مذهب التفصيل و دوره في تجاوز الخلافات المذهبية
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه جامعه الخرطوم
تعريف: التفصيل لغة التبيين( لسان العرب)، أما اصطلاحا فان مذهب التفصيل هو المذهب الذي لا يضع حكما كليا (سواء بالمنع بدرجاته من كراهة"ما يثاب تاركه و لا يعاقب فاعله" ،او تحريم" ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله"، أو الإيجاب(الطلب)بدرجاته من اباحه"ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه"،أو ندب(السنة)"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه" ،أو وجوب(الفرض)" ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه")، ينطبق على جميع كيفيات الفعل المعين ، بل يميز بين هذه الكيفيات المختلفة لهذا الفعل، وبالتالي يميز في الحكم علي هذه الكيفيات. هذا التمييز بين الكيفيات المختلفة للفعل يكون على المستويين : المستوى الاعتقادى ممثلا في خضوع الفعل أو عدم خضوعه لضابط ذاتي هو مدى اتفاق النية مع مقاصد الشرع في الفعل المعين" إنما الأعمال بالنيات"، يقول ابن تيميه (والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة)( مجموع الفتاوى/ 8 /213 )،والمستوى العملي ممثلا في خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط موضوعي هو مدى اتفاق السلوك مع ضوابط الشرع . وطبقا للتعريف السابق فان مذهب التفصيل يقابل مذهب الإجمال، وهو المذهب الذى يضع حكما كليا (سواء بالمنع بدرجاته من كراهة وتحريم او الإيجاب بدرجاته من اباحه وندب ووجوب)على الفعل المعين على وجه الإجمال ، دون تمييز بين كيفياته المختلفة.
الضوابط المنهجية لمذهب التفصيل:
أهل السنة: تقتصر هذه الدراسة على بيان دور مذهب التفصيل فى تجاوز الخلاف بين مذاهب أهل السنة الفقهية(المذهب الحنبلي، الشافعي، المالكي، الحنفي..,) .
تطبيق مفهوم تحقيق المناط: ومذهب التفصيل هو احد تطبيقات مفهوم تحقيق المناط المتعلق بكيفية تطبيق النص فى الواقع ، يقول الشاطبى ( ومعناه" اى تحقيق المناط" : أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله) (الموافقات 4/90)،ذلك أن مذهب التفصيل قائم على التمييز بين الكيفيات المختلفة للفعل في الواقع ، يقول الشاطبى (الشريعة لم تنص على حكم كل جزئيه على حدتها ، وإنما أتت بأمور كليه وعبارات مطلقه تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصيه ليست في غيره ولو في نفس التعيين)(الموافقات:4/92).
الاجتهاد فى الخلافيات: كما ان تطبيق مذهب التفصيل مقصور على المسائل الخلافيه التى اختلف فيها الفقهاء الى مذهبين او اكثر،ولا يتجاوزها الى المسائل التى تم الاجماع عليها الفقهاء:فهو احد انماط الاجتهاد فى الفروع الخلافيه ،غير ان هذا الاجتهاد - كما سبق بيانه- ليس مقطوع الصلة بالماضي وليس له نقطه بداية، بل يتخذ اجتهادالسلف الصالح وعلماء اهل السنه نقطه بداية له باعتباره تجسيدا لماضي الامه وخبرتها .
تطبيق مفهوم الوسطية: ومذهب التفصيل هو احد تطبيقات مفهوم الوسطية، والوسط منهجيا هو الموقف القائم على: رفض الوقوف إلي أحد الطرفين المتناقضين " من جهة النفي "، وعلى الجمع والتأليف بينهما على وجه يلغى هذا التناقض"من جهه الاثبات" . وقد وردت الاشاره إلى المفهوم فى العديد من النصوص كما في قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،كما أشار العلماء إلى المفهوم يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) (مدارج السالكين :2/496( .ويتمثل كون مذهب التفصيل هو تطبيق لمفهوم الوسطية أن هذا المذهب إذ يجمع بين أحكام مختلفة بتمييزه بين الكيفيات المختلفة للفعل، يجمع بين مذاهب متناقضة تضع هذه الأحكام المختلفة بصوره كليه (مذاهب الإجمال) . كما يتمثل فى ان هذا المذهب يتجاوز مذهبين: الأول يقوم على المنع المطلق، وهو ما يتناقض مع قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه ما لم يرد دليل بالتحريم، فضلا عن انه يساوى فى الدرجة بين مذهب فقهي اجتهادي معين" مذاهب المنع" والشريعة الاسلاميه.والثاني يقوم على الاباحه المطلقة،وهو ما يتناقض مع كون الشريعة تتضمن الاباحه والمنع ،فضلا عن اتخاذ بعض أنصاره لمذاهب فقهيه معينه"مذاهب الاباحه " كذريعة للدعوة إلى استبدال قواعد وقيم وآداب الإسلام بقواعد وقيم وآداب أخرى (هي قواعد وقيم وآداب الحضارة الغربية)اى اتخاذه كذريعة للتغريب.أما مذهب التفصيل فيقوم على الجمع بين الاباحه والمنع من خلال تقسيم الحكم على كيفيات هذا الفعل إلى كيفيه حكمها هو الاباحه المقيدة بضوابط معينه،وهو الحكم الاصلى، وكيفيه حكمها المنع المقيد بعدم توافر أمكانيه الالتزام بهذه الضوابط.
الاتساق مع الموقف النقدي(التقويمي) فى المنهج الاسلامى : كما أن مضمون مذهب التفصيل يتسق مع الموقف النقدي (التقويمي) الذي دعي منهج التفكير الاسلامى إلى الالتزام به، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه ، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، كما فى قوله تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقوله صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم). والموقف النقدي هو الموقف الذي يتجاوز كل من موقفي الرفض والقبول المطلقين، إلى موقف قائم على أخذ وقبول ما هو صواب ، ورد ورفض ما هو خطأ. وهنا يجب التمييز بين النقد والنقض فالنقد لغة: تمحيص الدنانير الصحيحة من الزائفة، و نقد الشعر والكلام: ( نظر فيه ، وميز الجيد من الرديء، فهو ناقد وجمعه نقاد ونقدة، ونقد الكلام ابان ما فيه واخرج زيفه) (معجم متن اللغة)، والنقد اصطلاحا : هو موقف معرفي قائم على أخذ وقبول ما هو صواب في الراى ، ورد ورفض ما هو خطأ فيه كما سبق بيانه. أما النقض فهو ما يقابل الرفض المطلق.ويتضح هذا الاتساق في تجاوز مذهب التفصيل لكل من الرفض المطلق لمذهب الإجمال المعين والقبول المطلق لمذهب الإجمال الأخر ، إلى موقف يقوم على اخذ ما اتفق مع أصول الشرع ورد ما خالفها فى كل مذاهب الإجمال.
تطبيق قاعدة سد الذرائع وفتحها: والحكم بالمنع بدرجاته أو الإيجاب بدرجاته فى مذاهب الإجمال هنا مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فبعض هذه المذاهب تقول بالمنع بدرجاته سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على الفعل المعين على المصلحة المتحققة منه، ومذاهب أخرى تقول بالإيجاب بدرجاته فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من الفعل المعين على المفسدة التي قد تلزم منه . فالحكم بمنع أو إيجاب الفعل المعين هنا هو اجتهاد لان مصدره قاعدة سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادرالشريعه اتبعيه ، و ليس أصل من أصول الدين، والتي لا يباح الخلاف فيها، والتي مصدرها مصادر الشريعة الاصليه. أما مذهب التفصيل فيهدف أيضا – استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها – إلى جلب المنافع ودفع المفاسد التي قد تترتب على الفعل المعين،او عدم الجمع بين كيفياته المختلفة، وذلك بالقول بان الحكم بالمنع بدرجاته او الإيجاب بدرجاته إنما يكون طبقا لرجحان المفسدة بدرجاتها، التي قد تلزم من الكيفية المعينة للفعل المعين، او المنفعة بدرجاتها،التي قد تتحقق من هذه الكيفية .
تطبيق قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه : كما أن مذهب التفصيل يتسق مع قاعدة الأصل في الأشياء الاباحه، والتي أشارت إليها النصوص، كما في قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أحل الله فهو الحلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً )( أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن)،هذا الاتساق يتضح من خلال تقسيمه حكم على الكيفيات المختلفة للفعل المعين إلى : حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته ، بشرط الالتزام بجمله من الضوابط الشرعية (الذاتية والموضوعية). وحكم فرعى هو المنع بدرجاته في حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بهذه الضوابط.
نماذج من مذهب التفصيل في الفكر الاسلامى: وهناك العديد من النماذج لمذهب التفصيل في الفكر الاسلامى بقطاعاته المختلفة نورد هنا بعضها:
الفقه: ففي مجال الفقه اختلف الفقهاء في مسالة حكم بناء المسلم للكنائس إلى عده مذاهب أجماليه منها: مذهـب التحـريم :وهو مذهب المالكية والحنابلة وجمهور الشافعية وهو قول الصاحبين ـ أبي يوسف ومحمد ـمن الحنفية. ومذهـب الجـواز : وهو مذهب الإمام أبو حنيفة الذى ذهب إلى جواز تعاقد المسلم على بناء الكنيسة أو إجارة الدار لتتخذ كنيسة: جاء في البحر الرائق : " ولو استأجر ـ أي الذمي ـ المسلم ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الأجر"،وفي الفتاوى الهندية: "ولو استأجر الذمي مسلما ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الأجر كذا في المحيط."( البحر الرائق ج8 ص 123 ،الفتاوى الهندية ج4 ص ) . أما مذهب التفصيـل:فهو المذهب الذي قال به الإمام الشافعي، حيث فرّق بين الكنيسة التي تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك ، وبين تلك التي تُتخذ للضيافة ومأوى المارة . حيث يقول ".. ليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك " (كتاب الأم ، ج4 ص 213) . ويقول في الأم أيضا : ".. ولو أوصى( اى النصراني) أن تبنى كنيسة ينزلها مارُّ الطريق ، أو وَقَفها على قوم يسكتونها ، أو جعل كراءها للنصارى أو للمساكين ؛ جازت الوصية"
اللغه والقراءات: وفى مجال اللغة والقراءات نجد تقرير الباحثين ان للكسائي مذهبين في إمالة هاء التأنيث: مذهب تفصيلي ومذهب إجمال. كما نجد مسالة الكلام على أوجه المد الجائز العارض للسكون الذي آخره هاء الضميرإذا كان المد الجائز العارض للسكون الذي وقع سكونه العارض في هاء الضمير نحو {?جْتَبَاهُ وَهَدَاهُ} {مَا فَعَلُوهُ} {لاَ رَيْبَ فِيهِ} {وَوَصَّيْنَا ?لإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} {وَلِيَرْضَوْهُ} ففيه المدود الثلاثة المتقدمة بالسكون المجرد لجميع القراء واختلف في جواز الروم والإشمام في هاء الضمير على ثلاثة مذاهب.الأول: منع الروم والإشمام فيها مطلقاً قياساً على هاء التأنيث لما بينهما من التشابه في الوقف.الثاني: جواز الروم والإشمام فيها مطلقاً بشروطهما المعروفة.الثالث: التفصيل وهو مذهب أكثر المحققين وأعدل المذاهب عند الحافظ ابن الجزري كما في النشر وحاصلة منع الروم والإشمام فيها في أربع صور. وجوازهما فيما عداها )(هداية القاري للمرصفي) .
اصول الفقه:وفى مجال اصول الفقه نجد مسالة زيادة الثقة نجد مذهبين للإجمال هي :مذهـب القبـول مطلقـا وينسب إلى جمهور الفقهاء المحدثين، واختاره ابن حزم والجويني والغزالي.ومذهـب الـرد مطلقـا وينسب إلى معظم الحنفية وبعض أهل الحديث.أما مذهب التفصيل ففيه أقوال أيضا:الأول:تقبل زيادة الحافـظ المبرَّز المتقـن مطلقا دون غيره وهو مذهب الصيرفي والباجي والخطيب البغدادي.الثـاني : تقبل زيادة الثقـة وإن لم يكـن متقنا بشروط ، الثـالث : تقبل زيادة الثقـة باجتماع أربعـة شروط وهو اختيار الزركشي.
نماذج لمذهب التفصيل فى القضايا الخلافية المعاصرة:
الغناء: اختلف الفقهاء في مسالة الحكم على الغناء إلى مذهبين:المذهب الأول هو مذهب المنع،ويتضمن القول بان حكم الغناء التحريم،وقد نسب إلى سفيان ، وحماد والشعبي ، ويرى التحريم كذلك ابن القيم و الطرطوشي . كما يتضمن هذا المذهب القول بان حكم الغناء الكراهة،ويرى كثير من العلماء ان مذهب أحمد ومالك أقرب إلى الكراهة ، فالإمام أحمد بن حنبل يجعل الغناء ينبت النفاق في القلب،وسئل الإمام مالك عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفسّاق ، وروى عن الإمام أبي حنيفة أنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب. ويستدل مذهب المنع بالعديد من الادله منها قول الرسول (صلى الله علي وسلم)( أن الله تعالى حرم القينه وبيعها وتعليمها) ( أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف )،والقينه الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب وقوله (صلى الله علي وسلم) (ما رفع احد صوته إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بإعقابهما على صدره حتى يمسك ) ، وتفسير ابن عباس السمد الوارد في الايه (فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وانتم سامدون ) بانه الغناء بلغة حمير .أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه،وقال به أبو حامد الغزالي ، وأبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحاق ، وابن الصباغ ، وابن حزم الاندلسى الذى يتتبع الأحاديث التي اعتمد عليها الذين ذهبوا إلى التحريم، وهو يحمل عليها من جهة سندها ورواتها حيث يقول (إنه لم يصح في باب تحريم الغناء حديث)، ومثله ـ في هذا المنهج ـ أبو الفضل المقدسيّ. وقد قام أنصار هذا المذهب بتقديم تفسير أخر للنصوص التي استند إليها مذهب المنع ، ففيما يتعلق بالحديث الاول قالوا أن التحريم هنا متعلق بتحريم الغناء في مجلس الشرب،وفيما يتعلق بالحديث الثاني قال الغزالي( هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي يحرك من القلب ما مراد الشيطان من الشهوة ).وفيما يتعلق بالايه قال الغزالي (مخصوص بأشعار وغناء الكفار في معرض الاستهزاء بالمسلمين لأنه لو حرم الغناء لكان ينبغي أن يحرم الضحك أيضا باشتمال الآية عليه ).كما قاموا بتقديم العديد من الادله التي تفيد أباحه الغناء منها قول عائشة (رضى الله عنها) " دخل رسول (صلى الله علي وسلم) وعندي جاريتان تغنيان بغناء فأضجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر فانتهرني وقال مزامير الشيطان عند رسول الله فاقبل عليه رسول (صلى الله علي وسلم) وقال دعهما فان اليوم عيد، قال فغمزتهما فخرجتا "(الصحيحتين ).وما هو معلوم من إنشاد النساء عند قدوم رسول الله (صلى الله علي وسلم) المدينة " طلع البدر علينا من ثنيات الوداع "( أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث عائشة متصلا).
أما مذهب التفصيل فيقوم على التمييز بين كيفيتين للغناء : الكيفية الأولى هي الغناء الذي لا يشتمل على محرم وحكمها الاباحه،والثانية هي الغناء الذي يشتمل على محرم وحكمها المنع، وقد أشار كثير من العلماء إلى هذا التمييز، يقول الإمام العز بن عبد السلام(أن السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:1- منها ما هو حرام محض: وهو لأكثر الناس من الشباب ومن تغلبت عليهم شهواتهم ولذاتهم ، وملكهم حب الدنيا. وتكدرت بواطنهم وفسدت كل مقاصدهم فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب عليهم وعلى قلوبهم من الصفات الذميمة 2- ومنها ما هو مباح وهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن واستدعاء السرور والفرح، أو يتذكر غائبًا أو ميتًا فيثير حزنه فيروح بما سمعه.3-ومنها ما هو مندوب: وهو لمن غلب عليه حب الله تعالى والشوق إليه، فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة وتضاعف الشوق إلى الله سبحانه وتعالى)( كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز أو «بين الشريعة والحقيقة» للعز بن عبد السلام ص28، 29 (.،ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي في رسالته عن الموسيقى والغناء ان حكم سماع الأصوات والآلات المطربة عنده أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات، أو اتخذ وسيلة للمحرمات، أو أوقع في المحرمات كان حراما، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلمه .ويقول الإمام الهروى (وحكم السماع شرعا: يتبع ما تعلق به. إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر. فإن كان المقصود بالسماع حب الله تعالى والتبتل إليه والازدياد من الإيمان، والتحبب إليه. فأنعم به من سماع. وإن كان السماع مثيرًا للهوى موقظًا لغرائز النفس. ويراد به غير المقصود منه فهو في مثل هذا المقام فتنة ويحرم)(التمكين في شرح منازل السائرين ص50 ).
الاحتفال بالمولد النبوي : اختلف العلماء في الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الأول: هو مذهب المنع: ويستند إلى العديد من الادله أهمها: أن الاحتفال بالمولد النبوي حادث بعد القرون الثلاثة، فهو بدعه، وإن الاحتفال بالمولد النبوى يشتمل على أمور محرّمة في الغالب. أما الثاني فهو مذهب الاباحه: ويرد على الدليل الأول بالقول بأن الاحتفال بالمولد النبوي حادث ، فهو بدعة ولكنها بدعه حسنه ، فهو يميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنه ،استنادا إلى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن صلاه التراويح جماعه(نعم البدعة هي)، وقول الشافعي ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم )، وهناك من أنصار هذا المذهب من يرى أن الاحتفال بالمولد النبوي هو سنه حسنه. كما يرد على الدليل الثاني بالقول بأنه أذا اشتمل الاحتفال بالمولد على أمور محرمه فيجب تحريمها، لكن التحريم متعلق بتلك الأمور لا بأصل الاحتفال بالمولد . كما يورد العديد من الادله التي تفيد جواز الاحتفال بالمولد النبوي منها انه إظهار لمحبه الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره،وهما الأمران اللذان أشارت لهم كثير من النصوص،و ان الرسول( صلى الله عليه وسلم ) كان يعظم يوم مولده كما جاء في حديث أبي قتادة و أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد .
أما مذهب التفصيل:فيميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد النبوي:الكيفية الأولى: تقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي هو من أصول الدين، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على كثير من الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما.وهذه الكيفية طبقا لمستواها الاعتقادى هي بدعه و طبقا لمستواها السلوكي تتضمن ما هو محرم او مكروه. أما الكيفية الثانية: فتقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي ليس من الدين وأصوله،فهو من العرف الذي يمكن ان يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة التبعية فى حال تقيده بالقواعد الامره الناهية التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل التذكير لا الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على رفض الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى ليست بدعه وطبقا لمستواها السلوكي لا تتضمن ما هو محرم او مكروه، وهنا يمكن الاستئناس بقول ابن تيميه انه قد يثاب بعض الناس على فعل المولد لحسن نيتهم وقصدهم - رغم تقريره ان ان الاحتفال بالمولد بدعه - حيث يقول (قَدْ يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك مَا يُحْدِثُهُ بَعضُ النَّاس إمَّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما مَحبَّةً للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له، والله قد يُثيبهم على هذه المحبَّة والاجتهاد، لاَ عَلَى البِدَعِ...) ( اقتضاء الصراط المستقيم / ص 297 ) .. كما أن مذهب التفصيل يميز بين الحكم الشرعي على الكيفية الأولى للاحتفال بالمولد النبوي(باعتبارها بدعه)،وبين الحكم على مخالف هذا الحكم فلا يكفر المخالف او يبيح دمه استنادا إلى قاعدة العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). يقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يغفر عنهم)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).
قضايا المظهر والزى:
النقاب: اتفق الفقهاء على وجوب ستر المراه لبدنها ، لورود أدله قطعيه تفيد بذلك كقوله تعالى (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور:31). لكنهم اختلفوا فى ستر الوجه والكفين إلى مذاهب : الاول يقول بوجوب ستر الوجه(وبالتالي تحريم كشفه) استدلالا بادله منها قول عائشة رضي الله عنها ( كنا إذا مر بنا الركبان – في الحج- سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه) وهو مذهب الإمام أحمد، ويرى كثير من العلماء انه الصحيح من مذهب الشافعي. أما المذهب الثاني فيقول باستحباب ستر الوجه والكفين(وبالتالي كراهية كشفهما)، هو مذهب أبي حنيفة ومالك. أما المذهب الثالث فيرى اباحه ستر الوجه والكفين (وبالتالي اباحه كشفهما أيضا) استدلالا بالعديد من الادله منها تفسير ابن عباس لقوله تعالى (إلا ما ظهر منها) في الايه بأنه (وجهها وكفاها والخاتم) ،والحديث(يا أسماء إذا بلغت المراْه المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ، وأشار إلى وجهه ثم امسك بين يديه وكفه مثل قبضه أو قبضتين)(رواه ابوداؤود)... أما مذهب التفصيل فيقوم على المشترك بين هذه المذاهب الاجماليه ، اى على اعتبار أن القول بمنع ستر الوجه والكفين أو القول بأنه عاده وليس عباده لا أصل له ، بل اتفق الفقهاء على إيجاب (طلب) ستر الوجه والكفين، لكنهم اختلفوا فى درجه الإيجاب بين الوجوب والاستحباب والاباحه، كما أن هذا المذهب يميز بين حالتين لارتداء النقاب: الأولى عند أمن الفتنة،وحكمها الاباحه(اى اباحه ستر او كشف الوجه والكفين)، أما الحالة الثانية فعند الخوف من الفتنه، وحكمها الاستحباب (اى استحباب ستر الوجه والكفين و كراهية كشفهما)، او الوجوب (اى وجوب ستر الوجه والكفين وتحريم كشفهما) حسب درجه عدم امن الفتنه. وهنا يمكن الاستئناس بآراء كثير من علماء الحنفية والمالكية الذين قالوا بعدم وجوب ستر الوجه والكفين إلا عند خوف الفتنه.
إسبال الثوب:وفى مسالة الإسبال هناك مذهب يقول بالمنع المطلق ، استنادا إلى النصوص الدالة عن النهى عن إسبال الإزار ،ومن العلماء الذين قالوا بهذا المذهب ابن العربي والذهبي و ابن حجر العسقلاني . اما مذهب التفصيل فيميز بين كيفيتين للإسبال: الأولى الإسبال بقصد الخيلاء وحكمها التحريم ، والثانية الإسبال بدون قصد الخيلاء وحكمها الكراهة ،ونستأنس فى هذا التمييز الى كثير من العلماء الذين قالوا أن أحاديث النهي عن الإسبال مقيدة بالخيلاء، فإذا انتفى الخيلاء لم يكن الإسبال محرماً، واختلفوا بعد ذلك في الكراهة وعدمها، وممن ذهب إلى عدم التحريم إذا لم يكن للخيلاء: الشافعي وأحمد، وممن ذكر ذلك من المالكية: الباجي في كتابه المنتقى شرح الموطأ ،ومن الشافعية: النووي و زكريا الأنصاري و ابن حجر الهيتمي ....وممن نص على ذلك من الحنابلة: ابن قدامة في المغني و ابن تيمية في شرح العمدة والمرداوي في الإنصاف.يقول الباجي في المنتقى( وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعليق هذا الحكم بمن جره خيلاء، أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره، أو عذر من الأعذار، فإنه لا يتناوله الوعيد) ويقول ابن قدامة ( ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع الإزار، فإن فعل ذلك على وجه الخيلاء حرام)،ويقول ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة 4/363 ( وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة، والمطلق منها محمول على المقيد، وإنما أطلق ذلك ؛ لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة... ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة، وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة....وبكل حال فالسنة تقصير ا لثياب، وحدِّ ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب، فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحت الكعب في النار).
المراجع

1. ابن تيمية / مجموع الفتاوى / مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف/ المدينة النبوية- المملكة العربية السعودية / 1416هـ/1995م.
2. الخطيب الشربيني/ مغني المحتاج/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت/الطبعة الأولى/ ١٤٠٥ه – ١٩٨٥.
3. القرافي / شرح تنقيح الفصول / دار الفكر / بيروت/ 1424 – 2004.
4. الشاطبى/ الموافقات دار ابن عفان / الطبعة الأولى/ 1417هـ/ 1997م.