الجوهرة الرابعة والسبعون بعد المائة

قال ابن عطية

و { شغفها } معناه: بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية القلب، وقيل: " الشغاف ": سويداء القلب، وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب.

وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت وعوف ومجاهد وغيرهم: " قد شعفها " بالعين غير منقوطة، ولذلك وجهان:

أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ - على هذا - من شعف الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ".

والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]

أيقتلني وقد شعفت فؤادها كما شَعَفَ المهنوءةَ الرجلُ الطالي
والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى:

تعصي الوشاة وكان الحب آونة مما يزين للمشعوف ما صنعا
وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرآ: " قد شعِفعما " بكسر العين غير منقوطة. قال أبو حاتم: المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن: { قد شغفها } أدغم الدال في الشين.....

وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب " تُكاً " بضم الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل: هو الأترنج، وقيل: هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره، وأنشد الطبري:

نشرب الإثم بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا
وقرأ الجمهور: " متَّكأ " بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري: " متّكا " مشدد التاء من غير همز - وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وقرأ الحسن " متكاء " بالمد على إشباع الحركة....

وقال السمين

قوله: { مَا هَـظ°ذَا بَشَراً } العامَّة على إعمال " ما " على اللغة الحجازية، وهي اللغة الفصحى، ولغةُ تميم الإِهمالُ، وقد تقدَّم تحقيق هذا أول البقرة وما أنشدتُه عليه من قوله:
2789 ـ وأنا النذيرُ بحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ ..........................
البيتين. ونقل ابن عطية أنه لم يَقْرأ أحد إلا بلغة الحجاز. وقال الزمخشري: " ومَنْ قرأ على سليقته من بني تميم قرأ " بشرٌ " بالرفع وهي قراءةُ ابن مسعود ". قلت: فادِّعاء ابن عطية أنه لم يُقرأ به غير مُسَلَّم.

وقرأ العامَّة " بَشَراً " بفتح الباء على أنها كلمة واحدة. وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي " بِشِرىظ° " بكسر الباء، وهي باء الجر دخلت على " شِرى " فهما كلمتان جار ومجرور، وفيها تأويلات، أحدُهما: ما هذا بمشترى، فوضع المصدرَ موضع المفعول به كضَرْب الأمير. الثاني: ما هذا بمُباعٍ، فهو أيضاً مصدر واقع موقع المفعول به إلا أن المعنى يختلف.

الثالث: ما هذا بثمن، يَعْنِين أنه أَرْفَعُ مِنْ أنْ يُجْرىظ° عليه شيءٌ من هذه الأشياء.......

وروى عبد الوارث عن أبي عمرو كقراءة الحسن وأبي الحويرث إلا أنه قرأ عنه " إلا مَلِك " بكسر اللام واحد الملوك، نَفَوا عنه ذُلَّ المماليك/ وأثبتوا له عِزَّ الملوك.

وذكر ابن عطية كسرَ اللام عن الحسن وأبي الحويرث. وقال أبو البقاء: " وعلى هذا قُرىء " مَلِك " بكسر اللام " كأنه فهم أنَّ مَنْ قرأ بكسر الياء قرأ بكسر اللام أيضاً للمناسبة بين المعنيين، ولم يذكر الزمخشريُّ هذه القراءةَ مع كسر الباء البتة، بل يُفهم من كلامِه أنه لم يَطَّلع عليها فإنه قال: " وقرىء، ما هذا بشرىظ° أي ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيم، إنْ هذا إلا مَلَك كريم، تقول: " هذا بشرىظ° " أي: حاصلٌ بشِرىظ° بمعنى يُشْتَرَىظ°، وتقول: هذا لك بِشِرىظ° أم بِكِرا؟ والقراءةُ هي الأَوْلى لموافقتها المصحف ومطابقة " بشر " لـ " ملك ".

قوله: " لموافقتها المصحفَ " يعني أنَّ الرسم " بشراً " بالألف لا بالياء، ولو كان المعنى على " بِشِرىظ° " لَرُسِمَ بالياء. وقوله: " ومطابقة " دليلُ على أنه لم يَطَّلِعْ على كسر اللام عن مَنْ قرأ بكسر الباء....

وقال ابن عطية

وقرأت فرقة: " يَسقي ربه " من سقى، وقرأت فرقة من أسقى، وهما لمعنى واحد لغتان وقرأ عكرمة والجحدري: " فيُسقَى ربه خمراً " بضم الياء وفتح القاف أي ما يرويه.

وأخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله تعالى: إن الأمر قد قضي ووافق القدر....