صفحة 1 من 23 1234511 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 335

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269

    كشف الأنوار عن أسرار القراءات

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والصلاة والسلام علي اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

    منذ سنوات عديدة وانا ابحث فى علم القراءات واثر هذا العلم علي المعنى والفهم فى التفسير

    وجمعت الكثير من هذه القراءات التى تؤثر علي علم التفسير

    فوجدتها تربو علي الاربعمائة قراءة مؤثرة فى التفسير مابين متواترة وشاذة

    فعزمت العزم ان انشر انوار هذا العلم ولكن هنا افعل شيئا جديدا لم افعله من قبل و لا اعلم هل سبقنى به احد ام لا من المهتمين بالتفسير

    اولا:اذكر القراءات فى القرآن كله من سورة الفاتحة الي الناس التى تؤثر فى علم التفسير وقد جمعتها كلها واستغرق الامر سنوات بحثا فى كتب التفسير فما تقراءه انت فى دقائق هو مجهود سنوات من العبد الفقير

    ثانيا:وهو الاهم ابدا بالترتيب من اول سورة الفاتحة وحتى اخر القرآن وهنا الشيء المختلف عما فعلته فى ماسبق

    وهنا يسهل الأمر علي طالب العلم فى البحث عن انوار هذا العلم

    واعلم اخى الحبيب ان القراءات منها مالايؤثر فى التفسير وهو الاكثر ومنها مايؤثر

    وهذا الصنف الثانى هو موضوع البحث باذن الله وقد جمعت مايزيد عن اربعمائة قراءة مؤثرة بين متواترة وشاذة وربما يزيد العدد اثناء رحلتنا باذن المولي فعلوم القرآن لامنتهى لها ولكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع

    وسوف احاول بقدر المستطاع ذكر ترجيحات الامام الطبري فى وجوه القراءات اثناء هذه الرحلة المباركة

    وارجو من المولي ان يكون عملا خالصا من غير رياء ولا سمعة

    وارجو ممن اطلع عليه واستفاد ان يدعو لي دعوة بظهر الغيب عسي ان تنفعنى تحت التراب ويسترنى الله بها يوم اللقاء

    كتبه/أسامة محمد خيري عبد الرحمن

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    سورة الفاتحة

    الجوهرة الاولي

    { الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }

    قال ابن عطية فى تفسيره

    وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج " الحمدَ لله " بفتح الدال وهذا على إضمار فعل.

    وقال القرطبي

    السابعة: وأجمع القرّاء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من «الحمدُ لله». ورُوي عن سفيان بن عُيينة ورؤُبة بن العَجَّاج: «الحمدَ لله» بنصب الدال؛ وهذا على إضمار فعل. ويقال: «الحمدُ لله» بالرفع مبتدأ وخبر، وسبيل الخبر أن يفيد؛ فما الفائدة في هذا؟ فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمدُ لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك: حمدت الله حمداً؛ إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله؛ والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرّضاً لعفو الله ومغفرته وتعظيماً له وتمجيداً؛ فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: " مَن شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " وقيل: إن مدحه عزّ وجلّ لنفسه وثناءه عليها ليعلِّم ذلك عباده؛ فالمعنى على هذا: قولوا الحمد لله

    ملحوظة

    يعجبنى فى هذا المقام مانقل عن العارف المرسي

    علم الله عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه فى ازلة فقال الحمد لله رب العالمين بمعنى قولوا الحمد

    قلت انا اسامة وعلي هذا يجوز ان تفهم قراءة الرفع والنصب

    والله اعلم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الثانية

    { مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }

    قال الطبري

    قال أبو جعفر القراء مختلفون فـي تلاوة «ملك يوم الدين»، فبعضهم يتلوه «مَلِكِ يوم الدين»، وبعضهم يتلوه { مالك يوم الدين } وبعضهم يتلوه { مالِكَ يوم الدين } بنصف الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه فـي ذلك قراءةٌ فـي «كتاب القراءات»، وأخبرنا بـالذي نـختار من القراءة فـيه، والعلة الـموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فـيه، فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع، إذ كان الذي قصدنا له فـي كتابنا هذا البـيانَ عن وجوه تأويـل آي القرآن دون وجوه قراءتها. ولا خلاف بـين جميع أهل الـمعرفة بلغات العرب، أن الـمَلِكَ من «الـمُلْك» مشتقّ، وأن الـمالك من «الـمِلْك» مأخوذ. فتأويـل قراءة من قرأ ذلك { مَالِكِ يَوْمِ الدِّين } أن لله الـملك يوم الدين خالصا دون جميع خـلقه الذين كانوا قبل ذلك فـي الدنـيا ملوكاً جبـابرة ينازعونه الـمُلْك ويدافعونه الانفراد بـالكبرياء والعظمة والسلطان والـجبرية. فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذلة، وأن له دونهم ودون غيرهم الـمُلْك والكبرياء والعزّة والبهاء، كما قال جل ذكره وتقدست أسماؤه فـي تنزيـله
    { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىظ° عَلَى ظ±للَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ لِلَّهِ ظ±لْوَاحِدِ ظ±لْقَهَّارِ }
    غافر 16 فأخبر تعالـى أنه الـمنفرد يومئذٍ بـالـمُلْك دون ملوك الدنـيا الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلـى ذلة وصَغَار، ومن دنـياهم فـي الـمعاد إلـى خسار. وأما تأويـل قراءة من قرأ { مالكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، فما حدثنا به أبو كريب، قال حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، قال حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس { مالكِ يَوْمِ الدِّينِ } يقول لا يـملك أحد فـي ذلك الـيوم معه حكماً كملكهم فـي الدنـيا. ثم قال
    { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ وَقَالَ صَوَاباً }
    النبأ 38 وقال
    { وَخَشَعَتِ ظ±لأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـظ°نِ }
    طه 108 وقال
    { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ظ±رْتَضَىظ° }
    الأنبياء 28 قال أبو جعفر وأولـى التأويـلـين بـالآية وأصحّ القراءتـين فـي التلاوة عندي التأويـل الأول وهي قراءة من قرأ «مَلِك» بـمعنى «الـمُلْك» لأن فـي الإقرار له بـالانفراد بـالـملك إيجابـاً لانفراده بـالـملك وفضيـلة زيادة الـملك علـى الـمالك، إذ كان معلوماً أن لا ملِك إلا وهو مالك، وقد يكون الـمالك لا مَلِكاً. وبعد فإن الله جل ذكره قد أخبر عبـاده فـي الآية التـي قبل قوله { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } أنه مالك جميع العالـمين وسيدهم، ومصلـحهم والناظر لهم، والرحيـم بهم فـي الدنـيا والآخرة بقوله { ظ±لْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ }. فإذا كان جل ذكره قد أنبأهم عن مُلْكهِ إياهم كذلك بقوله { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } فأولـى الصفـات من صفـاته جل ذكره، أن يتبع ذلك ما لـم يحوه قوله { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ ظ±لرَّحْمـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ } مع قرب ما بـين الآيتـين من الـمواصلة والـمـجاورة، إذ كانت حكمته الـحكمة التـي لا تشبهها حكمة

    وكان فـي إعادة وصفه جل ذكره بأنه مالك يوم الدين، إعادة ما قد مضى من وصفه به فـي قوله { رَبِّ العَالَـمِينَ } مع تقارب الآيتـين وتـجاور الصفتـين. وكان فـي إعادة ذلك تكرار ألفـاظ مختلفة بـمعانٍ متفقة، لا تفـيد سامع ما كرّر منه فـائدة به إلـيها حاجة. والذي لـم يحوه من صفـاته جل ذكره ما قبل قوله { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } الـمعنى الذي فـي قوله «ملك يوم الدين»، وهو وصفه بأنه الـمَلِك. فبـينٌ إذاً أن أولـى القراءتـين بـالصواب وأحق التأويـلـين بـالكتاب قراءة من قرأه «ملك يوم الدين»، بـمعنى إخلاص الـملك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ مالك يوم الدين بـمعنى أنه يـملك الـحكم بـينهم وفصل القضاء متفرّداً به دون سائر خـلقه. فإن ظنّ ظانّ أن قوله { رَبِّ العَالَـمِينَ } نبأ عن ملكه إياهم فـي الدنـيا دون الآخرة يوجب وصله بـالنبأ عن نفسه أنه قد ملكهم فـي الآخرة علـى نـحو مِلْكه إياهم فـي الدنـيا بقوله { مالك يوم الدين } ، فقد أغفل وظن خطأ وذلك أنه لو جاز لظانّ أن يظنّ أن قوله { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } مـحصور معناه علـى الـخبر عن ربوبـية عالـم الدنـيا دون عالـم الآخرة مع عدم الدلالة علـى أن معنى ذلك كذلك فـي ظاهر التنزيـل، أو فـي خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقول، أو بحجة موجودة فـي الـمعقول، لـجاز لآخر أن يظن أن ذلك مـحصور علـى عالـم الزمان الذي فـيه نزل قوله رب العالـمين دون سائر ما يحدث بعده فـي الأزمنة الـحادثة من العالـمين، إذ كان صحيحاً بـما قد قدمنا من البـيان أن عالـم كل زمان غير عالـم الزمان الذي بعده. فإن غَبِـيَ عن علـم صحة ذلك بـما قد قدمنا ذو غبـاء، فإن فـي قول الله جل ثناؤه
    { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرظ°ءيلَ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَظ±لْحُكْمَ وَظ±لنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـظ°هُمْ مّنَ ظ±لطَّيّبَـظ°تِ وَفَضَّلْنَـظ°هُمْ عَلَى ظ±لْعَـظ°لَمينَ }
    الجاثية 16 دلالة واضحة علـى أن عالَـم كل زمان غير عالـم الزمان الذي كان قبله وعالَـم الزمان الذي بعده. إذ كان الله جل ثناؤه قد فضل أمة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى سائر الأمـم الـخالـية، وأخبرهم بذلك فـي قوله
    { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
    آل عمران 110 الآية. فمعلوم بذلك أن بنـي إسرائيـل فـي عصر نبـينا، لـم يكونوا مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم أفضل العالـمين، بل كان أفضل العالـمين فـي ذلك العصر وبعده إلـى قـيام الساعة، الـمؤمنون به الـمتبعون منهاجه، دونَ منْ سواهم من الأمـم الـمكذّبة الضالَّة عن منهاجه. فإذ كان بـينا فساد تأويـل متأوّل لو تأوّل قوله رب العالـمين أنه معنـيّ به أن الله ربُّ عالـميْ زمن نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم دون عالـمي سائر الأزمنة غيره، كان واضحاً فساد قول من زعم أن تأويـله رب عالـم الدنـيا دون عالـم الآخرة، وأن مالك يوم الدين استـحق الوصل به لـيُعلـم أنه فـي الآخرة من ملكهم وربوبـيتهم بـمثل الذي كان علـيه فـي الدنـيا.

    وقال السمين

    وقُرئ " مالِك " بالألف، قال الأخفش: " يقال: مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ بضم الميم، ومالكٌ بيِِّنُ المَِلْكِ بفتح الميم وكسرها " ، ورُوِي ضَمُّها أيضاً بهذا المعنى. ورُوي عن العربِ: " لي في هذا الوادي مَلْك ومُلْك ومَلْك " مثلثةَ الفاء، ولكنَّ المعروف الفرقُ بين الألفاظ الثلاثة، فالمفتوحُ الشدٌّ والربطُ، والمضمومُ هو القهرُ والتسلُّطُ على مَنْ يتأتَّى منه الطاعةُ، ويكونُ باستحقاقٍ وغيره، والمكسورُ هو التسلطُ على مَنْ يتأتَّى منه الطاعةُ ومَنْ لا يتأتَّى منه، ولا يكونُ إلا باستحقاق فيكونُ بين المكسور والمضموم عمومٌ وخصوصٌ من وجه. وقال الراغب: " والمِلْك - أي بالكسر - كالجنس للمُلْك - أي بالضم - فكل مِلْك - بالكسر - مُلك، وليس كل مُلك مِلكاً " ، فعلى هذا يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، وبهذا يُعرف الفرقُ بين مَلِك ومالِك، فإن مَلِكاً مأخوذ من المُلْك - بالضم، ومالِكاً مأخوذ من المِلْك بالكسر. وقيل: الفرقُ بينهما أن المَلِك اسمٌ لكل مَنْ يَمْلِكُ السياسة: إمَّا في نفسِه بالتمكُّن من زمام قُواه وصَرْفِها عَنْ هواها، وإمَّا في نفسه وفي غيره، سواءٌ تولَّى ذلك أم لم يتولَّ.

    وقد رجَّح كلٌّ فريقٍ إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يكاد يُسْقِط القراءةَ الأخرى، وهذا غير مَرْضِيٍّ، لأنَّ كلتيهما متواترةٌ، ويَدُلُّ على ذلك ما رُوي عن ثعلب أنه قال: [ " إذا اختلف الإِعرابُ في القرآن] عن السبعة لم أفضِّلْ إعراباً على إعراب في القرآن، فإذا خَرَجْتُ إلى الكلام كلامِ الناس فضَّلْتُ الأقوى " نقله أبو عمر الزاهد في " اليواقيت ". وقال الشيخ شهابُ الدين أبو شامةَ: " وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الترجيحِ بين هاتين القراءتين، حتى إنَّ بعضَهُم يُبالِغُ في ذلك إلى حدٍّ يكاد يُسْقِطُ وجهَ القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمودٍ بعد ثبوتِ القراءتين وصحةِ اتصافِ الربِّ تعالى بهما، ثم قال: " حتى إني أُصَلِّي بهذه في رَكْعةٍ وبهذه في رَكْعةٍ " ذكر ذلك عند قوله: " مَلِك يوم الدين ومالِك ".

    وَلْنذكرْ بعضَ الوجوه المرجِّحة تنبيهاً على معنى اللفظ لا على الوجهِ الذي قَصَدوه. فمِمَّا رُجِّحَتْ به قراءةُ " مالك " أنها أمْدَحُ لعمومِ إضافتِه، إذ يقال: " مالِكُ الجِّن والإِنس والطير " ، وأنشدوا على ذلك:
    46ـ سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ الوجوهُ لوجهِه مَلِكِ الملوكِ ومالِكِ العَفْوِ

    وقالوا: " فلانٌ مالكُ كذا " لمَنْ يملكه، بخلاف " مِلك " فإنه يُضاف إلى غيرِ الملوك نحو: " مَلِك العرب والعجم " ، ولأنَّ الزيادةَ في البناءِ تدلُّ على الزيادةِ في المعنى كما تقدَّم في " الرحمن " ، ولأنَّ ثوابَ تالِيها أكثرُ من ثواب تالي " مَلِك ".

    وممَّا رُجِّحَتْ به قراءةُ " مَلِك " ما حكاه الفارسي عن ابن السراج عن بعضِهم أنه وصَفَ نفسَه بأنه مالكُ كلِّ شيء بقوله: { رَبِّ ظ±لْعَالَمِينَ } فلا فائدةَ في قراءةِ مَنْ قَرَأَ: " مالك " لأنها تكرارٌ، قال أبو عليّ: " ولا حُجَّة فيه لأنَّ في التنزيل مِثلَه كثيراً، يُذْكَرُ العامُّ ثم الخاصُّ، نحو:
    { هُوَ ظ±للَّهُ ظ±لْخَالِقُ ظ±لْبَارِىءُ ظ±لْمُصَوِّرُ }
    [الحشر: 24]. وقال أبو حاتم: " مالِك " أَبْلَغُ في مدح الخالق، و " مَلِك " أبلغُ في مدحِ المخلوقِ، والفرقُ بينهما أن المالِكَ من المخلوقين قد يكون غيرَ مَلِك، وإذا كان الله تعالَى مَلِكاً كان مالكاً. واختاره ابن العربي. ومنها: أنها أعمُّ إذ تضاف للمملوك وغيرِ المملوك، بخلافِ " مالك " فإنه لا يُضاف إلاَّ للمملوك كما تقدَّم، ولإِشعارِه بالكثرةِ، ولأنه تمدَّح تعالَى بمالكِ المُلْك، بقوله تعالى: " قل اللَّهُمَّ مالكَ المُلْكِ " ومَلِك مأخوذ منه كما تقدم، ولم يتمدَّح بمالِك المِلك -بكسر الميم- الذي مالِكٌ مأخوذٌ منه.

    وقُرئَ مَلْك بسكون اللام، ومنه:
    47ـ وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ عَصَيْنا المَلْكَ فيها أنْ نَدِينا
    ومَليك. ومنه:
    48ـ فاقنَعْ بما قَسَم المَليكُ فإنَّما قَسَم الخلائِقَ بَيْنَنَا عَلاَّمُها
    ومَلِكي، وتُرْوَى عن نافع.

    إذا عُرف هذا فكونُ " مَلِك " نعتاً لله تعالى ظاهر، فإنه معرفةٌ بالإِضافة، وأمَّا " مالك " فإنْ أريد به معنى المُضِيِّ فجَعْلُه نعتاً واضحٌ أيضاً، لأنَّ إضافته محضة فَيَتعرَّف بها، ويؤيِّد كونَه ماضِيَ المعنى قراءةُ مَنْ قرأ: " مَلَكَ يومَ الدين " ، فجعل " مَلَك " فعلاً ماضياً، وإن أُريد به الحالُ أو الاستقبال فَيُشْكِلُ، لأنه: إمَّا أن يُجْعَلَ نعتاً لله ولا يجوز لأنَّ إضافةَ اسم الفاعل بمعنى الحالِ أو الاستقبال غيرُ مَحْضَةٍ فلا يُعَرَّف، وإذا لم يتعرَّفْ فلا يكونُ نعتاً لمعرفةٍ، لِمَا عَرَفْتَ فيما تقدَّم من اشتراطِ الموافقةِ تعريفاً وتنكيراً، وإمَّا أن يُجْعَلَ بدلاً وهو ضعيف لأنَّ البدلَ بالمشتقات نادرٌ كما تقدَّم. والذي ينبغي أن يُقالَ: إنه نعتٌ على معنى أنَّ تقييدَه بالزمانِ غيرُ معتَبَرٍ، لأنَّ الموصوفَ إذا عُرِّفَ بوصفٍ كان تقييدُه بزمانٍ غيرَ معتبرٍ، فكأنَّ المعنى - والله أعلم - أنه متصفٌ بمالكِ يومِ الدينِ مطلقاً، من غير نظرٍ إلى مضيٍّ ولا حالٍ ولا استقبالٍ، وهذا ما مالَ إليه أبو القاسم الزمخشري.

    وإضافةُ مالك ومَلِك إلى " يوم الدين " من باب الاتِّساع، إذ متعلَّقُهما غيرُ اليوم، والتقدير: مالكِ الأمرِ كله يومَ الدين.

    ونظيرُ إضافة " مالك " إلى الظرف هنا نظيرُ إضافة " طَبَّاخ " إلى " ساعات " من قول الشاعر:
    49ـ رُبَّ ابنَ عَمِّ لسُلَيْمى مُشْمَعِلّْ طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
    إلا أنَّ المفعولَ في البيت مذكورٌ وهو " زادَ الكَسِل " ، وفي الآيةِ الكريمةِ غيرُ مذكورٍ للدلالةِ عليه. ويجوز أن يكونَ الكلامُ على ظاهرهِ من غيرِ تقديرِ حَذْفٍ.

    ونسبةُ المِلْكِ والمُلْك إلى الزمانِ في حقِّ الله تعالى غيرُ مُشْكِلَةٍ، ويؤيِّدُه ظاهرُ قراءةِ مَنْ قرأ: " مَلَكَ يومَ الدينِ " فعلاً ماضياً فإن ظاهرَها كونُ " يوم " مفعولاً به. والإضافة على معنى اللام لأنها الأصل، ومنهم مَنْ جعلها في هذا النحو على معنى " في " مستنداً إلى ظاهر قوله تعالى:
    { بَلْ مَكْرُ ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ }
    [سبأ: 33]، قال: " المعنى مَكْرٌ في الليل، إذ الليل لا يُوصَف بالمكرِ، إنما يُوصَفُ به العقلاءُ، فالمكرُ واقعٌ فيه ". والمشهورُ أن الإِضافةَ: إمَّا على معنى اللام وإمَّا على معنى " مَنْ " ، وكونها بمعنى " في " غيرُ صحيح. وأمَّا قولُه تعالى:
    { مَكْرُ ظ±لَّيْلِ }
    فلا دَلالةَ فيه، لأن هذا من باب البلاغة، وهو التجوُّزُ في أَنْ جَعَلَ ليلَهم ونهارَهم ماكِرَيْنِ مبالغةً في كثرةِ وقوعِه منهم فيهما، فهو نظيرُ قولهم: نهارُه صائمٌ وليلُه قائم، وقولِ الشاعر:
    50ـ أمَّا النهارُ ففي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ والليلُ في قَعْرِ منحوتٍ من السَّاجِ
    لمًّا كانت هذه الأشياءُ يكثرُ وقوعُها في هذه الظروفِ وَصَفُوها بها مبالغةً في ذلك، وهو مذهبٌ حَسَنٌ مشهورٌ في كلامهم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الثالثة

    غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ }

    قال ابن كثير

    قرأ الجمهور غير بالجر على النعت، قال الزمخشري وقرىء بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال الضمير في عليهم. والعامل أنعمت. والمعنى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى، وقد زعم بعض النحاة أن غير ههنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعاً لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى لقول الشاعر
    كَأَنَّكَ مِنْ جِمال بَني أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَن
    أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة. وهكذا غير المغضوب عليهم، أي غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى { ظ±هْدِنَا ظ±لصّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ثم قال تعالى { غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } ومنهم من زعم أن لا في قوله تعالى { وَلاَ ظ±لضَّآلِّينَ } زائدة، وأن تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج
    في بئرٍ لا حَوَر سعى وما شَعَر
    أي في بئرحور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقرأ غير المغضوب عليهم، وغير الضالين، وهذا الإسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم، وللفرق بين الطريقتين ليجتنب كل واحد منهما فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا الغضب لليهود، والضلال للنصارى لأن من علم وترك استحق الغضب، خلاف من لم يعلم

    ملحوظة

    هل يجوز علي قراءة النصب الاستثناء متصل فيكون من غضب عليه انعم عليه قبل ذلك وهم اهل الكتاب

    وقال ابن عطية

    قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين }.

    اختلف القراء في الراء من غير، فقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بخفض الراء، وقرأ بن كثير بالنصب، وروي عنه الخفض.

    قال أبو علي: " الخفض على ضربين: على البدل، من { الذين } ، أو على الصفة للنكرة، كما تقول مررت برجل غيرك، وإنما وقع هنا صفة لـ { الذين } لأن { الذين } هنا ليس بمقصود قصدهم، فالكلام بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه ".

    قال: " والنصب في الراء على ضربين: على الحال كأنك قلت أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم، أو على الاستثناء كأنك قلت إلا المغضوب عليهم، ويجوز النصب على أعني ". وحكي نحو هذا عن الخليل.

    ومما يحتج به لمن ينصب أن { غير } نكرة فكره أن يوصف بها المعرفة. والاختيار الذي لا خفاء به الكسر. وقد روي عن ابن كثير، فأولى القولين ما لم يخرج عن إجماع قراء الأمصار.

    قال أبو بكر بن السراج: " والذي عندي أن { غير } في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس، فليفهم عني ما أقول: اعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو غيره، وكذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة، فأنما صارا نكرتين من أجل المعنى فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت إثباته، ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو معرفة، وذلك كقولك عليك بالحركة غير السكون، وكذلك قولك غير المغضوب لأن من أنعم عليه لا يعاقبه إلا من غضب عليه، ومن لم يغضب عليه فهو الذي أنعم عليه، فمتى كانت غير على هذه الصفة وقصد بها هذا المقصد فهي معرفة ".

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أبقى أبو بكر { الذين } على حد التعريف، وجوز نعتها بـ { غير } لما بينه من تعرف غير في هذا الموضع، وغير أبي بكر وقف مع تنكر غير، وذهب إلى تقريب { الذين } من النكرة إذ هو اسم شائع لا يختص به معين، وعلى هذا جوز نعتها بالنكرة

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    سورة البقرة

    الجوهرة الرابعة

    { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }

    قال القرطبي

    وقرىء: «غشاوةً» بالنصب على معنى وجعل، فيكون من باب قوله:
    علفتُها تبْناً وماء بارداً

    وقال الآخر:
    يا ليت زوجَك قد غدا متقلِّداً سيفاً ورُمْحَا
    المعنى وأسقيتها ماء، وحاملا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد. قال الفارسي: ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة وظ±ختيار؛ فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. قال: ولم أسمع من الغشاوة فعلاً متصرفاً بالواو. وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار؛ والوقف على «قلوبهم». وقال آخرون: الختم في الجميع، والغشاوة هي الختم؛ فالوقف على هذا على «غشاوة». وقرأ الحسن «غُشاوة» بضم الغين، وقرأ أبو حَيْوَةَ بفتحها؛ وروي عن أبي عمرو: غشوة؛ ردّه إلى أصل المصدر. قال ظ±بن كيسان: ويجوز غَشْوة وغُشْوة وأجودها غِشاوة؛ كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملاً على الشيء، نحو عِمامة وكِنانة وقِلادة وعِصابة وغير ذلك

    وقال ابو حيان فى بحره

    وقرأ الحسن باختلاف عنه وزيد بن علي: غشاوة بضم الغين ورفع التاء، وأصحاب عبد الله بالفتح والنصب وسكون الشين، وعبيد بن عمير كذلك، إلا أنه رفع التاء. وقرأ بعضهم غشوة بالكسر والرفع، وبعضهم غشوة وهي قراءة أبي حيوة، والأعمش قرأ بالفتح والرفع والنصب. وقال الثوري: كان أصحاب عبد الله يقرأونها غشية بفتح الغين والياء والرفع. اهـ. وقال يعقوب: غشوة بالضم لغة، ولم يؤثرها عن أحد من القراء.

    قال بعض المفسرين: وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة، والأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهذا يجيء وزنها: كالصمامة، والعمامة، والعصابة، والريانة، وغير ذلك. وقرأ بعضهم: غشاوة بالعين المهملة المكسورة والرفع من العشي، وهو شبه العمى في العين.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الخامسة

    يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ }

    قال ابن عطية فى تفسيره

    واختلف القراء في يخادعون الثاني.

    فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " يخادعون ".

    وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: " وما يخدعون ".

    وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة: " يُخدعون " بضم الياء.

    وقرأ قتادة ومورق العجلي: " يُخَدِّعون " بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال وشدها. فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر: [عمرو بن كلثوم]: [الوافر].

    ألاَ لاَ يجْهلنْ أحدٌ عليْنا فَنَجْهل فوق جهْل الجاهلينا
    فجعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل.

    وتتجه أيضاً هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر: [الكميت] [الطويل].

    تذكر من أَنَّى ومن أين شربه يؤامرُ نفسيه كذي الهجمة الأبل
    وأنشد ابن الأعرابي: [المنسرح]

    لم تدر ما لا ولست قائلها عمرك ما عشت آخر الأبد
    ولم تؤامرْ نفسيك ممترياً فيـ ـهـا وفي أختها ولم تكد
    وقال الآخر:

    يؤامر نفسيهِ وفي العيشِ فُسْحَةٌ أيستوتغ الذوبانَ أمْ لا يـطورُها
    وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي: [الطويل]

    وكنتَ كذات الضنء لم تدر إذْ بَغَتْ تؤامرُ نفسيْها أتسرِقُ أم تزني
    ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلكَ الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول: " خادعت الرجل " بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، والمصدر " خِدع " بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم فيها. ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى:
    { واختار موسى قومه }
    [الأعراف: 155] أي من قومه وإما أن يكون " يخدعون " أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم، ونحوه قول الله تعالى:
    { ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم }
    [البقرة: 187] ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله تعالى:
    { هل لك إلى أن تزكى }
    [النازعات: 18] وإنما يقال هل لك في كذا، ولكن لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة الكلام، ومنه قول الفرزدق: [الرجز]:

    كيف تراني قالباً مجني قد قتل الله زياداً عنّي
    لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر: [نحيف العامري]: [الوافر]

    إذا رضيت عليّ بنو قشيرٍ لعمر اللَّهِ أعجبني رضاها
    لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي.

    وأما الكسائي فقال في هذا البيت: " وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجرى نقائضها ".

    ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله.

    قال الخليل: " يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة ".

    قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد فاعل إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي تجيء فيه فاعل.

    وقال الطبري

    إن قال لنا قائل أولـيس الـمنافقون قد خدعوا الـمؤمنـين بـما أظهروا بألسنتهم من قيل الـحقّ عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم حتـى سلـمت لهم دنـياهم وإن كانوا قد كانوا مخدوعين فـي أمر آخرتهم؟ قـيـل خطأ أن يقال إنهم خدعوا الـمؤمنـين لأنا إذا قلنا ذلك أوجبنا لهم حقـيقة خدعة جاءت لهم علـى الـمؤمنـين، كما أنا لو قلنا قتل فلان فلاناً، أوجبنا له حقـيقة قتل كان منه لفلان. ولكنا نقول خادع الـمنافقون ربهم والـمؤمنـين، ولـم يخدعوهم بل خدعوا أنفسهم، كما قال جل ثناؤه، دون غيرها، نظير ما تقول فـي رجل قاتل آخر فقتل نفسه ولـم يقتل صاحبه قاتل فلان فلاناً ولـم يقتل إلا نفسه، فتوجب له مقاتلة صاحبه، وتنفـي عنه قتله صاحبه، وتوجب له قتل نفسه. فكذلك تقول خادع الـمنافق ربه والـمؤمنـين، ولـم يخدع إلا نفسه، فتثبت منه مخادعة ربه والـمؤمنـين، وتنفـي عنه أن يكون خدع غير نفسه لأن الـخادع هو الذي قد صحت له الـخديعة ووقع منه فعلها.

    فـالـمنافقون لـم يخدعوا غير أنفسهم، لأن ما كان لهم من مال وأهل فلـم يكن الـمسلـمون ملكوه علـيهم فـي حال خداعهم إياهم عنه بنفـاقهم ولا قبلها فـيستنقذوه بخداعهم منهم، وإنـما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غير الذي فـي ضمائرهم، ويحكم الله لهم فـي أموالهم وأنفسهم وذراريهم فـي ظاهر أمورهم بحكم ما انتسبوا إلـيه من الـملة، والله بـما يخفون من أمورهم عالـم. وإنـما الـخادع من خَتَلَ غيره عن شيئه، والـمخدوع غير عالـم بـموضع خديعة خادعه. فأما والـمخادَع عارف بخداع صاحبه إياه، وغير لاحقه من خداعه إياه مكروه، بل إنـما يتـجافـى للظان به أنه له مخادع استدراجاً لـيبلغ غاية يتكامل له علـيه الـحجة للعقوبة التـي هو بها موقع عند بلوغه إياها. والـمستدرج غير عالـم بحال نفسه عند مستدرجه، ولا عارف بـاطلاعه علـى ضميره، وأن إمهال مستدرجه وتركه إياه معاقبته علـى جرمه لـيبلغ الـمخاتل الـمخادع من استـحقاقه عقوبة مستدرجه بكثرة إساءته وطول عصيانه إياه وكثرة صفح الـمستدرج وطول عفوه عنه أقصى غاية، فإنـما هو خادع نفسه لا شك دون من حدثته نفسه أنه له مخادع. ولذلك نفـى الله جل ثناؤه عن الـمنافق أن يكون خدع غير نفسه، إذ كانت الصفة التـي وصفنا صفته. وإذ كان الأمر علـى ما وصفنا من خداع الـمنافق ربه وأهل الإيـمان به، وأنه غير سائر بخداعه ذلك إلـى خديعة صحيحة إلا لنفسه دون غيرها لـما يورطها بفعله من الهلاك والعطب،

    فـالواجب إذا أن يكون الصحيح من القراءة { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون «وما يخادعون»، لأن لفظ الـمخادع غير موجب تثبـيت خديعة علـى صحة، ولفظ خادع موجب تثبـيت خديعة علـى صحة. ولا شك أن الـمنافق قد أوجب خديعة الله عز وجل لنفسه بـما ركب من خداعه ربه ورسوله والـمؤمنـين بنفـاقه، فلذلك وجبت الصحة لقراءة من قرأ { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم }. ومن الدلالة أيضا علـى أن قراءة من قرأ { وما يَخْدَعُونَ } أولـى بـالصحة من قراءة من قرأ «وما يخادعون» أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والـمؤمنـين فـي أول الآية، فمـحال أن ينفـي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضادّ فـي الـمعنى، وذلك غير جائز من الله جل وعز

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة السادسة

    { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }

    قال الطبري

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }. اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟ ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
    البقرة 8-9 بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم

    { ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
    البقرة 8 وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى
    { إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
    المنافقون 1-2 والآية الأخرى فـي الـمـجادلة
    { ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
    المجادلة 16 فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى
    { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
    المنافقون 1 لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب. وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله
    { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
    المنافقون 1 بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء

    ملحوظة

    القراءتان متواترتان صحيحتان

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة السابعة

    { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

    قال السمين

    والمشهورُ فتحُ الياءِ من " يَمُدُّهم " ، وقُرئ شاذاً بِضمِّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بِمعنى واحدٍ، تقول: مَدَّة وأَمَدَّه بكذا، وقيل: مَدَّه إذا زاده من جنسه، وأَمَدَّه إذا زادَه من غير جنسِه، وقيل: مَدَّه في الشرِّ، كقوله تعالى:
    { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ظ±لْعَذَابِ مَدّاً }
    [مريم: 79]، وَأَمَدَّه في الخير، كقوله:
    { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }
    [نوح: 12]،
    { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ }
    [الطور: 22]،
    { أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ }
    [آل عمران: 124]، إلا أنَّه يُعَكِّر على هذين الفرقين أنه قرئ:
    { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ظ±لْغَيِّ }
    [الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيهِ ضَمِّ الياء أنه بمنزلةِ قولِهِ تعالى:
    { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ }
    [آل عمران: 21]
    { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىظ° }
    [الليل: 10]، يعني أبو علي ـ رحمه الله تعالى ـ بذلك أنه على سبيل التهكم.

    وقال الزمخشري: " فإنْ قُلْتَ: لِمَ زعمت أنه من المَدَدِ دون المَدِّ في العُمْرِ والإِملاءِ والإِمهالِ؟ قلت: كفاك دليلاً على ذلك قراءةُ ابنِ كثير وابنِ محيصن: " ويُمِدُّهم " وقراءةُ نافعِ " " وإخوانُهم يُمِدُّونهم " على أنَّ الذي بمعنى أمهله إنما هو " مَدَّ له " باللام كأَمْلىوالمشهورُ فتحُ الياءِ من " يَمُدُّهم " ، وقُرئ شاذاً بِضمِّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بِمعنى واحدٍ، تقول: مَدَّة وأَمَدَّه بكذا، وقيل: مَدَّه إذا زاده من جنسه، وأَمَدَّه إذا زادَه من غير جنسِه، وقيل: مَدَّه في الشرِّ، كقوله تعالى:
    { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ظ±لْعَذَابِ مَدّاً }
    [مريم: 79]، وَأَمَدَّه في الخير، كقوله:
    { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }
    [نوح: 12]،
    { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ }
    [الطور: 22]،
    { أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ }
    [آل عمران: 124]، إلا أنَّه يُعَكِّر على هذين الفرقين أنه قرئ:
    { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ظ±لْغَيِّ }
    [الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيهِ ضَمِّ الياء أنه بمنزلةِ قولِهِ تعالى:
    { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ }
    [آل عمران: 21]
    { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىظ° }
    [الليل: 10]، يعني أبو علي ـ رحمه الله تعالى ـ بذلك أنه على سبيل التهكم.

    وقال الزمخشري: " فإنْ قُلْتَ: لِمَ زعمت أنه من المَدَدِ دون المَدِّ في العُمْرِ والإِملاءِ والإِمهالِ؟ قلت: كفاك دليلاً على ذلك قراءةُ ابنِ كثير وابنِ محيصن: " ويُمِدُّهم " وقراءةُ نافعِ " " وإخوانُهم يُمِدُّونهم " على أنَّ الذي بمعنى أمهله إنما هو " مَدَّ له " باللام كأَمْلى له

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الثامنة

    { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }

    قال ابن عطية

    وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ " يَضل " بفتح الياء " كثيرٌ " بالرفع " ويهدي به كثير. وما يضل به إلا الفاسقون " بالرفع.

    قال أبو عمرو الداني: " هذه قراءة القدرية وابن أبي عبله من ثقات الشاميين ومن أهل السنة، ولا تصح هذه القرءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف ".

    وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى: " يُضل " بضم الياء وفي الثانية " وما يَضل " بفتح الياء " به إلا الفاسقون ".

    قال القاضي أبو محمد: وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع عليه.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة التاسعة

    { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ زيد بن علي " خليقة " بالقاف.

    { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَي حِينٍ }

    قال السمين

    قوله: { فَأَزَلَّهُمَا ظ±لشَّيْطَانُ عَنْهَا }: المفعولُ هنا واجبُ التقديمِ لأنه ضميرٌ متصلٌ، والفاعلُ ظاهرٌ، وكلُّ ما كان كذا فهذا حكمُه. قرأ حمزة: " فَأَزَالهما " والقِراءتان يُحتمل أن تكونا بمعنىً واحدٍ، وذلك أنَّ قراءةَ الجماعةِ " أَزَلَّهما " يجوز أَنْ تكونَ مِنْ " زَلَّ عن المكان " إذا تَنَحَّى عنه فتكونَ من الزوالِ كقراءَةِ حمزة، ويَدُلُّ عليه قولُ امرئ القيس:
    378ـ كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمُتَنَزَّلِ
    وقال أيضاً:
    379ـ يَزِلُّ الغلامُ الخِفُّ عن صَهَوَاتِهِ ويَلْوِي بأثوابِ العنيفِ المُثَقَّلِ
    فَرَدَدْنا قراءَة الجماعة إلى قراءة حمزة، أو نَرُدُّ قراءَةَ حمزةَ إلى قراءَةِ الجماعة بأَنْ نقول: معنى أزالَهما أي: صَرَفَهُمَا عن طاعةِ الله تعالى فَأَوْقَعَهما في الزَلَّةِ لأنَّ إغواءَه وإيقاعَه لهُما في الزَلَةِ سببُ للزوالِ. ويُحتمل أن تفيدَ كلُّ قراءةٍ معنًى مستقلاً، فقراءةُ الجماعةُ تُؤْذِنُ بإيقاعهما في الزَّلَّةِ، فيكونُ زلَّ استنزل، وقراءةُ حمزة تؤذن بتنحيتِهما عن مكانِهما، ولا بُدَّ من المجازِ في كلتا القراءتينِ لأن الزَّلَل [أصلُه] في زَلَّة القَدَمِ، فاستُعْمِلَ هنا في زَلَّةِ الرأي، والتنحيةُ لا يَقْدِر عليها الشيطانُ، وإنما يَقْدِرُ على الوسوسَةِ التي هي في زَلَّة الرأي، والتحيةُ لا يقْدِر عليها الشيطانُ، وإنما يَقْدِرُ على الوسوسَةِ التي هي سببُ التنحيةِ. و " عنها " متعلقٌ بالفعلِ قبلَه. ومعنى " عَنْ " هنا السببيَّةُ إن أَعَدْنَا الضميرَ على " الشجرة " أي: أَوْقَعَهما في الزَّلَّةِ بسبب الشجرة. ويجوز أن تكونَ على بابِها من المجاوزة إن [عاد] الضميرُ على " الجَنَّةِ " ، وهو الأظهرُ، لتقدُّمِ ذِكْرِها، وتجيءُ عليه قراءةُ حمزة واضحةً، ولا تظهَرُ قراءتُهُ كلَّ الظهورِ على كونِ الضميرِ للشجرة، قال ابن عطية: " وأمَّا مَنْ قرأ " أَزَالهما " فإنَّه يعودُ على الجَنَّةِ فقط " ، وقيل: الضميرُ للطاعةِ أو للحالة أو للسماءِ وإن لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ لدَلالةِ السياقِ عليها وهذا بعيدٌ جداً.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ { فَأَزَلَّهُمَا } لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي الـحرف الذي يتلوه بأن إبلـيس أخرجهما مـما كانا فـيه، وذلك هو معنى قوله فأزالهما، فلا وجه إذ كان معنى الإزالة معنى التنـحية والإخراج أن يقال «فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مـما كانا فـيه»، فـيكون كقوله «فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مـما كانا فـيه»، ولكن الـمعنى الـمفهوم أن يقال فـاستزلهما إبلـيس عن طاعة الله، كما قال جل ثناؤه { فَأَزَلَّهُمَا ظ±لشَّيْطَانُ } وقرأت به القراء، فأخرجهما بـاستزلاله إياهما من الـجنة

    فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

    قال ابن عطية

    و { آدمُ } رفع بـ " تلقى " ، و { كلمات } نصب بها، والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم.

    وحكى مكي قولاً: أنه أُلهِمَهاها فانتفع بها.

    وقرأ ابن كثير: " آدمَ " بالنصب. " من ربه كلماتٌ " بالرفع، فالتلقي من الكلمات هو نيل آدم بسببها رحمة الله وتوبته

    { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَالِكُمْ بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " يذبِّحون " بشد الباء المكسورة على المبالغة، وقرأ ابن محيصن: " يذبحون " بالتخفيف، والأول أرجح إذ الذبح متكرر. كان فرعون على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر، فأولت له رؤياه أن مولوداً من بني إسرائيل ينشأ فيخرب ملك فرعون على يديه.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة العاشرة

    { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }

    قال القرطبي

    الأولى: قوله تعالى: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىظ° أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } قرأ أبو عمرو «وَعَدْنَا» بغير ألفٍ، وظ±ختاره أبو عبيد ورجّحه وأنكر { وَاعَدْنَا } قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن؛ كقوله عز وجل:
    { وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ }
    [إبراهيم: 14] وقوله:
    { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ }
    [النور: 55]، وقوله:
    { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ظ±للَّهُ إِحْدَى ظ±لطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ }
    [الأنفال: 7]. قال مكيّ: وأيضاً فإن ظاهر اللفظ فيه وَعْدٌ من الله تعالى لموسى، وليس فيه وعد من موسى؛ فوجب حمله على الواحد، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده؛ وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر؛ وبه قرأ قتادة وظ±بن أبي إسحظ°ق. قال أبو حاتم: قراءة العامة عندنا «وعدنا» بغير ألف؛ لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين، كل واحد منهما يَعِد صاحبه. قال الجوهري: الميعاد: المواعدة والوقت والموضع. قال مكيّ: المواعدة أصلها من ظ±ثنين، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب؛ قالوا: طارقت النّعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص؛ والفعل من واحد. فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا؛ فتكون القراءتان بمعنىً واحد. والاختيار { وَاعَدْنَا } بالألف لأنه بمعنى «وعدنا» في أحد معنييه، ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة. قال النحاس: وقراءة { وَاعَدْنَا } بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وظ±بن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي؛ وليس قوله عز وجل: { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ } من هذا في شيء؛ لأن { وَاعَدْنَا مُوسَىظ° } إنما هو من باب الموافاة؛ وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا. والفصيح في هذا أن يقال: واعدته. قال أبو إسحظ°ق الزجاج: { وَظ°عَدْنَا } ها هنا بالألف جيّد؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة؛ فمن الله جل وعز وَعْد، ومن موسى قبول وظ±تباع يجري مجرى المواعدة. قال ظ±بن عطية. ورجّح أبو عبيدة «وعدنا» وليس بصحيح؛ لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وظ±رتقابه يشبه المواعدة

    وقال الطبري

    اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأ بعضهم { وَظ°عَدْنَا } بـمعنى أن الله تعالـى واعد موسى ملاقاة الطور لـمناجاته، فكانت الـمواعدة من الله لـموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم علـى اختـيارهم قراءة { وَظ°عَدْنَا } علـى «وعدنا» أن قالوا كل إيعاد كان بـين اثنـين للالتقاء أو الاجتـماع، فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك، فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ { وَظ°عَدْنَا } بـالاختـيار علـى قراءة من قرأ «وعدنا». وقرأ بعضهم «وعَدْنا» بـمعنى أن الله الواعد موسى، والـمنفرد بـالوعد دونه. وكان من حجتهم فـي اختـيارهم ذلك، أن قالوا إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر، فأما الله جل ثناؤه فإنه الـمنفرد بـالوعد والوعيد فـي كل خير وشرّ. قالوا وبذلك جاء التنزيـل فـي القرآن كله، فقال جل ثناؤه
    { إِنَّ ظ±للَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ }
    ابراهيم 22 وقال
    { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ظ±للَّهُ إِحْدَى ظ±لطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ }
    الأنفال 7 قالوا فكذلك الواجب أن يكون هو الـمنفرد بـالوعد فـي قوله «وإذْ وَعَدْنا مُوسَى». والصواب عندنا فـي ذلك من القول، أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء، ولـيس فـي القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان فـي إحداهما زيادة معنى علـى الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة الـمفهوم بهما فهما متفقتان، وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بـموضع من الـمواضع، فمعلوم أن الـموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك الـمكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفـاق منهما علـيه. ومعلوم أن موسى صلوات الله علـيه لـم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فـيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضياً، وإلـى مـحبته فـيه مسارعاً. ومعقول أن الله تعالـى لـم يعد موسى ذلك إلا وموسى إلـيه مستـجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء، وكان الله عزّ ذكره لـموسى واعداً ومواعداً له الـمناجاة علـى الطور، وكان موسى واعداً لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتـين من «وعد» و«واعد» قرأ القارىء، فهو الـحقّ فـي ذلك من جهة التأويـل واللغة، مصيب لـما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر، وأن الله بـالوعد والوعيد منفرد فـي كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بـالوعد والوعيد فـي الثواب والعقاب والـخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بـيده وإلـيه دون سائر خـلقه، لا يحيـل الكلام الـجاري بـين الناس فـي استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانـيه. والـجاري بـين الناس من الكلام الـمفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بـين اثنـين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بـينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الإنفراد من الواعد دون الـموعود إنـما هو ما كان بـمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.

    { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

    قال القرطبي

    وقرأ قتادة: فأقيلوا أنفسكم ـ من الإقالة ـ؛ أي ظ±ستقبلوها من العثرة بالقتل.

    وقال ابن عطية

    وقرأ قتادة: " فاقتالوا أنفسكم ": وقال: " هي من الاستقالة ".

    قال أبو الفتح: " اقتال " هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واواً كاقتادوا، ويحتمل أن يكون ياء " كاقتاس " والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده.

    وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: " حطة " بالنصب.

    وحكي عن ابن مسعود وغيره: أنهم أمروا بالسجود وأن يقولوا { حطة } فدخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من الألفاظ.

    وقرأ نافع: " يُغفر " بالياء من تحت مضمومة.

    وقرأ ابن عامر: " تُغفر " بالتاء من فوق مضمومة.

    وقرأ أبو بكر عن عاصم: " يَغفر " بفتح الياء على معنى يغفر الله.

    وقرأ الباقون: " نغفر " بالنون.

    وقرأت طائفة " تغفر " كأن الحطة تكون سبب الغفران، والقراء السبعة على { خطاياكم } ، غير أن الكسائي كان يميلها.

    وقرأ الجحدري: " تُغفر لكم خطيئتُكُمْ " بضم التاء من فوق وبرفع الخطيئة.

    وقرأ الأعمش: " يغفر " بالياء من أسفل مفتوحة " خطيئتَكُم " نصباً.

    وقرأ قتادة مثل الجحدري، وروي عنه أنه قرأ بالياء من أسفل مضمومة خطيئتكم رفعاً.

    وقرأ الحسن البصري: " يغفر لكم خطيئاتِكم " أي يغفر الله.

    وقرأ أبو حيوة: " تغفر " بالتاء من فوق مرفوعة " خطيئاتُكم " بالجمع ورفع التاء.

    وقال السمين

    قوله:حِطَّة " قُرِئ بالرفع والنصب، فالرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: مسألتُنا حِطَّة أو أمرُك حِطَّة، قال الزمخشري: والأصلُ النصبُ، بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفِعَتْ لتعطِيَ [معنى] الثباتِ، كقوله:
    484ـ شَكا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى صَبْرٌ جميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى
    والأصلُ: صَبْراً عليَّ، اصبرْ صبراً " ، فَجَعَلَه من بابِ
    { سَلاَمٌ عَلَيْكُم }
    [الرعد: 24]، وتكون الجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وقال ابنُ عطية: " وقيل: أُمِروا أن يقولوها مرفوعةً على هذا اللفظِ " يعني على الحكايةِ، فعلى هذا تكونُ هي وحدَها من غيرِ تقديرِ شيءٍ مَعَها في مَحلِّ نصبٍ بالقول، وإنما مَنَعَ النصبَ حركةُ الحكايةِ. وقال أيضاً: " وقال عكرمة: أُمِروا أن يقولوا لا إله إلا اللهُ، لتُحَطَّ بها ذنوبهُم " وحكى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال: " فعلى هذه الأقوالِ تقتضي النصبَ، يعني أنه إذا كان المعنى على أنَّ المأمورَ به لا يتعيَّنُ أن يكونَ بهذا اللفظِ الخاصِّ، بل بأيِّ شيء يقتضي حَطَّ الخطيئةِ فكان ينبغي أن ينتصبَ ما بعد القول مفعولاً به نحو: قُلْ لزيد خيراً، المعنى: قل له ما هو من جنس الخُيور

    وقال النحاس: " الرفعُ أَوْلى لِما حُكي عن العرب في معنى بَدَّل، قال أحمد بن يحيى: " يقال: بَدَّلْتُهُ أي غَيَّرْتُهُ ولم أُزِلْ عينَه، وأَبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينَه وشخصَه كقوله:
    485ـ عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
    وقال تعالى:
    { ظ±ئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـظ°ذَآ أَوْ بَدِّلْهُ }
    [يونس: 15]، ولحديث ابن مسعود " قالوا حِنْطة " تفسيرٌ على الرفع يعني أنَّ الله تعالى قال: " فبدَّل " الذي يقتضي التغييرَ لا زوالَ العَيْنِ، وهذا المعنى يَقْتضي الرفعَ لا النصبَ.

    وقرأ ابنُ أبي عبلة " حِطَّةً " بالنصب، وفيها وجهان: أحدُهما: أنها مصدرٌ نائبٌ عن الفعلِ، نحو: ضَرْباً زيداً، والثاني: أن تكونَ منصوبةً بالقولِ أي: قولوا هذا اللفظَ بعينِه، كما تقدَّم في وجهِ الرفعِ، فهي على الأوَّلِ منصوبةٌ بالفعلِ المقدِّرِ، وذلك الفعلُ المقدَّرُ ومنصوبُه في محلِّ نصبٍ بالقولِ، ورجَّحَ الزمخشري هذا الوجهَ.

    والحِطَّةُ: اسمٌ للهيئةِ من الحَطِّ كالجِلْسَةِ والقِعْدَة، وقيل: هي لفظةٌ أُمِروا بها ولا ندري مَعْناها، وقيل: هي التوبةُ، وأنشد:
    486ـ فاز بالحِطَّة التي جَعَلَ اللـ ـهُ بها ذنبَ عبدهِ مَغْفُورا
    قوله: " نَغْفِرْ " هو مجزومٌ في جوابِ الأمر، وقد تقدَّم الخلافُ: هل الجازمُ نفسُ الجملةِ أو شرطٌ مقدَّرٌ؟ أي: إنْ يقولوا نَغْفِرْ. وقُرئ " نَغْفِرْ " بالنون وهو جارٍ على ما قبله من قولِه " وإذ قلنا " و " تُغْفَرْ " مبنياً للمفعول بالتاءِ والياء. و " خَطاياكم " مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالتاءُ لتأنيثِ الخَطايا، والياءُ لأن تأنيثَها غيرُ حقيقي، وللفصلِ أيضاً بـ " لكم ". وقُرئ " يَغْفِرْ " مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، وهي في معنى القراءةِ الأولى، إلا أنَّ فيه التفاتاً. و " لكم " متعلق بـ " نَغْفِرْ ". وأدغم أبو عمرو الراءَ في اللام، والنحاةُ يَسْتَضْعِفُونها، قالوا: لأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فهي أقوى من اللامِ، والقاعدةُ أنَّ الأضعفَ يُدْغَمُ في الأقوى من غيرِ عَكْسٍ، وليسَ فيها ضَعْفٌ؛ لأنَّ انحرافَ اللامِ يقاوِمُ تكريرَ الراءِ. وقد طَوَّل أبو البقاء وغيرُه في بيانِ ضَعْفِها وقد تقدَّم جوابُه.

    { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }

    قال القرطبي

    الرابعة: قوله تعالى: { رِجْزاً } قراءة الجماعة «رِجْزاً» بكسر الراء، وظ±بن مُحَيْصِن بضم الراء. والرجز: العذاب (بالزاي)، و (بالسين): النَّتْن والقَذَر؛ ومنه قوله تعالى:
    { فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىظ° رِجْسِهِمْ }
    [التوبة: 125] أي نَتْناً إلى نَتْنِهم؛ قاله الكِسائي. وقال الفرّاء: الرَّجْز هو الرِّجْس. قال أبو عبيد: كما يقال السُّدْغ والزُّدْغ، وكذا رِجْس ورِجْز بمعنًى. قال الفرّاء: وذكر بعضهم أن الرُّجز (بالضم): ظ±سم صنم كانوا يعبدونه؛ وقرىء بذلك في قوله تعالى:
    { وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ }
    [المدثر: 5]. والرَّجَز (بفتح الراي والجيم): نوع من الشِّعْر؛ وأنكر الخليل أن يكون شِعراً. وهو مشتق من الرَّجَز؛ وهو داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت ظ±رتعشت أفخاذها

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الحادية عشر

    { وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }


    قال ابن عطية

    وقال عطاء وقتادة: " الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز كالحنطة والفول والعدس ونحوه ".

    وقال الضحاك: " الفوم الثوم " ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود بالثاء،...

    { اهبطوا } ، وتقدم ذكر معنى الهبوط، وكأن القادم على قطر منصب عليه، فهو من نحو الهبوط، وجمهور الناس يقرؤون " مصراً " بالتنوين وهو خط المصحف، إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي الله عنه.

    وقال مجاهد وغيره ممن صرفها: " أراد مصراً من الأمصار غير معين " ، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه.

    وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها.

    وقال الأخفش: " لخفتها وشبهها بهند ودعد " وسيبويه لا يجيز هذا.

    وقال غير الأخفش: " أراد المكان فصرف ".

    وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما: " اهبطوا مصر " بترك الصرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب وقالوا: " هي مصر فرعون ".

    قال الأعمش: " هي مصر التي عليها صالح بن علي ".

    وقال أشهب: " قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون "...

    وقال السمين

    قوله: " الأنبياءَ " مفعولٌ به جمع نبيّ، والقُرَّاء على تَرْك الهمز في النُّبُوَّة وما تَصَرَّف منها، ونافعٌ المدنيُّ على الهمزِ في الجميع إلا موضعين: في سورةِ الأحزابِ " للنبيِّ إن أراد " " [لا تَدْخُلوا] بيوتَ النبيِّ إلاَّ " فإنَّ قالون حَكَى عنه في الوصلِ كالجماعةِ وسيأتي. فأمّا مَن هَمَز فإنه جَعَله مشتقاً من النبأ وهو الخبر، فالنبيُّ فعيل بمعنى فاعل، أي: مُنَبِّئٌ عن الله برسالته، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى مَفْعول أي: إنه مُنَبَّأ مِن الله بأوامِره ونواهِيه، واستدلُّوا على ذلك بجَمْعِهِ على نُبَآء، كظريف وظُرَفاء، قال العباس ابن مرداس:
    509ـ يا خاتَم النُّبَآء إنَّك مُرْسَلٌ بالخيرِ، كلُّ هدى السبيلِ هُداكا
    فظهورُ الهمزتين يَدُلُّ على كونِهِ من النبأ، واستضعف بعضُ النحويين هذه القراءةَ، قال أبو علي: " قال سيبويه: " بلغنَا أنّ قوماً من أهل التحقيق يحقِّقون نَبيَّاً وبَريَّة، قال: وهو رديء " ، وإنما استردَأَه لأن الغالبَ التخفيفُ " وقال أبو عبيد: " الجمهورُ الأعظمُ من القُرَّاء والعوام على إسقاط الهمز من النبيّ والأنبياء، وكذلك أكثرُ العرب مع حديث رويناه، فذكر أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا نبيءَ الله " فهمز، فقال: " لست نبيءَ الله " فهمز، " ولكن نبيُّ اللهِ " ولم يهمز، فأنكر عليه الهمز، قال: " وقال لي أبو عبيدة: العربُ تُبْدِل الهمزَ في ثلاثةِ أحرف: النبي والبريَّة والخابية وأصلهنَّ الهمزُ " ، قال أبو عبيدة: " ومنها حرف رابع: الذُّرِّيَّة من ذرأ يذرأ، ويدل على أن الأصلَ الهمزُ قولُ سيبويه: إنهم كلَّهم يقول: تنبَّأ مسيلمة فيهمزون، وبهذا لا ينبغي أن تُرَدَّ به قراءة هذا الإِمامِ الكبير. أمَّا الحديثُ فقد ضَعَّفوه، قال ابنُ عطية: " مِمَّا يُقَوِّيَ ضعفَه أنه لمَّا أَنْشده العباس: " يا خاتم النُّبآء " لم يُنْكِرهْ، ولا فرقَ بين الجمع والواحد " ، ولكنَّ هذا الحديثَ قد ذكره الحاكم في المستدرك، وقال: هو صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يُخْرجاه. قلت: فإذا كان ذلك كذلك فَلْيُلْتَمَسْ للحديثِ تخريجٌ يكونُ جواباً عن قراءة نافع، على أن القطعيَّ لا يُعارَضُ بالظني، وإنما نذكرُه زيادةَ فائدةِ والجواب عن الحديث أن أبا زيد حكى: " نَبَأْتُ من أرضِ كذا إلى أَرض كذا " أي: خَرَجْتُ منها إليها، فقوله: " يا نبيءَ الله " بالهمز يُوهم يا طريدَ الله الذي أخرجه من بلدِه إلى غيره، فنهاهُ عن ذلك لإِيهامِهِ ما ذكرنا، لا لسبب يتعلَّق بالقراءةِ.

    ونظيرُ ذلك نَهْيُه للمؤمنين عن قولهم: " راعِنا " ، لَمَّا وَجَدَتِ اليهودُ بذلك طريقاً إلى السبِّ به في لغتهم، أو يكونُ حَضَّاً منه عليه السلام على تحرِّي أفصحِ اللغاتِ في القرآنِ وغيرِه.

    وأمَّا مَنْ لم يَهْمِزْ فإنَّه يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه من المهموزِ ولكِنْ خُفِّفَ، وهذا أَوْلى ليوافِقَ القراءتين ولظهورِ الهمزِ في قولِهم: تَنَبَّأ مُسَيلَمَةُ، وقولِه: " يا خاتَم النُّبآء ". والثاني: أنه أصلٌ آخرُ بنفسِه مشتقٌ من نَبا ينبو إذا ظَهَرَ وارتفع، ولا شك أن رتبة النبيِّ مرتفعةٌ ومنزلتَه ظاهرةٌ بخلاف غيره من الخَلْق....

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الثانية عشر

    { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَظ±لصَّابِئِينَ } جمع صابىء، وقيل: صابٍ؛ ولذلك ظ±ختلفوا في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعاً. فمن همزه جعله من صَبأتِ النّجوم إذا طلعت، وَصَبَأتْ ثَنِيّةُ الغلامِ إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال.

    فالصابىء في اللغة: من خرج ومال من دين إلى دين؛ ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب.

    وقال ابن عطية

    والصابىء في اللغة من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبا، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيهاً بالصابئين في الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا الله، وطائفة همزته وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت، قال أبو علي: يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابىء التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابىء على القوم تارك لأرضه ومتنقل إلى سواها، وبالهمزة قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال، أو يجعله على قلب الهمزة ياء، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر

    { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }

    قال القرطبي

    وقرأ ظ±بن كَثير { يَعْمَلُونَ } بالياء؛ والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام.

    أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " أولا يعلمون " بالياء من أسفل، وقرأ ابن محيصن " أولا تعلمون " بالتاء خطاباً للمؤمنين،

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلوةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ }

    قال ابن عطية

    وقوله تعالى: { وقولوا للناس حسناً } ، أمر عطف على ما تضمنه { لا تعبدون إلا الله } وما بعده من معنى الأمر والنهي، أو على أحسنوا المقدر في قوله { وبالوالدين } ، وقرأ حمزة والكسائي " حَسَناً " بفتح الحاء والسين، قال الأخفش: هما بمعنى واحد كالبخل والبخل، قال الزجاج وغيره: بل المعنى في القراءتين وقولوا قولاً حسناً بفتح السين أو قولاً ذا " حُسن " بضم الحاء، وقرأ قوم " حسنى " مثل فعلى، ورده سيبويه لأنه أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها، وقرأ عيسى بن عمر وعطاء بن أبي رباح " حُسُناً " بضم الحاء والسين، وقال ابن عباس: معنى الكلام قولوا لهم لا إلا إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريج: قولوا لهم حسناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان الثوري: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال أبو العالية: معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق، وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله تعالى { وقولوا للناس حسناً }: منسوخ بآية السيف.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الثالثة عشر

    ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ غڑ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

    قال الرازى

    قرأ نافع وعاصم والكسائي: أسارى تفادوهم بالألف فيهما، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون: «أسارى» بالألف و «تفدوهم» بغير ألف و «الأسرى» جمع أسير كجريح وجرحى، وفي أسارى قولان: أحدهما: أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى، والثاني: جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى، وقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة، وأنكر ثعلب ذلك، وقال علي بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز....

    وقال السمين

    قوله: { تُفَادُوهُمْ } قرأ نافع وعاصم والكسائي: " تُفادُوهم " ، وهو جوابُ الشرطِ فلذلك حُذِفَت نونُ الرفعِ، وهل القراءتان بمعنىً واحدٍ، ويكونُ معنى فاعَلَ مثلَ معنى فَعَل المجرد نحو: عاقَبْت وسافَرْت، أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهورٌ، ثم اختلف الناسُ في ذلك الفرقِ ما هو؟ فقيل: مَعْنَى فَداه أَعْطى فيه فِداءٍ من مالٍ وفاداه أعطى فيه أسيراً مثلَه وأنشد:
    592ـ ولكنِّني فادَيْت أمِّي بعدما عَلا الرأسَ كَبْرَةٌ ومَشِيبُ
    بِعَبْدَيْن مَرْضِيَّيْنِ لم يَكُ فيهما لَئِنْ عُرِضا للناظِرين مَعِيبُ
    وهذا القول يَرُدُّه قولُ العباس رضي الله عنه: " فادَيْت نفسي وفادَيْتَ عَقيلا " ومعلومٌ أنه لم يُعْطِ أسيرَه في مقابلة نفسِه ولا وَلَدِه، وقيل: " تَفْدُوهم بالصلح وتُفادُوهم بالعِتْقِ ". وقيل: " تَفْدُوهم تُعْطوا " فِدْيَتَهم، وتُفادوهم تَطْلبون من أعدائِكم فِدْيةَ الأسيرِ الذي في أيديكم، ومنه قول الشاعر:
    593ـ قفي فادِي أسيرَكِ إنَّ قومي وقومَك لا أرى لهمُ اجتماعا
    والظاهرُ أن " تُفادهم " على أصله من اثنين، وذلك أن الأسيرَ يعطي المالَ والآسِرَ يعطي الإِطلاقَ، وتَفْدُوهم على بابِه من غيرِ مشاركةٍ، وذلك أنَّ أَحدَ الفريقين يَفْدي صاحبه من الآخر بمالٍ أو غيره، فالفعلُ على الحقيقة من واحدٍ، والفداءُ ما يُفْتَدَى به، وإذا كُسِر أولُه جازَ فيه وجهان: المَدُّ والقَصْرُ فمِن المدِّ قولُ النابغة:
    594ـ مَهْلاً فِداءً لكَ الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ ومِنْ وَلَدِ
    ومن القَصْرِ قولُه:
    595ـ................................. فِدَىً لَكَ مِنْ رَبٍّ طَريفي وتالدي
    / وإذا فُتِحَ فالقصرُ فقط، ومن العربِ مَنْ يكسِرُ " فِدى " مع لام الجر خاصةً، نحو: فِدَىً لكَ أبي وأمي يريدون الدعاءَ له بذلك، وفَدى وفَادىظ° يتعدَّيان لاثنينِ أحدُهما بنفسِه والآخرُ بحرفِ جر تقول: فَدَيْتُ أو فادَيْتُ الأسير بمال، وهو محذوفٌ في الآية الكريمة. قال ابن عطية: " وحَسُنَ لفظ الإِتيانِ من حيثُ هو في مقابلةِ الإِخراج فيظهرُ التضادُّ المُقْبِحُ لفِعْلِهم في الإِخراج " يعني أنه لا يناسِبُ مَنْ أَسَأْتُمْ إليه بالإِخراجِ مِنْ دارِه أَنْ تُحْسِنُوا إليه بالفِداء.

    وقال القرطبي

    الثالثة: قوله تعالى: { تُفَادُوهُمْ } كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. والباقون «تَفْدُوهم» من الفداء. والفداء: طلب الفِدية في الأسير الذي في أيديهم. قال الجوهري: «الفداء إذا كُسِر أوله يُمدّ ويقصر، وإذا فُتح فهو مقصور؛ يقال: قُمْ ـ فدًى لك أبي. ومن العرب من يكسر «فِداءً» بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة؛ فيقول: فِداءٍ لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة:
    مَهْلاً فِداءٍ لك الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثمِّرُ من مالٍ ومن وَلَدِ
    ويقال: فَداه وفاداه إذا أعطى فِداءه فأنقذه. وفَداه بنفسه، وفدّاه يُفَدّيه إذا قال جعلت فَداك. وتَفَادَوْا؛ أي فَدَى بعضهم بعضاً». والفِدية والفَدَى والفِداء كله بمعنىً واحد. وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئاً، بمعنى فديت؛ ومنه قول العباس للنبيّ صلى الله عليه وسلم: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقِيلاً. وهما فعلان يتعدّيان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر؛ تقول: فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي؛ قال الشاعر:
    قِفِي فادِي أسيرَكَ إن قومي وقومَك ما أرى لهمُ ظ±جتماعَا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,269
    الجوهرة الرابعة عشر

    { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }


    قال السمين

    قوله: { وَأَيَّدْنَاهُ } معطوفٌ على قوله: { وَآتَيْنَا عِيسَى }. وقرأ الجمهور/ أيَّدْناه على فَعَّلْناه، وقرأ مجاهد وابن محيصن ـ ويروي عن أبي عمرو ـ " آيَدْنَاه " على: أَفْعَلْناه،...

    والصحيحُ أن فَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى واحد وهو قَوَّيْناه. وقد فَرَّق بعضُهم بينهما فقال: " أمَّا المدُّ فمعناه القوةُ، وأمَّا القصرُ فمعناه التأييدُ والنَّصْرُ " ، وهذا في الحقيقةِ ليس بفرقٍ، وقد أبدلتِ العربُ في آيَدَ على أَفْعَل الياءَ جيماً فقالت: آجَدَهُ أي قوَّاه، قال الزمخشري: " يقال: " الحمدُ لله الذي آجَدَني بعد ضَعْفٍ وأَوْجَدني بعد فَقْر " ، وهذا كما أَبْدلوا من يائِه جيماً فقالوا: لا أَفْعَل ذلك جَدَ الدهرِ أي: يدَ الدهر، وهو إبدالٌ لا يَطَّرِدُ....

    الجوهرة الخامسة عشر

    وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور القراء " غلْف " بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل " حمْر " و " صفْر " ، والمعنى قلوبنا عليها غَلَف وغشاوات فهي لا تفقه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: " المعنى عليها طابع " ، وقالت طائفة: غلْف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلّف بتثقيل اللام فخفف.

    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ الأعمش والأعرج وابن محيصن " غلّف " بتثقيل اللام جمع غلاف، ورويت عن أبي عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله: { بل لعنهم الله بكفرهم }

صفحة 1 من 23 1234511 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •