ما بقي لنا ما نطلب، قاله الزجاج. والثاني: ما نبغي، من البغي، أي: ما افْتَرَيْناه ولا كَذَبْنا على هذا المَلِكِ في إكرامه وإحسانه. قال الزمخشري: " ما نبغي في القول وما نتزيَّد فيما وَصَفْنا لك من إحسان المَلِك ".

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    قوله تعالى: ما نبغي في «ما» قولان:

    أحدهما: أنها استفهام، المعنى: أي شيء نبغي وقد رُدَّت بضاعتنا إِلينا.

    والثاني: أنها نافية، المعنى: ما نبغي شيئاً، أي: لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها إِليه، بل تكفينا هذه في الرجوع إِليه، وأرادوا بذلك تطييب قلبه ليأذن لهم بالعَود. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والجحدري، وأبو حيوة «ما تبغي» بالتاء، على الخطاب ليعقوب.

    وقال الرازي

    ففي كلمة مَا قولان:

    القول الأول: أنها للنفي، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: الأول: أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا: إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب لمافعل ذلك، فقولهم: مَا نَبْغِى أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذباً ولا ذكر شيء لم يكن. الثاني: أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا. الثالث: المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإن هذه التي معنا كافية لنا.

    والقول الثاني: أن كلمة «ما» ههنا للاستفهام، والمعنى: لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا: ما نبغي بعد هذا، أي أعطانا الطعام، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك؟

    واعلم أنا إذا حملنا «ما» على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا. قال الأصمعي: يقال ماره يميره ميراً إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال: ما عنده خير ولا مير

    وقال ابن عطية

    وقوله { ما نبغي } يحتمل أن تكون { ما } استفهاماً، قاله قتادة. و { نبغي } من البغية، أي ما نطلب بعد هذه التكرمة؟ هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا. قال الزجّاج: ويحتمل أن تكون { ما } نافية، أي ما بقي لنا ما نطلب، ويحتمل أيضاً أن تكون نافية، و { نبغي } من البغي، أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا في وصف إجماله وإكرامه هذه البضاعة مردودة.

    وقرأ أبو حيوة " ما تبغي " - بالتاء، على مخاطبة يعقوب، وهي بمعنى: ما تريد وما تطلب؟

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الثانية

    وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

    قال السمين

    وقرأ ابنُ عباس ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والحسن والضحّاك وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في روايةٍ، مِّن كُلِّ منونةً.

    وفي " ما " على هذه القراءة وجهان،

    أحدُهما: أنها نافية، وبه بدأ الزمخشري فقال: " وما سأَلْتُموه نفيٌ، ومحلُّه النصبُ على الحال، أي: آتاكم من جميعِ ذلك غيرَ سائِلية ". قلت: ويكون المفعولُ الثاني هو الجارِّ مِنْ قوله " مِنْ كُلٍ " ، كقوله:
    وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ
    [النمل: 23].

    والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، هي المفعول الثاني لآتاكم.

    وهذا التخريجُ الثاني أَوْلَى، لأنَّ في الأول منافاةً في الظاهر لقراءةِ العامَّة. قال الشيخ: " ولما أحسَّ الزمخشريُّ بظهورِ التنافي بين هذه القراءةِ وبين تلك قال: " ويجوز أن تكونَ " ما " موصولةً على: وآتاكم مِنْ كُلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلُحْ أحوالُكُم ولا معائِشُكم إلا به، فكأنكم طلبتموه أو سألتموه بلسانِ الحال، فتأوَّل " سَأَلْتموه " بمعنى ما احتجتم إليه ".

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الثالثة

    وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى

    قال الالوسي

    وقرأ أكثر السبعة وأبو بحرية وابن محيصن وطلحة وابن أبـي ليلى وابن مناذر وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى وابن جبير الأنطاكي { يأتهم } بالياء التحتانية لمجاز تأنيث الآية والفصل. وقرأت فرقة منهم أبو زيد عن أبـي عمرو { بينة } بالتنوين على أن { مَا } بدل، وقال صاحب «اللوامح»: يجوز أن تكون ما على هذه القراءة نافية على أن يراد بالآتي ما في القرآن من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب وهو كما ترى

    وقال السمين :


    وقرأ أبو عمروٍ فيما رواه أبو زيدٍ بتنوينِ " بَيِّنَةٌ " مرفوعةً. وعلى هذه القراءةِ

    ففي " ما " أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من " بَيِّنَةٌ " بدل كل من كل. والثاني: أن تكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هي ما في الصحف الأولىظ°.

    والثالث أَنْ تكونَ " ما " نافيةً. قال صاحب: اللوامح ": " وأُريدَ بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصلِ ممَّا لم يكنْ في غيرِه من الكتب ".

    وقرأَتْ جماعةٌ " بَيِّنَةً " بالتنوين والنصب. ووجهُها أَنْ تكونَ " ما " فاعلةً، و " بَيِّنَةً " نصب على الحال، وأنَّث على معنىظ° " ما ". ومَنْ قرأ بتاء التأنيث فحملاً على معنى " ما " ، ومَنْ قرأ بياءِ الغَيْبة فعلى لفظِها.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الرابعة

    وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

    اختلف اهل التفسير في ما هنا هل هى نافية ام موصولة ؟

    قال القرطبي

    وذكر سفيان بن عُييْنة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبّه عن أبيه في قوله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ قال: من النعم الضأن، ومن الطير الحمام. والوقف التام وَيَخْتَارُ . وقال عليّ بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون ما في موضع نصب بـ ـيَخْتَارُ لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. قال وفي هذا رد على القدرية. قال النحاس: التمام وَيَخْتَارُ أي ويختار الرسل. مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو إسحاق: وَيَخْتَارُ هذا الوقف التام المختار،

    ويجوز أن تكون ما في موضع نصب بـ ـيختار ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخِيرَة. قال القشيري: الصحيح الأوّل لإطباقهم (على) الوقف على قوله وَيَخْتَارُ . قال المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل السنة و ما من قوله: مَا كَانَ لَهمُ الْخِيْرَةُ نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله . الزمخشري: مَا كَانَ لَهُمُ الْخَيَرةُ بيان لقوله وَيَخْتَار ؛ لأن معناه يختار ما يشاء؛ ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى؛ إن الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها أي ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. وأجاز الزجاج وغيره أن تكون ما منصوبة بـ ـيَخْتَارُ .

    وأنكر الطبريّ أن تكون ما نافية؛ لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، ولأنه لم يتقدّم كلام بنفي.

    قال المهدوي: ولا يلزم ذلك؛ لأن ما تنفي الحال والاستقبال كليس ولذلك عملت عملها؛ ولأن الآي كانت تنزل على النبي على ما يسأل عنه، وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص. وتقدير الآية عند الطبري: ويختار لولايته الخيرة من خلقه؛ لأن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ للهداية من خلقه من سبقت له السعادة في علمه، كما اختار المشركون خيار أموالهم لآلهتهم، فـ ـما على هذا لمن يعقل وهي بمعنى الذي و الْخِيَرَةُ رفع بالابتداء و لَهُمُ الخبر والجملة خبر كان . وشبهه بقولك: كان زيد أبوه منطلق وفيه ضعف؛ إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان إلا أن يقدر فيه حذف فيجوز على بعد. وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس. قال الثعلبي: و ما نفي أي ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب كقوله تعالى:

    وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

    انتهي من القرطبي

    بمناسبة ذكر القرطبي للطبري انقل قوله

    قال الطبري:

    فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون «ما» فـي هذا الـموضع جَحْداً، ويكون معنى الكلام: وربك يخـلق ما يشاء أن يخـلقه، ويختار ما يشاء أن يختاره، فـيكون قوله ويخْتارُ نهاية الـخبر عن الـخـلق والاختـيار، ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بـمعنى: لـم تكن لهم الـخيرة: أي لـم يكن للـخـلق الـخِيَرة، وإنـما الـخِيَرة لله وحده؟

    قـيـل: هذا قول لا يخفـى فساده علـى ذي حِجا، من وجوه، لو لـم يكن بخلافه لأهل التأويـل قول، فكيف والتأويـل عمن ذكرنا بخلافه فأما أحد وجوه فَساده، فهو أن قوله: ما كانَ لَهُمُ الـخيرَةُ لو كان كما ظنه من ظنه، من أن «ما» بـمعنى الـجحد، علـى نـحو التأويـل الذي ذكرت، كان إنـما جحد تعالـى ذكره، أن تكون لهم الـخِيَرة فـيـما مضى قبل نزول هذه الآية، فأما فـيـما يستقبلونه فلهم الـخِيَرة، لأن قول القائل: ما كان لك هذا، لا شكّ إنـما هو خبر عن أنه لـم يكن له ذلك فـيـما مضى.

    وقد يجوز أن يكون له فـيـما يستقبل، وذلك من الكلام لا شكّ خُـلْف. لأن ما لـم يكن للـخـلق من ذلك قديـماً، فلـيس ذلك لهم أبداً. وبعد، لو أريد ذلك الـمعنى، لكان الكلام: فلـيس. وقـيـل: وربك يخـلق ما يشاء ويختار، لـيس لهم الـخيرة، لـيكون نفـيا عن أن يكون ذلك لهم فـيـما قبلُ وفـيـما بعد.

    والثانـي: أن كتاب الله أبـين البـيان، وأوضح الكلام، ومـحال أن يوجد فـيه شيء غير مفهوم الـمعنى، وغير جائز فـي الكلام أن يقال ابتداء: ما كان لفلان الـخِيَرة، ولـما يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك فكذلك قوله: ويَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الـخِيَرةُ ولـم يتقدم قبله من الله تعالـى ذكره خبر عن أحد، أنه ادّعى أنه كان له الـخِيَرة، فـيقال له: ما كان لك الـخِيَرة، وإنـما جرى قبله الـخبر عما هو صائر إلـيه أمر من تاب من شركه، وآمن وعمل صالـحاً، وأتبع ذلك جلّ ثناؤه الـخبر عن سبب إيـمان من آمن وعمل صالـحاً منهم، وأن ذلك إنـما هو لاختـياره إياه للإيـمان، وللسابق من علـمه فـيه اهتدى. ويزيد ما قلنا من ذلك إبـانة قوله:
    وَرَبُّكَ يَعْلَـمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ
    فأخبر أنه يعلـم من عبـاده السرائر والظواهر، ويصطفـي لنفسه ويختار لطاعته من قد علـم منه السريرة الصالـحة، والعلانـية الرضية.....

    انتهي من الطبري

    قلت انا أسامة خيري لاحظ اخى الحبيب انكار الامام الطبري لكونها نافية لانه لم يذكر قبل ذلك اى اختيار لهم وبالتأمل قد تجد الرد والرد عند الامام ابن عاشور

    قال ابن عاشور في التحرير

    وفي «أسباب النزول» للواحدي «قال أهل التفسير نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه
    وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
    [ الزخرف: 31] اهــــ. يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. وهما المراد بالقريتين. وتبعه الزمخشري وابن عطية. فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله
    ماذا أجبتم المرسلين
    [ القصص: 65]، فإن قولهم لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول
    والمعنى: أن الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وهذا في معنى قوله
    الله أعلم حيث يجعل رسالاته
    [ الأنعام: 124]، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم؛ والوجهان لا يتزاحمان.

    انتهي

    وقال السمين في دره المصون

    قوله: مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ : فيه أوجهٌ، أحدها: أن " ما " نافيةٌ فالوقفُ على " يَخْتار ". والثاني: " ما " مصدريةٌ أي: يختار اختيارَهم، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي: مُختارهم.

    الثالث: أَنْ تكونَ بمعني الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: ما كان لهم الخيرةُ فيه كقولِه:
    وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ
    [الشورى: 43] أي: منه.....

    والخِيَرَةُ مِنَ التخيير، كالطِّيَرَةِ من التَّطَيُّرِ فيُستعملان استعمالَ المصدر. وقال الزمخشري: " ما كان لهم الخيرةُ بيانٌ لقولِه " ويختار " لأنَّ معناه: ويختار ما يشاءُ، ولهذا لم يَدْخُلِ العاطفُ. والمعنىؤ: أنَّ الخِيَرَةَ للهِ تعالى في أفعالِه، وهو أعلمُ بوجوهِ الحكمة فيها ليس لأحدٍ مِنْ خَلْقِه أَنْ يختار عليه ". قلت: لم يَزَلِ الناسُ يقولون: إن الوقفَ على " يختار " ، والابتداءَ بـ " ما " على أنها نافيةٌ هو مذهبُ أهلِ السنةِ. ونُقِل ذلك عن جماعةٍ كأبي جعفرٍ وغيرِه، وأنَّ كونَها موصولةً متصلةً بـ " يختار " غيرَ موقوفٍ عليه مذهبُ المعتزلة. وهذا الزمخشريُّ قد قَّررَ كونَها نافيةً، وحَصَّل غرضَه في كلامِه، وهو موافقٌ لكلامِ أهلِ السُّنةِ ظاهراً، وإنْ كان لا يريده. وهذا الطبريُّ مِنْ كبار أهل السنة مَنَعَ أَنْ تكونَ [ما] نافيةً قال: لئلا يكون المعنى: أنَّه لم تكنْ لهم الخيرةُ فيما مضىظ°، وهي لهم فيما يُستقبل، وأيضاً فلم يتقدَّمْ نفيٌ ". وهذا الذي قاله ابنُ جريرٍ مَرْوِيٌّ عن ابن عباس. وقال بعضُهم: ويختار لهم ما يشاء من الرسلِ، فـ " ما " على هذا واقعةٌ على العقلاء.

    انتهي

    وقال الالوسي

    والمعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه دون غيره ينتقي ويصطفي ما يشاء انتقاءه واصطفاءه فيصطفي مما يخلقه شفعاء ويختارهم للشفاعة ويميز بعض مخلوقاته على بعض ويفضله عليه بما شاء ما كان لهؤلاء المشركين أن ينتقوا ويصطفوا ما شاءوا ويميزوا بعض مخلوقاته تعالى على بعض ويجعلوه مقدماً عنده على غيره لأن ذلك يستدعي القدرة / الكاملة وعدم كون فاعله محجوراً عليه أصلاً وأنى لهم ذلك فليس لهم إلا اتباع اصطفاء الله تعالى وهو لم يصطف شركاءهم الذين اصطفوهم للعبادة والشفاعة على الوجه الذي اصطفوهم عليه فما هم إلا جهال ضلال صدوا عما يلزمهم وتصدوا لما ليس لهم بحال من الأحوال، وإن شئت فنزل الفعل منزلة اللازم وقل المعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه لا غيره يفعل الاختيار والاصطفاء فيصطفي بعض مخلوقاته لكذا وبعضاً آخر لكذا ويميز بعضاً منها على بعض ويجعله مقدماً عنده تعالى عليه فإنه سبحانه قادر حكيم لا يسأل عما يفعل وهو أعظم من أن يعترض عليه وأجل، ويدخل في الغير المنفي عنه ذلك المشركون فليس لهم أن يفعلوا ذلك فيصطفوا بعض مخلوقاته للشفاعة ويختاروهم للعبادة ويجعلوهم شركاء له ويدخل في الاختيار المنفي عنهم ما تضمنه قولهم
    لَوْلاَ نُزِّلَ هَـذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
    [الزخرف: 31] فإن فيه انتقاء غيره من الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي وتمييزه بأهلية تنزيل القرآن عليه فإن صح ما قيل: في سبب نزول هذه الآية من أنه القول المذكور كان فيها رد ذلك عليهم أيضاً إلا أنها لتضمنها تجهيلهم باختيارهم الشركاء واصطفائهم إياهم آلهة وشفعاء كتضمنها الرد المذكور جيء بها هنا متعلقة بذكر الشركاء وتقريع المشركين على شركهم، وربما يقال: إنها لما تضمنت تجهيلهم فيما له نوع تعلق به تعالى كاتخاذ الشركاء له سبحانه وفيما له نوع تعلق بخاتم رسله عليه الصلاة والسلام كتمييزهم غيره عليه الصلاة والسلام بأهلية الإرسال إليه وتنزيل القرآن عليه جيء بها بعد ذكر سؤال المشركين عن إشراكهم وسؤالهم عن جوابهم للمرسلين الناهين لهم عنه الذين عين أعيانهم وقلب صدر ديوانهم رسوله الخاتم لهم فلها تعلق بكلا الأمرين إلا أن تعلقها بالأمر الأول أظهر وأتم وخاتمتها تقتضيه على أكمل وجه وأحكم.

    وربما يقال أيضاً: إن لها تعلقاً بجميع ما قبلها، أما تعلقها بالأمرين المذكورين فكما سمعت، وأما تعلقها بذكر حال التائب فمن حيث إن انتظامه في سلك المفلحين يستدعي اختيار الله تعالى إياه واصطفاءه له وتمييزه على من عداه، ولذا جيء بها بعد الأمور الثلاثة وذكر انحصار الخلق فيه تعالى وتقديمه على انحصار الاختيار والاصطفاء مع أن مبنى التجهيل والرد إنما هو الثاني للإشارة إلى أن انحصار الاختيار من توابع انحصار الخلق، وفي ذكره تعالى بعنوان الربوبية إشارة إلى أن خلقه ما شاء على وفق المصلحة والحكمة وإضافة الرب إليه لتشريفه عليه الصلاة والسلام وهي في غاية الحسن إن صح ما تقدم عن الوليد سبباً للنزول، ويخطر في الباب احتمالات أخر في الآية فتأمل فإني لا أقول ما أبديته هو المختار كيف وربك جل شأنه يخلق ما يشاء ويختار.

  5. بوركتم سيدي أسامة .. لا عدمنا جواهرك

    وأحب أن أنوه إلى أن نبرة صوت القارئ لها أثر في تبيين نوع ما، فهي بالنبر قد تفيد النفي أو الاستفهام، أما من غير نبر -بمعنى رفع الصوت- فتفيد المصدرية -حتى الآن لم أع حقيقة الفارق بينها والموصولة-.
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر شمس الدين الجعبري مشاهدة المشاركة
    بوركتم سيدي أسامة .. لا عدمنا جواهرك

    وأحب أن أنوه إلى أن نبرة صوت القارئ لها أثر في تبيين نوع ما، فهي بالنبر قد تفيد النفي أو الاستفهام، أما من غير نبر -بمعنى رفع الصوت- فتفيد المصدرية -حتى الآن لم أع حقيقة الفارق بينها والموصولة-.
    بارك الله فيكم ياشيخ عمر وان شاء الله خلال رحلتنا سيتضح الفرق بين ما الموصولة والمصدرية وللعلم الفرق بينهما ينتج عنه مسألة كبري فى الخلاف بين اهل السنة والمعتزلة فى علم التفسير مشهورة وسنجعلها الجوهرة القادمة

    الجوهرة الخامسة

    قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ


    قال السمين الحلبى فى تفسيره:

    قوله: وَمَا تَعْمَلُونَ : في " ما " هذه أربعةُ أوجه،


    أجودُها: أنها بمعنى الذي أي: وخَلَق الذي تَصْنَعونه، فالعملُ هنا التصويرُ والنحتُ نحو: عَمِل الصائغُ السِّوارَ أي: صاغه. ويُرَجِّح كونَها بمعنى الذي تَقَدُّمُ ما قبلَها فإنَّها بمعنى الذي أي: أتعبُدُوْنَ الذي تَنْحِتُون، واللَّهُ خلقكم وخَلَقَ ذلك الذي تَعْملونه بالنَّحْتِ.

    والثاني: أنها مصدريةٌ أي: خَلَقَكم وأعمالَكم. وجعلها الأشعريَّةُ دليلاً على خَلْقِ أفعال العباد لله تعالى، وهو الحقُّ. إلاَّ أَنَّ دليلَ ذلك مِنْ هنا غيرُ قويّ لِما تقدَّم مِنْ ظهورِ كَوْنِها بمعنى الذي. وقال مكي: " يجبُ أَنْ تكونَ " ما " والفعلُ مصدراً جيْءَ به لِيُفيدَ أنَّ اللَّهَ خالقُ الأشياءِ كلِّها ". وقال أيضاً: " وهذا أَلْيَقُ لقولِه تعالى:
    مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
    [الفلق: 2] أجمع القراءُ على الإِضافةِ، فدَلَّ على أنه خالقُ الشَّرِّ. وقد فارق عمرو بن عبيد الناسَ فقرأ " مِنْ شرٍّ " بالتنوين ليُثْبِتَ مع الله تعالى خالقاً ". وقد استفرضَ الزمخشري هذه المقالةَ هنا بكونِها مصدريةً، وشَنَّع على قائلِها.

    والثالث: أنها استفهاميةٌ، وهو استفهامُ توبيخٍ وتحقيرٍ لشأنِها أي: وأيَّ شيءٍ تَعْملونَ؟

    والرابع: أنَّها نافيةٌ أي: إنَّ العملَ في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئاً. والجملةُ مِنْ قولِه: " والله خَلَقكم " حالٌ ومعناها حينئذٍ: أتعبدون الأصنام على حالةٍ تُنافي ذلك، وهي أنَّ اللَّهَ خالِقُكم وخالِقُهم جميعاً. ويجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً.

    وقال الزمخشرى فى تفسيره:

    فإن قلت: فما أنكرت أن تكون ما مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم، كما تقول المجبرة؟ قلت؛ أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الآية يأباه إباء جلياً، وينبو عنه نبوّاً ظاهراً، وذلك أن الله عزّ وجلّ قد احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعاً خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصوّر نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم، ولم يكن محتجاً عليهم ولا كان لكلامك طباق.

    وشيء آخر: وهو أن قوله: وَمَا تَعْمَلُونَ ترجمة عن قوله: مَا تَنْحِتُونَ و (ما) في مَا تَنْحِتُونَ موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلاّ متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت: اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم. قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلاّ الإذعان للحق، وذلك أنك جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضاً فأنك قاطع بذلك الصلة بين ما تعملون وما تنحتون، حتى تخالف بين المرادين بهما؛ فتزيد بما تنحتون: الأعيان التي هي الأصنام، وبما تعملون: المعاني التي هي الأعمال؛ وفي ذلك فك النظم وتبتيره؛ كما إذا جعلتها مصدرية.

    وقال القرطبي

    وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ «ما» في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما؛ كقوله:
    بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فطَرَهُنَّ
    [الأنبياء: 56] وقيل: إن «ما» استفهام ومعناه التحقير لعملهم. وقيل: هي نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن اللّه خالقه، والأحسن أن تكون «ما» مع الفعل مصدراً، والتقدير واللّه خلقكم وعملكم وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلقٌ للّه واكتسابٌ للعباد. وفي هذا إبطال مذاهب القَدَرية والجَبْرية، وروى أبو هريرة عن النبيّ قال: " إن اللّه خالق كل صانع وصنعته " ذكره الثعلبي. وخرّجه البيهقي من حديث حُذَيفة قال: قال رسول اللّه : " إن اللّه صنع كل صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه " وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى.

    وقال الرازى


    المسألة الثانية: احتج جمهور الأصحاب بقوله: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال النحويون: اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله: { وَمَا تَعْمَلُونَ } معناه وعملكم، وعلى هذا التقدير صار معنى الآية والله خلقكم وخلق عملكم، فإن قيل هذه الآية حجة عليكم من وجوه الأول: أنه تعالى قال: { أتعبدون ما تنحتون } أضاف العبادة والنحت إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل ولو كان ذلك واقعاً بتخليق الله لاستحال كونه فعلاً للعبد الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخاً لهم على عبادة الأصنام، لأنه تعالى بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق، فلما تركوا عبادته سبحانه وهو خالقهم وعبدوا الأصنام لا جرم أنه سبحانه وتعالى وبخهم على هذا الخطأ العظيم فقال: { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ولو لم يكونوا فاعلين لأفعالهم لما جاز توبيخهم عليها سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم لكن لا نسلم أنها حجة لكم، قوله لفظة ما مع ما بعدها في تقدير المصدر، قلنا هذا ممنوع وبيانه أن سيبويه والأخفش اختلفا في أنه هل يجوز أن يقال أعجبني ما قمت أي قيامك فجوزه سيبويه ومنعه الأخفش وزعم أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي وذلك يدل على أن ما مع ما بعدها في تقدير المفعول عند الأخفش، سلمنا أن ذلك قد يكون بمعنى المصدر، لكنه أيضاً قد يكون بمعنى المفعول ويدل عليه وجوه الأول: قوله: { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } والمراد بقوله: { مَا تَنْحِتُونَ } المنحوت لا النحت لأنهم ما عبدوا النحت وإنما عبدوا المنحوت فوجب أن يكون المراد بقوله: { مَا تَعْمَلُونَ } المعمول لا العمل حتى يكون كل واحد من هذين اللفظين على وفق الآخر والثاني: أنه تعالى قال:{ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } [الأعراف: 117] وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصي والحبال التي هي متعلقات ذلك الإفك فكذا ههنا الثالث: أن العرب تسمي محل العمل عملاً يقال في الباب والخاتم هذا عمل فلان والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن لفظة ما مع بعدها كما تجيء بمعنى المصدر فقد تجيء أيضاً بمعنى المفعول فكان حمله ههنا على المفعول أولى لأن المقصود في هذه الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم، لأن الذي جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال، واعلم أن هذه السؤالات قوية وفي دلائلنا كثيرة، فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية، والله أعلم.

    ملحوظة

    قلت انا اسامة خيري اذا لاحظت اخى الحبيب نظم الايات يرجح ماقاله الزمخشري المعتزلي انها موصوله لان الخليل عليه السلام قال لهم قبلها اتعبدون ماتنحتون والمقصود الاصنام فيكون مابعدها المقصود به الاصنام وبهذا يحتج الخليل علي الكفار وفى الحقيقة ارى قول الزمخشري قوى يؤيده نظم الايات ومن هنا قال الرازى ترك الاستدلال بالاية ومذهب اهل السنة والاشاعرة هم انصار اهل السنة له ادلة اخرى ومناقشات اخري لايتوقف فقط علي الأية

    لكن احب ان الفت النظر لشيء هام

    ذكر الامام الرازى فى المطالب علي مااتذكر ان من ادلة المعتزلة انها موصولة انها مثل قوله تعالي

    فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ

    قالوا فيجب ان تكون موصولة كما هى هنا

    واقول انا اسامة خيري هل من الممكن ان تكون ما فى مايأفكون مصدرية اتذكر عندما اطلعت علي كلام الامام الرازى فى المطالب تذكرت كلاما وهو للشيخ محى الدين فى الاية قال ان العصا ابتلعت السحر اولا ثم ابتعلت الملقي من الحبال والعصي ومن هنا تفهم الاية

    وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ

    وهم ماصنعوا الا السحر

    ومن هنا سر الاعجاز وهنا سر ايمان السحرة لتمكنهم فى السحر علموا الفرق بين المعجزة والسحر اما فرعون فلعدم تمكنه من السحر قال انه اى الكليم هو كبيرهم الذى علمهم السحر

    فليتأمل

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة السادسة


    وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ

    قال السمين فی الدر المصون:

    قوله تعالى: مَآ أَغْنَىٰ : يجوز أن تكونَ استفهاميةً للتوبيخ والتقريع وهو الظاهر، ويجوز أن تكونَ نافية. وقوله: " وما كنتم ": " ما " مصدرية ليُنْسَق مصدرٌ على مثله أي: ما أغنى عنكم جمعُكم وكونُكم مستكبرين. وقرئ " تستكثرون " بتاء مثلثة من الكثرة

    الجوهرة السابعة

    وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ


    اعلم اخى الحبيب اختلف اهل التفسير وتفرقوا الى قسمين فى نوع ما من ما انزل

    الأول:

    قال ان ما نافية وانها عطف على وما كفر سليمان

    وان فى الاية تقديم وتاخير اى وماكفر سليمان وما انزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت .

    ومن ذهب الى هذا الراى الامام القرطبى فى تفسيره قال ان الملكين هما جبريل وميكائيل

    قال القرطبي فى تفسيره:


    قوله تعالى: وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ «ما» نفي؛ والواو للعطف على قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر؛ فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ . هذا أوْلَى ما حُملت عليه الآية من التأويل


    الرأی الثانى:

    قال اصحاب هذا الراى اخی الحبيب ان ماموصولة والملكين هاروت وماروت ومنهم الامام الطبرى

    قال الأمام الطبري:


    اختلف أهل العلـم فـي تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ فقال بعضهم: معناه الـجحد وهي بـمعنى «لـم»...

    فتأويـل الآية علـى هذا الـمعنى الذي ذكرناه عن ابن عبـاس والربـيع من توجيههما معنى قوله: وَمَا أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى: ولـم ينزل علـى الـملكين، واتبعوا الذي تتلوا الشياطين علـى ملك سلـيـمان من السحر، وما كفر سلـيـمان ولا أنزل الله السحر علـى الـملكين ولكنَّ الشَّياطينَ كفرُوا يعلـمونَ الناسَ السحرَ ببـابل هاروت وماروت، فـيكون حينئذ قوله: ببـابل وهاروت وماروت من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

    فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديـم ذلك؟ قـيـل: وجه تقديـمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين علـى ملك سلـيـمان وما أنزل علـى الـملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلـمون الناس السحر ببـابل هاروت وماروت. فـيكون معنـيًّا بـالـملكين: جبريـل وميكائيـل لأن سحرة الـيهود فـيـما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر علـى لسان جبريـل وميكائيـل إلـى سلـيـمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبـيه مـحمداً أن جبريـل وميكائيـل لـم ينزلا بسحر قط، وبرأ سلـيـمان مـما نـحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلـم الناس ببـابل، وأن الذين يعلـمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فـيكون هاروت وماروت علـى هذا التأويـل ترجمة علـى الناس ورداً علـيهم.

    وقال آخرون: بل تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزلَ علـى الـمَلَكَيْنِ «الذي»....

    قال أبو جعفر: فمعنى الآية علـى تأويـل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت الـيهود الذي تلت الشياطين فـي ملك سلـيـمان الذي أنزل علـى الـملكين ببـابل وهاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله، سنذكر ما روي من الأخبـار فـي شأنهما إن شاء الله تعالـى.

    وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لـملائكته أن تعلـمه الناس؟ قلنا له: إن الله عزّ وجلّ قد أنزل الـخير والشرّ كله. وبـيَّن جميع ذلك لعبـاده، فأوحاه إلـى رسله وأمرهم بتعلـيـم خـلقه وتعريفهم ما يحلّ لهم مـما يحرم علـيهم وذلك كالزنا والسرقة وسائر الـمعاصي التـي عَرَّفُهموها ونهاهم عن ركوبها، فـالسحر أحد تلك الـمعاصي التـي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها.

    قالوا: لـيس فـي العلـم بـالسحر إثم، كما لا إثم فـي العلـم بصنعة الـخمر ونـحت الأصنام والطنابـير والـملاعب، وإنـما الإثم فـي عمله وتسويته.

    قالوا: وكذلك لا إثم فـي العلـم بـالسحر، وإنـما الإثم فـي العمل به وأن يضرّ به من لا يحلّ ضرّه به.

    قالوا: فلـيس فـي إنزال الله إياه علـى الـملكين ولا فـي تعلـيـم الـملكين من علـماه من الناس إثم إذا كان تعلـيـمهما من علّـماه ذلك بإذن الله لهما بتعلـيـمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر وإنـما الإثم علـى من يتعلـمه منهما ويعمل به، إذْ كان الله تعالـى ذكره قد نهاه عن تعلـمه والعمل به.

    قالوا: ولو كان الله أبـاح لبنـي آدم أن يتعلـموا ذلك، لـم يكن من تعلـمه حَرِجا، كما لـم يكونا حَرِجَيْن لعلـمهما به، إذْ كان علـمهما بذلك عن تنزيـل الله إلـيهما...

    والصواب من القول فـي ذلك عندي قول من وجَّه «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى معنى «الذي» دون معنى «ما» التـي هي بـمعنى الـجحد. وإنـما اخترت ذلك من أجل أن «ما» إن وجهت إلـى معنى الـجحد، فتنفـي عن الـملكين أن يكونا منزلاً إلـيهما. ولـم يَخْـلُ الاسمان اللذان بعدهما أعنـي هاروت وماروت من أن يكونا بدلاً منهما وترجمة عنهما، أو بدلاً من الناس فـي قوله: يعلّـمون النّاسَ السِّحْرَ وترجمة عنهما. فإن جُعلا بدلاً من الـملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله: وَما يُعَلِّـمانِ مِنْ أَحَدٍ حتـى يَقُولا إنَّـما نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَـيَتَعَلّـمُونَ مِنْهُمَا ما يُفَرّقُونَ بِهِ بَـيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ لأنهما إذا لـم يكونا عالـمين بـما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه، فما الذي يَتَعَلَّـم منهما مَنْ يفرّق بـين الـمرء وزوجه؟

    وبعد، فإن «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إن كانت فـي معنى الـجحد عطفـاً علـى قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ فإن الله جل ثناؤه نفـى بقوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ عن سلـيـمان أن يكون السحر من عمله، أو من علـمه أو تعلـيـمه. فإن كان الذي نفـى عن الـملكين من ذلك نظير الذي نفـى عن سلـيـمان منه، وهاروت وماروت هما الـملكان، فمن الـمتعلـم منه إذا ما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه؟ وعمن الـخبر الذي أخبر عنه بقوله: وَما يُعَلِّـمَانِ مِنْ أحَدٍ حتـى يَقُولاَ إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ؟ إن خطأ هذا القول لواضح بَـيِّنٌ.

    وإن كان قوله «هاروت وماروت» ترجمة عن الناس الذين فـي قوله: وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ فقد وجب أن تكون الشياطين هي التـي تعلـم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنـما تعلـمت السحر من هاروت وماروت عن تعلـيـم الشياطين إياهما.

    فإن يكن ذلك كذلك، فلن يخـلو هاروت وماروت عند قائل هذه الـمقالة من أحد أمرين: إما أن يكونا مَلَكين، فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بـالله والـمعصية له بنسبته إياهما إلـى أنهما يتعلـمان من الشياطين السحر ويعلـمانه الناس، وإصرارهما علـى ذلك ومقامهما علـيه أعظم مـما ذكر عنهما أنهما أتـياه من الـمعصية التـي استـحقا علـيها العقاب، وفـي خبر الله عزّ وجلّ عنهما أنهما لا يعلـمان أحداً ما يتعلـم منهما حتـى يقولا: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ما يغنـي عن الإكثار فـي الدلالة علـى خطأ هذا القول. أو أن يكونا رجلـين من بنـي آدم فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلـم به والعمل من بنـي آدم لأنه إذا كان علـم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلـم، فـالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبـيـل إلـى الوصول إلـى الـمعنى الذي كان لا يوصل إلـيه إلا بهما وفـي وجود السحر فـي كل زمان ووقت أبـين الدلالة علـى فساد هذا القول.

    وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بنـي آدم، لـم يعدما من الأرض منذ خـلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر فـي الناس. فـيدعي ما لا يخفـى بُطُولُهُ.

    فإذا فسدت هذه الوجوه التـي دللنا علـى فسادها، فبـين أن معنى: ما التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بـمعنى «الذي»، وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الـملكين ولذلك فتـحت أواخر أسمائهما، لأنهما فـي موضع خفض علـى الردّ علـى الـملكين، ولكنهما لـما كانا لا يجرّان فتـحت أواخر أسمائهما.

    فإن التبس علـى ذي غبـاء ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لـملائكة الله أن تعلـم الناس التفريق بـين الـمرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلـى الله تبـارك وتعالـى إنزال ذلك علـى الـملائكة؟ قـيـل له: إن الله جل ثناؤه عرّف عبـاده جَميعَ ما أمرهم به وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلـم منهم بـما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر علـى غير ذلك، لـما كان للأمر والنهي معنى مفهوم فـالسحر مـما قد نهى عبـاده من بنـي آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علـمه الـملكين اللذين سماهما فـي تنزيـله وجعلهما فتنة لعبـاده من بنـي آدم كما أخبر عنهما أنهما يقولان لـمن يتعلـم ذلك منهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ لـيختبر بهما عبـاده الذين نهاهم عن التفريق بـين الـمرء وزوجه وعن السحر، فـيـمـحّص الـمؤمن بتركه التعلـم منهما، ويُخزي الكافر بتعلـمه السحر والكفر منهما، ويكون الـملكان فـي تعلـيـمهما من علّـما ذلك لله مطيعين، إذ كانا عن إذن الله لهما بتعلـيـم ذلك من علـماه يعلـمان
    وقد عُبد من دون الله جماعةٌ من أولـياء الله، فلـم يكن ذلك لهم ضائرا إذْ لـم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والـمعبود عنه ناهٍ، فكذلك الـملكان غير ضائرهما سحر من سحر مـمن تعلـم ذلك منهما بعد نهيهما إياه عنه وعِظَتهما له بقولهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ إذ كانا قد أدّيا ما أُمر به بقـيـلهما ذلك.

    انتهى كلام الطبري


    واصحاب هذا القول القائل انها موصولة اخى الحبيب اختلفوا ما الموصولة معطوفة على ماذا؟

    قال الامام الرازى فى تفسيره


    ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال.


    الأول: أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً.

    وثانيها: أنه عطف على قوله: مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ أي واتبعوا ما تتلوه الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين لأن السحر منهما هو كفر وهو الذي تلته الشياطين، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما،

    وثالثها: أن موضعه جر عطفاً على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين
    وهو اختيار أبي مسلم ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الثامنة

    وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ و أعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أيدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ

    قال القرطبي

    وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } «ما» في موضع خفض على العطف على «مِنْ ثَمَرِهِ» أي ومما عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون: «وَمَا عَمِلَتْ» بغير هاءٍ. الباقون «عَمِلَته» على الأصل من غير حذف. وحذف الصلة أيضاً في الكلام كثير لطول الاسم. ويجوز أن تكون «ما» نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم. وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل. وقال غيرهم: المعنى ومِن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون. وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ابن عباس أيضاً. { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } نعمه

    وقال السمين في دره


    قوله: وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ في " ما " هذه أربعةُ أوجهٍ،

    أحدها: أنها موصولةٌ أي: ومن الذي عَمِلَتْه أيديهم من الغرس والمعالجة. وفيه تَجَوُّزٌ على هذا.

    والثاني: أنها نافيةٌ أي: لم يعملوه هم، بل الفاعلُ له هو اللَّهُ تعالى.

    وقرأ الأخَوان وأبو بكر بحذف الهاء والباقون " وما عَمِلَتْه " بإثباتِها. فإنْ كانَتْ " ما " موصولةً فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حُذِف العائدُ كما حُذِف في قولِه:
    أَهَـذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً
    [الفرقان: 41] بالإِجماع. وعلى قراءةِ غيرِهم جيْءَ به على الأصل. وإن كانَتْ نافيةً فعلى قراءةِ الأخوين وأبي بكر لا ضميرَ مقدرٌ، ولكن المفعولَ محذوفٌ أي: ما عَمِلَتْ أيديهم شيئاً مِنْ ذلك، وعلى قراءةِ غيرِهم الضميرُ يعودُ على " ثَمَرِه " وهي مرسومةٌ بالهاء في غيرِ مصاحفِ الكوفةِ، وبحذفِها فيما عداها./ والأخَوان وأبو بكرٍ وافقوا مصاحفهم، والباقون - غير حَفْصٍ - وافقوها أيضاً، وجعفر خالَفَ مصحفَه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ القراءةَ متلقَّاةٌ مِنْ أفواهِ الرجال، فيكون عاصمٌ قد أقرأها لأبي بكرٍ بالهاء ولحفصٍ بدونها.

    الثالث: أنها نكرةٌ موصوفةٌ، والكلامُ فيها كالذي في الموصولة.

    والرابع: أنها مصدريةٌ أي: ومِنْ عَمَلِ أيديهم. والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، فيعودُ المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة التاسعة

    لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ } «ما» لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير، منهم قتادة؛ لأنها نفي والمعنى: لتنذر قوماً ما أتى آباءهم قبلك نذير. وقيل: هي بمعنى الذي فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم؛ قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضاً. وقيل: إن «ما» والفعل مصدر؛ أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم. ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء؛ فالمعنى لم ينذَروا برسول من أنفسهم. ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونَسُوا. ويجوز أن يكون هذا خطاباً لقوم لم يبلغهم خبر نبيّ، وقد قال الله:{ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ } [سبأ: 44] وقال:{ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [سجدة: 3] أي لم يأتهم نبيّ. وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك، ويقال للمعرض عن الشيء إنه غافل عنه. وقيل: { فَهُمْ غَافِلُونَ } عن عقاب الله

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:


    قوله: مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ يجوزُ أَنْ تكونَ " ما " هذه بمعنى الذي، وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً. والعائدُ على الوجهين مقدَّرٌ أي: ما أُنْذِرَه آباؤهم فتكونُ " ما " وصلتُها أو وَصْفُها في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً لقولِه: " لتُنْذِرَ " كقولِه:
    إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً
    [النبأ: 40] والتقدير: لتنذرَ قوماً الذي أُنْذِرَه آباؤهم مِن العذابِ، أو لتنذرَ قوماً عذاباً أُنْذِرَه آباؤهم.

    ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً أي: إنذارَ آبائهم أي: مثلَه.

    ويجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً، وتكونُ الجملةُ المنفيةُ صفةً لـ " قوماً " أي: قوماً غيرَ مُنْذَرٍ آباؤهم.

    ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً أي: قوماً أُنْذِر آباؤهم، والجملةُ المثبتةُ أيضاً صفةٌ لـ " قوماً " قاله أبو البقاء وهو مُنافٍ للوجهِ الذي قبلَه.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة العاشرة

    أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ


    قال القرطبي

    قوله تعالى: { فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } مذهب الجمهور ـ منهم الحسن ومجاهد ـ أن «ما» معناه التعجب؛ وهو مردود إلى المخلوقين، كأنه قال: ٱعجبوا من صبرهم على النار ومُكثهم فيها. وفي التنزيل:{ قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ } [عبس: 17] و{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } [مريم: 38] وبهذا المعنى صدر أبو عليّ. قال الحسن وقتادة وٱبن جبير والرّبيع: ما لهم والله عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على النار! وهي لغة يَمَنِيّة معروفة. قال الفَرّاء: أخبرني الكسائي قال: أخبرني قاضي اليمن أن خصمين ٱختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف؛ فقال له صاحبه: ما أصبرك على الله؟ أي ما أجرأك عليه. والمعنى: ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملاً يؤدّي إليها. وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار؛ من قولهم: ما أصبر فلاناً على الحبس! أي ما أبقاه فيه. وقيل: المعنى فما أقلّ جزعهم من النار؛ فجعل قلة الجزع صبراً. وقال الكسائي وقُطْرُب: أي ما أدْوَمهم على عمل أهل النار. وقيل: «ما» ٱستفهام معناه التوبيخ؛ قاله ٱبن عباس والسدّي وعطاء وأبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، ومعناه: أيْ أيّ شيء صبرهم على عمل أهل النار؟ٰ وقيل: هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم.

    وقال السمين الحلبى:


    قوله تعالى: فَمَآ أَصْبَرَهُمْ :

    في " ما " هذه خمسةُ أقوالٍ،

    أحدها: - وهو قولُ سيبويه والجمهور - أنها نكرةٌ تامةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ، وأنَّ معناها التعجب، فإذا قلت: ما أحسنَ زيداً، فمعناه: شيءٌ صَيَّر زيداً حسناً.


    والثاني: - وإليه ذهب الفراء - أنَّها استفهاميةٌ صَحِبها معنى التعجب، نحو:
    كَيْفَ تَكْفُرُونَ
    [البقرة: 28].

    والثالث: - ويُعْزَى للأخفش - أنها موصولةٌ.

    والرابعُ: - ويُعْزَى له أيضاً - أنها نكرةٌ موصوفةٌ. وهي على الأقوالِ الأربعةِ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، وخبرُها على القولين الأوَّلين الجملةُ الفعليةُ بعدها، وعلى قولَيْ الأخفش يكون الخبرُ محذوفاً، فإنَّ الجملةَ بعدها إمَّا صلةٌ أو صفةٌ. وكذلك اختلفوا في " أَفْعل " الواقع بعدَها أهو اسمٌ - وهو قولُ الكوفيين - أم فعلٌ؟ وهو الصحيحُ. ويترتبُ على هذا الخلافِ خلافٌ في نَصْبِ الاسمِ بعدَه: هل هو مفعولٌ به أو مُشَبَّهٌ بالمفعولِ به. ولهذا المذاهبِ دلائلُ واعتراضاتُ وأجوبةٌ ليس هذا موضوعَها.

    والمرادُ بالتعجبِ هنا وفي سائرِ القرآنِ الإِعلامُ بحالهم أنها ينبغي أن يُتَعجَّب منها، وإلا فالتعجُّبُ مستحيلٌ في حَقِّه تعالى. ومعنى " على النار " [أي] على عَمَل أهلِ النارِ، وهذا من مجازِ الكلام.

    الخامس: أنَّها نافيةٌ، أي: فما أصبرَهم اللهُ على النار، نقله أبو البقاء وليس بشيءٍ

  11. يعني المصدرية للأعيان والتي بمعنى الذي لغير الأعيان؟
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر شمس الدين الجعبري مشاهدة المشاركة
    يعني المصدرية للأعيان والتي بمعنى الذي لغير الأعيان؟

    ماالمصدرية مع الفعل بعدها تعمل عمل المصدر فسميت مصدرية اما الموصولة فبمعنى الذى

    مثل المثال الذى ذكرناه خلقكم وماتعملون لو مصدرية يكون المعنى عملكم ولو موصولة يكون المعنى الذى تعملونه من الاصنام فظهر الفرق

    والمصدرية قد تكون ظرفية مثل

    (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًّا )

    فلايجوز ان تكون هنا موصولة

    ومحل بسط هذا فى كتب السادة النحاة

    ونحن فى هذا البحث نتتبع ما التى لها أثر علي المعنى والتفسير

    الجوهرة الحادية عشر

    ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ : " ما " يجوز فيها وجهان، أحدُهما أن تكونَ نافيةً و " جزاء " مبتدأ، و " إلاَّ خِزْيٌ " " خبرُه " وهو استثناءٌ مفرغٌ، وبَطَلَ عَمَلُ " ما " عند الحجازيين لانتقاضِ النفي بـ إلاَّ، ........

    والثاني أن تكونَ استفهاميةً في محلِّ رفع بالابتداء، و " جزاء " خبرُه،

    الجوهرة الثانية عشر

    وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ

    قال السمين

    قوله: { لَمَآ آتَيْتُكُم } العامةُ: " لَما " بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزةُ وحده على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن: لَمَّا بالفتح والتشديد.

    فأمَّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه: أحدُها: أن تكون " ما " موصولةً بمعنى الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، وذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير: والله لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل: لأنَّ لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى: " ثم جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه سلم " قال: " وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ". قلت: " وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقولَ في نظيرِه من الكلام: " واللهِ لزيداً " تريد: والله لتضرِبَنَّ زيداً.

    الوجه الثاني: ـ وهو قول أبي عليّ وغيره ـ أن تكونَ اللامُ في " لَما " جوابَ قوله: { مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ } لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء المُتَلَقَّى بها القسمُ، و " ما " مبتدأةٌ موصولة و " آتيناكم " صلتُها، والعائد محذوف تقديره: آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و " من كتاب " حال: إمَّا من الموصول وإمَّا من عائده، وقوله: { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ } عطفٌ على الصلة، وحينئذ فلا بُدَّ من رابطٍ يربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة صلةٌ، واختلفوا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره: " ثم جاءكم رسول به " فَحُذِف " به " لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه، وهذا لا يجوزُ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَفْ إلا بشروطٍ تقدَّمت، هي مفقودةٌ هنا، وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفته، ومنهم مَنْ قال: الربطُ حصل هنا بالظاهر، لأن هذا الظاهر وهو قوله: " لِما معكم " صادقٌ على قوله: " لِما آتيناكم " فهو نظير: " أبو سعيد الذي رَوَيْتُ عن الخِدْريّ، والحَجَّاج الذي رأيتُ ابنُ يوسف " ، وقال:
    1348ـ فيا رَبَّ ليلى أَنْتَ في كلِّ موطن وأنت الذي في رحمةِ اللهِ أَطْمَعُ
    يريدون: عنه ورأيته وفي رحمته، وقد وَقَع ذلك في المبتدأ والخبر نحو قوله تعالى:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30] وهذا رأي أبي الحسن وتقدَّم فيه بحث. ومنهم مَنْ قال: إنَّ العائدَ يكون ضميرَ الاستقرارِ العامل في " مع " ، و " لتؤمِنُنَّ به " جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القسمُ المقدَّرُ وجوابهُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو " لَما آتيتكم " ، والهاء في به تعود على المبتدأ ولا تعودُ على " رسول " ، لئلا يلزَمَ خُلُوُّ الجملةِ/ الواقعةِ خبراً من رابطٍ يَرْبِطُها بالمبتدأ.

    الثالث: كما تقدم إلا أن اللام في " لما " لامُ التوطئة، لأنَّ أَخْذَ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي " لتؤمِنُنَّ به " لامٌ جوابِ القسم، هذا كلام الزمخشري ثم قال: " وما " تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و " لتؤمِنُنَّ " سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى " الذي ". وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنَّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط، وتأتي غالباً مع " إنْ " ، أما مع الموصول فلا، فلو جَوَّز في اللام أن تكون موطئةً وأن تكونَ للابتداء، ثم ذكر في " ما " الوجهين لحَمَلْنَا كلَّ واحد على ما يليق به.

    الرابع: أن اللامَ هي الموطئة و " ما " بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو " آتيتكم " ، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنًى لكونِه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير: والله لأَيَّ شيء آتيتُكم مِنْ كذا وكذا لتكونن كذا....

    وقال سأل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية فأجابَ بأنَّ " ما " بمنزلة الذي، ودَخَلَتِ اللامُ على " ما " كما دخلت على " إنْ " حين قلت: واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأفعلنَّ، فاللامُ التي في " ما " كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا " هذا نصٌّ الخليل. قال أبو علي: " لم يُرِد الخليل بقوله " إنها بمنزلة الذي " كونَها موصولةً بل أنها اسمٌ كما أن الذي اسم، وقرر أن تكونَ حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله:{ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ } [هود: 111]{ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ } [الزخرف: 35] وقال سيبويه: " ومثلُ ذلك:{ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ } [الأعراف: 18] إنما دَخَلَتْ اللامُ على نِيَّة اليمين ".

    وإلى كونِها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج والزمخشري والفارسي، قال الشيخ: " وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلاً منهما ـ أعني الشرط والقسم ـ يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ هذا محمولاً عليهما؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب " قلت: تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.

    الخامس: أنَّ أصلَها " لَمَّا " بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة.

    وقرأ حمزة: " لِما " بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه، أحدهما: ـ وهو أغربُها ـ أن تكونَ اللام بمعنى " بعد " كقوله النابعة:
    1349ـ تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ


    يريد: فَعَرَفْتُها بعد ستة أعوام، وهذا منقولٌ عن صاحب النظم، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟ وكيف يَنْتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديرُه: وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيين بعدَما آتيناكم، ومَنِ المخاطبُ بذلك؟

    الثاني: أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة بـ " لتؤمِنُنَّ " ، و " ما " حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري: " ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ " ما " مصدريةٌ، والفعلان معها أعني: " آتيناكم " و " جاءكم " في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ: " ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله: لتؤمِنُنَّ به " ، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في " لِما " بقوله: " لتؤمِننَّ ". وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب ـ إذا كان ظرفاً أو مجروراً ـ تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك:
    1350ـ......................... ...... عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
    وقولَه تعالى:{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } [المؤمنون: 40] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله: " لَتُؤْمِنُنَّ " وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت: أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه.

    والثالث: أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي: لأجل إيتائي إياكم كيتَ وكيتَ أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: لرعاية ما أتيتكم.

    الرابع: أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه الأوجهُ بالنسبة إلى اللام، وأمَّا [ما] ففيها ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أَنْ تكونَ مصدرية وقد تقدَّم تحريرُه عند الزمخشري. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي وعائدُها محذوفٌ و " ثم جاءكم " عطف على الصلة، والرابط لها بالموصول: إمَّا محذوفٌ تقديره: " به " وهو رأيُ سيبويه، وإمَّا لقيامِ الظاهر مقامَ المضمرِ وهو رأيُ الأخفش، وإِمَّا ضميرُ الاستقرار الذي تضمَّنه " معكم " وقد تقدَّم تحقيق ذلك. والثالث: أنها نكرةٌ موصوفة، والجملةٌ بعدها صفتُها وعائدُها محذوف، و " ثم جاءكم " عطفٌ على الصفة، والكلامُ في الرابطِ كما تقدَّم فيها وهي صلة، إلا أنَّ إقامة الظاهر مُقام الضمير في الصفة ممتنع، لو قلت: " مررت برجلٍ قام أبو عبد الله " على أن يكون " قام أبو عبد الله " صفة لرجل، والرابطُ أبو عبد الله، إذ هو الرجل في المعنى لم يَجُز ذلك، وإن جاز في الصلة والخبر عند مَنْ يرى ذلك، فيتعيَّن عَوْدُ ضمير محذوف....


    وأمَّا قراءةُ سعيد والحسن ففيها أوجه، أحدها: أَنَّ " لَمَّا " هنا ظرفيةٌ بمعنى حين فتكونُ ظرفية. ثم القائلُ بظرفيتها اختلف تقديرُه في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم فقال: " لَمَّا " بالتشديد بمعنى حين، أي: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإِيمانُ به ونصرتُه ". وقال ابن عطية: " ويظهر أن " لمَّا " هذه الظرفيةُ أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة " فقدَّر ابن عطية جوابَها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهبا إليه مذهب مرجوح قال به الفارسي، والجمهور: سيبويه وأتباعُه على خلافه، وقد تقدم تحقيق هذا الخلاف فلا حاجة لذكره. وقال الزجاج: " أي لَمَّا آتاكم الكتاب والحكمة أخذ عليكم الميثاق، وتكون " لمَّا " تَؤُول إلى الجزاء كما تقول: لَمّا جِئْتني أكرمتُك " وهذه العبارةُ لا يؤخذ منها كونُ " لَمّا " ظرفيةً ولا غير ذلك، إلا أن فيها عاضداً لتقدير ابن عطية جوابَها من جنس ما تقدمها بخلاف تقدير الزمخشري.

    الثاني: أن " لَمَّا " حرفُ وجوبٍ لوجوبٍ، وقد تقدَّم دليله وأنه مذهب سيبويه، وجوابُها كما تقدَّم مِنْ تقديري ابن عطية والزمخشري. وفي قول ابن عطية: " فيجيء على المعنى كالمعنى في قراءة حمزة " نظر؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل وهذه القراءةُ لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لَمَّا كانت " لَمَّا " تحتاجُ إلى جوابٍ أشبه ذلك العلةَ ومعلولَها، لأنك إذا قلت: " لَمَّا جِئْتَني أكرمتُك " في قوةِ: أكرمتُك لأجلِ مجيئي إليك، فهي من هذه الجهةِ كقراءة حمزة.

    والثالث: أنَّ الأصلَ: لَمِنْ ما فأدغمت النون في الميم لأنها تقاربُها، والإِدغامُ هنا واجب،/ ولما اجتمع ثلاثُ ميمات، ميمِ مِنْ، وميمِ " ما " والميمِ التي انقلبت من نون " من " لأجل الإِدغام فحصل ثقل في اللفظ....

    وقال الرازى

    وأما قوله تعالى: { لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور { لَّمّاً } بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير { لَّمّاً } مشددة، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول: أن { مَا } اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } والتقدير: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وعلى هذا التقدير مَا رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة مَا وموصولتها محذوف والتقدير: لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله{ أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } [الفرقان: 41] وعليه سؤالان: السؤال الأول: إذا كانت مَا موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز. وقوله { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } ليس فيه راجع إلى الموصول، قلنا: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى:إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 90] ولم يقل: فإن الله لا يضيع أجره، وقال:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30] ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا. السؤال الثاني: ما فائدة اللام في قوله { لَّمّاً } قلنا: هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك: لزيد أفضل من عمرو، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله { إِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم، وهذه اللام المتلقية للقسم، فهذا تقرير هذا الكلام. الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن مَا ههنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، فاللام في قوله { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } هي المتلقية للقسم، أما اللام في { لَّمّاً } هي لام تحذف تارة، وتذكر أخرى، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك: والله لو أن فعلت، فعلت فلفظة أن لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا، وعلى هذا التقدير كانت ما في موضع نصب بآتيتكم { وَجَاءكُمُ } جزم بالعطف على { ءاتَيْتُكُم } و { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } هو الجزاء، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر، وأما الوجه في قراءة { لَّمّاً } بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل: أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل وَمَا على هذه القراءة تكون موصولة، وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول، وأما قراءة { لَّمّاً } بالتشديد فذكر صاحب «الكشاف» فيه وجهين الأول: أن المعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق له، وجب عليكم الإيمان به ونصرته والثاني: أن أصل { لَّمّاً } لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات، وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت { لَّمّاً } ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى....

    وقال القرطبي

    وقرأ أهل الكوفة «لِمَا آتيتكم» بكسر اللام، وهي أيضاً بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به من بعد الميثاق: لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدّم.

    قال النحاس: ولأبي عبيدة في هذا قول حَسَن. قال: المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمننّ به لِما آتيتكم من ذكر التوراة. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى وَإذْ أخذ الله ميثاق النبيّين لَتُعَلِّمُنّ الناس لِمَا جاءكم من كتاب وحكمة، ولتأخذنّ على الناس أن يؤمنوا. ودلّ على هذا الحذف { وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي }. وقيل: إن اللام في قولهِ «لِما» في قراءة من كسرها بمعنى بعد، يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة؛ كما قال النابغة:
    توهّمتُ آيات لها فعرفتُها لستّةِ أعوام وذا العامُ سابع
    أي بعد ستة أعوام. وقرأ سعيد بن جُبير «لمّا» بالتشديد، ومعناه حين آتيتكم. وٱحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت «مِن» على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن ٱستخفافاً...

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الثالثة عشر

    ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    والجمهورُ على رفع الجلالة من " حَفِظ اللهُ ".

    وفي " ما " على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه،

    أحدها: أنها مصدريةٌ والمعنى: بحِفْظِ الله إياهن أي: بتوفيقِه لهن أو بالوصية منه تعالى عليهن.

    والثاني: أن تكونَ بمعنى الذي والعائد محذوف أي: بالذي حفظه الله لهنَّ مِنْ مهورِ أزوجِهِنَّ والنفقة عليهن قاله الزجاج.

    والثالثُ: أن تكونَ " ما " نكرة موصوفةً، والعائد محذوف أيضاً كما تقرر في الموصولة بمعنى الذي.

    وقرأ أبو جعفر بنصبِ الجلالة، وفي " ما " ثلاثةُ أوجهً أيضاً،

    أحدُها: أنها بمعنى الذي،

    والثاني: نكرة موصوفة، وفي " حَفِظ " ضميرٌ يعود على " ما " أي: بما حَفِظ من البر والطاعة. ولا بد من حذف مضافٍ تقديرُه: بما حفظ دينَ الله أو أَمْرَ الله، لأنَّ الذاتَ المقدسةَ لا يحفظها أحد.

    والثالث: أن تكونَ " ما " مصدريةً، والمعنى بما حفظن الله في امتثال أمره، وساغَ عودُ الضميرِ مفرداً على جمعِ الإِناثِ لأنهن في معنى الجنس، كأنه قيل: مِمَّنْ صَلَحَ، فعادَ الضميرُ مفرداً بهذا الاعتبار، ورد الناسُ هذا الوجهَ بعدم مطابقة الضمير لما يعود عليه وهذا جوابه. وجعله ابن جني مثلَ قول الشاعر:
    1578ـ...................... فإنَّ الحوادِثَ أودى بها
    أي: أَوْدَيْنَ، وينبغي أن يقال: الأصلُ بما حَفِظَتِ اللهَ، والحوادث أَوْدَت؛ لأنها يجوز أن يعود الضمير على جمع الإِناث كعوده على الواحدة منهن، تقول: " النساءُ قامت " ، إلا أنَّه شَذَّ حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الرابعة عشر

    قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    و " ما " تحتمل ثلاثة أوجه

    أظهرها: أنها مصدرية أي: فبإغوائك إياي.

    والثاني: أنها استفهامية يعني أنه استفهم عن السبب الذي أغواه به فقال: فبأي شيء من الأشياء أغويتني؟ ثم استأنف جملةَ أقْسَمَ فيها بقوله " لأقعدنَّ ". وهذا ضعيفٌ عند بعضِهم أو ضرورةٌ عند آخرين من حيث إنَّ " ما " الاستفهامية إذا جُرَّت حُذِفَتْ ألفها، ولا تَثْبت إلا في شذوذ كقولهم: عمَّا تسأل؟ أو ضرورةً كقوله:
    2147ـ على ما قام يَشْتِمني لئيمٌ كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ

    والثالث: أنها شرطية، وهو قولُ ابن الأنباري، ولا بد من إيراد نصِّه قال: ـ ـ " ويجوز أن تكونَ " ما " بتأويل الشرط، والباءُ من صلة الإِغواء، والفاءُ المضمرة جواب الشّرط، والتقدير: فبأي شيء أغويتني فلأقعدنَّ لهم صراطك " فتُضْمر الفاءَ [في] جواب الشرط كما تضمرها في قولك " إلى ما أومأتَ إني قابلُه، وبما أمرت إني سامعٌ مطيع ". وهذا الذي قاله ضعيف جداً، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء الجزاء لا تُحذف إلا في ضرورة شعر كقوله:
    2148ـ مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها والشرُّ بالشر عند الله مِثْلان
    أي: فالله. وكان المبرد/ لا يُجَوِّز ذلك ضرورة أيضاً، وينشد البيت المذكور:
    مَنْ يفعل الخير فالرحمن يشكره ..............
    فعلى رأي أبي بكر يكون قوله " لأقعدنَّ " جوابَ قسم محذوف، وذلك القسم المقدر وجوابه جواب الشرط، فيقدِّرُ دخول الفاء على نفس جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني فواللهِ لأقعدنَّ.

    وقال الالوسي

    قَالَ } استئناف كنظائره { فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي } الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الإنظار، والباء إما للقسم أو للسببية، و (ما) على التقديرين مصدرية، والجار والمجرور متعلق بأقسم؛ وقيل: إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وجوز بعضهم كون (ما) استفهامية لم يحذف ألفها وأن الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه. والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه:{ مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } [النجم: 2] وبمعنى الخيبة كما في قوله:
    فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً
    ومنه قوله تعالى:{ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121] واستعمل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى:{ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } [مريم: 59].

    ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ونسبة الإغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه:{ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } [الأنعام: 102] والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا تارة: إنه قول الشيطان فليس بحجة، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود. وقال بعضهم: إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له، والذي دعاهم إلى هذا كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك. وما الظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه. نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله:{ لأُغْوِيَنَّهُمْ } [صۤ: 82] مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى، ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين. ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,919
    الجوهرة الخامسة عشر

    قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً }

    قال الالوسي

    { قُلْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أصلاً أي قل للناس مشافهاً لهم بما صدر عن جنسهم من خير وشر { مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى } أي أي عبء يعبأ بكم وأي اعتداد يعتد بكم { لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } أي عبادتكم له عز وجل حسبما مر تفصيله، فإن ما خلق له الإنسان معرفة الله تعالى وطاعته جل وعلا وإلا فهو والبهائم سواء فما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر، وأصل العبء الثقل وحقيقة قولهم: ما عبأت به ما اعتددت له من فوادح همي ومما يكون عبأ عليَّ كما تقول: ما اكترثت له أي ما أعتددت له من كوارثي ومما يهمني. وقال الزجاج: معناه أي وزن يكون لكم عنده تعالى لولا عبادتكم،

    ويجوز أن تكون (ما) نافية أي ليس يعبأ، وأياً ما كان فجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لولا دعاؤكم لما اعتد بكم، وهذا بيان لحال المؤمنين من المخاطبين...

صفحة 1 من 7 12345 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •