صفحة 9 من 23 الأولىالأولى ... 567891011121319 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 121 إلى 135 من 336

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #121
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الثامنة والعشرون بعد المائة

    قال ابن عطية

    ، وقرأ السبعة والحسن وأبو رجاء ومجاهد وغيرهم " حطةٌ " بالرفع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " حطةً " بالنصب، الرفع على خبر ابتداء تقديره طلبنا حطة، والنصب على المصدر أي حط ذنوبنا حطةً، وهذا على أن يكلفوا قول لفظة معناها حطة، وقد قال قوم كلفوا قولاً حسناً مضمنة الإيمان وشكر الله ليكون حطة لذنوبهم، فالكلام على هذا كقولك قل خيراً.. وتوفية هذا مذكور في سورة البقرة.

    وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي " نغفر " بالنون " لكم خطيئاتكم " بالتاء مهموز على الجمع، وقرأ أبو عمرو " نغفر " بالنون " لكم خطاياكم " نحو قضاياكم وهي قراءة الحسن والأعمش، وقرأ نافع " تُغفر " بتاء مضمومة " لكم خطيئاتُكم " بالهمز وضم التاء على الجمع، ورواها محبوب عن أبي عمرو، وقرأ ابن عامر " تُغفر " بتاء مضمومة " لكم خطيئتُكم " واحدة مهمزوة مرفوعة، قال أبو حاتم: وقرأها الأعرج وفرقة " تُغفر بالتاء وفتحها على معنى أن الحطة تغفر إذ هي سبب الغفران....

    وقال السمين

    وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك: " يَعَدُّون " بفتح العين وتشديد الدال، وهذه تشبه قراءةَ نافع في قوله " لا تَعَدُّوا في السبت " والأصل " تَعْتَدُّوا " فأدغم التاءَ في الدال لمقاربتها لها. وقُرئ " تُعِدُّون " بضمِ التاء وكسرِ العين وتشديد الدال من أعدَّ يُعِدُّ إعداداً: إذا هَيَّأ آلاتِه. وفي التفسير: أنهم كانوا مأمورين في السبت فيتركونها ويُهَيِّئون آلاتِ الصيد.

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي " معذرةٌ " بالرفع، أي موعظتنا، معذرة أي إقامة عذر، وقرأ عاصم في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف " معذرةً " بالنصب أي وعظنا معذرة، قال أبو علي حجتها أن سيبويه قال: لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا لنصب.

    قال القاضي أبو محمد: الرجل القائل في هذا المثال معتذر عن نفسه وليس كذلك الناهون من بني إسرائيل فتأمل،...

    وقال السمين

    وقرأ العامَّة: " يُمَسِّكون " بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أهلُ التصريف، أي: إنَّ فَعَّل بمعنى تَفَعَّل، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في: تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر عن عاصم ـ ورُوِيت عن أبي عمرو وأبي العالية: " يُمْسِكون " بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمْسَك، وهما لغتان يقال: مَسَكْت وأَمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله:
    2330ـ ولا تُمَسِّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمَتْ إلا كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيلُ
    ولكن أمسك متعدّ. قال تعالى:{ وَيُمْسِكُ ظ±لسَّمَآءَ } فعلى هذا مفعولُه محذوفٌ تقديرُه: " يُمْسِكون دينَهم وأعمالهم بالكتاب " ، فالباءُ يجوز أن تكونَ للحال وأن تكونَ للآلة، أي: مصاحبين للكتاب، أي لأوامره ونواهيه. وقرأ الأعمش وهي قراءة عبد الله " استمسكوا ". وأُبَيّ " تَمَسَّكوا " ماضيَيْن....

    ملحوظة

    لطيفة زمخشرية غفلنا عنها

    فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ }

    { وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ } قيل كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل تسعة، بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به. فإن قلت { فِى ظ±لْفُلْكِ } بم يتعلق؟ قلت هو متعلق بمعه، كأنه قيل والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك. ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء، أي أنجيناهم في السفينة من الطوفان { عَمِينَ } عمى القلوب غير مستبصرين. وقرىء «عامين». والفرق بين العمى والعاميّ أن العمى يدلّ على عمى ثابت، والعاميّ على حادث. ونحوه قوله{ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } هود 12.

  2. #122
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة التاسعة والعشرون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقوله: { شهدنا } يحتمل أن يكون من قول بعض النسم لبعض أي شهدنا عليكم لئلا تقولوا يوم القيامة غفلنا عن معرفة الله والإيمان به فتكون مقالة من هؤلاء لهؤلاء، ذكره الطبري، وعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله: { بلى } ويحتمل أن يكون قوله { شهدنا } من قول الملائكة فيحسن الوقف على قوله { بلى } ، قال السدي: المعنى قال الله وملائكته شهدنا، ورواه عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ السبعة غير أبي عمرو: " أن تقولوا " على مخاطبة حاضرين، وقرأ أبو عمرو وحده، " أن يقولوا " على الحكاية عن غائبين وهي قراءة ابن عباس وابن جبير وابن محيصن والقراءتان تتفسر بحسب المعنيين المذكورين،....

    وقرأ الجمهور " فأتبعه " بقطع الألف وسكون التاء، وهي راجحة لأنها تتضمن أنه لحقه وصار معه، وكذلك{ فأتبعه شهاب } [الحجر:18] و{ فأتبعهم فرعون } [يونس:90] وقرأ الحسن فيما روى عنه هارون " فاتّبعه " بصلة الألف وشد التاء وكذلك طلحة بن مصرف بخلاف، وكذلك الخلاف عن الحسن على معنى لازمه " اتبعه " بالإغواء حتى أغواه، و { من الغاوين } أي من الضالين....

    وقال السمين

    وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر: " ساء مثلُ القوم " برفع " مثل " مضافاً للقوم. والجحدري رُوِي عنه كذلك، وروي عنه كسرُ الميم وسكونُ الثاء ورفعُ اللام وجَرُّ القوم. وهذه القراءةُ المنسوبةُ لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون " ساء " للتعجب مبنية تقديراً على فَعُل بضم العين كقولهم: " لقَضُو الرجل " ، و " مثل القوم " فاعل بها، والتقدير: ما أسوأ مثلَ القوم، والموصولُ على هذا في محلِّ جرٍ نعتاً لقوم. والثاني: أنها بمعنى بئس، ومَثَلُ القوم فاعل، والموصولُ على هذا في محل رفعٍ لأنه المخصوصُ بالذمِّ، وعلى هذا فلا بد مِنْ حَذْف مضاف ليتصادقَ الفاعلُ والمخصوصُ على شيءٍ واحد. والتقدير: ساءَ مثلُ القومِ مثل الذين. وقَدَّر الشيخ تمييزاً في هذه القراءة وفيه نظرٌ، إذ لا يحتاج إلى تمييز إذا كان الفاعلُ ظاهراً حتى جَعَلوا الجمع بينهما ضرورةً كقوله:
    2340ـ تَزوَّدْ مثلَ زادِ أبيك فينا فنعمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادا
    وفي المسألة ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل: فإن كان مغايراً للفظِ ومفيداً فائدةً جديدة جاز نحو: نعم الرجل شجاعاً زيد، وعليه قوله:
    2341ـ تخيَّرَهُ فلم يَعْدِلْ سواه فنِعْمَ المرءُ مِنْ رجلٍ تَهامي

  3. #123
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الثلاثون بعد المائة

    قال السمين

    قوله: { يُلْحِدُونَ } قرأ حمزة هنا وفي النحل وحم السجدة: يَلْحدون بفتح الياء والحاء مِنْ لحد ثلاثياً. والباقون بضم الياء وكسرِ الحاء مِنْ أَلْحد. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المَيْل والانحراف. ومنه لَحْد القبر لأنه يُمال، بحفره إلى جانبه، بخلاف الضريح فإنه يُحْفر في وسطه، ومن كلامهم " ما فعل الواجد؟ قالوا لَحَدَه اللاحد ". وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابن السِّكِّيت وقال: " هما العدول عن الحق ". وأَلْحد أكثر استعمالاً مِنْ لَحَدَ قال:
    2348ـ ليس الإِمام بالشحيح المُلْحِدِ
    وقال غيره: " لَحَدَ بمعنى رَكَنَ وانضوى، وألحد: مال وانحرف " قاله الكسائي. ونُقل عنه أيضاً: أَلْحَدَ: أعرض، ولحد: مال. قالوا: ولهذا وافق حمزة في النحل إذ معناه: يميلون إليه.

    وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: " ألحد: مارى وجادل، ولحد: حاد ومال. ورُجِّحت قراءةُ العامة بالإِجماع على قوله " بإلحاد ". وقال الواحدي: " ولا يكاد يُسْمع من العرب لاحد ". قلت: فامتناعُهم من مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلَّته وقد قَدَّمْتُ من كلامهم " لحده اللاحِد ". ومعنى الإِلحاد فيها أن اشتقوا منها أسماءً لآلهتهم فيقولون: اللات من لفظ الله، والعزَّى من لفظ العزيز، ومناة مِنْ لفظ المَنَّان، ويجوز أن يُراد سَمَّوه بما لا يليق بجلاله.

    وقال ابن عطية

    وقوله: { أملي } معناه أؤخر ملاءة من الدهر أي مدة وفيها ثلاث لغات فتح الميم وضمها وكسرها، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر " أن كيدي " على معنى لأجل أن كيدي، وقرأ جمهور الناس وسائر السبعة " إن كيدي " على القطع والاستئناف،...

    قال السمين

    قوله: { كَأَنَّكَ حَفِيٌّ } هذه الجملة التشبيهية في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ مفعولِ " يسألونك ". وفي " عنها " وجهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بيسألونك وكأنك حَفِيٌّ معترض، وصلتها محذوفة تقديره: حَفِيٌّ بها.

    وقال أبو البقاء: " في الكلام تقديمٌ وتأخير، ولا حاجةَ إلى ذلك لأن هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل فإنَّ قولَه:/ " كأنك حفيٌّ " حال كما تقدم. والثاني أنَّ " عن " بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى عن كقوله:{ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } [الفرقان: 59]{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ظ±لسَّمَآءُ بِظ±لْغَمَامِ } [الفرقان: 25] لأن حَفِي لا يتعدَّى بـ " عن " بل بالباءِ كقوله:{ كَانَ بِي حَفِيّاً } [مريم: 47] ويُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ " عن " ، أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها.

    والحَفِيُّ: المستقصي عن الشيء، المهتبل به، المعتني بأمره قال:
    2355ـ سؤال حفيٍّ عن أخيه كأنه بذُكْرَتِهِ وَسْنانُ أو مُتَواسِنُ
    وقال آخر:
    2356ـ فلمَّا التقينا بَيَّن السيفُ بيننا لسائلةٍ عنا حَفِيٍّ سؤالُها
    وقال الأعشى:
    2357ـ فإنْ تَسْأَلي عني فيا رُبُّ سائلٍ حَفِيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَدا
    والإِحْفاءُ: الاستقصاء ومنه " إحفاء الشوارب " والحافي، لأنه حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّير. والحفاوة: البرُّ واللطف.

    وقرأ عبد الله " حَفِيٌّ بها " وهي تَدُلُّ لمن ادَّعى أن " عَنْ " بمعنى الباء. وحَفِيٌّ فعيل بمعنى مفعول أي: محفوٌّ. وقيل: بمعنى فاعل أي: كأنك مبالِغٌ في السؤال عنها ومتطلع إلى عِلْمِ مجيئها

  4. #124
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الواحدة والثلاثون بعد المائة

    قال السمين

    قوله: { فَمَرَّتْ } الجمهورُ على تشديد الراء ومعناه: استمرت به، أي: قامَتْ وقعدت. وقيل: هو على القلب، أي: فمرَّ بها، أي استمر ودام.

    وقرأ ابن عباس وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأيوب " فَمَرَتْ " خفيفةَ الراء، وفيها تخريجان، أحدهما: أن أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مكرر فتركوه، وهذا كقراءة " وقَرْن " بفتح القاف إذا جَعَلْناه من القرار. والثاني: أنه من المِرْية وهو الشك، أي: فشكَّتْ بسببه أهو حَمْل أم مرض؟

    وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري: " فمارَتْ " بألف وتخفيف الراء. وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنها مِنْ مار يمور، أي جاء وذهب، ومارَتِ الريح، أي: جاءت وذهبَتْ وتصرَّفَتْ في كل وجه، ووزنه حينئذ فَعَلَتْ والأصل مَوَرَتْ، ثم قُلبت الواو ألفاً فهو كطافَتْ تطوف. والثاني: أنها من المِرْية أيضاً قاله الزمخشري وعلى هذا فوزنه فاعَلَت والأصل: مارَيَتْ كضارَبَتْ، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فَقُلِبَ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين فهو كبارَتْ ورامت.

    وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضاً والضحاك " فاسْتَمَرَّتْ به " وهي واضحة. وقرأ أُبَيّ " فاستمارَتْ " وفيها الوجهان المتقدمان في " فمارَتْ " ، أي: أنه يجوز/ أن يكون من المِرْية، والأصل " اسْتَمْرَيَتْ " ، وأن يكون من المَوْر والأصل: استَمْوَرَتْ.....

  5. #125
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الثانية والثلاثون بعد المائة

    قال الطبري

    . واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { شُرَكاءَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الـمكيـين والكوفـيـين «جَعَلا لَهُ شِرْكاً» بكسر الشين، بـمعنى الشركة. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين وبعض البصريـين { جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ } بضمّ الشين، بـمعنى جمع شريك. وهذه القراءة أولـى القراءتـين بـالصواب، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن يكون الكلام فلـما آتاهما صالـحاً جعلا لغيره فـيه شركاً لأن آدم وحوّاء لـم يَدينا بأن ولدهما من عطية إبلـيس ثم يجعلا لله فـيه شركاً لتسميتهما إياه بعبد الله، وإنـما كانا يدينان لا شكّ بأن ولدهما من رزق الله وعطيته، ثم سمياه عبد الـحرث، فجعلا لإبلـيس فـيه شركاً بـالاسم، فلو كانت قراءة من قرأ «شِرْكاً» صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام جعلا لغيره فـيه شركاً، وفـي نزول وحي الله بقوله { جَعَلا لَهُ } ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة { شُرَكاءَ } بضم الشين علـى ما بـينت قبل. فإن قال قائل فإن آدم وحوّاء إنـما سميا ابنهما عبد الـحرث، والـحرث واحد، وقوله { شُرَكاءَ } جماعة، فكيف وصفهما جلّ ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنـما أشركا واحداً؟ قـيـل قد دللنا فـيـما مضى علـى أن العرب تـخرج الـخبر عن الواحد مخرج الـخبر عن الـجماعة إذا لـم تقصد واحدا بعينه ولـم تسمه، كقوله{ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } وإنـما كان القائل ذلك واحداً، فأخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجماعة، إذ لـم يقصد قصده، وذلك مستفـيض فـي كلام العرب وأشعارها

    وقال السمين

    وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم " شِرْكاً " بكسر الشين وتسكين الراء وتنوين الكاف. والباقون بضمَّ الشين وفتح الراء ومدِّ الكافِ مهموزةً من غير تنوين، جمع شريك، فالشِرْك مصدرٌ ولا بد من حَذْف مضاف، أي: ذوي شِرْك بمعنى إشراك، فهو في الحقيقة اسمُ مصدر. وقيل: المرادُ بالشرك النصيبُ، وهو ما جعلاه مِنْ رزقهما له يأكله معهما، وكانا يأكلان ويشربان وحدَهما. فالضمير في " له " يعود على الولد الصالح. وقيل: الضمير في " له " لإِبليس ولم يَجْرِ له ذِكْر. وهذان الوجهان لا معنى لهما. وقال مكي وأبو البقاء وغيرهما: إن التقدير يجوز أن يكون: جَعَلا لغيره شِرْكاً. قلت: هذا الذي قدَّروه هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن: " كان ينبغي لمَنْ قرأ " شِرْكاً " أن يقول: المعنى: جعلا لغيره شِرْكاً [فيما أتاهما] لأنهما لا يُنْكِران أن الأصل لله، فالشرك إنما لجعله لغيره ".

    قوله: { فَتَعَالَى ظ±للَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } قيل: هذه جملةٌ استئنافية، والضميرُ في " يشركون " يعود على الكفار، والكلامُ قد تَمَّ قبله. وقيل: يعودُ على آدم وحواء وإبليس، والمرادُ بالإِشراك تسميتهُما لولدٍ ثالث بعبد الحرث، وكان أشار بذلك إبليس، فالإِشراك في التسمية فقط. وقيل: لم يكن آدمُ عَلِم، ويؤيد الوجهَ الأولَ قراءةُ السلمي " عَمَّا تشركون " بتاء الخطاب، وكذلك " أَتُشرِكون " بالخطاب أيضاً وهو التفات.

    وقال ابو حيان

    فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما } من جعل الآية في آدم وحواء جعل الضمائر والإخبار لهما وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء لم تثبت في قرآن ولا حديث صحيح فأطرحت ذكرها، وقال الزمخشري: والضمير في { آتيتنا } و { لنكونن } لهما ولكلّ من تناسل من ذريتهما { فلما آتاهما } ما طلبا من الولد الصالح السويّ { جعلا له شركاء } أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك فيما آتاهما أي آتى أولادهما وقد دلّ على ذلك بقوله تعالى { فتعالى الله عما يشركون } حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله بتسمية أولادهم بعبد العزّى وعبد مناف وعبد شمس وما أشبه ذلك مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم انتهى، وفي كلامه تفكيك للكلام عن سياقه وغيره ممن جعل الكلام لآدم وحواء جعل الشرك تسميتهما الولد الثالث عبد الحرث إذ كان قد مات لهما ولدان قبله كانا سمّيا كل واحد منهما عبد الله فأشار عليهما إبليس في أن يسميا هذا الثالث عبد الحرث فسمّياه به حرصاً على حياته فالشرك الذي جعلا الله هو في التسمية فقط ويكون الضمير في { يشركون } عائداً على آدم وحواء وإبليس لأنه مدبّر معهما تسمية الولد عبد الحرث، وقيل { جعلا } أي جعل أحدهما يعني حواء وأما من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب أو لقريش على ما تقدم ذكره فيتّسق الكلام اتساقاً حسناً من غير تكلف تأويل ولا تفكيك.

    وقال السدّي والطبري: ثم أخبر آدم وحواء في قوله فيما آتاهما وقوله { فتعالى الله عما يشركون } كلام منفصل يراد به مشركو العرب، قال ابن عطية: وهذا تحكّم لا يساعده اللفظ انتهى، والضمير في { له } عائد على الله ومن زعم أنه عائد على إبليس فقوله بعيد لأنه لم يجر له ذكر وكذا يبعد قول من جعله عائداً على الولد الصالح وفسّر الشرك بالنصيب من الرزق في الدنيا وكانا قبله يأكلان ويشربان وحدهما ثم استأنف فقال: { فتعالى الله عن ما يشركون } يعني الكفار، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وإبان بن ثعلب ونافع وأبو بكر عن عاصم شركاً على المصدر وهو على حذف مضاف أي ذا شرك ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك كقوله: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدثا لله إشراكاً في الولد انتهى، وقرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمر وشركاء على الجمع ويبعد نوجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة وتظهر باقي الأقوال عليها، وفي مصحف أبيّ { فلما آتاهما صالحاً } أشركا فيه، وقرأ السلمي { عما تشركون } بالتاء التفاتاً من الغيبة للخطاب وكان الضمير بالواو وانتقالاً من التثنية للجمع وتقدم توجيه ضمير الجمع على من يعود....

    وقال ابن عطية

    وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وعاصم " عما يشركون أيشركون " بالياء من تحت فيهما، وقرأ أبو عبد الرحمن " عما تشركون " بالتاء من فوق " أتشركون مالا يخلق " الآية، وروى بعض من قال إن الآيات في آدم وحواء أن إبليس جاء إلى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله فقال: إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس، فولد له ولد فسماه كذلك وإياه عنى بقوله { أيشركون مالا يخلق شيئاً } ، { وهم يخلقون } على هذا عائد على آدم وحواء والابن المسمى عبد شمس، ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه في مشركي الكفار الذين يشركون الأصنام في العبادة وإياها أراد بقوله { ما لا يخلق } ، وعبر عنها بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائها، و { يخلقون } معناه ينحتون ويصنعون، ويحتمل على قراءة " يشركون " بالياء من تحت أني كون المعنى وهؤلاء المشركون يخلقون، أي فكان قولهم أن يعتبروا بأنهم مخلوقون فيجعلون إلههم خالقهم لا من لا يخلق شيئاً.

    قوله تعالى: { ولا يستطيعون } الآية، هذه تخرج على تأويل من قال إن المراد آدم وحواء والشمس على ما تقدم، ولكن بقلق وتعسف من المتأول في المعنى، وإنما تتسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الآخر، والمعنى ولا ينصرون أنفسهم من أمر الله وإرادته، ومن لا يدفع عن نفسه فأحرى أن لا يدفع عن غيره.

    وقوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى } الآية، من قال إن الآيات في آدم عليه السلام قال إن هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته مستأنفة في أمر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، و { لهم } الهاء والميم من { تدعوهم } ، ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ " يشركون " بالياء من تحت، وللكفار فقط على من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي إن هذه حال الأصنام معكم إن دعوتموهم لم يجيبوكم إذ ليس لهم حواس ولا إدراكات، وقرأ نافع وحده " لا يتْبَعوكم " بسكون التاء وفتح الباء وقرأ الباقون " لا يتَّبِعوكم " بشد التاء المفتوحة وكسر الباء والمعنى واحد،....

  6. #126
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الثالثة والثلاثون بعد المائة

    إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ }: العامَّة على تشديد إنَّ فالموصولُ اسمُها وعبادٌ خبرها. وقرأ سعيد بن جبير بتخفيف " إنْ " ونصب " عباد " و " أمثالكم ". وقد خَرَّجها أبو الفتح ابن جني وغيره أنها " إنْ " النافيةُ، وهي عاملةٌ عملَ " ما " الحجازية، وهذا مذهب الكسائي وأكثرُ الكوفيين غيرَ الفراء، وقال به من البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد. والصحيح أن إعمالَها لغةٌ ثابتة نظماً ونثراً وأنشدوا:
    2360ـ إنْ هو مستولياً على أحد إلا على أَضْعف المجانين
    ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبت ذلك، ولا يجوز التناقض في كلام الله تعالى. وقد أجابوا عن ذلك بأن هذه القراءة تُفْهم تحقيرَ أمرِ المعبود من دون الله وغباوةَ عابدِه، وذلك أن العابدين أتمُّ حالاً وأقدرُ على الضرِّ والنفع من آلهتهم فإنها جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك فكيف يَعْبُد الكاملُ مَنْ هو دونَه؟ فهي موافقةٌ للقراءة المتواترة بطريق الأَوْلى.

    وقد ردَّ أبو جعفر هذه القراءة بثلاثة أوجه، أحدها: مخالفتُها لسواد المصحف. الثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر " إنْ " المخففة فيقول: " إنْ زيد منطلق " لأن عَمَلَ " ما " ضعيف و " إنْ " بمعناها فهي أضعف منها. الثالث: أن الكسائي لا يرى أنها تكون بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب. وما ردَّ به النحاس ليس بشيء لأنها مخالَفَةٌ يسيرة. قال الشيخ: " ويجوز أن يكون كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف فلا تكون فيه مخالِفَةً للسواد ". وأما سيبويه فاختلف الناس في الفهم عنه في ذلك. وأما الكسائي فهذا القيد غير معروف له. وخرَّج الشيخ القراءة على أنها " إنْ " المخففة قال: " وإنْ المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة " وإنْ كلاً " ، ثم إنها قد ثبت لها نصب الجُزْأَين، وأنشد:
    2361ـ................ ............... إنَّ حُرَّاسنا أُسْدا
    قال: " وهي لغة ثابتة " ثم قال: " فإن تأوَّلنا ما ورد من ذلك نحو:
    2362ـ يا ليت أيامَ الصِّبا رواجعا
    أي: تُرى رواجعا/ فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله خلقناهم عباداً أمثالكم ". قلت: فيكون هذا التخريج مبنياً على مذهبين أحدهما: إعمال المخففة وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنه أقل من الإِهمال، وعبارة بعضهم " إنه قليل " ولا أرتضيه لوروده في المتواتر. والثاني: أن " إنَّ " وإخواتها تنصب الجزأين وهو مذهب مرجوح. وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه: كون " إنْ " نافيةً عاملةً، أو المخففة الناصبة للجزأين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى....

    وقال القرطبي

    . وقرأ سعيد بن جبير: «إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم» بتخفيف «إن» وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب «عبَاداً» بالتنوين، «أمثالَكم» بالنصب. والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، أي هي حجارة وخشب؛ فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه. قال النحاس: وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات: أحدها ـ أنها مخالفة للسّواد. والثانية ـ أن سيبويه يختار الرفع في خبر إنْ إذا كانت بمعنى ما، فيقول: إنْ زيد منطلق؛ لأن عمل «ما» ضعيف، و «إنْ» بمعناها فهي أضعف منها. والثالثة ـ إن الكسائيّ زعم أن «إنْ» لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما»، إلا أن يكون بعدها إيجاب؛ كما قال عز وجل: { إِنِ ظ±لْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ }

    وقال ابن عطية

    وقرأ سعيد بن جبير " إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم " بتخفيف النون من " إنْ " على أن تكون بمعنى ما وبنصب قوله " عباداً وأمثالكم " ، والمعنى بهذه القراءة تحقير شأن الأصنام ونفي مماثلتهم للبشر، بل هم أقل وأحقر إذ هي جمادات لا تفهم ولا تعقل، وسيبويه يرى أن " إن " إذا كانت بمعنى " ما " فإنها تضعف عن رتبة " ما " فيبقى الخبر مرفوعاً وتكون هي داخلة على الابتداء والخبر لا ينصبه، فكان الوجه عنده في هذه القراءة " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " وأبو العباس المبرد يجيز أن تعمل عمل " ما " في نصب الخبر، وزعم الكسائي أن " إن " بمعنى " ما " لا تجيء إلا وبعدها إلا كقوله تعالى:{ إن الكافرون إلا في غرور } [الملك:20]

    ملحوظة

    قلت انا اسامة اعجبنى قول ان غرض القراءة الشاذة تحقير الاصنام ويظهر هذا فى الاية بعدها للمتأمل الهم ارجل ومن هنا تفهم قول الرازى
    :

    اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام. وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة، وعن قوة الحياة، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة. هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهاً لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى. فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية وذلك باطل، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن المقصود من هذه الآية: بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، لأن الإنسان له رجل ماشية، ويد باطشة، وعين باصرة، وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية، ويده غير باطشة، وعينه غير مبصرة، وأذنه غير سامعة، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال.....

  7. #127
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الرابعة والثلاثون بعد المائة

    إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ }: العامة على تشديد " وليي " مضافاً لياء المتكلم المفتوحة وهي قراءة واضحة. أضاف الوليّ إلى نفسه.

    وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه: " إن وليَّ " بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان أحدهما: قال أبو علي: " إن ياء فعيل مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإن الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس. والثاني: أن يكون " وليَّ " اسمها وهو اسمٌ نكرةٌ غيرُ مضاف لياء المتكلم والأصل: إن ولياً الله، فولياً اسمُها واللهُ خبرها، ثم حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله:
    2363ـ فالفيته غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا
    وكقراءة من قرأ: { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدُ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } [الصمد: 1-2]. ولم يبق إلا الإِخبارُ عن نكرةٍ بمعرفة وهو واردٌ، قال الشاعر:
    2364ـ وإنَّ حراماً أن أَسُبَّ مجاشعاً بآبائي الشمِّ الكرام الخضارم
    وقرأ الجحدري في رواية: " إن وليِّ الله " بكسر الياء مشددة، وأصلُها أنه سَكَّن ياء المتكلم فالتقت مع لام التعريف، فحذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلامِ الرجلُ. وقرأه في رواية أخرى: " إن وليَّ الله " بياء مشددة والجلالة بالجر، نقلها عنه أبو عمرو الداني، أضاف الوليّ إلى الجلالة. وذكر الأخفش وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولم يذكرا نصب الياء. وخرَّجها الناس على ثلاثة أوجه، الأول ـ قولُ الأخفش ـ وهو أن يكون وليّ الله اسمها، والذي نزَّل الكتاب خبرها، والمراد بالذي نزَّل الكتاب جبريل، يدلُّ عليه قولُه تعالى{ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } [الشعراء: 193]{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } [النحل: 102] إلا أن الأخفش قال في قوله " وهو يتولى الصالحين " هو مِنْ صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تَحَتُّم ذلك نظرٌ. والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النبي صلى الله عليه وسلم ويكون ثَمَّ عائدٌ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نَزَّل الله الكتاب عليه، فحذف " عليه " وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف لكنه قد جاء قليلاً كقوله:/
    2365ـ وإن لساني شُهْدةٌ يُشْتفى بها وهُوَّ على مَنْ صَبَّه الله عَلْقَمُ
    أي: صَبَّه الله عليه. وقال آخر:
    2366ـ فأصبح من أسماء قيسٍ كقابضٍ على الماء لا يدري بما هو قابضُ
    أي: بما هو قابض عليه. وقال آخر:
    2367ـ لعلَّ الذي أَصْعَدْتِني أن يَرُدَّني إلى الأرض إن لم يَقْدِرِ الخيرَ قادرُهْ
    أي: أَصْعَدْتني به. وقال آخر:
    2368ـ ومِنْ حَسَدٍ يجورُ عليَّ قومي وأيُّ الدهر ذو لم يحسُدوني
    وقال آخر:
    2369ـ فقلت لها لا والذي حَجَّ حاتمٌ أخونُكِ عهداً إنني غيرُ خَوَّانِ
    أي: حجَّ إليه. وقال آخر:
    2370ـ فَأَبْلِغَنَّ خالدَ بنَ عَضْلَةٍ والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بلومِ مَنْ يثقْ
    أي: يثق به، وإذا ثَبَتَ أن الضميرَ يُحْذف في مثل هذه الأماكن وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة في التخريج المذكور أسوة بها. والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إن وليَّ الله الصالحُ أو مَنْ هو صالح، وحُذف لدلالة قوله " وهو يتولَّى الصالحين " وكقوله:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ } [أي: معذَّبون، وكقوله:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ } [الحج: 25].

  8. #128
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الخامسة والثلاثون بعد المائة

    قال القرطبي

    قوله تعالىظ°: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ } يريد الشرك والمعاصي. { إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِّنَ ظ±لشَّيْطَانِ } هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة وقراءة أهل المدينة وأهلِ الكوفة «طَائِفٌ». وروي عن سعيد بن جبير «طَيّفٌ» بتشديد الياء. قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا «طَيْفٌ» بالتخفيف؛ على أنه مصدر من طاف يَطِيفُ. قال الكسائيّ: هو مخّفف من «طَيِّف» مثل مَيْتٌ ومَيِّتٌ. قال النحاس: ومعنىظ° «طَيْف» في اللغة ما يُتخيلَّ في القلب أو يُرَىظ° في النوم؛ وكذا معنىظ° طائف. وقال أبو حاتم: سألت الأصْمَعيّ عن طَيّف؛ فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنىظ° طائف. والمعنىظ°: إن الذين ظ±تقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية؛ وقيل: الطَّيْفُ والطّائِفُ معنيان مختلفان. فالأول ـ التخيّل. والثاني ـ الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف الخيال يَطُوف طَيْفاً؛ ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلِيّ: لأنه تخَيُّل لا حقيقة له. فأما قوله:{ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ } [القلم: 19] فلا يقال فيه: طيْفٌ؛ لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يَطيف. وقال حسان:
    فَدَعْ هذا ولكن مَن لِطَيْف يُؤَرّقُني إذا ذهب العِشَاء
    مجاهد: الطّيْف الغضب. ويسمىظ° الجنون والغضب والوسوسة طَيْفاً؛ لأنه لَمَّةٌ من الشيطان تُشَبَّه بَلّمة الخيال....

    وقرأ نافع «يُمِدُّونَهُمْ» بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم الميم. وهما لغتان مَدّ وأمَدّ. ومَدّ أكثر، بغير الألف؛ قاله مكيّ. النحاس: وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة؛ منهم أبو حاتم وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجهاً، إلا أن يكون المعنىظ° يزيدونهم في الغيّ. وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كَثّر شيء شيئاً بنفسه مدّه، وإذا كثّرة بغيره قيل أمَدّه؛ نحو{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاغ¤فٍ مِّنَ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران: 125]. وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال: يقال مددت له في كذا أي زيّنته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته في كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكيّ: والاختيار الفتح؛ لأنه يقال: مددت في الشر، وأمددت في الخير؛ قال الله تعالىظ°:{ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة: 15]. فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف؛ لأنه في الشر، والغيّ هو الشر، ولأن الجماعة عليه. وقرأ عاصم الجَحْدَرِيّ «يُمَادُّونهُمْ فِي الغيّ».....

    وقال ابن عطية

    وقرأ جميع السبعة غير نافع " يمدونهم " من مددت، وقرأ نافع وحده " يُمدونهم " بضم الياء من أمددت، فقال أبو عبيدة وغيره: مد الشيء إذا كانت الزيادة من جنسه وأمده شيء آخر.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا غير مطرد، وقال الجمهور هما بمعنى واحد إلا أن المستعمل في المحبوب أمد فمنه قوله تعالى:{ إنما نمدهم به من مال وبنين } [المؤمنون:55] وقوله{ وأمددناهم بفاكهة } [الطور:22] وقوله{ أتمدونني بمال } [النمل:36] والمستعمل في المكروه مد فمنه قوله تعالى:{ ويمدهم في طغيانهم } [البقرة:15] ومد الشيطان للكفرة في الغي هو التزيين لهم والإغواء المتتابع: فمن قرأ في هذه الآية " يمُدونهم " بضم الميم فهو على المنهاج المستعمل، ومن قرأ " يمدونهم " فهو مقيد بقوله في الغي كما يجوز أن تقيد البشارة فتقول بشرته بشر، وقرأ الجحدري " يمادّونهم " ، وقوله { ثم لا يقصرون } عائد على الجمع أي هؤلاء لا يقصرون في الطاعة للشياطين والكفر بالله عز وجل، وقرأ جمهور الناس " يُقصرون " من أقصر، وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر " يَقصرون " من قصر.

    وقال ابن الجوزى

    قوله تعالى: { ثم لا يقصرون } وقرأ الزهري، وابن أبي عبلة: «لا يقصِّرون» بالتشديد. قال الزجاج: يقال: أقصر يُقْصِر، وقصّر يقصِّر. قال ابن عباس: لا الإنس يقصِّرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تُقصِر عنهم؛ فعلى هذا يكون قوله: «يقصرون» من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور؛ ويخرّج على القول الثاني أن يكون هذا وصفاً للاخوان فقط.

  9. #129
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة السادسة والثلاثون بعد المائة

    سورة الانفال


    قال ابن عطية

    والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم " الأنفال " فهو من الضرب الأول، وقالت فرقة إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها، واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعلي بن الحسين وأبي جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف وعكرمة والضحاك وعطاء " يسألونك الأنفال " ، وقالوا في قراءة من قرأ عن أنها بمعنى " من " ، فهذا الضرب الثاني من السؤال......

    وقال ابن الجوزى فى تفسيره

    وفي «عن» قولان.

    أحدهما: أنها زائدة، والمعنى: يسألونك الأنفال، وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وأبو العالية: «يسألونك الأنفال» بحذف { عن }.

    والثاني: أنها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن حكم الأنفال؛ وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين. وذُكر أنهم إنما سألوا عن حكمها لأنها كانت حراماً على الأُمم قبلهم.

  10. #130
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة السابعة والثلاثون بعد المائة

    قال الطبري

    حُدثت عن الـحسين، قال سمعت أبـا معاذ، قال ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال سمعت الضحاك يقول فـي قوله { بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ } يقول متتابعين يوم بدر. واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة «مُرْدَفِـينَ» بنصب الدال. وقرأه بعض الـمكيـين وعامَّة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين { مُرْدِفِـينَ }. وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقول فـيـما ذُكر عنه هو من أردف بعضهم بعضاً. وأنكر هذا القول من قول أبـي عمرو بعض أهل العلـم بكلام العرب، وقال إنـما الإرداف أن يحمل الرجل صاحبه خـلفه، قال ولـم يسمع هذا فـي نعت الـملائكة يوم بدر. واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى ذلك إذا قرىء بفتـح الدال أو بكسرها، فقال بعض البصريـين والكوفـيـين معنى ذلك إذا قرىء بـالكسر أن الـملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضاً علـى لغة من قال أردفته وقالوا العرب تقول أردفته وردفته، بـمعنى تبعته وأتبعته. واستشهد لصحة قولهم ذلك بـما قال الشاعر
    إذَا الـجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بِآلِ فـاطِمَة الظُّنُونا
    قالوا فقال الشاعر «أردفت»، وإنـما أراد «ردفتُ» جاءت بعدها، لأن الـجوزاء تـجىء بعد الثريا. وقالوا معناه إذا قرىء { مُرْدَفِـينَ } أنه مفعول بهم، كأن معناه بألف من الـملائكة يُردف الله بعضهم بعضاً. وقال آخرون معنى ذلك إذا كسرت الدال أردفت الـملائكة بعضها بعضاً، وإذا قرىء بفتـحها أردف الله الـمسلـمين بهم. والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ { بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ } بكسر الدال لإجماع أهل التأويـل علـى ما ذكرت من تأويـلهم أن معناه يتبع بعضهم بعضا ومتتابعين. ففـي إجماعهم علـى ذلك من التأويـل الدلـيـل الواضح علـى أن الصحيح من القراءة ما اخترنا فـي ذلك من كسر الدال، بـمعنى أردف بعض الـملائكة بعضاً، ومسموع من العرب جئت مِرْدِفـا لفلان أي جئت بعده. وأما قول من قال معنى ذلك إذا قرىء «مُرْدَفِـينَ» بفتـح الدال أن الله أردف الـمسلـمين بهم، فقول لا معنى له إذ الذكر الذي فـي مردفـين من الـملائكة دون الـمؤمنـين. وإنـما معنى الكلام أن يـمدّكم بألف من الـملائكة يردَف بعضهم ببعض، ثم حذف ذكر الفـاعل، وأخرج الـخبر غير مسمى فـاعله، فقـيـل { مُرْدَفِـينَ } بـمعنى مردَف بعضُ الـملائكة ببعض، ولو كان الأمر علـى ما قاله من ذكرنا قوله وجب أن يكون فـي الـمردَفـين ذكر الـمسلـمين لا ذكر الـملائكة، وذلك خلاف ما دلّ علـيه ظاهر القرآن. وقد ذكر فـي ذلك قراءة أخرى، وهي ما حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال قال عبد الله بن يزيد «مُرْدِفِـينَ»، ومُرْدَفِـينَ و «مُرْدِّفِـينَ»، مثقل علـى معنى مُرْتَدِفـين. حدثنا الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا يعقوب بن مـحمد الزهري، قال ثنـي عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبـي الـحويرث، عن مـحمد بن جبـير، عن علـيّ رضي الله عنه، قال نزل جبريـل فـي ألف من الـملائكة عن ميـمنة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وفـيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيـل علـيه السلام فـي ألف من الـملائكة عن ميسرة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا فـيها.

  11. #131
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الثامنة والثلاثون بعد المائة

    قال ابن عطية

    ، وقرأ نافع " يُغْشيكم " بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي " يغَشِّيكم " بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي قراءة عروة بن الزبير وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يَغشاكم " بفتح الياء وألف بعد الشين وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل مكة " النعاسُ " بالرفع، وحجة من قرأ " يغشاكم " إجماعهم في آية أحد على{ يغشى طائفة منكم } [آل عمران:154]، وحجة من قرأ " يغشيكم " أن يجيء الكلام متسقاً مع { ينزل } ، ومعنى { يغشيكم } يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة

    وقال السمين

    قوله: { مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ } العامَّةُ على " ماءً " بالمد. و " ليطهركم " متعلِّقٌ بـ " يُنَزِّل ". وقرأ الشعبي " ما ليطهركم " بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان أظهرهما ـ وهو الذي ذكره ابن جني وغيره ـ أنَّ " ما " بمعنى الذي، و " ليطهِّرَكم " صلتُها، وقال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم، فقدَّر الجارَّ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلة لـ " ما ". وقد ردَّ الشيخ هذين التخريجين بأن لامَ " كي " لا تقعُ صلةً. والثاني: أن " ما " هو ماء بالمد، ولكن العرب قد حَذَفَتْ همزتَه فقالوا: " شربت ماً " بميم منونة، حكاه ابن مقسم، وهذا لا نظيرَ له إذ لا يجوز أن يُنْتَهَك اسمٌ مُعْرَبٌ بالحذف حتى يبقى على حرفٍ واحد.

    وقال السمين

    والعامة على " رِجز " بكسرِ الراء والزاي. وقرأ ابن محيصن بضم الراء، وابنُ أبي عبلة بالسين. وقد تقدَّم الكلامُ على كل واحد منها. ومعنى " رجز الشيطان " هنا ما ينشأُ عن وسوسته.

    ملحوظة

    قال فى البقرة

    { فَبَدَّلَ الذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }

    والرِّجْزُ: العَذَابُ، وفيه لغةٌ أخرى وهي ضَمُّ الراءِ، وقُرِئ بهما وقيل: المضمومُ اسمُ صَنَمٍ، ومنه:{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } [المدثر: 5] وذلك لأنَه سببُ العذابِ. وقال الفراء: " الرِّجْزُ والرِّجْسُ ـ بالزاي والسين ـ بمعنَىً كالسُّدْغِ والزُّدْغِ، والصحيحُ أن الرِّجْزَ: القَذَرُ وسيأتي بيانُه، والرَّجَزُ داءٌ يُصيبُ الإِبلِ فترتعشُ منه، ومنه بَحْر الرَّجَز في الشعر.

    وقال السمين

    قوله: { وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } قرأ نافع وابن عامر وحفصٌ عن عاصم بالفتح والباقون بالكسر. فالفتح من أوجه أحدها: أنه على لام العلة تقديره: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أنَّ التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله مع المؤمنين. وهذا الوجهُ الأخيرُ يَقْرُب في المعنى مِنْ قراءة الكسر لأنه استئناف.

  12. #132
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة التاسعة والثلاثون بعد المائة

    { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

    قال ابن عطية

    هذه الآية تحتمل تأويلات، أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا التأويل تأول فيها الزبير بن العوام رضي الله عنه، فإنه قال يوم الجمل وما علمت أنَّا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب بها ذلك الوقت، وكذلك تأول الحسن البصري، فإنه قال: هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير، وكذلك تأول ابن عباس، فإنه قال: أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، وبينه القتبي فيما ذكر مكي عنه بياناً شافياً.

    قال القاضي أبو محمد: فيجيء قوله { لا تصيبن } على هذا التأويل صفة لـ { فتنة } ، فكان الواجب إذا قدرنا ذلك أن يكون اللفظ لا تصيب وتلطف لدخول النون الثقيلة في الخبر عن الفتنة فقال الزجّاج: زعم بعض النحويين أن الكلام جزاء فيه طرق من النهي، قال ومثله قوله تعالى:{ ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم } [النمل:18] فالمعنى أن تدخلوا لا يحطمنكم فكذلك هذا إن تتقوا لا تصيبن، وقال قوم: هو خبر بمعنى الجزاء فلذلك أمكن دخول النون، وقال المهدوي: وقيل هو جواب قسم مقدر تقديره واتقوا فتنة لا تصيبن، ودخلت النون مع لا حملاً على دخولها مع اللام فقط.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا في القول تكره، لأن جواب القسم إذا دخلته " لا " أو كان منفياً في الجملة لم تدخل النون، وإذا كان موجباً دخلته اللام والنون الشديدة كقوله والله لا يقوم زيد والله ليقومن زيد، هذا هو قانون الباب ولكن معنى هذه الآية يستقيم مع التكره الذي ذكرناه والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله { واتقوا فتنة } خطاباً عاماً لجميع المؤمنين مستقلاً بنفسه تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة وأخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول.

    والعرب تفعل هذا كما قالوا لا أرينك ها هنا يريدون لا تقم ها هنا فتقع مني رؤيتك، ولم يريدوا نهي الإنسان الرائي نفسه، فكذلك المراد في الآية لا يقع من ظلمتكم ظلم فتقع من الفتنة إصابتهم، نحا إليه، الزجّاج، وهو قول أبي العباس المبرد وحكاه النقاش عن الفراء، ونهي الظلمة ها هنا بلفظ مخاطبة الجمع كما تقول لقوم لا يفعل سفهاءكم كذا وكذا وأنت إنما تريد نهي السفهاء فقط، و { خاصة } نعت لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة، فهي نصب على الحال لما انحذف المصدر من الضمير في { تصيبن } وهذا الفعل هو العامل، ويحتمل أن تكون { خاصة } حالاً من الضمير في { ظلموا } ولا يحتاج إلى تقدير مصدر محذوف والأول أمكن في المعنى،

    وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو جعفر محمد بن علي والربيع بن أنس وأبو العالية وابن جماز " لتصيبن " باللام على جواب قسم، والمعنى على هذا وعيد الظلمة فقط، قال أبو الفتح: يحتمل أن يراد بهذه القراءة " لا تصيبن " فحذف الألف من " لا " تخفيفاً واكتفاء بالحركة كما قالوا أم والله ويحتمل أن يراد بقراءة الجماعة، " لا تصيبن " فمطلت حركة اللام فحدثت عنها ألف.......

    وقال القرطبي

    واختلف النحاة في دخول النون في «لاَ تُصِيبنَّ». قال الفراء: هو بمنزلة قولك: ظ±نزل عن الدابة لا تطرحنّك؛ فهو جواب الأمر بلفظ النهي؛ أي إن تنزل عنها لا تطرحنّك. ومثله قوله تعالىظ°:{ ظ±دْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } [النمل: 18]. أي إن تدخلوا لا يحطمنكم؛ فدخلت النون لما فيه من معنىظ° الجزاء. وقيل: لأنه خرج مخرج القَسَم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القَسَم. وقال أبو العباس المبّرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنىظ° النّهْيُ للظالمين؛ أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينّك هاهنا؛ أي لا تكن هظ°هنا؛ فإنه من كان هظ°اهنا رأيته. وقال الجُرْجانيّ: المعنىظ° ظ±تقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة. فقوله { لاَّ تُصِيبَنَّ } نهي في موضع وصف النكرة؛ وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا. وقرأ عليّ وزيد بن ثابت وأبَيّ وظ±بن مسعود «لتصيبن» بلا ألف. قال المهدَوِيّ: من قرأ «لتصيبن» جاز يكون مقصوراً من «لا تصيبن» حذفت الألف كما حذفت من «ما» وهي أخت «لا» في نحو أمَ والله لأفعلنّ، وشبهه. ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة؛ فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة.

    وقال السمين

    قوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ }: هذا الظرفُ معطوفٌ على الظرف قبله، و " ليُثْبتوك " متعلِّقٌ بـ " يَمْكُرُ ". والتثبيتُ هنا الضربُ حتى لا يبقى للمضروبِ حركةٌ قال:
    2408ـ فقلت وَيْحَكَ ماذا في صحيفتكمْ قالوا الخليفةُ أمسى مُثْبَتاً وجِعا
    وقرأ ابن وثاب " لِيُثَبِّتوك " فعدَّاه بالتضعيف. وقرأ النخعي " ليُبَيِّتُوك " من البيات.

    وقال ابن عطية

    وقرأ حمزة والكسائي " ليُمَيّز " بضم الياء وفتح الميم وشد الياء، وهي قراءة الأعرج وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضاً عيسى البصري، تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعداً، وفي القرآن{ تميز من الغيظ } [الملك:8] فهو مطاوع ميز ومعناه تتفص...

    وقال السمين

    { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

    قوله تعالى:/ " { وَيَكُونَ }: العامةُ على نصبِه نسقاً على المنصوب قبله. وقرأه الأعمشُ مرفوعاً على الاستئناف. وقرأ الحسن ويعقوب وسليمان بن سلام " بما تَعْملون " بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة.

    انتهى الجزء التاسع

  13. #133
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجزء العاشر

    الجوهرة الاربعون بعد المائة


    فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { فَشَرِّدْ }: العامَّةُ على الدال المهملة والتشريدُ: التطريد والتفريقُ والتسميع، وهذه المعاني كلُّها لائقة بالآية. وقرأ الأعمش بخلافٍ عنه بالذال المعجمة. قال الشيخ: " وكذا هي في مصحف عبد الله ". قلت: وقد تقدم أن النَّقْط والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ أحدثه يحيى بن يعمر فكيف يُوْجَد ذلك في مصحف ابن مسعود؟ قيل: وهذه المادة أعني الشين والراء والذال المعجمة مهملةٌ في لغة العرب. وفي هذه القراءةِ أوجه أحدها: أن الذالَ بدلٌ من مجاورتها كقولهم: لحم خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ شذر من قولهم: تفرقوا شَذَر مَذَر، ومنه الشَّذْر المُلْتَقَطُ من المعدن لتفرُّقِه، قال:
    2433ـ غرائِرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمة يُحَلَّيْنَ ياقوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا
    الثالث: أنه مِنْ " شَذَر في مقاله " إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاء، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: " شرذ " بالمعجمة: التنكيل، وبالمهملة التفريق، وهذا يقوِّي قول مَنْ قال: إن هذه المادة ثابتةٌ في لغة العرب.

    قوله: " مَنْ خَلْفَهم " مفعولُ " شَرِّد ". وقرأ الأعمش ـ بخلافٍ عنه ـ وأبو حيوة " مِنْ خلفِهم " جاراً ومجروراً. والمفعولُ على هذه القراءةِ محذوفٌ أي: فَشَرِّدْ أمثالَهم من الأعداء أو ناساً يعملون بعملهم....

    { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ }: قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم " يَحْسَبَنَّ " بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله " لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا معجزين [في الأرض] " كذلك خلا حَفْصاً. والباقون بتاء الخطاب.

    وفي قراءة الغَيْبةِ تخريجاتٌ كثيرة سَبَقَ نظائرُها في أواخر آل عمران. ولا بد مِنْ ذكر ما ينبِّهك هنا على ما تقدَّم فمنها: أن الفعلَ مسندٌ إلى ضميرٍ يُفَسِّره السياق تقديره: ولا يَحْسَبَنَّ هو أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو حاسب، أو يكون الضمير عائداً على مَنْ خلفهم. وعلى هذه الأقوالِ فيجوزُ أن يكون " الذين كفروا " مفعولاً أولَ، و " سبقوا " جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى " الذين كفروا " ثم اختلفوا هؤلاء في المفعولين: فقال قوم: الأولُ محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين كفروا سبقوا، فـ " هم " مفعول أول، و " سَبَقوا " في محلِّ الثاني، أو يكون التقدير: لا يَحْسَبنَّ الذين كفروا أنفسَهم سَبَقوا، وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل " أن " الموصولة محذوفة، وهي وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنْ سبقوا، فحذفت " أن " الموصولة وبقيت صلتها كقوله{ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ } [الروم: 24]، أي: أن يريكم وقولهم: " تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه " وقوله:
    2434ـ ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ................
    ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ عبد الله " أنهم سبقوا ". وقال قوم: " بل " سبقوا " في محلِّ نصبٍ على الحال، والسادُّ مَسَدَّ المفعولين " أنهم لا يعجزون " في قراءة مَنْ قرأ بفتح " أنهم " وهو ابن عامر، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا سابقين أنهم لا يعجزون، وتكون " لا " مزيدةً ليصح المعنى ".

    قال الزمخشري بعد ذِكْره هذه الأوجهَ: " وليست هذه القراءةُ التي تَفَرَّد بها حمزةُ بنيِّرة ". وقد رَدَّ عليه جماعةٌ هذا القولَ وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ بل وافقه عليها مِنْ قُرَّاء السبعةِ ابنُ عامر أسنُّ القراءِ وأعلاهم إسناداً، وعاصمٌ في رواية حفص، ثم هي قراءةُ أبي جعفر المدني شيخِ نافع وأبي عبد الرحمن السلمي وابن محيصن وعيسى والأعمش والحسن البصري وأبي رجاء وطلحة وابن أبي ليلى. وقد رَدَّ الشيخ عليه أيضاً أنَّ " لا يحسبَنَّ " واقع على " أنهم لا يُعْجِزون " وتكونُ " لا " صلة بأنه لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّ حمزة يقرأ بكسر الهمزة يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج؟ قلت: هو لم يلتزم التخريج على قراءةِ حمزة في الموضعين: أعني " لا يَحْسَبَنَّ " وقولهم " أنهم لا يعجزون " حتى نُلْزِمه ما ذكر.

    وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ أي: لا تَحْسبَنَّ يا محمدُ أو يا سامعُ، و " الذين كفروا " مفعولٌ أولُ، والثاني " سبقوا " ، وكان قد تقدَّم في آل عمران وجهٌ: أنه يجوز أن يكون الفاعلُ الموصولَ، وإنما أتى بتاءِ التأنيث لأنه بمعنى القوم كقوله:{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [الشعراء: 105]، وتقدَّمَ لك فيه بحثٌ وهو عائدٌ ههنا.

    وأمَّا قراءةُ الباقين في النور ففيها ما ذُكِر ههنا إلا الوجهَ الذي فيه تقديرُ " أنْ " الموصولة لتعذُّرِ ذلك، ولكن يَخْلُفُه وجهٌ آخر لا يتأتى ههنا: وهو أن يكون " الذين كفروا " فاعلاً، و " مُعْجزين " مفعول أول و " في الأرض " الثاني. أي: لا تَحْسَبوا أحداً يعجز الله في الأرض أي بقوته. وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ على ما قدَّمته لك.

    وقرأ الأعمش: " ولا يَحْسَبَ الذين كفروا " بفتح الباء. وتخريجها أن الفعلَ مؤكَّد بنون التوكيد الخفيفة، فَحَذَفَها لالتقاء الساكنين، كما يُحْذَفُ له التنوين فهو كقول الآخر:
    2435ـ لا تُهينَ الفقير عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يوماً والدهرُ قد رفعهْ
    أي: لا تهينَنَّ. ونقل بعضهم: " ولا تحسَبِ الذين " من غير توكيدٍ البتة. وهذه القراءةُ بكسرِ الباء على أصل التقاء الساكنين.

    قولهم: { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح: إمَّا على حَذْفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر. ووجهُ الاستبعادِ أنها تعليل للنهي أي: لا تَحْسَبَنَّهم فائتين لأنهم لا يُعْجزون، أي: لا يقع منك حسبانٌ لقولهم لأنهم لا يُعْجزون، وإمَّا على أنها بدلٌ من مفعول الحسبان.

    وقال أبو البقاء: " إنه متعلقٌ بتحسب:/ إمَّا مفعولٌ أو بدلٌ من " سَبَقوا " ، وعلى كلا الوجهين تكون " لا " زائدةً. وهو ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: زيادة لا، والثاني: أن مفعول " حَسِب " إذا كان جملةً وكان مفعولاً ثانياً كانت " إنَّ " فيه مكسورة لأنه موضعُ ابتداء وخبر "....

    قال الطبري

    والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ «لا تَحْسَبن» بالتاء «الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ» بكسر الألف من «إنهُمْ لا يُعْجِزُونَ» بمعنى ولا تحسبنّ أنت يا محمد الذين جحدوا حجج الله وكذّبوا بها سبقونا بأنفسهم، ففاتونا، إنهم لا يعجزوننا أي يفوتوننا بأنفسهم، ولا يقدرون على الهرب منا. كما حدثني محمد بن الحسين، قال ثنا أحمد بن المفضل، قال ثنا أسباط، عن السديّ { وَلا يَحْسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ } يقول لا يفوتون

  14. #134
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الواحدة والاربعون بعد المائة

    قال السمين

    وقرأ الحسن ويعقوب ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو " تُرَهِّبون " مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف كما عدَّاه العامة بالهمزة، والمفعول الثاني على كلتا القراءتين محذوف لأن الفعل قبل النقل بالهمزة/ أو بالتضعيف متعدٍّ لواحد نحو: رَهَّبْتُك، والتقدير: تُرَهِّبون عدوَّ الله قتالكم أو لقاءَكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نَقَلَ قراءةَ الحسن بياء الغيبة وتخفيف " يُرْهبون " وهي قراءة واضحة، فإن الضميرَ حينئذٍ يَرْجع إلى من يرجع إليه ضمير " لهم " ، فإنهم إذا خافوا خَوَّفوا مَنْ وراءهم.....

    وقال ابن عطية

    قوله { حرض } معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت " حرص " بالصاد غير منقوطة والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء، وقالت فرقة من المفسرين: المعنى حرض على القتال حتى يبين لك فيمن تركه أنه حرض....

    وقرأ عاصم وحمزة وشيبة وطلحة " ضَعْفاً " بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم، وقرأ عيسى بن عمر " ضُعُفاً " بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو حاتم: من ضم الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضَّعْف والضُّعْف لغتان بمنزلة الفَقْر والفُقر، حكى الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في المعنى، وقال الثعالبي في كتاب فقه اللغة له: الضَّعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضُّعف بضمها في الجسم....

    وقال السمين

    قوله: { يُؤْتِكُمْ } جواب الشرط. وقرأ الأعمش: " يُثِبْكم " من الثواب. وقرأ الحسن وأبو حيوة وشيبة وحميد " ممَّا أَخَذَ " مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى.

    قال القرطبي

    { مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ } وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة «من وِلايتهم» بكسر الواو. وقيل هي لغة. وقيل: هي من وليت الشيء؛ يقال: ولِيٌّ بيّن الوَلاية. ووالٍ بيّن الوِلاية. والفتح في هذا أبيَن وأحسن؛ لأنه بمعنى النصرة والنسب. وقد تطلق الوِلاية والوَلاية بمعنى الإمارة

    وقال السمين

    قوله: { مِّن وَلاَيَتِهِم } قرأ حمزة هنا وفي الكهف [الآية: 44]:{ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ } هو والكسائي بكسر الواو. والباقون بفتحها فقيل: لغتان. وقيل: بالفتح مِن المَوْلَى، يقال: مَوْلى بيِّن الوَلاية، وبالكسر مِنْ وِلاية السلطان، قاله أبو عبيدة. وقيل: بالفتح مِنَ النُّصْرَة والنسب، وبالكسر من الإِمارة قاله الزجاج. قال: " ويجوز الكسرُ لأنَّ في تَوَلِّي بعضِ القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ مثل الخِياطة والقِصارة. وقد خَطَّأ/ الأصمعيُّ قراءةَ الكسرِ، وهو المُخْطِئُ لتواترها.

    وقال أبو عبيد: " والذي عندنا الأَخْذُ بالفتح في هذين الحرفين، لأنَّ معناهما مِنَ الموالاة في الدين ". وقال الفارسي: " الفتحُ أَجْود لأنها في الدين " ، وعَكَس الفراء هذا فقال: " يُريد مِنْ مواريثهم، بكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها، لأنها إنما تفتح إذا كانت نصرة، وكان الكسائي يذهب بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنيين جميعاً ". وقرأ السلمي والأعرج " والله بما يعملون " بالياء للغيبة، وكأنه التفات أو إخبار عنهم....

    قوله تعالى: { إِنْ لا تَفْعَلُوهُ }: الهاءُ تعود: إمَّا على النصر أو الإِرث أو الميثاق أي: حِفْظه، أو على جميع ما تقدَّم ذِكْرُه، وهو معنى قول الزمخشري " إنْ لا تَفْعلوا ما أَمَرْتُكم به ". والعامة قرؤوا [كبير] بالباء الموحدة. وقرأ الكسائي فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي: " كثير " بالثاء المثلثة، وهذا قريبٌ ممَّا في البقرة وهو يقرؤها كذلك.

  15. #135
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,271
    الجوهرة الثانية والاربعون بعد المائة

    سورة التوبة


    قال السمين

    قوله: { وَرَسُولِهِ } الجمهورُ على رَفْعِه، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: ورسولُه بريءٌ منهم، وإنما حُذِفَ للدلالةِ عليه. والثاني: أنه معطوفٌ على الضميرِ المستتر في الخبر، وجاز ذلك للفصلِ المسوِّغ للعطف فرفعُه على هذا بالفاعلية. الثالث: أنه معطوفٌ على محل اسم " أنَّ " ، وهذا عند مَنْ يُجيز ذلك في المفتوحةِ قياساً على المكسورة. قال ابن عطية: " ومذهبُ الأستاذ ـ يعني ابن الباذش ـ على مقتضى كلامِ سيبويهِ أن لا موضعَ لِما دخلَتْ عليه " أنَّ "؛ إذ هو مُعْرَبٌ قد ظهر فيه عملُ العامل، وأنه لا فرقَ بين " أَنَّ " وبين " ليت " ، والإِجماعُ على أن لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه هذه ". قال الشيخ: " وفيه تعقُّبٌ؛ لأن علةَ كونِ " أنَّ " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه ليس ظهورَ عملِ العامل بدليل: " ليس زيد بقائم " و " ما في الدار مِنْ رجل " فإنه ظهر عملُ العامل ولهما موضع، وقولُه: " بالإِجماع " ـ يريد أن " ليت " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه بالإِجماع ـ ليس كذلك؛ لأن الفراءَ خالَفَ، وجعل حكمَ " ليت " وأخواتِها جميعِها حكمَ " إنَّ " بالكسر ".

    قلت: قوله: " بدليل ليس زيدٌ بقائم " إلى آخره قد يَظْهر الفرق بينهما فإن هذا العاملَ وإنْ ظهر عملُه فهو في حكمِ المعدوم؛ إذ هو زائد فلذلك اعتبرنا الموضعَ معه بخلاف " أنَّ " بالفتح فإنه عاملٌ غيرُ زائد، وكان ينبغي أن يُرَدَّ عليه قولُه: " وأن لا فرقَ بين " أنَّ " وبين " ليت " ، فإنَّ الفرقَ قائمٌ، وذلك أن حكمَ الابتداء قد انتسخ مع ليت ولعل وكأن لفظاً ومعنىً بخلافه مع إنَّ وأنَّ فإن معناه معهما باقٍ.

    وقرأ عيسى بن عمر وزيد بن علي وابن أبي إسحاق " ورسولَه " بالنصب. وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة. والثاني: أنه مفعولٌ معه، قاله الزمخشري.

    وقرأ الحسن " ورسولِه " بالجر وفيها وجهان، أحدهما: أنه مقسمٌ به أي: ورسولِه إن الأمر كذلك، وحُذِفَ جوابُه لفهم المعنىظ°. والثاني: أنه على الجِوار، كما أنهم نَعَتوا وأكَّدوا على الجِوار، وقد تقدَّم تحقيقُه. وهذه القراءةُ يَبْعُد صحتُها عن الحسن للإِبهام، حتى يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ " ورسولِه " بالجر. فقال الأعرابي: إن كان الله قد بَرِىء مِنْ رسوله فأنا بريء منه، فَلَبَّبه القارىء إلى عمر رضي الله عنه، فحكى الأعرابيُّ الواقعةَ، فحينئذ أَمَرَ عمرُ بتعليم العربية. ويُحكى أيضاً هذه عن أمير المؤمنين عليّ وأبي الأسود الدؤلي. قال أبو البقاء: " ولا يكون عطفاً على المشركين لأنه يؤدي إلى الكفر ". وهذا من الوضحات......

    قوله: { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } الجمهور " يَنْقُصوكم " بالصاد مهملةً، وهو يتعدَّى لواحدٍ ولاثنين. ويجوز ذلك فيه هنا، فـ " كُمْ " مفعولٌ، و " شيئاً ": إمَّا مفعول ثان وإمَّا مصدرٌ، أي: شيئاً من النقصان، أو لا قليلاً و [لا] كثيراً من النقصان. وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وابن السَّمَيْفَع/ وأبو زيد " يَنْقُضوكم " بالضاد المعجمة، وهي على حَذْفِ مضاف أي: ينقضوا عهدكم، فحُذف المضاف وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. قال الكرماني: " وهي مناسِبة لِذِكْرِ العهد " أي: إنَّ النقضَ يُطابق العهدَ، وهي قريبة من قراءة العامة؛ فإنَّ مَنْ نقض العهد فقد نقص من المدة، إلا أن قراءةَ العامة أوقعُ لمقابلها التمام....

صفحة 9 من 23 الأولىالأولى ... 567891011121319 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •