الإسلاميون والعلمانيون:اختلاف المقدمات النظرية واتفاق النتائج العملية 2
"د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
سابعا: الاتفاق على التناقض مع التدين الشعبي العربي:
هوية التدين الشعبي العربى: فهوية التدين الشعبي العربي :
ا/ التدين الشعبي العربي سني، طبقا لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح "أهل السنة” ، والقائم على أن للمصطلح دلالة عامة مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب والسنة ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346) ، وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى، والتصوف السني، يقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221) ، فاغلب الشعب العربي مسلم طبقا لأحد مذاهب أهل السنة التي ينتمي إليها اغلب الأمم والشعوب المسلمة .
ب/ طبقا للمذهب الاشعرى” عقديا”: والتدين الشعبي العربي هو سني طبقا للمذهب الاشعرى عقديا”كلاميا”، فاغلب المسلمين العرب ينتمون إلى أهل السنة طبقا للمذهب الاشعرى ، وهو المذهب الذي ينتمي إليه اغلب المسلمين في العالم .
ج/ طبقا لأحد المذاهب الاربعه” “فقهيا”: والتدين الشعبي العربي هو سني طبقا لأحد المذاهب الاربعه :المالكي/ الشافعي /الحنفي/ الحنبلي”فقهيا”، فاغلب المسلمين العرب ينتمون إلى أهل السنة طبقا لأحد هذه المذاهب .
د/ مع اثر صوفي"عملى" : وللتصوف ” السني” اثر واضح على التدين الشعبي العربي-خصوصا على المستوى السلوكي- فقد ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في العديد من الشعوب العربية،وأصبح التصوف وقيمه المعرفية والسلوكية “موضوعيا” أحد مكونات الشخصية الحضارية العامة العربية، بصرف النظر عن الموقف “الذاتي”منه.
تناقض مذهب التفسير السياسي للدين مع التدين الشعبي العربي: أما مذهب التفسير السياسي للدين فيستند إلى مفاهيم مخالفه لمذهب أهل السنة ” اى مفاهيم بدعية “، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بان الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه، ويوافق مذهب الشيعة في الامامه، فمضمون مذهب أهل السنة أن الامامه هي فرع من فروع الدين"الاجتهاديه" ، وليست أصل من أصوله " النصية"، كما قرر علماء أهل السنة ،يقول الإمام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات … ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363). كما أن هذا المذهب يلزم منه مفاهيم مخالفه لمذهب أهل السنة ” اى مفاهيم بدعية "، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: تكفير المخالف في المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ثانيا:القول بجواز الخروج بالسيف على السلطان ، وهو ما يخالف إجماع علماء أهل السنة على تحريم الخروج بالسيف على السلطان الجائر،والمقصود بالخروج بالسيف محاوله تغيير الحاكم باستخدام القوه المسلحة – وهو ما لا يشمل التغيير السلمي-
تناقض الليبرالية مع التدين الشعبي العربي: أما تناقض الليبرالية مع التدين الشعبي العربي ،فمصدره أن العلمانية "فصل الدين عن ألدوله"هي احد أركانها، ولا شك أن الدعوة إلىها في المجتمعات المسلمة، التي يشكل الإسلام هيكلها الحضاري هي شكل من اشكال التغريب.
ثامنا:الاتفاق على العداء للزعيم جمال عبد الناصر والمشاركة في الحملة التي تستهدف تشويه صورته: كما أن هناك اتفاق بين كلا الطرفين (الإسلاميين" والمقصود بهم بالاصاله أنصار مذهب التفسير السياسي للدين"الذي يطلق عليه خطا اسم "الإسلام السياسي "، والعلمانيين " والمقصود بهم بالاصاله أنصار الليبرالية كمنهج ومذهب) على العداء للزعيم جمال عبد الناصر(رحمه الله) ، الذي تولى قياده حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار القديم والجديد "الامبريالي" والاستيطاني"الصهيوني" ،هذا العداء الذي بدء في حياته واستمر بعد مماته، وهو العداء الذي يتناقض مع المكانة الخاصة للزعيم عبد الناصر ، في وجدان اغلب الشعوب العربية ، في حياته وبعد مماته . فقد اختار مذهب التفسير السياسي للدين، في صيغته القطبية " التكفيرية المعلنة " الصدام مع الدولة في عهد عبد الناصر ، في الوقت الذي كانت هذه الدولة تقود معارك مصيريه،ضد الاستعمار القديم والجديد "الامبريالي"والاستيطاني"الصهيوني"، في الساحة المصرية ، وغيرها من ساحات عربيه. كما اختارت شخصيات ومؤسسات ثقافيه وأحزاب سياسيه ليبراليه أن تكون أدوات بيد الغرب لضرب التجربة الناصرية. كما اشترك كلا الطرفان في حملة تشويه صوره الزعيم الراحل ، والتي لا تستهدف “جمال عبد الناصر ” الشخص ، بل “جمال عبد الناصر ” احد الرموز التاريخية الملهمة للاراده الشعبية العربية، فالهدف منها إلغاء الاراده الشعبية العربية، التي تتعارض أهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة ، مع غايات مشروع الشرق الأوسط الجديد “الصهيوني – الامبريالي” ، من خلال تشويه كافه مفاهيمها و قيمها الدينية والحضارية والاخلاقيه ورموزها التاريخية ..ويقف وراءها ذات القوى التي تقف وراء هذا المشروع .
المبررات والدعاوى والرد عليها :
مبررات ودعاوى أنصار مذهب التفسير السياسي للدين: فقد شارك في هذه الحملة الاعلاميه لتشويه صوره الزعيم عبد الناصر أنصار مذهب التفسير السياسي للدين ، باعتبار أن هذه المشاركة هي شكل من اشكال الاقتصاص من الزعيم الراحل،بسبب الصراع – السياسي – وليس الديني- بينه وبين قطاع من جماعه الإخوان المسلمين تبنى مذهب التفسير السياسي للدين في صيغته التكفيرية المعلنة ،وقام بعمليات إرهابيه متعدده. وقد أطلقوا عده دعاوى منها:
دعوى أن الصراع بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين صراع ديني والرد عليها: ومن هذه الدعاوى أن الصراع الذي دار بين عبد الناصر و قطاع من جماعه الأخوان المسلمين يتبنى مذهب التفسير السياسي للدين في صيغته التكفيرية المعلنة - هو صراع ديني" بين مسلمين وكفار وليس صراع سياسي" ،وأوجه الخطأ في هذه الدعوى هي : أولا: الامامه” السلطة فرع من فروع الدين : فقد اجمع علماء أهل السنة أن الامامه ( بمعنى السلطة) فرع من فروع الدين الاجتهاديه وليست أصل من أصوله النصيه، (بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين ، وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم). ثانيا: إقرار بعض الأخوان المسلمين أن الصراع سياسي وليس ديني : وقد اقر عدد من الكتاب الإسلاميين وكتاب الإخوان المسلمين ان الصراع بين عيد الناصر والأخوان كان صراع سياسي وليس صراع ديني، يقول د.عبدا المنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين في الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفرد «الشروق» بنشرها (ورغم أن نظرتي تغيرت تماما عن جمال عبد الناصر فلم تصل يوما إلى تكفيره، فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس بدليل أنه استعان بالعديد من رجالهم في بداية الثورة كوزراء مثل الشيخ الباقورى والدكتور عبد العزيز كامل) .
دعوى أن عبد الناصر اتخذ موقفا سلبيا من الإسلام والرد عليها: من هذه الدعاوى أن عبد الناصر اتخذ موقفا سلبيا من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ،ووجه الخطأ في هذه الدعوى أن عبد الناصر اتخذ – في واقع الأمر – موقفا ايجابيا من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ذات مضمون ديني – حضاري للشخصية العربية)،على المستويين النظري والعملي:
1-المستوى النظري: وقد تمثل هذا الموقف الايجابي لبعد الناصر ، من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ،على المستوى النظري ، في الكثير من أراء وأقوال وخطب جمال عبد الناصر، ومنها :ا/ تقرير جمال عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو (إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية، التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسانية في كل زمان ومكان)( الميثاق الوطني ، 1962 ، الباب الأول). ب/ وكذلك تقريره أن الإسلام هو الذي وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة – الإسلام – وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عبادة إلى الحق) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958)• ج/ كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، فيراها أولا في الدائرة العربية وثانيا في الدائرة الأفريقية وثالثا في الدائرة الإسلامية .
2- المستوى التطبيقي: كما تمثل الموقف الايجابي لعبد الناصر ،من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ، على المستوى العملي في الكثير من المظاهر، ومنها :ا/ زيادة عدد المساجد في مصر ، من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة ، إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، ( عشرة ألاف مسجد ) ، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر.ب/ أنشأ مدينة البعوث الإسلامية ،التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.ج/ أنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية .د/ ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم .ه/ إنشاء إذاعة القرآن الكريم.و/ إصدار قانون تحريم القمار ومنعه و إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة . وقد اقر العديد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين باتخاذ عبد الناصر والتجربة موقفا ايجابيا الدين ، يقول نبيل نعيم مؤسس تنظيم الجهاد في مصر، وأشهر سجين مكث في السجون حيث تم الإفراج عنه بعد 25 يناير 2011، في حواره لقناة “سي بي سي أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خدم الدين الإسلامي وأحياه أكثر من جماعة الإخوان المسلمين.
دعوى ان عبد الناصر كان علمانيا والرد عليها: ومن هذه الدعوى ان عبد الناصر اتخذ موقف القبول المطلق للعلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخيه خاصة، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما،غير أن هذه الدعوى تتعارض مع حقيقة أن التجربة الناصرية على المستويين النظري والتطبيقي – تناقضت مع العلمانية ، فعلى المستوى النظري نجد – من الناحية الشكلية- أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ، هذا فضلا عن رفض عبد الناصر لمضمون العلمانية في العديد من الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط). هذا فضلا عن أن اتخاذ التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين ، على المستويين النظري والعملي- كما سبق ذكره- يتناقض مع كون العلمانية تتخذ موقفا سلبيا من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
دعوى أن عبد الناصر كان شيوعيا والرد عليها: ومن هذه الدعاوى أن عبد الناصر كان شيوعيا ووجه الخطأ في هذه الدعوى – على المستوى النظري – أن عبد الناصر قد صرح مرارا بأوجه خلافه مع الماركسية ومنها الإلحاد وإنكار الأديان واعتبار أن العنف هو الوسيلة الوحيدة للتغيير … وهو وان استخدم بعض المصطلحات الماركسية- و التي شاعت في الخطاب السياسي العالمي حينها- فانه قد استخدم هذه المصطلحات للدلالة على معاني مختلفة تمام الاختلاف عن معانيها في الماركسية،كما أن وجه الخطأ في هذا الافتراض – على المستوى التطبيقي- ان الشيوعيين”الماركسيين “المصريين ظلوا قوه سياسيه وتنظيميه متمايزة عن جهاز الدولة في عهد عبد الناصر تبتعد عنها حينا – لحد الصدام – وتقترب منها حينا آخر – كما أنه من المعلوم انه حين حاول الاتحاد السوفياتى الضغط على عبد الناصر ليتعاون مع الشيوعيين المصريين، اشترط لاى تعاون مع الشيوعيين حل الحزب الشيوعي المصري ، وقد اقر عدد من منظري الاخوان المسلمين بتمايز أفكار عبد الناصر عن الماركسية يقول د.يوسف القرضاوى ( ومن قرأ “الميثاق” الذي يمثل فكر عبد الناصر وجد فيه رشحات من الفكر الماركسي في مواضع شتى، ولكن لا نستطيع أن نصف الميثاق بأنه ماركسيّ تماما)..
مبررات ودعاوى ألليبراليين: كما اشترك في حمله تشويه صوره الزعيم عبد الناصر الكثير من الشخصيات والمؤسسات الثقافية والأحزاب الليبرالية بحجه ان عبد الناصر قضى على النظام الليبرالي"الديموقراطى/العلماني/ الراسمالى "الذي كان سائدا في مصر قيل قيام ثوره 23 يوليو 1952 .وهذه الحجه تبين أن المفهوم الليبرالي للديمقراطية- الذي يتبناه الليبراليين بنظر للديموقراطيه كشكل "سياسي" ، خالي من اى مضمون " اجتماعي أو اقتصادي أو حضاري... " فالذي ساد في مصر قبل قيام ثوره 23 يوليو هو نظام ديموقراطى من الناحية الشكلية ” برلمان، تعدديه حزبيه، صحف حزبيه..”، لكن يسطر عليه ” فعليا ” تحالف من الإقطاعيين والرأسماليين والملك ، الخاضع للسلطة “الفعلية” للاحتلال البريطاني.
دعوى أن عبد الناصر رفض الديموقراطيه والرد عليها : وقد أطلق الليبراليين عده دعاوى أهمها أن عبد الناصر رفض الديموقراطيه،وهذه الدعوى تستند إلى عده أخطاء هي:
الخلط بين الزعيم والدكتاتور :هذه الدعوى لا تميز بين الزعيم والدكتاتور ، والفارق بينهم أن الأول تحقق الاراده الشعبية بتوحدها خلف زعامته أهدافها، ويصبح بالتالي محل رضا من اغلب الشعب. أما الثاني فيحول بدكتاتوريته دون تحقيق الاراده الشعبية لأهدافها،ويصبح بالتالي محل غضب اغلب الشعب . ولا يكاد يجادل احد على أن مواقف عبد الناصر الهادفة للتحرر من للاستعمار ، والداعمة للتضامن العربي ، والساعية لتحقيق العدالة الاجتماعية نالت تأييد اغلب الشعوب العربية- وليس الشعب المصري فقط ، فضلا عن استمرار مكانته الوجدانية كرمز للكرامة والعزة عند هذه الشعوب حتى الان، كل هذا وغيره يثبت أن عبد الناصر هو زعيم قومي وبالتالي ليس دكتاتور.
حصر الديموقراطيه في مفهومها الليبرالى: كما أن هذه الدعوى تحصر الديموقراطيه في مفهومها الليبرالي،اى تفترض أن لمصطلح الديموقراطيه دلاله واحده، وبالتالي تعتبر أن من يرفض هذا المفهوم للديموقراطيه يرفض الديموقراطيه ذاتها ، والواقع من الأمر أن لمصطلح الديموقراطيه دلالات متعددة، فهناك دلالته العامة المشتركة ، وهذه الدلالة تتصل بالأصل الاغريقى للمصطلح ومضمونها ” ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه"…كما أن لمصطلح الديموقراطيه دلالته الخاصة المنفردة ، ومثال لهذه الدلالة المفهوم الليبرالي للديموقراطيه، اى الديموقراطيه الليبرالية. وبناء على هذا فان رفض عبد الناصر للمفهوم الليبرالي للديموقراطيه لا يعنى رفضه للديمقراطية ، من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، فهو يتبنى صيغه معينه للديموقراطيه هي الديموقراطيه الشعبية ذات المضمون الاجتماعي.
عدم التمييز بين مضمون الديموقراطيه وشكلها: كما هذه الدعوى لا تميز بين مضمون الديموقراطيه ” ان تعبر السلطة عن الاراده الشعبية”، وشكلها” شكل النظام السياسي الذي تعبر الاراده الشعبية من خلاله عن ذاتها”،و الأول ثابت بينما الثاني يخضع للتغيير في المكان وخلال الزمان، استنادا على هذا فان هذه الدعوى تتخذ من بعض المواقف السياسية لعبد الناصر كرفضه لتعدد الأحزاب و أخذه بأسلوب التنظيم السياسي الشعبي الواحد كدليل على رفضه للديموقراطيه ، بينما هذه المواقف تتصل بشكل الديموقراطىه وليس مضمونها، وهو مرتبط بظروف تاريخيه معينه ، هي مرحله التحرر الوطني والقومي من الاستعمار.
تاسعا: الاتفاق على الدفاع عن النظام الاقتصادي الراسمالى:كما أن هناك اتفاق بين كلا الطرفين"الإسلاميين والعلمانيين" في الدفاع عن النظام الاقتصادي الراسمالى ،الذي يتم تطبيقه في المنطقة العربية،تحت شعارات متعدده كالانفتاح الاقتصادي،الإصلاح الاقتصادي، الخصخصة،التحرير الاقتصادي...كركن اساسى من أركان مشروع الشرق الأوسط الجديد "الامبريالي الصهيوني"،والذي بدا تطبيقه بعد وفاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر 1970،رغم إن هذا التطبيق لم يؤدى إلا إلى إفقار اغلبيه الشعوب العربية، وتراكم المشاكل التي يطرحها الواقع العربي دون حل ، وتحولها من مرحله المشكلة إلى مرحله ألازمه، وتفكيك وبيع مؤسسات ألدوله ،مما أدى إلى انتهاك السيادة الوطنية للدول العربية،والفساد الاقتصادي ،والانهيار الاخلاقى ...ومبرر الليبراليين النظري هو أن الراسماليه هي احد أركان الليبرالية،فهي محصله تطبيق المنهج الليبرالي على الاقتصاد .أما المبرر النظري لدفاع أنصار مذهب التفسير السياسي للدين،فهو انهم يتبنون مذهب التفسير الراسمالى للاقتصاد الاسلامى،والذي مضمونه أن الاقتصاد الاسلامى يتطابق مع الاقتصاد الراسمالى، بينهما واقع الأمر أن هناك تناقض جوهرى بينهما-على كل المستويات:العقدية، المذهبية، الاخلاقيه...- لا يقبل التوفيق أو التزويق أو التلفيق.
خاتمه:الاشتراك فئ التأثير السلبي على الدين والتدين: كما سبق ذكره فان هناك اتفاق في النتائج العملية التي تلزم من ممارسات الطرفين (الإسلاميين والعلمانيين) ،والعامل المشترك بين هذه النتائج هو تأثيرها السلبي على الدين "الإسلامي" ،التدين الشعبي العربي. فمذهب التفسير السياسي للدين " الإسلام السياسي" يتطرف في إثبات العلاقة بين الدين والسياسة ، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط - وليست علاقة ارتباط ووحده- وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ،وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ، وهو ما يلزم منه الاستغلال السياسي للدين، والذي هو شكل من أشكال الاتجار بالدين ،الذي ورد النهى عنه في الكثير من النصوص كقوله تعالىولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا)(المائدة:44). أما الليبرالية فتحاول اقضاء الدين- وبالتبعية التدين- عن الحياة العامة،و حصره في الحياة الخاصة، لان احد أركانها العلمانية،التي تقوم على فصل الدين عن الدولة.