الجوهرة الرابعة والاربعون

{ ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }



قال السمين

قوله: " إنْ وَهَبَتْ... إنْ أرادَ " هذا من اعتراضِ الشرط على الشرطِ، والثاني هو قيدٌ في الأولِ، ولذلك نُعْرِبه حالاً، لأنَّ الحالَ قيدٌ. ولهذا اشترط الفقهاءُ أن يتقدَّمَ الثاني على الأولِ في الوجود. فلو قال: " إنْ أكلْتِ إنْ ركبْتِ فأنتِ طالقٌ " فلا بُدَّ أنْ يتقدَّم الركوبُ على الأكلِ. وهذا لِتَتَحَقَّقَ الحاليةُ والتقييدُ كما ذكرْتُ لك؛ إذ لو لم يتقدَّمْ لخلا جزءٌ من الأكل غيرُ مقيدٍ بركوبٍ، فلهذا اشترطُوا تقدُّمَ الثاني. وقد مضى تحقيقُ هذا، وأنَّه بشرطِ أَنْ لا تكونَ ثَمَّ قرينةٌ تمنعُ من تقدُّمِ الثاني على الأولِ. كقولك: " إنْ تَزَوَّجْتُكِ إنْ طَلَّقْتُكِ فعَبْدي حُرٌّ " لا يُتَصَوَّرُ هنا تقديمُ الطلاق على التزويج.

إلاَّ أني قد عَرَضَ لي إشكالٌ على ما قاله الفقهاء بهذه الآية: وذلك أن الشرطَ الثاني هنا لا يمكُنُ تقدُّمُه في الوجودِ بالنسبةِ إلى الحكمِ الخاص بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم، لا أنه لا يمكن عقلاً. وذلك أن المفسِّرين فَسَّروا قولَه تعالى: " إنْ أرادَ " بمعنى قبِلَ الهِبَةَ؛ لأنَّ بالقبول منه عليه السلام يَتِمُّ نكاحُه وهذا لا يُتَصَوَّرُ تقدُّمه على الهِبة؛ إذ القبولُ متأخرٌ. وأيضاً فإنَّ القصةَ كانَتْ على ما ذَكَرْتُه مِنْ تأخُّر إرادتِه عن هِبَتِها، وهو مذكورٌ في التفسيرِ. والشيخ لَمَّا جاء إلى ههنا جعلَ الشرطَ الثاني متقدِماً على الأول على القاعدة العامةِ ولم يَسْتَشْكِلْ شيئاً مِمَّا ذكرته. وقد عَرَضْتُ هذا الإِشكالَ على جماعةٍ من أعيان زمانِنا فاعترفوا به، ولم يَظْهر عنه جوابٌ، إلاَّ ما/ قَدَّمْتُه مِنْ أنه ثَمَّ قرينةٌ مانعةٌ من ذلك كما مثَّلْتُ لك آنفاً....

وقرأ أُبَيُّ والحسنُ وعيسى " أَنْ " بالفتح وفيه وجهان، أحدهما: أنه بدلٌ مِنْ " امرأة " بدلُ اشتمالٍ، قاله أبو البقاء. كأنه قيل: وأَحْلَلْنا لك هِبَةَ المرأةِ نفسَها لك. الثاني: أنَّه على حَذْفِ لامِ العلَّة أي: لأَنْ وهبت. وزيدُ بن علي " إذ وَهَبَتْ " وفيه معنى العِلِّيَّة....

وقال القاضي ابو بكر ابن العربي فى احكام القرآن:

المسألة الثامنة عشرة: قوله: {إِنْ وَهَبَتْ}:
قرئت بالفتح في الألف وكسرها، وقرأت الجماعة فيها بالكسر، على معنى الشرط. تقديرُه وأحللنا لك امرأة إِنْ وهبت نفسها لك، لا يجوز تقدير سوى ذلك.
وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون جواب إنْ محذوفاً، وتقديرُه إن وهبت نفسها للنبيّ حلَّتْ له. وهذا فاسد من طريق المعنى والعربية، وذلك مبيَّنٌ في موضعه.
ويُعزَى إلى الحسن أنه قرأها بفتح الهمزة، وذلك يقتضي أن تكون امرأةً واحدة حلَّت له، لأجل أنْ وهبت نفسهَا، وهذا فاسدٌ من وجهين:
أحدهما: أنها قراءة شاذة، وهي لا تجوز تلاوةً، ولا توجب حكماً.
الثاني: أن توجب أن يكون إحلالاً لأجل هبتها لنفسها، وهذا باطل؛ فإنها حلالٌ له قبل الهبة بالصداق.
وقد نُسِب لابن مسعود أنه كان يسقط في قراءته "أن"؛ فإن صح ذلك فإنما كان يريد أن يبين ما ذكرنا من أن الحكْمَ في الموهوبة ثابتٌ قبل الهبة، وسقوط الصداق مفهوم من قوله: {خالصةً لَكَ} لا من جهة الشرط.

وقال القرطبي

قرأ جمهور الناس «إِنْ وَهَبَتْ» بكسر الألف، وهذا يقتضي استئناف الأمر؛ أي إن وقع فهو حلال له. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة؛ وقد دللنا على خلافه. وروى الأئمة من طريق سهل وغيره في الصحاح: أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أهب لك نفسي، فسكت حتى قام رجل فقال: زوجْنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فلو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقرّ على الباطل إذا سمعه؛ غير أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظراً بياناً؛ فنزلت الآية بالتحليل والتخيير، فاختار تركها وزوّجها من غيره. ويحتمل أن يكون سكت ناظراً في ذلك حتى قام الرجل لها طالباً. وقرأ الحسن البصريّ وأُبَيّ بن كعب والشعبيّ «أنْ» بفتح الألف. وقرأ الأعمش «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ».

قال النحاس: وكسر «إنْ» أجمع للمعاني؛ لأنه قيل إنهن نساء. وإذا فتح كان المعنى على واحدة بعينها؛ لأن الفتح على البدل من امرأة، أو بمعنى لأن.

انتهي

قلت انا أسامة خيري بحر القرآن ليس له قاع أو قرار