صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 93

الموضوع: جواهر ما وإن فى كتاب الله

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الخامسة والخمسون

    { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ }

    قال السمين

    قوله: { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } هذه الجملة يجوز أن تكونَ مستأنفة، أخبر عليه السلام بأنه لا يخاف ما تشركون به ربَّه ثقةً به، وكانوا قد خوَّفوه مِنْ ضررٍ يحصُل له بسبب سَبِّ آلهتهم، ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصبٍ على الحال باعتبارين أحدهما: أن تكونَ ثانيةً عطفاً على الأولى، فتكون الحالان من الياء في " أتحاجونِّي ". والثاني: أنها حال من الياء في " هداني " فتكون جملةً حالية من بعض جملة حالية فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أن الفعل المضارع بـ " لا " حكمُه حكمُ المثبت من حيث إنه لا تباشره الواو.

    و " ما " يجوز فيها الأوجه الثلاثة: أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالهاء في " به " لا تعود على " ما " عند الجمهور، بل تعود على الله تعالى، والتقدير: ولا أخاف إشراكَكم بالله، والمفعول محذوف أي: ما تشركون غير الله به، وأن تكون بمعنى الذي، وأن تكون نكرةً موصوفة، والهاء في " به " على هذين الوجهين تعود على " ما " ، والمعنى: ولا أخاف الذي تشركون الله به، فحذف المفعول أيضاً كما حذفه في الوجه الأول، وقدَّر أبو البقاء قبل الضمير مضافاً فقال: " ويجوز أن تكون الهاءُ عائدة على " ما " أي: ولا أخاف الذي تشركون بسببه " ، ولا حاجةَ إلى ذلك.

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة السادسة والخمسون

    ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { مِن بَعْدِهِ }: أي: بعد نوح. " بالبينات " متعلقٌ بـ " جاؤُوهم " ، أو بمحذوفٍ على أنه حال، أي: ملتبسين بالبينات. وقوله: " ليؤمِنوا " أتىٰ بلام الجحود توكيداً. والضمير في " كَذَّبوا " عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في " كانوا " وهم قومُ الرسل. والمعنىٰ: أنَّ حالَهم بعد بعثِ الرسل كحالِهم قبلها في كونهم أهلَ جاهلية، وقال أبو البقاء ومكي: " إن الضميرَ في " كانوا " يعود على قوم الرسل، وفي " كَذَّبوا " يعودُ على قوم نوح، والمعنى: فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذَّب به قومُ نوح، أي: بمثلِه. ويجوز أن تكونَ الهاءُ عائدةً على نوح نفسه من غير حَذْفِ مضافٍ، والتقدير: فما كان قومُ الرسلِ بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم. و " من قبل " متعلقٌ بـ " كَذَّبوا " أي من قبل بعثة الرسل. وقيل: الضمائرُ كلُّها تعودُ علىٰ قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنهم بادروا رسلَهم بالتكذيب، كلما جاءَ رسولٌ لَجُّوا في الكفرِ وتمادَوْا عليه فلم يكونوا لِيؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم من قبلِ لَجِّهم في الكفر وتمادِيهم.

    وقال ابن عطية: " ويحتمل اللفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكونَ " ما " مصدرية، والمعنى: فكذَّبوا رسلَهم فكان عقابهم من الله أَنْ لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم مِنْ قبل، أي: من سببه ومن جزائه، ويؤيِّد هذا التأويلَ " كذلك نطبع " ، وهو كلامٌ يحتاج لتأمُّل ". قال الشيخ: " والظاهرُ أنَّ " ما " موصولةٌ، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ } ولو كانت مصدريةً بقي الضميرُ غيرَ عائدٍ على مذكور، فتحتاج أن يتُكلَّفَ ما يعود عليه الضمير ". قلت: الشيخ بناه على قولِ جمهورِ النحاة في عدمِ كونِ " ما " المصدرية اسماً فيعود عليها ضميرٌ، وقد نبَّهْتُك غيرَ مرةٍ أن مذهبَ الأخفش وابن السراج أنها اسمٌ فيعود عليها الضمير

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة السابعة والخمسون

    قال السمين

    إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

    قوله: { مَا يَدْعُونَ }: قرأ أبو عمروٍ وعاصم بياء الغيبة، والباقون بالخطاب. و " ما " يجوز فيها أَنْ تكونَ موصولةً منصوبةً بـ " يَعْلَم " أي: يَعْلَم الذين يَدْعُوْنَهم، ويَعْلَم أحوالهم. و " منْ شيء " مصدرٌ. وأَنْ تكونَ استفهاميةً، وحينئذٍ يجوز فيها وجهان: أَنْ تكونَ هي وما عَمل فيها معترضاً بين قوله: " يَعْلَمُ " وبين قولِه: { وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } كأنه قيل: أيَّ شيءٍ يَدْعون مِنْ دونه. والثاني: أن تكونَ معلِّقَةً لـ " يَعْلَم " ، فتكونَ في موضع نصبٍ بها، وإليه ذهب الفارسي، وأن تكونَ نافيةً و " مِنْ " في " من شيء " مزيدةٌ في المفعول به. كأنه قيل: ما يَدْعُون مِنْ دونِه ما يَسْتَحِقُّ أن يُطلق عليه شيء. والوجهُ فيها حينئذٍ: أَنْ تكونَ الجملةُ معترضةً كالأولِ مِنْ وجهَيْ الاستفهامية، وأن تكونَ مصدريةً. قال أبو البقاء: " وشيء مصدرٌ ". وفي هذا نظرٌ؛ إذ يصيرُ التقدير: ويعلمُ دعاءَكم مِنْ/ شيءٍ من الدعاء....

    انتهي

    الجوهرة الثامنة والخمسون

    قال السمين

    قوله: { قَوْماً مَّآ أَتَاهُم } الظاهرُ أنَّ المفعولَ الثاني للإِنذار محذوفٌ. و " قوماً " هو الأولُ؛ إذ التقديرُ: لتنذِرَ قوماً العقابَ، و " ما أتاهم " جملةٌ منفيَّةٌ في محلِّ نصبٍ صفةً لـ " قوماً " يريد: الذين في الفترةِ بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله:{ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ } [يس: 6] فعلى هذا يكونُ " مِنْ نذير " هو فاعلَ " أتاهم " و " مِنْ " مزيدةٌ فيه. و " مِنْ قبلِك " صفةٌ لنذير. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ " مِنْ قبلك " بـ " أَتاهم ".

    وجَوَّزَ الشيخُ أَنْ تكونَ " ما " موصولةً في الموضعين، والتقدير: لتنذِرَ قوماً العقابَ الذي أتاهم مِنْ نذيرٍ مِنْ قبلك. و " مِنْ نذير " متعلقٌ بـ " أَتاهم " أي: أتاهم على لسانِ نذيرٍ مِنْ قبلِك، وكذلك{ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ } [يس: 6] أي: العقابَ الذي أُنْذِرَه آباؤهم. فـ " ما " مفعولةٌ في الموضعين، و " لِتُنْذرَ " يتعدَّى إلى اثنين. قال تعالى:{ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً } [فصلت: 13]. وهذا القولُ جارٍ على ظواهر القرآن. قال تعالى:{ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر: 24]{ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } [المائدة: 19]. قلت: وهذا الذي قاله ظاهرٌ.

    ويظهر أنَّ في الآية الأخرى وجهاً آخرَ: وهو أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً تقديرُه: لتنذِرَ قوماً إنذاراً مثلَ إنذارِ آبائِهم؛ لأنَّ الرسلَ كلَّهم متفقون على كلمة الحق

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة التاسعة والخمسون

    قال السمين

    إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ }

    قوله: { وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ }: " ما " هذه يجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً، جَوَّز ذلك أبو البقاء، ولم يُبَيِّنْ وجهَه. وبيانُه أنها تكونُ مجرورةَ المحلِّ عطفاً على الساعة أي: عِلْمُ الساعةِ وعِلْمُ التي تخرج، و " مِنْ ثمرات " على هذا حالٌ، أو تكون " مِنْ " للبيان. و " مِنْ " الثانية لابتداء الغاية. وأما " ما " الثانيةُ فنافيةٌ فقط. قال أبو البقاء: " لأنَّه عَطَفَ عليها " ولا تَضَعُ " ، ثم نقض النفيَ بـ " إلاَّ " ، ولو كانَتْ بمعنى الذي معطوفةً على " الساعة " لم يَجُز ذلك ....

    انتهي

    الجوهرة الستون

    { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }


    قال السمين

    قوله: { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } في نصبِ " قليلاً " ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو الأظهرُ: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: فإيماناً قليلاً يُؤمنون. الثاني: أنه حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ المحذوفِ أي: فيؤمنونه أي الإِيمانَ في حالِ قلَّته، وقد تقدَّم أنه مذهب سيبويه وتقدَّم تقريره. الثالث: أنه صفةٌ لزمان محذوفٍ، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله:{ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ } [آل عمران: 72]. الرابع: أنه على إسقاطِ الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ انتصب، ويُعْزَى لأبي عبيدة.

    الخامس: أن يكونَ حالاً من فاعل " يؤمنون " ، أي فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون أي المؤمِنُ فيهم قليلٌ، قال معناه ابنُ عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: " ذهب قتادة إلى أنَّ المعنى: فقليلٌ منهم مَنْ يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كانَ كذلك لَلَزِمَ رفعُ " قليل ". قلت: لا يلزمَ الرفعُ مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لِما تقدَّم من أنَّ نصبَه على الحالِ وافٍ بهذا المعنى: و " ما " على هذه الأقوالِ كلها مزيدةٌ للتأكيد.

    السادس: أن تكونَ " ما " نافيةً أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه:{ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } [الأعراف: 10]،{ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [الأعراف: 3]، وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء: " ولا يَجُوز أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً، لأن " قليلاً " يبقىٰ بلا ناصبٍ ". يعني أنَّك إذا جَعَلْتَها مصدريةً كان ما بعدَها صلتَها، ويكون المصدرُ مرفوعاً بـ " قليلاً " على أنه فاعلٌ به فأين الناصبُ له؟ وهذا بخلافِ قولِه{ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } [الذاريات: 17] فإنَّ " ما " هناك يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لأنَّ " قليلاً " منصوبٌ بـ كان. وقال الزمخشري: " ويجوز أن تكونَ القِلَّةُ بمعنى العَدَم ". قال الشيخ: " وما ذهبَ إليه من أنَّ " قليلاً " يُراد به النفيُ فصحيحٌ، لكنْ في غيرِ هذا التركيب، أعني قوله تعالى: { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } لأنَّ " قليلاً " انتصبَ بالفعلِ المثبتِ فصار نظيرَ " قُمْتُ قليلاً " أي: قمتُ قياماً قليلاً، ولا يَذْهَبُ ذاهبٌ إلى أنَّك إذا أَتَيْتَ بفعلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ " قليلاً " منصوباً نعتاً لمصدرِ ذلك الفعلِ يكونُ المعنى في المُثْبَتِ الواقعِ على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءَ ذلك المُثْبَتِ رأساً وعدَمَ قوعِه بالكلِّية، وإنما الذي نَقَل النحويون: أنَّه قد يُراد بالقلة النفيُ المَحْضُ في قولهم: " أقَلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقَلَّما يقوم زيد " ، وإذا تقرَّر هذا فَحَمْلُ القلةِ على النفي المَحْضِ هنا ليس بصحيحٍ ". انتهى./ قلت: ما قاله أبو القاسم الزمخشري ـ رحمه الله ـ من أنَّ معنى التقليلِ هنا النفيُ قد قال به الواحديُّ قبلَه، فإنه قال: " أَيْ: لا قليلاُ ولا كثيراً، كما تقول: قَلَّما يفعلُ كذا، أي: ما يفعله أصلاً ".

    انتهي

    { ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }

    قال السمين

    قوله: { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } قد تقدَّم نظيرُ هذا في قوله تعالى:{ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } [البقرة: 88] وهو أنَّ " قليلاً " نعتُ مصدرٍ محذوف أي: تذكُّراً قليلاً تَذَكَّرون، أو نعتُ ظرفِ زمانٍ محذوفٍ أيضاً أي: زماناً قليلاً تَذَكَّرون، فالمصدرُ أو الظرفُ منصوبٌ بالفعل بعده، و " ما " مزيدةٌ للتوكيد، وهذا إعراب جليٌّ واضح. وقد أجاز الحوفي أن يكونَ/ نعتَ مصدرٍ محذوف لقوله " ولا تَتَّبعوا " أي: ولا تتبعوا مِنْ دونِه أولياءَ اتِّباعاً قليلاً، وهو ضعيف، لأنه يَصير مفهومُه أنهم غيرُ مَنْهِيِّين عن اتباع الكثير، ولكنه معلومٌ من جهة المعنى فلا مفهوم له.

    وحكى ابن عطية عن أبي عليّ أن " ما " مصدريةٌ موصولةٌ بالفعل بعدها، واقتصر على هذا القَدْر، ولا بد من تتمةٍ له، فقال بعض الناس: " ويكون " قليلاً " نعت زمانٍ محذوف، وذلك الزمانُ المحذوف في محل رفع خبراً مقدماً، و " ما " المصدرية وما بعدها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخراً، والتقدير: زمناً قليلاً تذكُّرُكم أي: أنهم لا يقع تذكُّرهم إلا في بعض الأحيان، ونظيرُه: زمناً قليلاً قيامُك ". وقد قيل: إن " ما " هذه نافيةٌ، وهو بعيد؛ لأن " ما " لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عند البصريين، وعلى تقدير تسليم ذلك فيصير المعنى: ما تذكَّرون قليلاً، وليس بطائل، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى:{ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } [الذاريات: 17] عند مَنْ جَعَلَها نافيةً.

    وهناك وجهٌ لا يمكنُ أن يأتيَ ههنا وهو: أن تكون " ما " مصدريةً، وهي وما بعدها في محل رفع بالفاعلية بـ " قليلاً " الذي هو خبر " كان " ، والتقدير: كانوا قليلاً هجوعُهم، وأمَّا هنا فلا يمكن ذلك لعدمِ صحة نصب " قليلاً " بقوله: " ولا تتَّبعوا " حتى تجعل " ما تذكَّرون " مرفوعاً به.

    ولا يجوز أن يكونَ " قليلاً " حالاً من فاعل " تَتَّبعوا " و " ما تذكَّرون " مرفوعٌ به، إذ يصير المعنى: أنهم نُهوا عن الاتِّباع في حالِ قلةِ تذكُّرهم، وليس ذلك بمراد....

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الواحدة والستون

    قال السمين

    قوله: { كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } الكافُ في محلِّ نصب صفة لإِلهاً، أي: إلهاً مماثلاً لإِلههم. وفي " ما " ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها موصولةٌ حرفية أي: تَتَأوَّل بمصدرٍ، وعلى هذا فصلتُها محذوفة، وإذا حُذِفت صلة " ما " المصدرية فلا بد من إبقاء معمولِ صلتها كقولهم: " لا أكلِّمكَ ما أنَّ حِراءَ مكانَه " أي: ما ثبت أن حراء مكانه. وكذا هنا تقديره: كما ثبت لهم آلهة، فآلهة فاعل بـ " ثبت " المقدر. وقال أبو البقاء ـ في هذا الوجه ـ: " والجملة بعدها صلةٌ لها، وحسَّن ذلك أن الظرفَ مقدرٌ بالفعل ". قلت: كلامُه على ظاهره ليس بجيد؛ لأن " ما " المصدريةَ لا تُوْصَلُ بالجملة الاسمية على المشهور، وعلى رأي مَنْ يُجَوِّز ذلك فيشترط فيها غالباً أن تُفْهِم الوقت كقوله:
    2285ـ واصِلْ خليلَكَ ما التواصلُ ممكنٌ فلأَنْتَ أَوْ هُوَ عن قريبٍ ذاهبُ
    ولكنَّ مرادَه أنَّ الجارَّ مقدَّرٌ بالفعل، وحينئذ تَؤُول إلى جملة فعلية أي: كما استقرَّ لهم آلهةٌ.

    الثاني: أن تكونَ " ما " كافَّةً لكاف التشبيه/ عن العمل فإنها حرف جر. وهذا كما تُكَفُّ " رُبَّ " ، فيليها الجملُ الاسمية والفعلية، ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب، بل يجوزُ في الكاف وفي " رب " مع ما الزائدة بعدهما وجهان: العملُ والإِهمالُ، وعلى ذلك قول الشاعر:
    2286ـ ونَنْصُرُ مولانا ونعلمُ أنَّه كما الناسُ مجرومٌ عليه وجارِمٌ
    وقول الآخر:
    2287ـ رُبَّما الجامِلُ المُؤَبَّلُ فيهمُ وعناجيجُ بينهنَّ المَهارى
    يروى برفع " الناس " و " الجامل " وجرِّهما. هذا إذا أمكن الإِعمال. أمَّا إذا لم يمكن تَعَيَّن أن تكونَ كافَّةً كهذه الآيةِ إذا قيل بأن " ما " زائدة.

    الثالث: أن تكون " ما " بمعنى الذي، و " لهم " صلتها وفيه حينئذ ضميرٌ مرفوعٌ مستتر، و " آلهة " بدل من ذلك الضمير. والتقدير: كالذي استقر هو لهم آلهة. وقال أبو البقاء ـ في هذا الوجه: " والعائد محذوف و " آلهة " بدلٌ منه تقديره: كالذي هو لهم " وتسميتُه هذا حَذْفاً تسامحٌ؛ لأن ضمائر الرفع إذا كانت فاعلةً لا تُوصف بالحذف بل بالاستتار.


    انتهي

    وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }

    قال السمين

    قوله: " لِتَفْتَرُوا " في اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: قال الواحدي: " إنه بدلٌ مِنْ { لِمَا تَصِفُ } لأنَّ وصفَهم الكذبَ هو افتراءٌ على الله ". قال الشيخ: " فهو على تقدير جَعْلِ " ما " مصدريةً، أمَّا إذا كانت بمعنى الذي فاللامُ فيها ليست للتعليل فَيُبْدل منها ما يُفْهِمُ التعليلَ، وإنما اللامُ في " لِما " متعلقةٌ بـ " لا تقولوا " على حَدِّ تَعَلُّقِها في قولك: لا تقولوا لِما أَحَلَّ اللهُ: هذا حرامٌ، أي: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حراماً وكما تقول: لا تقلْ لزيدٍ عمراً، أي: لا تُطْلِقْ عليه هذا الاسمَ ". قلت: وهذا وإن كان ظاهراً، إلاَّ أنه لا يمنع من إرادةِ التعليل، وإنْ كانت بمعنى الذي.

    الثاني: أنها للصيرورة إذ لم يَفْعلوه لذلك الغرضِ.

    الثالث: أنها للتعليلِ الصريحِ، ولا يَبْعُدُ أن يَصْدُرَ مثلُ ذلك.

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثانية والستون

    قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

    قال الالوسي


    أي ما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر وبناء الأحكام عليها دون التجسس والتفتيش عن البواطن، وما استفهامية، وقال الحوفي والطبرسي: نافية، وعليه يكون في الكلام حذف أي وما علمي بما كانوا يعملون ثابت...

    انتهي

    وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

    قال السمين:

    قوله: { إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ }: في " ما " هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، وهو المفعولُ الأول. و " أَوْثاناً " مفعولٌ ثانٍ. والخبرُ " مَوَدَّةُ " في قراءةِ مَنْ رفع كما سيأتي. والتقدير: إنَّ الذي اتَّخذتموه أوثاناً مودةُ، أي: ذو مودةٍ، أو جُعلِ نفسَ المودةِ، ومحذوفٌ على قراءةِ مَنْ نَصَبَ " مَوَدَّةَ " أي: إنَّ الذي اتخذتموه أوثاناً لأجلِ المودةِ لا يَنْفَعُكم، أو " يكونُ عليكم " ، لدلالةِ قولِه: { ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ }.

    الثاني: أن تُجْعَلَ " ما " كافةً، و " أوثاناً " مفعولٌ به. والاتِّخاذ هنا متعدٍ لواحدٍ، أو لاثنين، والثاني، هو { مِّن دُونِ ٱللَّهِ } فَمَنْ رفع " مودةُ " كانَتْ خبرَ مبتدأ مضمرٍ. أي: هي مودة، أي: ذاتُ مودة، أو جُعِلت نفسَ المودةِ مبالغةً. والجملةُ حينئذٍ صفةٌ لـ " أَوْثاناً " أو مستأنفةٌ. ومَنْ نصبَ كانَتْ مفعولاً له، أو بإضمار أَعْني.

    الثالث: أَنْ تُجْعَلَ " ما " مصدريةً، وحينئذٍ يجوز أن يُقَدَّر مضافاً من الأول أي: إنَّ سببَ اتَّخاذِكم أوثاناً مودةُ، فيمَنْ رفَعَ " مودةُ ". ويجوز أَنْ لا يُقَدَّرَ، بل يُجْعَلُ نفسُ الاتخاذِ هو المودةَ مبالغةً. وفي قراءةِ مَنْ نَصَبَ يكونُ الخبرُ محذوفاً، على ما مَرَّ في الوجه الأول....

    انتهي

    قال الالوسي

    وقرأ حمزة ويعقوب والأعمش { أخفى } بسكون الياء فعلاً مضارعاً للمتكلم، وابن مسعود { نخفى } بنون العظمة، والأعمش أيضاً { أخفيت } بالإسناد إلى ضمير المتكلم وحده، ومحمد بن كعب { أخفى } فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل. و { مَا } في جميع ذلك اسم موصول مفعول { تَعْلَمْ } والعلم بمعنى المعرفة والعائد الضمير المستتر النائب عن الفاعل على قراءة الجمهور وضميره محذوف على غيرها، وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون { مَا } استفهامية وموضعها رفع بالابتداء و { أُخْفِىَ لَهُم } خبره على قراءة من فتح الياء وعلى قراءة من سكنها وجعل { أُخْفِىَ } مضارعاً يكون { مَا } في موضع نصب بأخفى ويعلم منه حالها على سائر القراءات، وإذا كانت استفهامية يجوز أن يكون العلم بمعنى المعرفة وأن يكون على ظاهره فيتعدى لمفعولين تسد الجملة الاستفهامية مسدهما، وعلى كل من احتمالي الموصولية والاستفهامية فالإبهام للتعظيم

    انتهي

    قال الالوسي

    { قُلْ جَاء ٱلْحَقُّ } أي الإسلام والتوحيد أو القرآن، وقيل السيف لأن ظهور الحق به وهو كما ترى { وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ } أي الكفر والشرك { وَمَا يُعِيدُ } أي ذهب واضمحل بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء أي فعل أمر ابتداء ولا إعادة أي فعله ثانياً كما يقال لا يأكل ولا يشرب أي ميت فالكلام كناية عما ذكر أو مجاز متفرع على الكناية، وأنشدوا لعبيد بن الأبرص:
    أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد
    وقال جماعة: الباطل إبليس وإطلاقه عليه لأنه مبدؤه ومنشؤه، ولا كناية في الكلام عليه، والمعنى لا ينشىء خلقاً ولا يعيد أو لا يبدىء خيراً لأهله ولا يعيد أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة، وقيل هو الصنم والمعنى ما سمعت، وعن أبـي سليمان أن المعنى إن الصنم لا يبتدىء من عنده كلاماً فيجاب ولا يرد ما جاء من الحق بحجة. و { مَا } على جميع ذلك نافية، وقيل: هي على ما عدا القول الأول للاستفهام الإنكاري منتصبة بما بعدها أي أي شيء يبدىء الباطل وأي شيء يعيد ومآله النفي، والكلام جوز أن يكون تكميلاً لما تقدم وأن يكون من باب العكس والطرد وأن يكون تذييلاً مقرراً لذلك فتأمل

    انتهي

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثالثة والستون

    لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ }

    قال السمين

    قوله: { مَّا يَدَّعُونَ }: في " ما " هذه ثلاثةُ أوجه: موصولةٌ اسميةٌ، نكرةٌ موصوفةٌ، والعائد على هذين محذوفٌ، مصدريةٌ./ ويَدَّعُون مضارعُ ادَّعَى افْتَعَلَ مِنْ دعا يَدْعو. وأُشْرِبَ معنى التمني. قال أبو عبيدة: " العربُ تقول: ادَّعِ عَلَيَّ ما شِئْتَ أي تَمَنَّ " ، وفلانٌ في خيرِ ما يَدَّعي، أي: ما يتمنى. وقال الزجاج: " هو من الدعاء أي: ما يَدَّعُوْنه، أهلُ الجنة يأتيهم، مِنْ دَعَوْتُ غلامي ". وقيل: افْتَعَل بمعنى تفاعَلَ. أي: ما يتداعَوْنه كقولهم: ارتَمَوْا وترامَوْا بمعنىً. و " ما " مبتدأةٌ. وفي خبرها وجهان، أحدهما: - وهو الظاهر - أنَّه الجارُّ قبلَها. والثاني: أنه " سلامٌ ". أي: مُسَلَّمٌ خالِصٌ أو ذو سلامةٍ

    وقال القرطبي

    { لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ } ٱبتداء وخبر. { وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } الدال الثانية مبدلة من تاء، لأنه يفتعلون من دعا أي من دعا بشيء أعطيه. قاله أبو عبيدة؛ فمعنى «يَدَّعُونَ» يتمنون من الدعاء. وقيل: المعنى أن من ٱدعى منهم شيئاً فهو له؛ لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدّعي منهم أحد إلا ما يجمُل ويحسن أن يدّعيه. وقال يحيى بن سلام: «يَدَّعُونَ» يشتهون. ٱبن عباس: يسألون. والمعنى متقارب. قال ٱبن الأنباري: «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» وقف حسن، ثم تبتدىء: «سَلاَمٌ» على معنى ذلك لهم سلام. ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدّعون مسلّم خالص. فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «مَا يَدَّعُونَ». وقال الزجاج: «سلام» مرفوع على البدل من «ما» أي ولهم أن يسلّم الله عليهم، وهذا منَى أهلِ الجنة. وروي من حديث جرير بن عبد الله البَجَليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الربّ تعالى قد ٱطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله: { سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ }. فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم " ذكره الثعلبي والقشيري. ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيّناه في «يونس» عند قوله تعالى:{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26]. ويجوز أن تكون «ما» نكرة، و «سَلاَمٌ» نعتاً لها؛ أي ولهم ما يدعون مسلّم. ويجوز أن تكون «ما» رفع بالابتداء، و «سلام» خبر عنها. وعلى هذه الوجوه لا يوقف على «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ». وفي قراءة ٱبن مسعود «سلاماً» يكون مصدراً، وإن شئت في موضع الحال؛ أي ولهم ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلَّماً؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «يَدَّعُونَ».

    وقرأ محمد بن كعب القُرَظي «سِلمٌ» على الاستئناف كأنه قال: ذلك سلم لهم لا يتنازعون فيه، ويكون «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» تاماً. ويجوز أن يكون «سَلاَمٌ» بدلاً من قوله: { وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } ، وخبر «مَا يَدَّعُونَ» «لِهم». ويجوز أن يكون «سَلاَمٌ» خبراً آخر، ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه.....

    انتهي

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الرابعة والستون

    قال الالوسي


    { وَمَا تُغْنِي ٱلأَيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } أي ما تكفيهم وما تنفعهم، وقرىء بالتذكير. والمراد بالآيات ما أشير إليه بقوله سبحانه: { مَاذَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر { وَٱلنُّذُرُ } جمع نذير بمعنى منذر أي الرسل المنذرون أو بمعنى إنذار أي الإنذارات، وجمع لإرادة الأنواع، وجوز أن يكون { ٱلنُّذُرُ } نفسه مصدراً بمعنى الإنذار، والمراد بهؤلاء القوم المطبوع على قلوبهم أي لا يؤمنون في علم الله تعالى وحكمه و { مَا } نافية والجملة اعتراضية، وجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير { قُلْ } وفي القلب من جعلها حالاً من ضمير { ٱنْظُرُواْ } شيء فانظروا، ويتعين كونها اعتراضية إذا جعلت { مَا } استفهامية إنكارية، وهي حينئذٍ في موضع النصب على المصدرية للفعل بعدها أو على أنه مفعول به له، والمفعول على هذا وكذا على احتمال النفي محذوف إن لم ينزل الفعل منزلة اللازم أي ما تغني شيئاً

    انتهي

    { إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً }


    قال السمين

    قوله: { مَا قَدَّمَتْ } يجوزُ أَنْ تكونَ استفهاميةً مُعلِّقَةً لـ " يَنْظُرُ " على أنَّه من النظر، فتكونُ الجملةُ في موضعِ نصبٍ على إسقاط الخافضِ، وأَنْ تكونَ موصولةً مفعولاً بها، والنظرُ بمعنى الانتظار، أي: ينتظرُ الذي قَدَّمَتْه يداه

    انتهي

    قال الالوسي

    { وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ }

    وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم فما نافية والجملة حال من ضمير { تَصَدَّىٰ } والممنوع عنه في الحقيقة الإعراض عمن أسلم لا الإقبال على غيره والاهتمام بأمره حرصاً على إسلامه. ويجوز أن تكون (ما) استفهامية للإنكار أي أي شيء عليك في أن لا يتزكى ومآله النفي أيضاً

    انتهي

    قال الالوسي

    { وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ }

    وما ضم وجمع يقال وسقه فاتسق واستوسق أي جمعه فاجتمع ويقال طعام موسوق أي مجموع وإبل مستوسقة أي مجتمعة قال الشاعر:
    إن لنا قلائصاً حقائقا مستوسِقات لو يجدن سائقاً
    ومنه الوسق الأصواع المجتمعة وهي ستون صاعاً أو حمل بعير لاجتماعه على ظهره. و(ما) تحتمل المصدرية والموصولة والجمهور على الثاني والعائد محذوف أي والذي وسقه والمراد به ما يجتمع بالليل ويأي إلى مكانه من الدواب وغيرها / وعن مجاهد ما يكون فيه من خير أو شر وقيل ما ستره وغطى عليه بظلمته وقيل ما جمعه من الظلمة

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الخامسة والستون

    وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا }

    قال السمين

    قوله: { وَمَا بَنَاهَا }: وما بعدَه، فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ " ما " موصولةٌ بمعنىظ° الذي، وبه استشهد مَنْ يُجَوِّزُ وقوعَها على آحادِ أولي العلم؛ لأنَّ المرادَ به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسنُ ومجاهدٌ وأبو عبيدةَ، واختاره ابن جرير. والثاني: أنها مصدريةٌ، أي: وبناءِ السماء، وإليه ذهبَ الزجَّاج والمبرد، وهذا بناءً منهما على أنها مختصةٌ بغيرِ العقلاءِ، واعْتُرِضَ على هذا القولِ: بأنَّه يَلْزَمُ أَنْ يكونَ القَسَمُ بنفسِ المصادر: بناءِ السماء وطَحْوِ الأرضِ وتَسْويةِ النفس، وليس المقصودُ إلاَّ القَسَمَ بفاعلِ هذه الأشياءِ وهو الرَّبُّ تبارك وتعالىظ°. وأُجِيب عنه بوجهَيْن، أحدُهما: يكونُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وربِّ - أو باني - بناءِ السماء ونحوه. والثاني: أنه لا غَرْوَ في الإِقسام بهذه الأشياء كما أَقْسم تعالىظ° بالصبح ونحوه.

    وقال الزمخشري: " جُعِلَتْ مصدريةً وليس بالوجهِ لقولِه " فأَلْهمها " وما يؤدي إليه مِنْ فسادِ النظم. والوجهُ أَنْ تكونَ موصولةً، وإنما أُوْثِرَتْ على " مَنْ " لإِرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماءِ والقادرِ العظيم الذي بناها، ونفس والحكيمِ الباهرِ الحكمةِ الذي سَوَّاها. وفي كلامهم: " سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا " انتهى. يعني أنَّ الفاعلَ في " فألهمها " عائدٌ على اللَّهِ تعالىظ° فليكُنْ في " بناها " كذلك، وحينئذٍ يَلْزَمُ عَوْدُه على شيءٍ وليس هنا ما يمكنُ عَوْدُه عليه غيرُ " ما " فتعيَّنَ أَنْ تكونَ موصولةً.

    وقال الشيخ: " أمَّا قولُه: " وليس بالوجهِ لقولِه " فَأَلْهمها " يعني مِنْ عَوْدِ الضمير في " فَأَلْهمها " على الله تعالىظ°، فيكونُ قد عاد على مذكورٍ وهو " ما " المرادُ به الذي. قال: " ولا يَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّا إذا جَعَلْناها مصدريةً عاد الضميرُ على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلامِ، ففي " بناها " ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى أي: وبناها هو، أي: الله تعالى، كما إذا رأيتَ زيداً قد ضرب عَمْراً فتقول: " عجبتُ مِمَّا ضَرَبَ عمراً " تقديره: مِنْ ضَرْبِ عمروٍ هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعَوْدُ الضمير على ما يُفْهَمُ مِنْ سياقِ الكلامِ كثيرٌ وقوله: " وما يُؤدِّي إليه مِنْ فسادِ النظم " ليس كذلك، ولا يُؤدِّي جَعْلُها مصدريةً إلى ما ذُكِرَ، وقوله: " وإنما أُوْثِرَتْ " إلى آخره لا يُراد بما ولا بمَنْ الموصولتين معنى الوصفيةِ؛ لأنهما لا يُوْصفُ بهما بخلاف " الذي " فاشتراكُهما في أنَّهما لا يُؤَدِّيان معنىظ° الوصفيةِ موجودٌ بينهما فلا تنفردُ به " ما " دون " مَنْ " وقوله::وفي كلامِهم " إلى آخره تَأَوَّله أصحابُنا علىظ° أنَّ " سبحان " عَلَم و " ما " مصدريةٌ ظرفيةٌ " انتهى.

    أمَّا ما رَدَّ به عليه مِنْ كونِه يعود على ما يُفْهَمُ من السِّياق فليس يَصْلُح رَدَّاً، لأنه إذا دار الأمرُ بين عَوْدِه على ملفوظٍ به وبينَ غيرِ ملفوظٍ به فعَوْدُه على الملفوظِ به أَوْلىظ° لأنَّه الأصلُ. وأمَّا قولُه: فلا تنفرد به " ما " دونَ " مَنْ " فليس مرادُ الزمخشري أنها تُوْصَفُ بها وصْفاً صريحاً، بل مُرادُه أنها تقعُ على نوعِ مَنْ يَعْقل، وعلى صفتِه، ولذلك مَثَّل النَّحْويون ذلك بقوله:
    { فَانكِحُواْ مَا طَابَ }
    [النساء: 3]، وقالوا: تقديره: فانْكِحُوا الطيِّبَ مِنْ النساءِ، ولا شكَّ أن هذا الحكمَ تَنْفَرِدُ به " ما " دون مَنْ. والتنكيرُ في " نفس ": إمَّا لتعظيمِها، أي، نفس عظيمة، وهي نفسُ آدمَ، وإمَّا للتكثيرِ كقولِه:
    { عَلِمَتْ نَفْسٌ }
    [الانفطار: 5].

    انتهي

    قال السمين

    قوله: { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ } في هذا الضميرِ خمسةُ أَقْوالٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على " أحد " وفيه حينئذٍ وَجْهان، أحدُهما: أنه اسمُ " ما " الحجازيةِ، و " بمُزَحْزِحِه " خبرُ " ما " ، فهو في محلِّ نصبٍ والباءُ زائدة.

    و " أَنْ يُعَمَّر " فاعلٌ بقولِه " بمُزَحْزِحِه " ، والتقديرُ: وما أحدُهم مُزَحْزِحَه تعميرُه. الثاني من الوجهين في " هو ": أن يكونَ مبتدأ، و " بمُزَحْزِحِهِ " خبرُه، و " أَنْ يُعَمَّر " فاعلٌ به كما تقدَّم، وهذا على كَوْنِ " ما " تميميَّةً، والوجهُ الأولُ أحسنُ لنزولِ القرآنِ بلغة الحجازِ وظهورِ النصب في قولِه:
    { مَا هَـظ°ذَا بَشَراً }
    [يوسف: 31]،
    { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ }
    [المجادلة: 2].....

    انتهي

    قال السمين

    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَـنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً }

    قوله: { لِمَا تَأْمُرُنَا }: قرأ الأخَوان " يأْمُرُنا " بياءِ الغَيْبة يعني محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. والباقون بالخطاب يعني: لِما تأمرنا أنت يا محمد. و " ما " يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي. والعائدُ محذوفٌ؛ لأنه متصلٌ؛ لأنَّ " أَمَرَ " يَتَعَدَّى إلى الثاني بإسقاطِ الحرفِ. ولا حاجةَ إلى التدريجِ الذي ذكره أبو البقاء: وهو أنَّ الأصلَ: لِما تَأْمُرنا بالسُّجودِ له، ثم بسجودِه، ثم تَأْمُرُناه، ثم تأْمُرُنا. كذا قَدَّره، ثم قال: هذا على مذهبِ أبي الحسن، وأَمَّا على مذهبِ سيبويهِ فَحَذْفُ ذلك مِنْ غيرِ تَدْريج ". قلت: وهذا ليس مذهبَ سيبويه. ويجوزُ أَنْ تكونَ موصوفةً، والكلامُ في عائِدها موصوفةً كهي موصولةً. ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، وتكونَ اللامُ للعلةِ أي: أَنَسجُدُ مِنْ أجلِ أَمْرِكَ، وعلى هذا يكونُ المسجودُ له محذوفاً. أي: أَنَسْجُدُ للرحمن لِما تَأْمُرُنا. وعلى هذا لا تكونُ " ما " واقعةً على العالِم. وفي الوجهين الأوَّلَيْن يُحْتمل ذلك، وهو المتبادَرُ للفَهْمِ.

    انتهي

    قال السمين

    وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }

    قوله: { فَبِمَا }: قرأ نافعٌ وابنُ عامر " بما " دونَ فاءٍ. والباقون " فبما " بإثباتِها. فـ " ما " في القراءةِ الأولى الظاهرُ أنَّها موصولةٌ بمعنى الذي، والخبر الجارُّ مِنْ قولِه: " بما كَسَبَتْ ". وقال قومٌ منهم أبو البقاء: إنَّها شرطيةٌ حُذِفَتْ منها الفاءُ. قال أبو البقاء: " كقوله تعالى:
    { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
    [الأنعام: 121]. وقولِ الشاعر:
    3974 ـ مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرها ........................
    وهذا ليس مذهبَ الجمهورِ، إنما قال به الأخفشُ وبعضُ البغداديين. وأما الآية فـ " إنَّكم لَمُشْرِكون " ليس جواباً للشرط، إنما هو جوابٌ لقَسمٍ مقدرٍ حُذِفَتْ لامُه الموطِّئَةُ قبل أداةِ الشرطِ.

    وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فالظاهرُ أنها فيها شرطيةٌ، ولا يُلْتَفَتُ لقولِ أبي البقاء: " إنَّه ضعيفٌ ". ويجوزُ أَنْ تكونَ الموصولةَ، والفاءُ داخلةٌ في الخبر تشبيهاً للموصولِ بالشرط، بشروطٍ ذكَرْتُها مُسْتوفاةً في هذا الموضوعِ بحمدِ الله تعالى. وقد وافق نافعٌ وابنُ عامرٍ مصاحفَهما؛ فإنَّ الفاءَ ساقطةٌ من مصاحفِ المدينةِ والشامِ، وكذلك الباقون فإنها ثابتةٌ في مصاحفِ مكةَ والعراقِ.

    انتهي

    إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُواْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ }

    قال السمين

    قوله: { وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ }: " ما " هذه يجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً، جَوَّز ذلك أبو البقاء، ولم يُبَيِّنْ وجهَه. وبيانُه أنها تكونُ مجرورةَ المحلِّ عطفاً على الساعة أي: عِلْمُ الساعةِ وعِلْمُ التي تخرج، و " مِنْ ثمرات " على هذا حالٌ، أو تكون " مِنْ " للبيان. و " مِنْ " الثانية لابتداء الغاية. وأما " ما " الثانيةُ فنافيةٌ فقط. قال أبو البقاء: " لأنَّه عَطَفَ عليها " ولا تَضَعُ " ، ثم نقض النفيَ بـ " إلاَّ " ، ولو كانَتْ بمعنى الذي معطوفةً على " الساعة " لم يَجُز ذلك

    انتهي

    قال السمين فى سبأ

    قوله: " ثم تتفَكَّروا " عَطْفٌ على " أَنْ تَقُوموا " أي: قيامِكم ثم تَفَكُّرِكم.

    والوقفُ عند أبي حاتم على هذه الآية، ثم يَبْتَدِئُ " ما بصاحبِكم ". وفي " ما " هذه قولان، أحدُهما: أنها نافيةٌ. والثاني: أنها استفهاميةٌ، لكن لا يُراد به حقيقةُ الاستفهامِ، فيعودُ إلى النفي. وإذا كانت نافيةً فهل هي مَعَلِّقَةٌ، أو مستأنفةٌ، أو جوابُ القسمِ الذي تضمَّنه معنى " تَتَفَكَّروا " لأنه فعلُ تحقيقٍ كتبيَّن وبابِه؟ ثلاثةُ أوجه. نقل الثالثَ ابنُ عطية، وربما نَسَبه لسيبويه. وإذا كانَتْ استفهاميةً جاز فيها الوجهان الأوَّلان، دونَ الثالث. و " مِنْ جِنَّةٍ " يجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً بالجارِّ لاعتمادِه، وأَنْ يكونَ مبتدأً. ويجوز في " ما " إذا كانَتْ نافيةً أَنْ تكونَ الحجازيَّةَ، أو التميميَّةَ.

    انتهي

    قال الالوسي

    { قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }

    { قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ } أي مهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة { فَهُوَ لَكُمْ } والمراد نفي السؤال رأساً كقولك لصاحبك إن أعطيتني شيئاً فخذه وأنت تعلم أنه لم يعطك شيئاً، فما شرطية مفعول { سَأَلْتُكُمْ } وهو المروي عن قتادة، وقيل هي موصولة والعائد محذوف و(من) للبيان، ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط أي الذي سألتكموه من الأجر فهو لكم وثمرته تعود إليكم، وهو على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إشارة إلى المودة في القربـى في قوله تعالى:{ قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} [الشورى: 23] وكون ذلك لهم على القول بأن المراد بالقربـى قرباهم ظاهر، وأما على القول بأن المراد بها قرباه عليه الصلاة والسلام فلأن قرباه صلى الله عليه وسلم قرباهم أيضاً أو هو إشارة إلى ذلك وإلى ما تضمنه قوله تعالى:{ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىظ° رَبّهِ سَبِيلاً } [الفرقان: 57] وظاهر أن اتخاذ السبيل إليه تعالى منفعتهم الكبرى، وجوز كون (ما) نافية و(من) صلة وقوله سبحانه: { فَهُوَ لَكُمْ } جواب شرط مقدر أي فإذا لم أسألكم فهو لكم، وهو خلاف الظاهر

    وقال السمين

    قوله: { مَا سَأَلْتُكُم }: في " ما " وجهان، أحدُهما: أنَّها شرطيةٌ فتكونُ مفعولاً مقدماً، و " فهو لكم " جوابُها. الثاني: أنها موصولَةٌ في محلِّ رفع بالابتداءِ، والعائدُ محذوفٌ أي: سَأَلْتُكموه. والخبر " فهو لكم ". ودخَلَتِ [الفاءُ] لِشَبَهِ الموصولِ بالشرط. والمعنى يحتمل أنَّه لم يَسْأَلْهم أجراً البتةَ، كقولك: " إنْ أَعْطَيْتَني شيئاً فَخُذْه " مع عِلْمِك أنه لم يُعْطِك شيئاً. ويُؤَيِّدُه { إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ } ويُحْتمل أنه سألهم شيئاً نَفْعُه عائدٌ عليهم، وهو المرادُ بقوله:{ إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23].

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    قال القرطبي

    قَالَ ياليْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } أي بغفران ربي لي؛ فـ«ـما» مع الفعل بمنزلة المصدر. وقيل: بمعنى الذي والعائد من الصلة محذوف. ويجوز أن تكون استفهاماً فيه معنى التعجب، كأنه قال ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي؛ قاله الفرّاء. واعترضه الكسائي فقال: لو صحّ هذا لقال بِم من غير ألف. وقال الفراء: يجوز أن يقال بما بالألف وهو ظ±ستفهام وأنشد فيه أبياتاً. الزمخشري: «بِمَ غَفَرَ لِي» بطرح الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزاً؛ يقال: قد علمت بما صنعت هذا وبم صنعت. المهدوي: وإثبات الألف في الاستفهام قليل. فيوقف على هذا على «يَعْلَمُونَ». وقال جماعة: معنى قيل «ادْخُلِ الْجَنَّةَ» وجبت لك الجنة؛ فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة؛ لأن دخولها يُستحق بعد البعث

    انتهى

    نكتفى بهذا القدر من جواهر ما فى كتاب الله واعلم اخى الحبيب ان عطاء الله فى كتابه لا ينفذ انما اردت فقط ان انبه طلاب علم التفسير لأثر ما فى كتاب الله علي المعنى فالكثير يمر عليها ولا يتدبرها ومااجمل ان يملك طالب علم التفسير أدوات تساعده علي تأمل كتاب الله ومن اجل هذا قمت بهذه الابحاث

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    جواهر إن وأن فى كتاب الله

    سوف نتناول فى هذا الجزء ان شاء الله بعض الامثلة القليلة على جواهر إن و أن فى كتاب الله

    ولا تتعجب اخى الحبيب وتقول هل يستلزم هذا بحث خاص ؟

    اقول لك سوف ترى بعض الامثلة القليلة فى مدى تأثير إن وأن فى علم التفسير


    الجوهرة الاولى


    { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله تعالى: { فَإِن كُنتَ }: في " إنْ " هذه وجهان،
    الظاهر منهما: أنها شرطيةٌ،


    ثم استشكلوا على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكنْ في شك قط. قال الزمخشري: " فإن قلت كيف قال لرسوله: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ } مع قوله للكفرة:
    { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ }
    [هود: 110]؟ قلت: فرقٌ عظيم بين إثباته الشكَّ لهم على سبيل التوكيد والتحقيق، وبين قوله: " فإن كنت " بمعنى الفَرَض والتمثيل ". وقال الشيخ: " وإذا كانت شرطيةً فقالوا: إنها تدخُل على الممكنِ وجودُه أو المحقَّقِ وجودُه المبهمِ زمنُ وقوعِه كقوله تعالى:
    { أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ }
    [الأنبياء: 34]. قال "


    والذي أقولُه إنَّ " إنْ " الشرطية تقتضي تعليق شيءٍ على شيء، ولا تستلزمُ تحتُّمَ وقوعِه ولا إمكانَه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً كقولِه تعالى:
    { إِن كَانَ لِلرَّحْمَـنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ }
    [الزخرف: 81]، ومستحيلٌ أن يكونَ له ولدٌ فكذلك [هذا]، مستحيلٌ أن يكون في شك، وفي المستحيل عادةً كقوله تعالى:
    { فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ }

    [الأنعام: 35] لكنَّ وقوعَها في تعليق المستحيل قليلٌ ". ثم قال: " ولمَّا خَفِي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية، فقال ابن عطية: " الصواب أنها مخاطبةٌ، والمرادُ مَنْ سواه مِنْ أمته ممَّن يمكن أن يَشُكَّ أو يعارِض ". وقيل: كنى بالشك عن الضيق. وقيل: كَنَى به عن العجب، ووجه المجازِ فيه أن كلاً منهما فيه تَرَدُّد، وقال الكسائي: إنْ كنت في شك أنَّ هذا عادتُهم مع الأنبياء فَسَلْهُمْ كيف كان صبر موسى عليه السلام؟

    الوجه الثاني مِنْ وجهي " إنْ "
    أنها نافية.
    قال الزمخشري: " أي: فما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك بالسؤال لكونِك شاكَّاً ولكن لتزداد يقيناً كما ازدادَ إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى وهذا القولُ سبقه إليه الحسنُ البصري والحسين بن الفضل وكأنه فرارٌ من الإِشكال المتقدِّم في جَعْلها شرطيةً، وقد تقدَّم جوابُه مِنْ وجوهٍ

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثانية

    { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } اختلف في معناه؛ فقال ابن عباس والحسن والسُّدّي: المعنى ما كان للرحمن ولد، فـ «ـإن» بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاماً، ثم تبتدىء: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» أي الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له. والوقف على «الْعَابِدِينَ» تام.

    وقيل: المعنى قل يا محمد إن ثبت للّه ولد فأنا أوّل من يعبد ولَده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد؛ وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أوّل من يعتقده؛ وهذا مبالغة في الاستبعاد؛ أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام؛ كقوله:{ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [سبأ: 24]. والمعنى على هذا: فأنا أوّل العابدين لذلك الولد، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد.

    وقال مجاهد: المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل من عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال السُّدّي أيضاً: المعنى لو كان له ولد كنت أوّل من عبده على أن له ولداً؛ ولكن لا ينبغي ذلك. قال المهدويّ: فـ «إن» على هذه الأقوال للشرط، وهو الأجود، وهو اختيار الطبري، لأن كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى.

    وقيل: إن معنى «الْعَابِدِينَ» الآنفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك لكان العَبِدِينَ. وكذلك قرأ أبو عبد الرحمظ°ن واليماني «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» بغير ألف، يقال: عَبِدَ يَعْبَدَ عَبَداً (بالتحريك) إذا أنِف وغضِب فهو عَبِد، والاسم العَبَدة مثل الأنفة، عن أبي زيد. قال الفرزدق:
    أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم وأَعْبُدُ أن أهْجُو كُلَيْباً بدارِمِ
    وينشد أيضاً:
    أولئك ناس إن هَجَوْنِي هجوتهم وأَعْبُدُ أن يُهجي كُلَيْبٌ بدارمِ
    قال الجوهري: وقال أبو عمرو وقوله تعالى: { فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } من الأَنَف والغضب، وقاله الكسائي والقُتَبي، حكاه الماوردي عنهما. وقال الهَرَوِي: وقوله تعالى: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» قيل هو من عَبِد يَعْبَد؛ أي من الآنفين. وقال ابن عرفة: إنما يقال عَبِد يَعبَدُ فهو عَبِد؛ وقلّما يقال عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ، ولكن المعنى فأنا أوّل من يعبد الله عز وجلّ على أنه واحد لا ولد له. وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذُكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها؛ فقال له عليّ: قال الله تعالى:{ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } [الأحقاف: 15] وقال في آية أخرى:{ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14] فوالله ما عَبِد عثمانُ أن بعث إليها تُرَدّ. قال عبد الله بن وهب: يعني ما استنكف ولا أنِف. وقال ابن الأعرابي: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» أي الغضاب الآنفين. وقيل: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» أي أنا أوّل من يعبده على الوحدانية مخالفاً لكم. أبو عبيدة: معناه الجاحدين؛ وحكي: عَبَدَني حَقّي أي جحدني. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «وُلْد» بضم الواو وإسكان اللام. الباقون وعاصم «ولد» وقد تقدّم. { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } أي تنزيهاً له وتقديساً. نَزَّه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث، وأمرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالتنزيه. { عَمَّا يَصِفُونَ } أي عما يقولون من الكذب.

    وقال السمين

    قوله: { إِن كَانَ لِلرَّحْمَـنِ }: قيل: هي شرطيةٌ على بابِها.

    واخْتُلِفَ في تأويلِه

    فقيل: إنْ صَحَّ ذلك فأنا أولُ مَنْ يَعْبُده لكنه لم يَصِحَّ البتةَ بالدليلِ القاطعِ، وذلك أنَّه عَلَّق العبادةَ بكيْنونة الولدِ، وهي مُحالٌ في نفسِها، فكان المُعَلَّقُ بها مُحالاً مثلَها، فهو في صورةِ إثباتِ الكينونةِ والعبادةِ، وفي معنى نَفْيهِما على أَبْلغِ الوجوهِ وأَقْواها، ذكره الزمخشريُّ.

    وقيل: إن كان له ولدٌ في زَعْمِكم.

    وقيل: العابدين بمعنى: الآنفين. مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّ أَنَفَةً فهو عَبِدٌ وعابِدٌ. ويؤيِّدُه قراءةُ السُّلَميِّ واليماني " العَبِدين " دون ألفٍ. وحكى الخليل قراءةً غريبةً وهي " العَبْدِيْن " بسكون الباءِ، وهي تخفيفُ قراءةِ السُّلَمي فأصلها الكسرُ. قال ابنُ عرفة: " يقال: عَبِدَ بالكسر يَعْبَد بالفتح فهو عَبِد، وقلَّما يقال: عابِد، والقرآن لا يجيْءُ على القليلِ ولا الشاذِّ ". قلتُ: يعني فتخريج مَنْ قال: إنَّ العابدين بمعنى الآنفين لا يَصِحُّ، ثم قال كقول مجاهد. وقال الفرزدق:4010 ـ أولئك آبائي فجِئْني بمثْلِهم وأَعْبَدُ أنْ أَهْجُوْ كُلَيْباً بدارِمِ
    أي: آنَفُ. وقال آخر:4011 ـ متى ما يَشَأْ ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خليلَه ويُعْبَدْ عليه لا مَحالةَ ظالما
    وقال أبو عبيدة: " معناه الجاحِدين ". يقال: عَبَدَني حَقِّي أي: جَحَدنيه. وقال أبو حاتم: " العَبِدُ بكسر الباءِ: الشديدُ الغَضَبِ " ، وهو معنى حسنٌ أي: إنْ كان له ولدٌ على زَعْمِكم فأنا أولُ مَنْ يَغْضَبُ لذلك.

    وقيل: " إنْ " نافيةٌ
    أي: ما كان، ثم أَخْبَرَ بقولِه: { فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } وتكونُ الفاءُ سببيةً. ومنع مكي أَنْ تكونَ نافيةً قال: " لأنه يُوْهِمُ أنَّك إنما نَفَيْتَ عن الله الولدَ فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا مُحالٌ ".

    وقد رَدَّ الناسُ على مكيّ، وقالوا: كان قد تَدُلُّ على الدوامِ كقوله:
    { وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }
    [النساء: 96] إلى ما لا يُحْصَى، والصحيحُ من مذاهبِ النحاةِ: أنها لا تدُلُّ على الانقطاعِ، والقائلُ بذلك يقولُ: ما لم يكنْ قرينة كالآياتِ المذكورةِ.

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الثالثة


    { قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً }

    قال الالوسي فى تفسيره:

    { إِن كُنتَ تَقِيّاً }شرط جوابه محذوف ثقة بدلالة السياق عليه أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله تعالى وتخشاه وتحتفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك كذا قدره الزمخشري. / وفي «الكشف» أنه أشار إلى أن وجه هذا الشرط مع أن الاستعاذة بالرحمن إن لم يكن تقياً أولى أن أثر الاستجارة بالله تعالى أعني مكافته وأمنها منه إنما يتم ويظهر بالنسبة إلى المتقي، وفيه دلالة على أن التقوى مما تقتضي للمستعيذ بالله تعالى حق الذمام والمحافظة وعلى عظم مكان التقوى حيث جعلت شرطاً للاستعاذة لا تتم دونها وقال: إن كان يرجى إظهاراً لمعنى أن وإنها إنما أوثرت دلالة على أن رجاء التقوى كان فضلاً عن العلم بها. والحاصل أن التقوى لم تجعل شرط الاستعاذة بل شرط مكافته وأمنها منه وكنت عن ذلك بالاستعاذة بالله تعالى حثاً له على المكافة بألطف وجه وأبلغه وأن من تعرض للمستعيذ به فقد تعرض لعظيم سخطه انتهى.

    وقدر الزجاج إن كنت تقياً فتتعظ بتعويذي،
    والأولى عليه تتعظ بإسقاط الفاء لأن المضارع الواقع جواباً لا يقترن بالفاء فيحتاج إلى جعله مرفوعاً بتقدير مبتدأ، وقدر بعضهم فاذهب عني وبعضهم فلا تتعرض بـي
    وقيل إنها أرادت إن كنت تقياً متورعاً فإني أعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك وكأنه أراد أنها استعاذت بهذا الشرط ليعلم استعاذتها بما يقابله من باب أولى،

    وقال الشهاب: الظاهر أن إن على هذا القول وصلية وفي مجيئها بدون الواو كلام، وذكر أن الجملة على هذا حالية والمقصود بها الالتجاء إلى الله تعالى من شره لا حثه على الانزجار

    وقيل نافية، والجملة استئناف في موضع التعليل أي ما كنت تقياً متورعاً بحضورك عندي وانفرادك بـي وهو خلاف الظاهر،

    وأياً كان فالتقي وصف من التقوى، وقول من قال: إنه اسم رجل صالح أو طالح ليس بسديد.

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الرابعة

    { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    وقرأ العامَّة " أنها " بفتح الهمزة، وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ـ بخلاف عنه ـ بكسرها.

    فأمَّا على قراءةِ الكسر فواضحةٌ استجودها الناس: الخليل وغيره؛ لأن معناها استئناف إخبار بعدم إيمان مَنْ طُبع على قلبه ولو جاءتهم كلُّ آية.

    قال سيبويه: " سألْتُ الخليل عن هذه القراءة ـ يعني قراءة الفتح ـ فقلت: ما منع أن يكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يَحْسُن ذلك في هذا الموضع، إنما قال " وما يُشْعركم " ، ثم ابتدأ فأوجب فقال { إِنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ولو فَتَح فقال: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لكان عُذْراً لهم ". وقد شرح الناس قولَ الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره: " لأنك لو فتحت " أنَّ " وجعلتها التي في نحو " بلغني أن زيداً منطلق " لكان عذراً لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: " إن زيداً لا يؤمن " فقلت: وما يدريك أن لا يؤمن، كان المعنى أنَّه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذراً لمَنْ نفى عنه الإِيمان، وليس مرادُ الآية الكريمة إقامةَ عُذْرِهم ووجودَ إيمانهم.

    وقال الزمخشري " وقرئ " إنها " بالكسر، على أن الكلام قد تمَّ قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون ".

    وأمَّا قراءة الفتح فقد وجَّهها الناس على ستة أوجه،

    أظهرها: أنها بمعنى لعلَّ، حكى الخليل " أتيت السوق أنك تشتري لنا منه شيئاً " أي: لعلك، فهذا من كلام العرب ـ كما حكاه الخليل ـ شاهد على كون " أنَّ " بمعنى لعلَّ، وأنشد أبو جعفر النحاس:
    2027ـ أريني جواداً مات هُزْلاً لأَنَّني أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّدا
    قال امرؤ القيس: ـ أنشده الزمخشري ـ

    2028ـ عُوجا على الطلل المُحيلِ لأنَّنا نبكي الديار كما بكى ابنُ حِذامِ
    وقال جرير:
    2029ـ هلَ أنتمْ عائجون بنا لَعَنَّا نرى العَرَصاتِ أو أثرَ الخيام
    وقال عدي بن زيد:
    2030ـ أعاذلَ ما يُدْرِيكَ أن منيَّتي إلى ساعةٍ في اليوم أو في ضحى الغد
    وقال آخر:
    2032ـ قلت لشيبانَ ادنُ مِنْ لِقائِهْ أنَّا نُغَذِّي الناسَ مِنْ شوائِهْ

    فـ " أنَّ " في هذه المواضع كلها بمعنى لعلَّ، قالوا: ويدل على ذلك أنها في مصحف أُبَيّ وقراءته " وما أدراكم لعلَّها إذا جاءت لا يؤمنون " ونُقِلَ عنه: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ لعلها إِذَا جَآءَتْ } ، ذكر ذلك أبو عبيد، وغيره، ورجَّحوا ذلك أيضاً بأنَّ " لعل " قد كَثُرَ ورودها في مثل هذا التركيب كقوله تعالى:
    { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ }
    [الشورى: 17]
    { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ }
    [عبس: 3] وممَّنْ جعل " أنَّ " بمعنى " لعل " أيضاً يحيى بن زياد الفراء.

    ورجَّح الزجاج ذلك، فقال: " زعم سيبويه عن الخليل أن معناها " لعلها " قال: " وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود " ،/ ونسب القراءة لأهل المدينة، وكذا أبو جعفر. قلت: وقراءة الكوفيين والشاميين أيضاً، إلا أن أبا علي الفارسي ضعَّف هذا القول الذي استجوده الناس وقوَّوه تخريجاً لهذه القراءة فقال: " التوقع الذي تدل عليه " لعلَّ " لا يناسب قراءة الكسر لأنها تدل على حكمه تعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون " ولكنه لمَّا منع كونها بمعنى " لعل " لم يجعلها معمولة لـ " يُشْعِركم " بل جعلها على حذف لام العلة أي لأنها، والتقدير عنده: قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، فهو لا يأتي بها لإِصْرارهم على كفرهم، فيكون نظير
    { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ }
    [الإِسراء: 59] أي بالآيات المقترحة، وعلى هذا فيكون قوله " وما يُشْعركم " اعتراضاً بين العلة والمعلول.

    الثاني: أن تكون " لا " مزيدةً، وهذا رأيُ الفراء وشيخه قال: " ومثله
    { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ }
    [الأعراف: 12] أي: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا، وإنما حملها على زيادتها ما تقدَّم من أنها لو تُقَدَّر زائدةً لكان ظاهرُ الكلام عذراً للكفار وأنهم يُؤْمنون، كما عرَفْتَ تحقيقَه أولاً. إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط فقال " والذي ذكر أن " لا " لغوٌ غالط، لأنَّ ما يكون لغواً لا يكون غيرَ لغو، ومَنْ قرأ بالكسر فالإِجماع على أن " لا " غير لغو " فليس يجوز أن يكون معنى لفظة مرةً النفيَ ومرةً الإِيجابَ في سياق واحد.

    وانتصر الفارسي لقول الفراء ونفى عنه الغلط، فإنه قال: " يجوز أن تكون " لا " في تأويلٍ زائدةً، وفي تأويلٍ غيرَ زائدة كقول الشاعر:
    2032ـ أبى جودُه لا البخلَ واستعجلَتْ نَعَمْ به مِنْ فتى لا يمنع الجودَ نائِلُهْ
    يُنشد بالوجهين أي بنصب " البخل " وجرِّه، فَمَنْ نَصَبَه كانت زائدة أي: أبى جوده البخل، ومَنْ خفض كانت غيرَ زائدة وأضاف " لا " إلى البخل قلت: وعلى تقدير النصب لا يلزم زيادتها لجواز أن تكون " لا " مفعولاً بها والبخل بدل منها أي: أبى جوده لفظ " لا " ، ولفظ " لا " هو بخل.

    وقد تقدَّم لك طرفٌ من هذا محققاً عند قوله تعالى
    { وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }
    [الفاتحة: 7] في أوائل هذا الموضوع، وسيمر بك مواضعُ منها، كقوله تعالى:
    { وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }
    [الأنبياء: 95] قالوا: تحتمل الزيادةَ وعَدَمَها، وكذا
    { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ }
    [الأعراف: 12]
    { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ }
    [الحديد: 29].

    الثالث: أن الفتح على تقديرِ لامِ العلة، والتقدير: إنما الآيات التي يقترحونها عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، وما يُشْعركم اعتراض، كما تقدَّم تحقيق ذلك عن أبي علي فأغنى عن إعادته، وصار المعنى: إنما الآيات عند الله أي المقترحة لا يأتي بها لانتفاء إيمانهم وإصرارهم على كفرهم.

    الرابع: أنَّ في الكلام حذفَ معطوفٍ على ما تقدَّم. قال أبو جعفر في معانيه: " وقيل في الكلام حذف، المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون " فحذف هذا لعلم السامع، وقَدَّره غيره: ما يشعركم بانتفاء الإِيمان أو وقوعه.

    الخامس: أنَّ " لا " غير مزيدة، وليس في الكلام حَذْفٌ بل المعنى: وما يدريكم انتفاء إيمانهم، ويكون هذا جواباً لمن حكم عليهم بالكفر أبداً ويئس من إيمانهم. وقال الزمخشري: " وما يشعركم وما يدريكم أنها - أن الآيات التي يقترحونها - إذا جاءت لا يؤمنون بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تَدْرُون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا حريصين على إيمانهم وطامعين فيه إذا جاءت تلك الآية ويتمنَّون مجيئها فقال عز وجل: " وما يدريكم أنهم لا يؤمنون " على معنى: أنكم لا تَدْرُوْنَ ما سَبَقَ علمي بهم أنهم لا يؤمنون، ألا ترى إلى قوله:
    { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ }
    [الأنعام: 110] انتهى. قلت بَسْطُ قولِه إنهم كانوا يطمعون في إيمانهم ما جاء في التفسير أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل علينا الآية التي قال الله فيها { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } ونحن والله نؤمن فأنزل الله تعالى: وما يُشْعركم إلى آخرها/. وهذا الوجه هو اختيار الشيخ فإنه قال: " ولا يحتاج الكلام إلى زيادة " لا " ولا إلى هذا الإِضمار " - يعني حَذْفَ المعطوف - " ولا إلى " أنَّ " بمعنى لعلَّ، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير ضرورةٍ، بل حَمْلُه على الظاهر أَوْلى وهو واضح سائغ أي: وما يشعركم ويدريكم بمعرفة انتفاء إيمانهم لا سبيل لكم إلى الشعور بها ".

    السادس: أنَّ " ما " حرف نفي، يعني أنه نَفَى شعورَهم بذلك، وعلى هذا فيُطْلَبُ لـ " يُشْعركم " فاعلٌ

    فقيل: هو ضمير الله تعالى أُضْمر للدلالة عليه، وفيه تكلُّفٌ بعيد أي: وما يُشْعِرُكم الله أنها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون. وقد تقدَّم في البقرة كيفيةُ قراءةِ أبي عمرو لـ
    { يُشْعِرُكُمْ }
    [الأنعام: 109] و
    { يَنصُرْكُمُ }
    [آل عمران: 160] ونحوِهما عند قوله
    { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ }
    [البقرة: 67]، وحاصلها ثلاثة أوجه: الضم الخالص، والاختلاس، والسكون المحض.

    وقرأ الجمهور: " لا يؤمنون " بياء الغيبة، وابن عامر وحمزة بتاء الخطاب، وقرآ أيضاً في الجاثية [الآية: 6]
    { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ }
    بالخطاب، وافقهما عليها الكسائي وأبو بكر عن عاصم، والباقون بالياء للغيبة، فَتَحَصَّل من ذلك أنَّ ابن عامر وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين، وأنَّ نافعاً وابن كثير وأبا عمرو وحفصاً عن عاصم بالغيبة في الموضعين، وأن الكسائي وأبا بكر عن عاصم بالغيبة هنا وبالخطاب في الجاثية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السورتين والآخر في أخرى.

    فأما قراءة الخطاب هنا فيكون الظاهر من الخطاب في قوله " وما يشعركم " أنه للكفار، ويتضح معنى هذه القراءة على زيادة " لا " أي: وما يُشْعركم أنكم تؤمنون إذا جاءت الآيات التي طلبتموها كما أَقْسَمْتُمْ عليه ويتضح أيضاً على كونِ " أنَّ " بمعنى لعلَّ مع كون " لا " نافيةً، وعلى كونِها علةً بتقديرِ حَذْفِ اللامِ أي: إنما الآيات عند الله فلا يأتيكم بها؛ لأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ويتضح أيضاً على كون المعطوف محذوفاً أي: وما يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءت الآيات أو وقوعه، لأنَّ مآل أمرِكم مُغَيَّبٌ عنكم فكيف تُقْسِمون على الإِيمان عند مجيء الآيات؟ وإنما يُشْكل إذا جَعَلْنا " أنَّ " معمولةً لـ " يُشْعركم " وجَعَلْنَا " لا " نافيةً غير زائدة، إذ يكون المعنى: وما يدريكم أيها المشركون بانتفاء إيمانكم إذا جاءتكم، ويزول هذا الإِشكال بأنَّ المعنى: أيُّ شيء يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءتكم الآيات التي اقترحتموها؟ يعني لا يمرُّ هذا بخواطركم، بل أنتم جازِمُون بالإِيمان عند مجيئها لا يَصُدُّكم عنه صادٌّ، وأنا أعلم أنكم لا تؤمنون وقت مجيئها لأنكم مطبوعٌ على قلوبكم.

    وأمَّا على قراءة الغَيْبة فتكون الهمزةُ معها مكسورةً، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم، ومفتوحة وهي قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم.

    فعلى قراءة ابن كثير ومَنْ معه يكون الخطاب في " وما يشعركم " جائزاً فيه وجهان،

    أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين أي: وما يشعركم أيها المؤمنون إيمانهم، ثم استأنف إخباراً عنهم بأنهم لا يؤمنون فلا تَطْمعوا في إيمانهم

    والثاني: أنه للكفار أي: وما يُشْعركم أيُّها المشركون ما يكون منكم، ثم استأنف إخباراً عنهم بعدم الإِيمان لعلمه السابق فيهم، وعلى هذا ففي الكلام التفاتٌ من خطاب إلى غيبة.

    وعلى قراءة نافع يكون الخطابُ للكفار، وتكون " أنَّ " بمنى لعلَّ، كذا قاله أبو شامة وغيره.

    وقال الشيخ في هذه القراءة: " الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، والمعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون " يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ثم ساق كلام الزمخشري بعينه الذي قَدَّمْتُ ذِكْرَه عنه في الوجه الخامس قال: " ويبعد جداً أن يكون الخطاب في " وما يشعركم " للكفار ". قلت: إنما استبعده لأنه لم يَرَ في " أنَّ " هذه أنها بمعنى لعل كما حكيتُه عنه.

    وقد جعل الشيخُ في مجموع { أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالنسبة إلى كسر الهمزة وفتحِها والخطاب والغَيْبة أربع قراءات قال: " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والعليمي والأعشى عن أبي بكر، وقال ابن/ عطية: " ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية داود الإِيادي: إنها بكسر الهمزة، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، فترتَّب أربع قراءات:

    الأولى: كَسْرُ الهمزة والياء وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر بخلاف عنه في كسر الهمزة " ثم قال:

    " القراءة الثانية: كَسْرُ الهمزة والتاء وهي رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، والمناسب أن يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة كأنه قيل: وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم؟ ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها، ويبعد جداً أن يكون الخطاب في " وما يُشْعركم " للمؤمنين وفي " تؤمنون " للكفار.

    ثم ذكر القراءة الثالثة نظرٌ لا يخفى: وذلك أنه لَمَّا حكى قراءة الخطاب في " تؤمنون " لم يحكها إلا عن حمزة وابنِ عامر فقط، ولم يدخل معهما أبو بكر لا من طريق العليمي والأعشى ولا من طريق غيرهما، والفرض أن حمزة وابن عامر يفتحان همزة " أنها " ، وأبو بكر يكسرها ويفتحها، ولكنه لا يقرأ " يؤمنون " إلا بياء الغيبة فمن أين تجيء لنا قراءةٌ بكسر الهمزة والخطاب؟ وإنما أتيتُ بكلامه برُمَّته ليُعْرَفَ المأخذ عليه ثم إني جَوَّزْتُ أن تكون هذه روايةً رواها فكشفتُ كتابه في القراءات، وكان قد أفرد فيه فصلاً انفرد به العليمي في روايته، فلم يذكر أنه قرأ " تؤمنون " بالخطاب البتة، ثم كشفت كتباً في القراءات عديدةً فلم أرهم ذكروا ذلك فعرفتُ أنه لَمَّا رأى للهمزة حالتين ولحرف المضارعة في " يؤمنون " حالتين ضرب اثنين في اثنين فجاء من ذلك أربعُ قراءات ولكن إحداهما مهملة.

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,597
    الجوهرة الخامسة


    { فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } * { وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }

    قال الرازى فى تفسيره:

    أما قوله: { وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } فاعلم أن قوله: { وَحَرَامٌ } خبر فلا بد له من مبتدأ وهو إما قوله: { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } أو شيء آخر

    أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم رجوعهم ممتنعاً كان رجوعهم واجباً فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع إلى الآخرة أو إلى الدنيا.

    أما الأول: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر.

    وأما الثاني: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر المفسرون وجهين:

    الأول: أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر، أما الآية فقوله تعالى:
    { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }
    [الأنعام: 151] وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وأما الشعر فقول الخنساء:
    وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً على شجوه إلا بكيت على عمرو
    يعني وإن واجباً، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى:
    { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }
    [الشورى: 40] إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون، ثم ذكروا في تفسير الرجوع

    أمرين: أحدهما: أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن. وثانيها: لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل.

    الوجه الثاني: أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله: { لاَ يَرْجِعُونَ } صلة زائدة كما أنه صلة في قوله:
    { مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد }
    [الأعراف: 12] والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله:
    { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ }
    [يس: 50] أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان، وهذا قول طائفة من المفسرين،

    وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبراً لقوله: { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } أما إذا جعلناه خبراً لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال: { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } عن الكفر فكيف لا يمتنع، ذلك هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضاً على هذا أي أنهم لا يرجعون.

صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •