الجوهرة السادسة عشر

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت }: { ما } عطف على { السحر } فهي مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه،أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل إن { ما } عطف على { ما } في قوله: { ما تتلو } ، وقيل: { ما } نافية، رد على قوله: { وما كفر سليمان } ، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى " الملِكين " بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضاً فـ { ما } نافية، وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين، { فما } على هذا القول غير نافية، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما { هاروت وماروت } ، فهذا كقول الحسن....

الجوهرة السابعة عشر

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال السمين

قوله تعالى: { لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }: الجمهورُ على " راعِنا " أمرٌ من المُراعاة، وهي النظرُ في مصالحِ الإِنسانِ وتَدَبُّرِ أمورِه، و " راعِنا " يقتضي المشاركةَ لأنَّ معناه: ليكن منك رعايةٌ لنا وليكن منا رعايةٌ لك، فَنُهوا عن ذلك لأنَّ فيه مساواتِهم به عليه السلام.

وقرأ الحسنُ وأبو حَيْوَة: " راعِناً " بالتنوين، ووجهُه أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً راعناً، وهو على طَريقِ النَسَب كلابن وتامر، والمعنى: لا تقولوا قولاً ذا رُعونة. والرُّعونة: الجَهْل والحُمْق والهَوَج، وأصلُ الرُّعونة: التفرُّقُ، ومنه: " جَيْشٌ أَرْعَنُ " أي: متفرِّقٌ في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ: أي ليس له عَقْلٌ مجتمعٌ، وامرأةٌ رَعْنَاءٌ، وقيل للبَصْرةِ: الرَّعْناء، قال:
766 ـ لولا ابنُ عُتْبَةَ عمروٌ والرجاءُ له ما كانَتِ البصرةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا
قيل: سُمِّيت بذلك لأنها أَشْبَهت " رَعْنَ الجبلِ " وهو الناتِيءُ منه، وقال ابن فارس: " يقال: رَعَن الرجلُ يَرْعَنُ رَعَناً ". وقرأ أُبَيّ: راعُونا، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطَبوه بلفظِ الجمعِ تعظيماً، وفي مصحفِ عبدِ الله أيضاً، " ارْعَوْنا " لِما تقدَّم. والجملةُ في محل نصبٍ بالقول، وقَدَّم النهيَ على الأمرِ لأنه من باب التروك فهو أَسْهَلُ.

قوله: " انظُرْنا " الجملةُ أيضاً في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والجمهورُ على " انظُرْنا " بوصلِ الهمزةِ وضَمِّ الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نظرٌ من النَّظِرَة وهي التأخير، أي: أَخِّرْنا وتأنَّ علينا، قال امرؤ القيس:
668 ـ فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيَ ساعةً من الدَّهْرِ يَنْفَعْني لدى أمِّ جُنْدَبِ
وقيل: هو من نَظَر أي: أبْصَرَ، ثم اتُّسِعَ فيه فَعُدِّيَ بنفسِه لأنه في الأصلِ يَتَعدَّى بـ " إلى " ، ومنه:
669 ـ ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظباءُ
أي: إلى الأراك، وقيل: مِنْ نَظَر أي: تفكر ثم اتُّسِعَ فيه أيضاً فإنَّ أصلَه أَنْ يتعدَّى بفي، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ على هذا أي: انظُرْ في أمرنا

وقرأ أُبيّ والأعمش: " أَنْظِرْنَا " بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الظاءِ أمراً من الرباعي بمعنى: أَمْهِلْنا وأخِّرْنا، قال الشاعر:
670 ـ أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأَنْظِرْنا نُخْبِّرْكَ اليَقينا
أي: أَمْهِلْ علينا، وهذا القراءةُ تؤيِّد أنَّ الأولَ من النَّظْرةِ بمعنى التأخير لا من البصرِ ولا من البصيرةِ، وهذه الآيةُ نَظيرُ التي في الحديد::انظُرونا نقتبسْ " فإنها قُرِئَتْ بالوَجْهَيْنِ.

وقال الطبري

وقد حكي عن الـحسن البصري أنه كان يقرؤه «لا تَقُولُوا رَاعِنا» بـالتنوين، بـمعنى لا تقولوا قولاً راعنا، من الرعونة وهي الـحمق والـجهل.

وهذه قراءة الـمسلـمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة الـمتقدمين والـمتأخرين وخلافها ما جاءت به الـحجة من الـمسلـمين. ومن نوّن «راعنا» نوّنه بقوله { لا تَقُولُوا } لأنه حينئذٍ عامل فـيه. ومن لـم ينوّنه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر مـحكيٌّ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم { راعِنا } بـمعنى مسألته إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم علـى ما قد بـينت فـيـما قد مضى فقـيـل لهم لا تقولوا فـي مسألتكم إياه راعنا. فتكون الدلالة علـى معنى الأمر فـي «راعنا» حينئذٍ سقوط الـياء التـي كانت تكون فـي «يراعيه». ويدلّ علـيها أعنـي علـى الـياء الساقطة كسرة العين من «راعنا». وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود «لا تقولوا راعونا» بـمعنى حكاية أمر صالـحة لـجماعة بـمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وُجِّه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بـينهم فـي خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبـيّ صلى الله عليه وسلم أو لغيره، ولا نعلـم ذلك صحيحاً من الوجه الذي تصحّ منه الأخبـار...

القول فـي تأويـل قوله تعالـى { وَقُولُوا انْظُرْنا }. يعنـي بقوله جل ثناؤه { وَقُولُوا انْظُرْنَا } وقولوا أيها الـمؤمنون لنبـيكم صلى الله عليه وسلم انظرنا وارقبنا نفهم ونتبـين ما تقول لنا وتعلـمنا. كما حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فهِّمْنا بـيِّنْ لنا يا مـحمد. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا أبو حذيفة، قال ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فَهِّمنا بـيِّن لنا يا مـحمد. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. يقال منه نظرت الرجل أنظره نظرة بـمعنى انتظرته ورقبته. ومنه قول الـحطيئة
وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أعْشاءَ صَادِرَةٍ للـخمْسِ طالَ بِها حَوْزي وتَنْسَاسي
ومنه قول الله عز وجل
{ يَوْمَ يَقُولُ ظ±لْمُنَافِقُونَ وَظ±لْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }
الحديد 13 يعنـي به انتظرونا. وقد قرىء «أنْظِرنا» بقطع الألف فـي الـموضعين جميعا، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أَخِّرنا، كما قال الله جل ثناؤه
{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
الحجر 36 أي أخّرنـي. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك فـي هذا الـموضع لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما أُمروا بـالدنوّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستـماع منه وإلطاف الـخطاب له وخفض الـجناح، لا بـالتأخر عنه ولا بـمسألته تأخيرهم عنه. فـالصواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله { انْظُرْنا } ولـم يقطعها بـمعنى انتظرنا. وقد قـيـل إن معنى «أَنْظِرنا» بقطع الألف بـمعنى «أمهلنا»، حكي عن بعض العرب سماعا أنظرنـي أكلـمك وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته فـي معناه، فأخبره أنه أراد أمهلنـي.

فإن يكن ذلك صحيحا عنهم ف«انْظُرْ» و«أنْظِرْنا» بقطع الألف ووصلها متقاربـا بالمعنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التـي أستـجيز غيرها قراءة من قرأ { وَقُولُوا انْظُرْنا } بوصل الألف بـمعنى انتظرنا، لإجماع الـحجة علـى تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات