الإسلاميون والعلمانيون:اختلاف المقدمات النظرية واتفاق النتائج العملية 1
"التأثير السلبي على الدين والتدين"
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد(ملخص الدراسه): تهدف هذه الدراسة إلى بيان انه رغم الاختلاف بين الإسلاميين ( والمقصود بهم بالاصاله أنصار مذهب التفسير السياسي للدين"الذي يطلق عليه خطا اسم "الإسلام السياسي"، وبالتبعية المذاهب التي تتبنى الحل الذي قدمه لمشكله العلاقة بين الدين والدولة- والذي لا يعبر عن الحل الاسلامى الصحيح للمشكلة- )، والعلمانيين ( والمقصود بهم بالاصاله أنصار الليبرالية كمنهج ومذهب ،وبالتبعية المذاهب التي تتبنى الحل الذي قدمته لمشكله العلاقة بين الدين والدولة ) ، في المقدمات النظرية - إلى درجه التناقض – إلا أن هناك اتفاق في النتائج العملية التي تلزم- موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابها - من ممارسات الطرفين الفعلية- وبصرف النظر عن الشعارات التي يرفعونها- وهذه النتائج محل الاتفاق هي: أولا: أن كلا الطرفين(الإسلاميين والعلمانيين) هما رد فعل معاكس في الاتجاه ( إثبات أو نفي العلاقة بين الدين والدولة) لكنه مساوي في المقدار(التطرف في إثبات العلاقة "الإسلاميين" أواو التطرف في نفيها"العلمانيين") . ثانيا: أن كلا الطرفين قدم حل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، لا يعبر عن الحل الاسلامى "الصحيح" للمشكلة ، والذي مضمونه أن العلاقة بينهما هي: علاقة وحدة وارتباط ( وليست علاقة خلط أو تطابق كما يرى مذهب التفسير السياسي للدين ،الذي يقارب مذهبي الكهنوت و الثيوقراطيه)، وعلاقة تمييز (وليست علاقة فصل كما في العلمانية ). ثالثا: أن كلا الطرفين هما وجهين لعمله واحده " زائفة" ساهم في صنعها الاستعمار القديم والجديد لخدمه غاياته. رابعا: أن ما يطرحه الطرفين هو دعاية سياسيه ، وليس دعوة - علمية أو عملية ، دينية أو دنيوية- خامسا: من الناحية اللغوية فان مصطلحا " اسلامى و ليبرالي " حادثان في تاريخ الامه. سادسا: أن كلا الطرفين اتخذ موقف سلبي من علافه الانتماء العربية كعلاقة انتماء قوميه إلى أمه معينه هي الامه العربية، التي أوجدها الإسلام كأمه واحده، بعد أن كانت قبله قبائل وشعوب متفرقة،وبالتالي فكلاهما صيغ مختلفة للشعوبية المعاصرة. سابعا: ان كلا الطرفين يناقض مع التدين الشعبي العربي . ثامنا: أن كلا الطرفين ناصب الزعيم جمال عبد الناصر(رحمه الله) العداء في حياته وبعد مماته، كما اشترك كلا الطرفان في حملة تشويه صوره الزعيم الراحل ، والتي لا تستهدف “جمال عبد الناصر ” الشخص ، بل “جمال عبد الناصر ” احد الرموز التاريخية الملهمة للاراده الشعبية العربية. تاسعا: أن كلا الطرفين يدافع عن النظام الاقتصادي الراسمالى ،الذي يتم تطبيقه في المنطقة العربية،تحت شعارات متعدده كالانفتاح الاقتصادي،الإصلاح الاقتصادي، الخصخصة،التحرير الاقتصادي.. والعامل المشترك بين هذه النتائج هو تأثيرها السلبي على الدين " الإسلامي" الذي يشكل الهيكل الحضاري للامه العربية،والتدين الشعبي العربي.
أولا: رد فعل معاكس في الاتجاه ( الإثبات أو النفي ) لكنه مساوي فى المقدار(التطرف في الإثبات أو النفي) : فمذهب التفسير السياسي للدين " الذي يعبر عنه البعض خطا بمصطلح"الإسلام السياسي" ، هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط (وليس ارتباط ووحده من جهة وتمييز من جهة أخرى كما يقرر المنظور السياسي الاسلامى)، ومرجع هذا التطرف في إثبات العلاقة بين الدين والدولة ، أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية تطرفت في نفى اى علاقة للدين بالدولة – كرد فعل على ممارسات الكنيسة ألسالبه في أوربا في العصور الوسطى" ،فالمعاكسة في الاتجاه بين الطرفين" الإثبات أو النفي"، لم ينفى المساواة في المقدار" وهى التطرف في الإثبات أو النفي".
ثانيا: عدم التعبير عن الحل الاسلامى "الصحيح" لمشكله العلاقة بين الدين والدولة: فكلا الطرفين(أنصار مذهب التفسير السياسي للدين وأنصار مذهب العلمانية) قدم حل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، لا يعبر عن الحل الاسلامى "الصحيح" للمشكلة ، والذي مضمونه أن العلاقة بينهما هي:
أولا: علاقة وحدة وارتباط ( وليست علاقة خلط أو تطابق كما في مذهبي الكهنوت و الثيوقراطيه "الدولة الدينية بالمفهوم الغربي ") ، لان السلطة في الإسلام مقيده بقواعد كليه (كالشورى" وأمرهم شورى بينهم" والعدل " وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل" والمساواة " أن أكرمكم عند الله اتقاكم"…). بينما مذهب التفسير السياسي للدين السياسة يتطرف في إثبات العلاقة بين الدين والدولة إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، فيتفق هنا مع مذهبي الكهنوت والثيوقراطيه، ويتعارض مع الحل الذي قدمه المنظور السياسي الاسلامى.
ثانيا:علاقة تمييز (وليست علاقة فصل كما في العلمانية )، لان الإسلام يميز بين التشريع كوضع الهي ثابت، والاجتهاد ككسب بشرى متغير، قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، ثبت في صحيح مسلم عن حديث بريدة بن الحصيب قوله (صلى الله عليه وسلم) (إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله ،فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)، ولما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال :هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب).
ثالثا: وجهين لعمله واحده زائفة ساهم فى صنعها الاستعمار "القديم والجديد": وكلا الطرفين (الإسلاميين" والمقصود بهم بالاصاله أنصار مذهب التفسير السياسي للدين"الذي يطلق عليه خطا اسم "الإسلام السياسي "، والعلمانيين " والمقصود بهم بالاصاله أنصار الليبرالية كمنهج ومذهب) هما وجهين لعمله واحده " زائفة" ساهم في صنعها الاستعمار القديم والجديد لخدمه غاياته.
القبول المطلق للعلمانية والتغريب: فقد دعم الاستعمار القديم والجديد العديد من الشخصيات والمؤسسات الثقافية والأحزاب الليبرالية ، التي تتخذ موقف القبول المطلق للعلمانية ، والتي هي احد أركان النظام الليبرالي ، كنظام متكامل للحياة ، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون، فهذا الموقف منها إذا هو شكل من أشكال التغريب ، الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات العربية وغيرها من مجتمعات مسلمة )، بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية
مذهب التفسير السياسي للدين وضرب وحده الاراده الشعبية الوطنية وتأجيج الفتنه الطائفية: كما أسس الاستعمار القديم علاقات – سريه أو علنية مباشره أو غير مباشره – مع جماعات وحركات وأحزاب سياسة تتبنى - بدرجات متفاوتة - مذهب التفسير السياسي للدين بهدف توجهها نحو ما يخدم مصالحها في استمرار استعمار الشعوب العربية ،عن طريق ضرب الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال ، وضرب وحده الاراده الشعبية الوطنية ، وتأييد النظم المتعاونة مع الاستعمار… ولاحقا أقام الاستعمار الجديد “الامبريالي “الامريكى علاقات- سريه أو علنية- بهذه الجماعات والحركات والأحزاب ، بهدف توجهيها ضد حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار بقياده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. وأخيرا ساهمت الولايات المتحدة الامريكيه في إنشاء بعض التنظيمات التي تتبنى مذهب التفسير السياسي للدين في صيغته التكفيرية المعلنة- كالقاعدة وداعش- لتحقيق أهدافها، المتضمنة لتأجيج الفتنه الطائفية في المنطقة العربيه، بما يمهد الطريق إمام تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفيه.
احد أدوات مشروع الشرق الأوسط الجديد “الصهيوني – الامبريالي” : هذه العملة الزائفة هي احد الأدوات التي استخدمها مشروع الشرق الأوسط الجديد “الصهيوني – الامبريالي” لتحقيق غاياته المتمثلة في الارتداد بالامه العربية من مرحله التجزئة على أساس شعوبي " اتفاقيه سيكس بيكو 1916 ،إلى مرحله التفتيت على أساس طائفي – قبلي، مع بقاء إسرائيل كحارس لهذا التفتيت ، وهو المشروع الذي بدء تطبيقه بعد وفاه الزعيم جمال عبد الناصر 1970 ، و تولى الرئيس/ محمد أنور السادات السلطة في مصر بعده ، ثم ارتداده عن سياسات الزعيم الراحل التي جسدت– على وجه الإجمال- الاراده الشعبية العربية ، وغاياتها في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية ،واتخاذه – وبدعم من الغرب بقياده أمريكا والكيان الصهيوني- فانتقل من مقاومه الاستعمار القديم والجديد"الامبريالي" والاستيطاني"الصهيوني"، إلى التبعية للامبريالية الامريكيه ( شعار 99 %من أوراق اللعب في يد أمريكا ) ، وانتقل من الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إلى الانحياز إلى الصهيونية (اتفاقيه كامب ديفيد)،ومن العدالة الاجتماعية ، إلى الانحياز إلى الأغنياء( تطبيق النظام الراسمالى الربوى تحت شعار الانفتاح الاقتصادي)، ومن التضامن العربي إلى مقاطعه الدول العربية ... وكلها مواقف تتسق مع غايات المشروع الشرق الأوسط الجديد “الامبريالي الصهيوني”.
شطرين لذات الفرقة الهدامة التى كونها الاستعمار الجديد: وهنا ننقل رأى الدكتور عصمت سيف الدولة"رحمه الله تعالى:،والذي مضمونه أن الامبريالية الامريكيه وبما تملكه من تفوق في أدوات الإعلام والدعاية وغزو العقول... سلطت وبطرق مباشره وغير مباشره على الشعب العربي جماعه سبق أن ضربتهم التجزئة وغربتهم..وكونت منهم سواء عرفوا أو لم يعرفوا فرقه هدامة ، غايتها سواء قصدت أم لم تقصد الإجهاز على الامه العربية- بأسلوب القهر الدعائي وقوانينه ألخمسه" - غاية هذا اللوبي الفرقة نقض البناء الحضاري العربي" القومي"العربي "-الديني"الاسلامى"...ولتحقيق هذه الغاية قد انشطرت هذه الفرقة إلى فريقين:فريق لنقض المضمون الحضاري القومي( عنى ما أطلق عليه اسم التيار الاسلامى)، وفريق لنقض المضمون الحضاري الاسلامى( التيار العلماني)، ولكن هذا الانشطار لم يلغى وحدتهم كاداه ووحده غايتهم كوظيفة ، دلاله هذا أن كلا منهم يبرر وجود الأخر ويدعمه ويغذيه " بتجسيمه لخطر الأخر" .. (د. عصمت ، عن العروبة والإسلام، مركز دراسات الوحدة العربية، ص437 ).
رابعا: ما يطرحه الطرفين دعاية سياسيه خاضعة لقانون " الحصر الثنائي " وليس دعوه: فما يطرحه الطرفين (الإسلاميين والعلمانيين) هو دعاية سياسيه ، وليس دعوة - علمية أو عملية ، دينية أو دنيوية- وهى كدعاية خاضعة لقانون الحصر الثنائي، حيث يطرح الطرف الأول "الشريعة الاسلاميه" كشعار ، دون التطرق إلى كيفيه تطبيقها، ودون الدعوة إلى الحوار بين المذاهب الاسلاميه حول سبل تطبيقها ، ودون قيامه باى اجتهاد ديني أو فكرى، ويطرح الطرف الثاني "العلمانية " كشعار، دون التطرق إلى تناقضها مع الهيكل الحضاري"الديني-الاسلامى"للامه العربية. ويحول الحصر الثنائي بين شعار(الشريعة الاسلاميه) وضده ( العلمانية ) دون الالتفات إلى القضايا الأخرى، التي يطرحها واقع المجتمعات العربية وغيرها من مجتمعات مسلمة ، ويهدف إلى إغلاق عقول العرب والمسلمين دون إدراك واقع الحياة ، لتبقى مفتوحة لما يدس فيها من دعاية سياسيه ، تحقق أهداف الجهات التي تقف وراءها.
خامسا: مصطلحا " اسلامى وليبرالي " حادثان في تاريخ الامه: ومن الناحية اللغوية فان مصطلحا " اسلامى و ليبرالي " حادثان في تاريخ الامه . فمن ناحية اللفظ لم يرد لفظ “ اسلامى” أو “إسلاميين” كصيغه نسب لمفرد أو جماعه من البشر في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)، وإذا كان بعض العلماء المسلمين في مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضي الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام أبو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)، حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين – بما في ذلك الفرق التي تختلف مع أهل السنة والجماعة كالشيعة، والخوارج والمرجئة والمعتزلة،مع تركيزه على المذاهب ألاعتقاديه " الكلامية" المختلفة لهذه الفرق، وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصرة التي تقتصر على فئة معينه من المسلمين ولا تمتد وتشمل كل المسلمين. وطوال التاريخ الاسلامى ، فان المسلمين استخدموا المصطلحات ألقرانيه (المسلم المسلمين) في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات، أما الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب الاسلاميه،التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة،فقد نسبوها إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام،كما نسبوا الطرق الصوفية إلى مؤسسيها"ألطريقه القادرية،الشاذليه،النقشبنديه، الختميه..." ، ولم يتم استخدام مصطلح اسلامى وإسلاميين بدلالاته الحديثة في المجتمعات المسلمة إلا في العصور الحديثة بعد ظهور الاستعمار ( أحمد الريسوني : الحركة الإسلامية المغربية ، ص17 ).أما من الناحية الدلالية فان للمصطلح دلالتين: الأولى هي الدلالة البدعية للمصطلح - وهى الدلالة الشائعة للمصطلح - وتعتبر أن المصطلح هو مصطلح شرعي توقيفي ، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة باعتبار انه أصل من أصول الدين- وهو ما يتعارض مع حقيقة أن المصطلح لم يرد في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح – كما تنطلق هذه الدلالة من أو يلزم منها ، جمله من المفاهيم والقيم والقواعد البدعيه، التي تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية،كتكفير المخالف في المذهب والكهنوت، فمصطلح “الإسلاميين” في هذه الدلالة يقارب مصطلح “رجال الدين ” ذو الدلالة الكهنوتية ، وفي هذه الدلالة يقارب أو يقابل مصطلح “الإسلاميين” مصطلح” الشيع” ، الذي استخدمه القران الكريم، للاشاره إلى ظاهره سالبه أصابت تدين اليهود والنصارى ، وهي ظاهره التفرق في الدين...أما الدلالة الثانية - التي لم يكتب لها الشيوع - فهي دلالته الاجتهادية التي تعتبر أن مصطلح”الإسلاميين ” اصطلاح بشرى، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة، باعتبار انه فرع من فروع الدين وليس من أصوله، وهذه الدلالة يمكن اعتبارها شكل من أشكال الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة ، بشرط التزامها بالضوابط السياسة الشرعية ، واتساقها مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية، فمصطلح “الإسلاميين” في هذه الدلالة يقارب مصطلح العلماء بالدين “ذو الدلالة المعرفية- العلمية . أما مصطلح " ليبرالي" فهو صيغه نسب لمذهب اجتبى" غربي" محدث" ظهر في أوربا في العصور الحديثة"هو المذهب الليبرالي المعروف، أما الموقف الصحيح منه – ومن غيره من مذاهب ومناهج وفلسفات بما هي اجتهادات بشريه – فيتجاوز موقفي القبول المطلق " الموقف التغريبي الذي تتبناه التيارات الليبرالية " ، والرفض الموقف " الموقف التقليدي الذي تتبناه - بدرجات متفاوتة - التيارات التي تنسب نفسها للإسلام " ، إلى موقف نقدي يميز بين الايجابيات ،التي تتفق مع أصول الدين- على المستوى النظري - وواقع المجتمعات ألمسلمه-على المستوى العملي- والتي يجوز أخذها- السلبيات التي تتعارض معهما- والتي يجب ردها-
سادسا: صيغ مختلفة للشعوبية المعاصرة ( الاتفاق على إنكار علاقة الانتماء القومية العربية ): وكلا الطرفين(الإسلاميين والعلمانيين) اتخذ موقف سلبي من علافه الانتماء العربية كعلاقة انتماء قوميه إلى أمه معينه هي الامه العربية، التي أوجدها الإسلام كأمه واحده، بعد أن كانت قبله قبائل وشعوب متفرقة، ذات المضمون الحضاري اللساني” اللغوي” – وليس العرقي – ،وبالتالي فكلاهما صيغ مختلفة للشعوبية المعاصرة ، التي مضمونها محاولة الارتداد بالشعوب ، التي أصبحت جزء من أمه، إلى الطور الشعوبي السابق على الطور القومي” طور الامه ”، و التي تأخذ في الامه العربية شكل الدعوة إلى إلغاء أربعه عشر قرنا من التاريخ، أوجد فيه الإسلام للعرب أمة، ليعودوا إلى الشعوب السابقة على الفتح الاسلامى، فهي – موضوعيا- مناهضه للإسلام- وبصرف النظر عن النوايا- الذاتية- لأنصارها.
مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي : حيث تتبنى الجماعات والحركات والأحزاب التي تنسب نفسها للإسلام على وجه العموم ، والتي تتبنى مذهب التفسير السياسي للدين" الإسلام السياسي "على وجه الخصوص – بدرجات متفاوتة- مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، القائم على افتراضين خاطئين :الأول هو أن الإسلام ينكر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة،وهو افتراض يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :الأسرة كما في قوله تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وقوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.والعشيرة كما فى قوله تعالى ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .والقبيلة والشعب كما فى قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . والامه التي مناط الانتماء إليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)(ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ﴿أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة:9) . الافتراض الثاني ان الإسلام ينكر علاقات الانتماء الى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي وهو ما يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ( ومنها علاقة الانتماء القومية …) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )(الزخرف : 44)، وفى السنة النبوية ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال (لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) (رواه أبن ماجه والإمام أحمد).ويتجلى تبنى هذه الجماعات والحركات والأحزاب لهذا المذهب، أنها ترتب على إقرار علاقة الانتماء الاسلاميه إنكار علاقة الانتماء العربية- بينما الأول تحدد الثانية ولكن لا تلغيها- كما ترتب على السعي لتحقيق الوحدة الاسلاميه رفض الوحدة العربية- بينما لا يمكن تحقيق الأولى بدون الاخيره - ويلزم من هذا أنها تساهم في تأجيج النزعات الشعوبية ، وتعميق الانقسام بين الشعوب العربية – بوعي أو بدون وعى-
الليبرالية والتكريس لاستبدال الوجود القومي بالوجود الاقليمى في المنطقة العربية: ورغم أن الليبرالية تقر بالامه كوحدة تكوين اجتماعي - وان كانت تنظر إليها كوجود طبيعي ( خالد ) ، وليس كطور تكوين اجتماعي ، هناك أطوار سابقه عليه ،وستكون في المستقبل أطوار لاحقه عليه - إلا أنها في المنطقة العربية ككل تكرس لاستبدال الوجود القومي بالوجود الوطني" الاقليمى"، واستبدال الانتماء القومي بالانتماء الوطني ، لتصبح ذات مضمون شعوبي مرتد إلى مرحله الطور الاجتماعي السابق(د.عصمت سيف الدولة،عن العروبة والإسلام، ص422). ومرجع ذلك أن الاستعمار(القديم والجديد) الذي هو احد إفرازات الراسماليه كنظام ليبرالي في الاقتصاد ، هو الذي خلق التجزئة في الامه العربية ويحرسها.