صفحة 8 من 25 الأولىالأولى ... 45678910111218 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 106 إلى 120 من 364

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #106
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الثالثة عشر بعد المائة

    { وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }


    قال القرطبي

    في الآية أربع قراءات، أصحها قراءة الجمهور: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ» وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة. «شركاؤهم» رفع بـ«زين»؛ لأنهم زَيّنوا ولم يقتلوا. «قَتْل» نصب بـ«زين» و«أولادهم» مضاف إلى المفعول، والأصل في المصدر أن يضاف إلى الفاعل؛ لأنه أحدثه ولأنه لا يستغنى عنه ويستغنى عن المفعول؛ فهو هنا مضاف إلى المفعول لفظاً مضافٌ إلى الفاعل معنًى؛ لأن التقدير زَيّن لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى:{ لاَّ يَسْأَمُ ظ±لإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ظ±لْخَيْرِ } [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. فالهاء فاعلة الدعاء، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير. وكذا قوله: زيّن لكثير من المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم. قال مكيّ: وهذه القراءة هي الاختيار؛ لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة. القراءة الثانية «زُيّن» (بضم الزاي). «لكثير من المشركين قتلُ» (بالرفع). «أولادِهم» بالخفض. «شركاؤهم» (بالرفع) قراءة الحسن. ظ±بنُ عامر وأهل الشام «زُيّنَ» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم برفع «قتل» ونصب «أولادهم». «شركائهم» بالخفض فيما حكى أبو عبيد؛ وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قَرءوا «وكذلك زُيّنَ» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتلُ» بالرفع «أولادِهم» بالخفض «شركائهم» بالخفض أيضاً. فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة، يكون «قتل» ظ±سم ما لم يُسم فاعله، «شركاؤهم»؛ رفع بإضمار فعل يدل عليه «زَيّنَ»، أي زيّنه شركاؤهم. ويجوز على هذا ضُرِب زيدٌ عمروٌ، بمعنى ضربه عمرو، وأنشد سيبويه:
    لِيُبْك يَزِيـدُ ضارِعٌ لخصومـةٍ
    أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر{ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِظ±لْغُدُوِّ وَظ±لآصَالِ * رِجَالٌ } [النور: 36-37] التقدير يسبحه رجال. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة{ قُتِلَ أَصْحَابُ ظ±لأُخْدُودِ * ظ±لنَّارِ ذَاتِ ظ±لْوَقُودِ } [البروج: 4 ـ 5] بمعنى قتلهم النار. قال النحاس: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنَّمَا أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يَفصِل، فأما بالأسماء غير الظروف فلَحْنٌ.

    قال مَكِّيّ: وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في المفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القراءة أبعد. وقال المهدوِيّ: قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، ومثله قول الشاعر:
    فزَجَجْتُها بِمزجّة زَجَّ القَلوصَ أبي مَزادة
    يريد: زجّ أبي مزادة القَلوصَ. وأنشد:
    تَمُرّ على ما تستمر وقد شفت غلائلَ عبدُ القيس منها صُدُورِها
    يريد شفت عبدُ القيس غلائل صدورها. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: قراءة ظ±بن عامر لا تجوز في العربية؛ وهي زلّة عالم، وإذا زل العالم لم يجز ظ±تباعه، ورُدّ قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يُرَدّ من زلّ منهم أو سها إلى الإجماع؛ فهو أولى من الإصرار على غير الصواب. وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأنه لا يفصل. كما قال:
    كما خُطّ الكتاب بكفِّ يوماً يَهودِيٍّ يُقَارِبُ أو يُزيلُ
    وقال آخر:
    كأنّ أصواتَ مِن إيغالهن بنا أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفَرارِيج
    وقال آخر:
    لمّا رأت سَاتيدَما ظ±ستعبَرَتْ لِلَّهِ دَرُّ اليومَ مَن لاَمَها
    وقال القشيري: وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال، لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح. وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان «شركائهم» بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر. وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء؛ لأن الشركاء هم الذين زيّنوا ذلك وَدَعَوْا إليه؛ فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه، وقدّم المفعول وتركه منصوباً على حاله؛ إذْ كان متأخراً في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضاً على حاله؛ إذْ كان متقدّماً بعد القتل. والتقدير: وكذلك زُيّن لكثير من المشركين قَتْلُ شركائهم أولادَهم. أي أَنْ قتلَ شركاؤهم أولادَهم. قال النحاس: فأما ما حكاه غير أبي عبيد (وهي القراءة الرابعة) فهو جائز. على أن تبدل شركاءهم من أولادهم؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث....

    وقال الطبري

    والقراءة التي لا أستجيز غيرها { وكذلكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤهُمْ } بفتح الزاي من «زيَّن» ونصب «القتل» بوقوع «زيَّن» عليه وخفض «أولادهم» بإضافة «القتل» إليهم، ورفع «الشركاء» بفعلهم لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم على ما ذكرت من التأويل. وإنما قلت لا أستجيز القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة. ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ثم قرأ قارىء «وكذلكَ زُيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهمْ» بضم الزاي من «زيَّن» ورفع «القتل» وخفض «الأولاد» «والشركاء»، على أن «الشركاء» مخفوضون بالردّ على «الأولاد» بأن «الأولاد» شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزاً. ولو قرأه كذلك قارىء، غير أنه رفع «الشركاء» وخفض «الأولاد» كما يقال ضُرِب عبد الله أخوك، فيظهر الفاعل بعد أن جرى الخبر بما لم يسمّ فاعله، كان ذلك صحيحاً في العربية جائزاً.

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " حِجْر " بكسر الحاء وسكون الجيم، وقرأ قتادة والحسن والأعرج " حُجْر " بضم الحاء وسكون الجيم، وقرأ ابن عباس وأبيّ وابن مسعود وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار " جِرْج " بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم وسكونها، فالأولى والثانية بمعنى التحجير وهو المنع والتحريم، والأخيرة من الحرج وهو التضييق والتحريم، وكانت هذه الأنعام على ما قال ابن زيد محللة للرجال محرمة على النساء، وقيل كانت وقفاً لمطعم سدنة بيوت الأصنام وخدمتها، حكاه المهدوي، فذلك المراد بقوله { من نشاء } وقوله { بزعمهم } أي بتقولهم الذي هو أقرب إلى الباطل منه إلى الحق، و " زعمهم " هنا هو في قولهم " حجر " وتحريمهم بذلك ما لم يحرم الله تعالى...

    والهاء في { خالصة } قيل هي للمبالغة كما هي في رواية غيرها، وهذا كما تقول فلان خالصتي وإن كان باب هاء المبالغة أن يلحق بناء مبالغة كعلامة ونسابة وبصيرة ونحوه، وقيل هي لتأنيث الأنعام إذ ما في بطونها أنعام أيضاً، وقيل هي على تأنيث لفظ { ما } لأن { ما } واقعة في هذا الموضع موقع قولك جماعة وجملة، وقرأ جمهور القراء والناس " خالصةٌ " بالرفع، وقرأ عبد الله بن مسعود وابن جبير وابن أبي عبلة والأعمش " خالصٌ " دون هاء ورفع هاتين القراءتين على خبر الابتداء.

    وقرأ ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين " خالصةً " بالنصب، وقرأ سعيد بن جبير فيما ذكر أبو الفتح " خالصاً " ونصب هاتين القراءتين على الحال من الضمير الذي في قوله { في بطون } ، وذلك أن تقدير الكلام: وقالوا ما استقر هو في بطون هذه الأنعام فحذف الفعل وحمل المجرور الضمير، والحال من الضمير والعامل فيها معنى الاستقرار، قال أبو الفتح ويصح أن يكون حالاً من { ما } على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها، وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو حيوة والزهري " خالصه " بإضافة " خالص " إلى ضمير يعود على { ما } ، ومعناه ما خلص وخرج حياً، والخبر على قراءة من نصب " خالصة " في قوله { لذكورنا } ...

  2. #107
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الرابعة عشر بعد المائة

    سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }

    قال الرازى

    المسألة الأولى: اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: فالوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم: لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح، فوجب كون هذا المذهب مذموماً باطلاً. والوجه الثاني: أنه تعالى قال: { كَذَّبَ } وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل. أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب. وأما القراءة بالتشديد، فلا يمكن حملها على أن القوم استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضداً لمعنى الذي يدل عليه قراءة { كَذَّبَ } بالتخفيف، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضداً للقراءة الأخرى، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى، وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبياً من الأنبياء في الزمان المتقدم، فإنه كذبه بهذا الطريق، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى، فهذا الذي أنا عليه من الكفر، إنما حصل بمشيئة الله تعالى، فلم يمنعني منه، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالاً على إبطال قول المجبرة.....

    والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة. وإذا ثبت هذا، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا { لَوْ شَاء ظ±للَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } ثم ذكر عقيبه { كَذظ°لِكَ كَذَّبَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره، كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع.

    فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل. فإن قالوا: هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى: { كَذظ°لِكَ كَذَّبَ } بالتشديد. وأما إذا قرأناه بالتخفيف، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان. الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا: فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم، لوقع التناقض، ولخرج القرآن عن كونه كلاماً لله تعالى، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة، فوجب المصير إليه. الثاني: سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية....

    قلت انا اسامة خيري المعتزلة رجحوا قراءة التخفيف لانها تنصر ان ماقالوه كذب لا من التكذيب الذى رجحه اهل السنة هذا قصد الرازى ولنا بحث عميق جدا وطويل جدا عن اسرار علم الكلام فى القرآن

  3. #108
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الخامسة عشر بعد المائة

    { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

    قال ابن عطية

    الإشارة هي إلى الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بجملته، وقال الطبري: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدمت من قوله{ قل تعالوا أتل } [الأنعام:151] قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو " وأنّ هذا " بفتح الهمزة وتشديد النون " صراطي " ساكن الياء, وقرأ حمزة والكسائي " وإنّ " بكسر الألف وتشديد النون، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق وابن عامر من السبعة " وأنْ " بفتح الهمزة وسكون النون " صراطيَ " مفتوح الياء، فأما من فتح الألف فالمعنى عنده كأنه قال ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، أي اتبعوه لكونه كذا وتكون الواو على هذا إنما عطفت جملة، ويصح غير هذا أن يعطف على { أن لا تشركوا } وكأن المحرم من هذا اتباع السبيل والتنكيب عن الصراط الأقوم، ومن قرأ بتخفيف النون عطف على قوله { أن لا تشركوا } ومذهب سيبويه أنها المخففة من الثقيلة، وأن التقدير وأنه هذا صراطي، ومن قرأ بكسر الألف وتشديد النون فكأنه استأنف الكلام وقطعه من الأول، وفي مصحف ابن مسعود " وهذا صراطي " بحذف أن،

    وقال ابن الجوزى فى زاده


    قوله تعالى: { تماماً على الذي أحسن } في قوله «تماماً» قولان.

    أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها، تقول: أعطيتك كذا تماماً على كذا، وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور.

    والثاني: أن قوله «تماماً»: كلمة قائمة بنفسها غير متصلة بما بعدها، والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماماً، أي: في دفعة واحدة لم نفرِّق إنزاله كما فُرِّق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان الدمشقي.

    وفي المشار إليه بقوله { أحسن } أربعة أقوال.

    أحدها: أنه الله عز وجل. ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والثاني: تماما على إحسان الله تعالى إلى موسى، وعلى هذين القولين، يكون { الذي } بمعنى «ما».

    والقول الثاني: أنه إبراهيم الخليل عليه السلام، فالمعنى: تماماً للنعمة على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نُبُوَّة موسى نعمة على إبراهيم، لأنه من ولده ذكره الماوردي.

    والقول الثالث: أنه كل محسن من الانبياء، وغيرهم. وقال مجاهد: تماماً على المحسنين، أي: تماماً لكل محسن. وعلى هذا القول، يكون «الذي» بمعنى «مَن» و«على» بمعنى لام الجر؛ ومن هذا قول العرب: أتم عليه، وأتم له، قال الراعي:
    رعته أشهرا وخلا عليها
    أي: لها.

    قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحج؛ تريد: للغازين والحاجِّين.

    والقول الرابع: أنه موسى، ثم في معنى { أحسن } قولان.

    أحدهما: أَحْسَنَ في الدنيا بطاعة الله عز وجل. قال الحسن، وقتادة: تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: هو إحسان موسى بطاعته. وقال ابن جرير: تماماً لنعمنا عنده على إحسانه في قيامه بأمرنا ونهينا.

    والثاني: أحْسَنَ من العلم وكُتُبَ اللهِ القديمةِ؛ وكأنه زيد على ما أحسنه من التوراة؛ ويكون «التمام» بمعنى الزيادة، ذكره ابن الانباري. فعلى هذين القولين يكون «الذي» بمعنى: «ما».

    وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: «على الذي أحسنُ»، بالرفع. قال الزجاج: معناه على الذي هو أحسن الأشياء.

    وقرأ عبد الله بن عمرو، وأبو المتوكل، وأبو العالية: «على الذي أُحْسِنَ» برفع الهمزة وكسر السين وفتح النون؛ وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم

  4. #109
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة السادسة عشر بعد المائة

    قال القرطبي

    قوله تعالىٰ: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } قرأه حمزة والكِسائي فارقوا بالألف، وهي قراءة عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ من المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه. وكان عليّ يقول: واللَّهِ ما فرّقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد؛ إلاَّ النَّخَعِيّ فإنه قرأ «فَرَقوا» مُخَفَّفاً؛ أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض

    وقال الطبري


    اختلف القرّاء في قراءة قوله { فَرَّقُوا } فرُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ما حدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن عليًّا رضي الله عنه، قرأ «إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دينَهُمْ». حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، قال قال حمزة الزيات، قرأها عليّ رضي الله عنه «فارَقُوا دِينَهُمْ». وقال ثنا الحسن بن عليّ، عن سفيان، عن قتادة «فارَقُوا دينَهُمْ». وكأن عليًّا ذهب بقوله «فارَقُوا دينَهُمْ» خرجوا فارتدّوا عنه من المفارقة. وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود، كما حدثنا ابن وكيع، قال ثنا يحيى بن رافع، عن زهير، قال ثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها { فَرَّقُوا دينَهُمْ }. وعلى هذه القراءة، أعني قراءة عبد الله، قرّاء المدينة والبصرة وعامة قرّاء الكوفيين. وكأن عبد الله تأوّل بقراءته ذلك كذلك أن دين الله واحد، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة، ففرّق ذلك اليهود والنصارى، فتهوّد قوم، وتنصَّر آخرون، فجعلوه شيعاً متفرّقة. والصواب من القول في ذلك أن يقال إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأتْ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه. وذلك أن كلّ ضالّ فلدينه مفارق، وقد فرّق الأحزاب دين الله الذي ارتضاه لعباده، فتهوّد بعض، وتنصَّر آخرون، وتمجّس بعض، وذلك هو التفريق بعينه ومصير أهله شيعاً متفرّقين غير مجتمعين، فهم لدين الله الحقّ مفارقون وله مفرّقون فبأيّ ذلك قرأ القارىء فهو للحقّ مصيب، غير أنّي أختار القراءة بالذي عليه عظم القرّاء، وذلك تشديد الراء مِن «فرّقوا

  5. #110
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة السابعة عشر بعد المائة

    سورة الاعراف



    آتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }

    قال السمين

    وقرأ الجحدري: " ابتَغُوا " بالغين المعجمة من الابتغاء

    وقال القرطبي

    { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } اللام لام القسم، والجواب «لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ». وقيل: «لَمَنْ تَبِعَكَ» لام توكيد. «لأَمْلأَنّ» لام قَسَم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولىظ°، ولا يجوز حذف الثانية. وفي الكلام معنىظ° الشرط والمجازاة؛ أي من تبعك عذبته. ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز؛ إلا أن تريد لأعذبه. وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عَيَّاش «لِمن تبِعك منهم» بكسر اللام. وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره ـ والله أعلم ـ من أجل من تبعك. كما يقال أكرمت فلاناً لك. وقد يكون المعنى: الدّحر لمن تبعك.

    { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـظ°ذِه الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس " ملَكين " بفتح اللام وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي كثير والضحال " مِلكين " بكسر اللام، ويؤيد هذه القراءة قوله في آية أخرى{ وملك لا يبلى } [طه:120].

  6. #111
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الثامنة عشر بعد المائة

    قال ابن الجوزى

    وأكثر القراء قرؤوا: «وريشاً». وقرأ ابن عباس، والحسن وزرّ بن حبيش، وقتادة، والمفضل، وأبان عن عاصم: «ورياشاً» بألف. قال الفراء: يجوز أن تكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن تكون بمعنى الريش كما قالوا: لِبس، ولباس.

    قال الشاعر:
    فلما كَشَفْنَ اللِّبْس عنه مَسَحْنَهُ بأطراف طَفْل زانَ غَيْلاً مُوَشَّماً
    قال ابن عباس، ومجاهد: «الرياش»: المال؛ وقال عطاء: المال والنعيم. وقال ابن زيد الريش: الجَمال؛ وقال معبد الجهني: الريش: الرزق؛ وقال ابن قتيبة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج: الريش: اللباس وكل ما ستر الإِنسان في جسمه ومعيشته. يقال: تريَّش فلان، أي: صار له ما يعيش به. أنشد سيبويه:
    رياشي منكُم وهوايَ مَعْكُمْ وإن كَانَتْ زيارتُكم لِماما
    وعلى قول الأكثرين: الريش والرياش بمعنى. قال قطرب: الريش والرياش واحد. وقال سفيان الثوري: الريش: المال، والرياش: الثياب.

    قوله تعالى: { ولباس التقوى } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: «ولباسُ التقوى» بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بنصب اللباس. قال الزجاج: من نصب اللباس، عطف به على الريش؛ ومن رفعه، فيجوز أن يكون مبتدأً، ويجوز أن يكون مرفوعاً باضمار: هو؛ المعنى: وهو لباس التقوى، أي: وستر العورة لباس المتقين....

    وقال الطبري

    وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، أعني نصب قوله «وَلِباسَ التَّقْوَى» لصحة معناه في التأويل على ما بينت، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوآتنا والرياش توبيخاً للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كلّ حال مع الإيمان به واتباع طاعته، ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله وتعرّيهم، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض.

    وما يدلّ على صحة ما قلنا في ذلك الآيات التي بعد هذه الآية، وذلك قوله{ يا بَني آدَمَ لايَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كمَا أخُرَجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوآتِهِما } وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله { وأنْ تَقُولُوا على اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ } فإنه جلّ ثناؤه يأمر في كلّ ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي وبالإيمان به واتباع أمره والعمل بطاعته، وينهي عن الشرك به واتباع أمر الشيطان مؤكداً في كل ذلك ما قد أجمله في قوله { يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوَارِي سَوآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباس التَّقْوَى ذلكَ خَيْرٌ }. وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله «وَلِباسَ التَّقْوَى» استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته وذلك يجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن، لأن من اتقى الله كان به مؤمناً وبما أمره به عاملاً ومنه خائفاً وله مراقباً، ومن أن يرى عند ما يكرهه من عباده مستحيياً. ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سمته وهديه ورُؤيت عليه بهجة الإيمان ونوره. وإنما قلنا عنى بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك لأن اللباس إنما هو ادّراع ما يلبس واحتباء ما يكتسي، أو تغطية بدنه أو بعضه به، فكلّ من ادّرع شيئاً أو احتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه، فهو له لابس ولذلك جعل جلّ ثناؤه الرجال للنساء لباساً وهنّ لهم لباساً، وجعل الليل لعباده لباساً. ذكر من تأوّل ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرىء قوله { وَلِباسُ التَّقْوَى } رفعاً حدثني محمد بن الحسين، قال ثنا أحمد بن المفضل، قال ثنا أسباط، عن السديّ { وَلِباسُ التَّقْوَى } الإيمان { ذلكَ خَيْرٌ } يقول ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم....

    وقال ابن عطية

    قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وابن عباس ومجاهد: المراد بقوله: { كما بدأكم تعودون } الإعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت فالوقف على هذا التأويل { تعودون } ، و { فريقاً } نصب بـ { هدى } ، والثاني منصوب بفعل تقديره: وعذب فريقاً أو أضل " فريقاً حق عليهم " ، وقال ابن عباس أيضاً وأبو العالية ومحمد بن كعب ومجاهد أيضاً وسعيد بن جبير والسدي وجابر بن عبد الله وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: المراد بقوله { كما بدأكم تعودون } الإعلام بأن أهل الشقاء والكفر في الدنيا الذين كتب عليهم هم أهل الشقاء في الآخرة وأهل السعادة والإيمان الذين كتب لهم في الدنيا هم أهلها في الآخرة لا يتبدل من الأمور التي أحكمها ودبرها وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله { تعودون } غير حسن، و { فريقاً } على هذا التأويل نصب على الحال والثاني عطف على الأول، وفي قراءة أبي بن كعب " تعودون فريقين فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة...

    وقوله تعالى: { ولكل أمة أجل } الآية، يتضمن الوعيد والتهديد، والمعنى ولكل أمة أي فرقة وجماعة، وهي لفظة تستعمل في الكثير من الناس، أجل مؤقت لمجيء العذاب إذا كفروا وخالفوا أمر ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك قاله الطبري وغيره، وقرأ الحسن " فإذا جاء آجالهم " بالجمع. وهي قراءة ابن سيرين، قال أبو الفتح هذا هو الأظهر لأن لكل إنسان أجلاً فأما الإفراد فلأنه جنس وإضافته إلى الجماعة حسنت الإفراد، ومثله قول الشاعر: [الرجز]

    في حلقكم عظم وقد شجينا
    وقوله: { ساعة } لفظ عين به الجزء القليل من الزمن، والمراد جميع أجزائه أي لا يستأخرون ساعة ولا أقل منها ولا أكثر، وهذا نحو قوله تعالى:{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [النساء:40] فإنما هي عبارة يقام الجزء فيها مقام الكل.

    قال القاضي أبو محمد: وكأنه يظهر بين هذه الآية وبين قوله تعالى:{ ويؤخركم إلى أجل مسمى } [إبراهيم:10، نوح: 4] تعارض لأن تلك تقتضي الوعد بتأخير إن آمنوا والوعيد بمعاجلة إن كفروا.

    قال القاضي أبو محمد: والحق مذهب أهل السنة أن كل أحد إنما هو بأجل واحد لا يتأخر عنه ولا يتقدم. وقوم نوح كان منهم من سبق في علم الله تعالى أنه يكفر فيعاجل، وذلك هو أجله المحتوم، ومنه من يؤمن فيتأخر إلى أجله المحتوم وغيب عن نوح تعيين الطائفتين فندب الكل إلى طريق النجاة وهو يعلم أن الطائفة إنما تعاجل أو تؤخر بأجلها، فكأنه يقول: فإن آمنتم علمنا أنكم ممن قضى الله له بالإيمان والأجل المؤخر، وإن كفرتم علمنا أنكم ممن قضي له بالأجل المعجل والكفر....

    وقال القرطبي

    ثم قال «خَالِصَةٌ» بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. { خَالِصَةً يَوْمَ ظ±لْقِيَامَةِ } أي يُخلِص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصةٌ يوم القيامة. فخالصةٌ مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدّي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصةٌ يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: «فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» متعلق «بِآمِنُوا». وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تمّ دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على «الدُّنْيَا»؛ لأن ما بعده متعلق بقوله: «لِلَّذِينَ آمَنُوا» حالاً منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو عليّ. وخبر الابتداء «لِلَّذِينَ آمَنُوا». والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: «لِلَّذِينَ» واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف.

  7. #112
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة التاسعة عشر بعد المائة

    قال القرطبي

    { وَلَـظ°كِن لاَّ يَعْلَمُونَ } على قراءة من قرأ بالياء؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له. وقيل: المعنى «ولَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ» بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب...

    قال ابن عطية

    { الجمل } كما عهد والـ { سم } كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين: " الجمل " ، واحد الجمال، وقال الحسن هو الجمل الذي يقوم بالمديد ومرة لما أكثروا عليه قال هو الأشتر وهو الجمل بالفارسية، ومرة قال هو الجمل ولد الناقة وقاله ابن مسعود.

    قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارة تدل على حرج السائل لارتياب السائلين لا شك باللفظة من أجل القراءات المختلفة، وذكر الطبري عن مجاهد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: " حتى يلج الجمل الأصفر " ، وقرأ أبو السمال " الجمْل " بسكون الميم وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن جبير الشعبي ومالك بن الشخير وأبو رجاء: " الجُمّل " بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة، وقرأ سالم الأفطس وابن خير وابن عامر أيضاً: " الجُمْل " بتخفيف الميم من الجمل وقالوا هو حبل السفن، وروى الكسائي أن الذي روى تثقيل الميم عن ابن عباس كان أعجمياً فشدد الميم لعجمته.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عباس على القراءة المذكورة وقرأ سعيد بن جبير فيما روى عنه: " الجُمْل " بضم الجيم وسكون الميم، وقرأ ابن عباس أيضاً: " الجُمُل " بضم الجيم والميم، و " السم ": الثقب من الإبرة وغيرها يقال سَم وسِم بفتح السين وكسرها وضمها، وقرأ الجمهور بفتح السين، وقرأ ابن سيرين بضمها، وقرأ أبو حيوة بضمها وبكسرها، وروي عنه الوجهان

    وقال السمين

    وفي قوله: { صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ } فائدةٌ جليلة وهو أنهم لم يَلْتفتوا إلى جهة النار إلا مجبورين على ذلك لا باختيارهم لأنَّ مكان الشر محذور. وقد تقدَّم خلافُ القراء في نحو " تلقاء أصحاب " بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين أو إثباتها أو تسهيلها في أوائل البقرة. وقرأ الأعمش: " وإذا قُلِبَتْ " وهي مخالفةٌ للسواد، كقراءة { لم يدخلوها وهم ساخطون } أو { وهم طامِعُون } على أنَّ هذه أقرب. و " قالوا " هو جوابُ " إذا " والعامل فيها.

    وقال ابن عطية

    ، ثم نادت أصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة } ، وقال بعض المتأولين: الإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف، وقرأ الحسن وابن هرمز " أدخِلوا الجنة " بفتح الألف وكسر الخاء معنى أدخلوا أنفسكم، أو على أن تكون مخاطبة للملائكة ثم ترجع المخاطبة بعد إلى البشر في { عليكم } ، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس " دخلوا الجنة " على الإخبار بفعل ماض، وقرأ طلحة بن مصرف وابن وثاب والنخعي " أُدخلوا الجنة " خبر مبني للمفعول.

    قال القاضي أبو محمد: وترتيب كل قراءة من هذه على الأقوال في المخاطب والمخاطب بقوله تعالى: { أهؤلاء } ممكن بأيسر تناول فاختصرته إيجازاً، وكذلك ما في الآية من الرجوع من مخاطبة فريق إلى مخاطبة غيره،....

    وقوله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب } الآية، ذكر الاعذار إليهم إثر ذكر ما يفعل بهم واللام في قوله: { لقد } لام قسم والضمير في { جئناهم } لمن تقدم ذكره، وقال يحيى بن سلام تم الكلام في { يجحدون } وهذا الضمير لمكذبي محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن العزيز.

    قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون اسم جنس في جميع الكتب المنزلة على تأويل من يرى الضمير في { جئناهم } لمن تقدم ذكره، وقرأ جمهور الناس " فصلناه " من تفصيل الآيات وتبيينها، وقرأ ابن محيصن " فضلناه " بضاد منقوطة،

  8. #113
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة العشرون بعد المائة

    قال السمين

    قوله: { يُغْشِي ظ±لْلَّيْلَ ظ±لنَّهَارَ } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص هنا وفي سورة الرعد " يُغْشي " مخففاً مِنْ أغشى على أفْعَل، والباقون على التشديد مِنْ غشَّى على فَعَّل، فالهمزةُ والتضعيفُ كلاهما للتعدية أكسبا الفعلَ مفعولاً ثانياً، لأنه في الأصل متعدٍ لواحدٍ فصار الفاعل مفعولاً. وقرأ حميد بن قيس " يَغْشى " بفتح الياءِ والشين، " الليلُ " رفعاً، " النهار " نصباً هذه رواية الداني عنه. وروى ابن جني عنه نصب " الليل " ورفع " النهار ". قال ابن عطية: " ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ " وفيه نظرٌ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة وإن كان دونه في العلم بطبقات، ويؤيد روايةَ الداني أيضاً أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل الليل فاعلاً لفظاً ومعنى، والنهار مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: الليل فاعل معنى، والنهار مفعول لفظاً ومعنى، وذلك أن المفعولَيْن في هذا الباب متى صَلُح أن يكونَ كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى وَجَبَ تقديمُ الفاعل معنى لئلا يُلْبِسَ نحو: " أعطيت زيداً عمراً " فإن لم يُلْبس نحو: " أعطيت زيداً درهماً، وكَسَوْتُ عمراً جبةً " جاز، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين نحو: ضرب موسى عيسى، وضرب زيد عمراً، وهذه الآيةُ الكريمةُ من باب " أعطيت زيداً عمراً " لأن كلاً من الليل والنهار يَصْلُح أن يكون غاشياً مغشِّياً فوجَبَ جَعْلُ " الليل " في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي و " النهار " هو المفعول من غير عكس، وقراءة الداني موافقةٌ لهذه لأنها المصرَِّحةُ بفاعلية الليل، وقراءة ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى. قلت: وقد روى الزمخشري قراءةَ حميد كما رواها أبو الفتح فإنه قال: " يُغَشِّي " بالتشديد: أي يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل، يحتملهما جميعاً، والدليل على الثاني قراءةُ حميد بن قيس " يَغْشى " بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار " انتهى. وفيما/ قاله أبو القاسم نظر لِما ذَكَرْتُ لك من أن الآية الكريمة مما يجب فيها تقديمُ الفاعل المعنوي، وكأن أبا القاسم تبع أبا الفتح في ذلك فلم يلتفتْ إلى هذه القاعدةِ المذكورة سهواً...

    قوله: { وَظ±لشَّمْسَ } قرأ ابن عامر هنا وفي النحل برفع " الشمس " وما عُطف عليها ورفع " مُسَخَّرات " ، وافقه حفص عن عاصم في النحل خاصة على رفع { وَظ±لنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ } ، والباقون بالنصب في الموضعين. وقرأ أبان ابن تغلب هنا برفع " النجوم " وما بعدها فقط، كحفص في النحل.

    فأما قراءةُ ابن عامر فعلى الابتداء والخبر، جعلها جملةً مستقلة بالإِخبار بأنها مسخرات لنا من الله تعالى لمنافعنا. وأما قراءة الجماعة فالنصبُ في هذه السورة على عطفها على " السماوات " أي: وخلق الشمس، وتكون " مسخرات " على هذا حالاً من هذه المفاعيل. ويجوز أن تكون هذه منصوبة بـ " جَعَل " مقدراً، فتكون هذه المنصوباتُ مفعولاً أول، ومسخرات مفعولاً ثانياً.

    وأما قراءةُ حفص في النحل فإنه إنما رفع هناك لأن الناصبَ هناك " سخَّر " وهو قولُه تعالى { وَسَخَّرَ لَكُمُ ظ±للَّيْلَ وَظ±لْنَّهَارَ وَظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ } ، فلو نصب النجوم ومسخرات لصار اللفظ: سَخَّرها مسخرات، فيلزم التأكيد فلذلك قطعهما على الأول ورفعهما جملةً مستقلة. والجمهورُ يخرِّجونها على الحال المؤكدة وهو مستفيضٌ في كلامهم، أو على إضمار فعل قبل " والنجوم " أي: وجعل النجوم مسخرات، أو يكون " مسخرات " جمع مُسَخَّر المراد به المصدر، وجُمِع باعتبار أنواعه كأنه قيل: وسخَّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم تسخيرات أي أنواعاً من التسخير....

    وقال ابن عطية

    قال القاضي أبو محمد: وهذا خروج كثير عن ما فهم من العرش في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " يُغشي " من أغشى، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي " يغشّي " بالتشديد من غشّى، وهما طريقان في تعدية " غشي " إلى مفعول ثان، وقرأ حميد " يغَشَى " بفتح الياء والشين ونصب " الليلَ " ورفع " النهارُ " ، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو الداني برفع " الليلُ ".

    قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت و { حثيثاً } معناه سريعاً، و { يطلبه حثيثاً } حال من الليل بحسب اللفظ على قراءة الجماعة، ومن النهار بحسب المعنى، وأما على قراءة حميد فمن النهار في الوجهين، ويحتمل أن يكون حالاً منهما، ومثله قوله تعالى:{ فأتت به قومها تحمله } [مريم:27] فيصح أن يكون { تحمله } حالاً منها، وأن يكون حالاً منه وأن يكون حالاًَ منهما و { مسخرات } في موضع الحال، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة و " الشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ " بالرفع في جميعها، ونصب الباقون هذه الحروف كلها، وقرأ أبان بن تغلب و " الشمسَ والقمرَ " بالنصب، و " النجومُ مسخراتٌ " بالرفع.....

    { ادعوا ربكم } معناه اعبدوا ربكم { تضرعاً وخفية } أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب، وقرأ جميع السبعة " وخُفية " بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و " خِفية " بكسرها وهما لغتان، وقد قيل إن " خِفية " بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة، ويظهر ذلك من كلام أبي علي.

    وقرأت فرقة " وخِيفة " من الخوف، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في المحكم ولم ينسبها، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا

    وقال ابن الجوزى

    { الرياح } على الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: «الريح» على التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد، ويراد به الكثرة، كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ومثله:{ إن الإنسان لفي خسر } [العصر: 2].

    قوله تعالى: { نشراً } قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، { نُشراً } بضم النون والشين، أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. قال أبو عبيدة: النُشُر: المتفرقة من كل جانب. وقال أبو علي: يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر؛ يقال: أنشر الله الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أن إنشار الربح إحياؤها قولُ الفقعسي:
    وهبَّتْ له رِيْحُ الجَنُوبِ وأُحْيِيَتْ له رَيْدَةٌ يُحيي المِيَاهَ نَسِيْمُهَا
    ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت.

    قال الشاعر:
    إنِّي لأرْجُو أَنْ تَمُوْتَ الرِّيْحُ فَأقْعُدَ اليَوْمَ وَأسْتَرِيْحُ
    والرَّيدة والريدانة: الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري: «نُشْراً» بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى «نُشُراً» يقال: كُتُبْ وكُتْب، ورُسُل ورُسْل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم: «نَشْرا» بفتح النون وسكون الشين. قال الفراء: النَّشْر: الريح الطيبة الليَّنِّة التي تنشىء السحاب. وقال ابن الانباري: النَّشْر: المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النَّشْر أن يكون خلاف الطيِّ، كأنها كانت بانقطاعها كالمطويَّة. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في النشر: أنها المتفرقة في الوجوه؛ ويحتمل أن يكون معناها: النشر الذي هو الحياة، كقول الشاعر:
    [حتَّى يقولَ النَّاسُ ممَّا رَأَوْا] يا عَجَباً لِلْمِّيتِ النَّاشِرِ
    قال: وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ومورِّق العجلي: «نَشَراً» بفتح النون والشين. قال ابن القاسم: وفي النَّشَر وجهان.

    أحدهما: أن يكون جمعاً للنشور، كما قالوا: عَمود وَعَمد، وإهاب وأهَب.

    والثاني: أن يكون جمعاً، واحده ناشر، يجري مجرى قوله: غائب وغَيَبٌ، وحافد وحَفَدٌ، وكل القرَّاء نوَّن الكلمة. وكذلك اختلافهم في [الفرقان: 48] و[النمل: 63]. هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء، فقرأ عاصم إلا المفضل: «بُشْرى» بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فُعْلى: قال ابن الانباري: وهي جمع بشيرة، وهي التي تبشِّر بالمطر، والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. وقرأ ابن خثيم، وابن جذلم: مثله إلا أنهما نوَّنا الراء. وقرأ ابو الجوزاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. والرحمة هاهنا: المطر؛ سماه رحمة لأنه كان بالرحمة

  9. #114
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الواحدة والعشرون بعد المائة


    { إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { إِنَّكُمْ } قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، تفسيراً للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وحسُن ذلك لأن ما قبله وبعده كلام مستقل. واختار الأوّل أبو عبيد والكِسائي وغيرهما؛ وٱحتجوا بقوله عز وجل:{ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ } [الأنبياء: 34] ولم يقل أفهم. وقال:{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] ولم يقل أنقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبَّها شيئين بما لا يشتبهان؛ لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر؛ فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مِت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق...

  10. #115
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجزء التاسع

    الجوهرة الثانية والعشرون بعد المائة


    { أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَهْدِ }: قرأ الجمهور " يَهْدِ " بالياء من تحت. وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه المصدر المؤول من " أنْ " وما في حَيِّزها، والمفعولُ محذوفٌ والتقدير: أو لم يَهْدِ أي: يبيِّن ويوضِّح للوارثين مآلهم وعاقبةَ أمرهم وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شِئْنا ذلك، فقد سَبَكْنا المصدر من " أنْ " ومن جواب لو. الثاني. أنَّ الفاعلَ هو ضميرُ اللهِ تعالى أي: أو لم يبيِّن الله، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ " نَهْدِ " بالنون. الثالث: أنه ضميرٌ عائد على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلام أي: أو لم يَهْدِ ما جَرَى للأممِ السابقة كقولهم: " إذا كان غداً فَأْتني " أي: إذا كان ما بيني وبينك مما دلَّ عليه السياق. وعلى هذين الوجهين فـ " أنْ " وما في حيِّزها بتأويل مصدر كما تقدَّم في محلِّ المفعول والتقدير: أو لم يُبَيِّن ويوضح الله أو ما جَرَى للأمم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك.

    وقرأ مجاهد " نَهْدِ " بنون العظمة و " أنْ " مفعول فقط، و " أنْ " هي المخففةُ من الثقيلة، " ولو " فاصلةٌ بينها وبين الفعل، وقد تقدَّم أن الفصلَ بها قليلٌ. و " نشاء " وإن كان مضارِعاً لفظاً فهو ماضٍ معنىً؛ لأنَّ " لو " الامتناعيةَ تخلِّصُ المضارع للمضيّ. وفي كلامِ ابنِ الأنباري خلافُه فإنه قال في " ونطبعُ ": " هذا فعلٌ مستأنف ومنقطع مما قبله، لأنَّ قولَه " أَصَبْنا " ماضٍ و " نَطْبع " مستقبل ثم قال: " ويجوز أن يكونَ معطوفاً على " أَصَبْنا " إذ كان بمعنى نُصيب، والمعنى: لو يشاء يصيبهم ويطبع، فَوَضَع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كقوله تعالى:{ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ } [الفرقان: 10] أي: يجعل، بدليل قوله " ويجعل لك ". قلت: فهذا ظاهرٌ قويٌّ في أنَّ " لو " هذه لا تخلِّصُ المضارع للمضيّ، وتنظيرُه بالآيةِ الأخرى مُقَوٍّ له أيضاً، وسيأتي تحقيق ذلك عند قوله " ونطبع ".

    وقال الفراء: " وجاز أن تَرُدَّ " يَفْعل " على فَعَلَ في جواب " لو " كقوله:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ } [يونس: 11] قوله: " فَنَذَرُ " مردودٌ على " لقُضِي ". قلت: وهذا هو قول الجمهور، ومفعولُ " يشاء " محذوفٌ لدلالة جواب " لو " عليه، والتقدير: لو يشاء تعذيبَهم أو الانتقامَ منهم. وأتى/ جوابُها بغير لام وإن كان مبنيَّاً على أحد الجائزين، وإن كان الأكثرُ خلافَه، كقوله تعالى:{ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً } [الواقعة: 70]

  11. #116
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الثالثة والعشرون بعد المائة

    قال الرازى

    المسألة الثالثة: قرأ نافع { حقيق عَلَىَّ } مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف. أما قراءة نافع { فحقيق } يجوز أن يكون بمعنى فاعل. قال الليث: حق الشيء معناه وجب، ويحق عليك أن تفعل كذا، وحقيق علي أن أفعله، بمعنى فاعل. والمعنى: واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، وضع فعيل في موضع مفعول.

    تقول العرب: حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيراً، أي حق علي ذلك بمعنى استحق. إذا عرفت هذا فنقول: حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي. قال تعالى:{ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا } [الصافات: 31] وقال:{ فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } [الإسراء: 16] فحقيق يجوز أن يكون موصولاً بحرف على من هذا الوجه، وأيضاً فإن قوله: { حَقِيقٌ } بمعنى واجب، فكما أن وجب يتعدى بعلي، كذلك حقيق إن أريد به وجب، يتعدى بعلي.

    وأما قراءة العامة { حَقِيقٌ عَلَىَّ } بسكون الياء. ففيه وجوه: الأول: أن العرب تجعل الباء في موضع «علي» تقول: رميت على القوس وبالقوس، وجئت على حال حسنة، وبحال حسنة. قال الأخفش: وهذا كما قال:{ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } [الأعراف: 86] فكما وقعت الباء في قوله: { بِكُلّ صِرٰطٍ } موضع «علي» كذلك وقعت كلمة «علي» موقع الباء في قوله: { حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لا أَقُولَ } يؤكد هذا الوجه قراءة عبدالله { حَقِيقٌ بِأَنَّ لا أَقُولَ } وعلى هذه القراءة فالتقدير: أنا حقيق بأن لا أقول، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء، وخبره { أَن لا أَقُولَ } الثاني: أن الحق هو الثابت الدائم، والحقيق مبالغة فيه، وكان المعنى: أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق. الثالث: الحقيق ههنا بمعنى المحقوق، وهو من قولك: حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين، ولفظة { عَلَىَّ } ههنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية، كقوله تعالى:{ فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } [الروم: 30] وتقول: جاءت فلان على هيئته وعادته، وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات، فمعنى الآية: أني لم أعرف ولم أتحقق إلا على قول الحق. والله أعلم.

    وقال الطبري


    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { حَقِـيقٌ عَلـى أن لا أقُولَ علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ } فقرأه جماعة من قرّاء الـمكيـين والـمدنـيـين والبصرة والكوفة { حَقِـيقٌ علـى أن لا أقُولَ } بإرسال الـياء من «علـى» وترك تشديدها، بـمعنى أنا حقـيق بأن لا أقول علـى الله إلا الـحقّ، فوجهوا معنى علـى إلـى معنى البـاء، كما يقال رميت بـالقوس وعلـى القوس، وجئت علـى حال حسنة، وبحال حسنة. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول إذا قرىء ذلك كذلك، فمعناه حريص علـى أن لا أقول إلا بحقّ. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـمدينة «حَقِـيقٌ عَلـىَّ أنْ لا أقُولَ» بـمعنى واجب علـيّ أن لا أقول، وحُقّ علـيّ أن لا أقول. قال أبو جعفر والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب

    وقال السمين

    وقراءةُ نافعٍ واضحةٌ وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ الكلامُ قد تمَّ عند قولِه " حقيق " ، و " عليَّ " خبر مقدم، و " أنْ لا أقول " مبتدأ مؤخَّر كأنه قيل: عليَّ عدمُ قول غير الحق أي: فلا أقول إلا الحق. الثاني: أن يكون " حقيق " خبراً مقدَّماً، و " أن لا أقول " مبتدأٌ على ما تقدَّم بيانه. الثالث: " أَنْ لا أقول " فاعِلٌ بـ " حقيق " كأنه قيل: يحقُّ ويجب أن لا أقول، وهذا أَعْرَبُ الوجوهِ لوضوحه لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق " عليَّ " بـ " حقيق " لأنك تقول: " حَقَّ عليه كذا ". قال تعالى: { أولئك الذين حَقَّ عليهم القولُ }. وعلى الوجهِ الأولِ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما عُرِفَ غيرَ مرة.

  12. #117
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الرابعة والعشرون بعد المائة

    قال القرطبي

    قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً } أي جائزة ومالاً. ولم يقل فقالوا بالفاء؛ لأنه أراد لما جاءوا قالوا: وقرىء «إنَّ لَنَا» على الخبر. وهي قراءة نافع وابن كثير. ألزموا فرعونَ أن يجعل لهم مالاً إن غَلَبوا؛ فقال لهم فرعون: { نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ظ±لْمُقَرَّبِينَ } أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. استخبروا فرعون: هل يجعل لهم أجراً إن غلبوا أولا؛ فلم يقطعوا على فرعون بذلك: إنما استخبروه هل يفعل ذلك؛ فقال لهم «نعم» لكم الأجر والقُرْب إن غلَبَتم.

    وقال ابن عطية

    قبل أن آذن لكم } دليل على وهن أمره لأنه إنما جعل ذنبهم مفارقة الإذن ولم يجعله نفس الإيمان إلا بشرط، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه في كل القرآن " آمنتم " على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر " آمنتم " بهمزة ومدة على الاستفهام وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي في الثلاثة المواضيع " أآمنتم " بهمزتين الثانية ممدودة، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ ابن كثير في رواية أبي الأخريط عنه " وآمنتم " وهي على ألف الاستفهام إلا أنه سهلها واواً فأجرى المنفصل مجرى المتصل في قولهم تودة في تؤدة، وقرأ قنبل عن القواس " وآمنتم " وهي على القراءة بالهمزتين " اآمنتم " إلا أنه سهل ألف الاستفهام واواً وترك ألف أفعلتم على ما هي عليه،

  13. #118
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة الخامسة والعشرون بعد المائة

    { وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَيَذَرُكَ }: قرأ العامَّةُ: " ويَذَرَك " بياء الغيبة ونصبِ الراء. وفي النصبِ وجهان: أظهرهما: أنه على العطف على " ليُفْسدوا ". والثاني: أنه منصوبٌ على جواب الاستفهام، كما يُنصب في جوابه بعد الفاء كقول الحطيئة:
    2265ـ ألم أكُ جارَكُم ويكونَ بيني وبينكمُ المودةُ والإِخاءُ
    والمعنى: كيف يكون الجمعُ بين تَرْكِكَ موسى وقومه مفسدين وبين تركِهم إيَّاك وعبادةِ آلهتك، أي لا يمكنُ وقوعُ ذلك.

    وقرأ الحسن في روايةٍ عنه ونعيم بن ميسرة " ويذرُك " برفع الراء. وفيها ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه نسقٌ على " أتذر " أي: أتطلق له ذلك. الثاني: أنه استئنافُ إخبار بذلك. الثالث: أنه حالٌ. ولا بدَّ من/ إضمارِ مبتدأ، أي: وهو يَذَرُك.

    وقرأ الحسن أيضاً والأشهب العقيلي: " ويذرْك " بالجزم وفيها وجهان، أحدهما: أنه جزم ذلك عطفاً على التوهم، كأنه توهَّم جَزْمَ " يُفْسدوا " في جواب الاستفهام فعطف عليه بالجزم كقوله: { فأصَّدَّق وأكنْ } [المنافقين: 10] بجزم " وأكن ". الثاني: أنها تخفيفٌ كقراءةِ أبي عمرو " يَنْصُرْكم " وبابه.

    وقرأ أنس بن مالك: " ونذرُك " بنون الجماعة ورفع الراء، تَوَعَّدوه بذلك، أو أنَّ الأمرَ يُؤول إلى ذلك فيكون خبراً محضاً. وقرأ عبد الله والأعمش بما يخالف السواد فلا حاجةَ إلى ذِكْره.

    وقرأ العامَّة: " وآلهتكَ " بالجمع. وفي التفسير: أنه كان يعبدُ آلهةً متعددة كالبقر والحجارة والكواكب، أو آلهته التي شَرَع عبادتَها لهم وجَعَل نفسَه الإِلَه الأعلى في قوله { أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }.

    وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وأنس وجماعة كثيرة: " وإلاهتك ". وفيها وجهان، أحدهما: أن " إلاهة " اسم للمعبود، ويكون المرادُ بها معبودَ فرعونِ وهي الشمس، وفي التفسير أنه كان يعبد الشمس، والشمس تسمَّى " إلاهةً " علَماً عليها، ولذلك مُنِعت الصرف للعلمية والتأنيث. والثاني: أن " إلاهة " مصدر بمعنى العبادة، أي: ويذر عبادَتك لأنَّ قومه كانوا يعبدونه. ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يُنْكر قراءة العامة، ويقرأ " وإلاهتك " وكان يقول: إن فرعون كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.....

  14. #119
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة السادسة والعشرون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس بالياء وشد الطاء والياء الأخيرة " يطيّروا " ، وقرأ عيسى بن عمرو وطلحة بن مصرف بالتاء وتخفيف الطاء " تطيروا " ، وقرأ مجاهد " تشاءموا بموسى " بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم....

    وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر " دكاً " ، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم " دكاء " على وزن حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضاً دكاء تشبيهاً بالناقة،....

    وقال السمين

    وقرأ الحسن البصري: " سأُوْريكم " بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان، أحدهما ـ قاله الزمخشري ـ: " وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقال: أَوْرَني كذا وأَوْرَيْتُه، فوجهه أن يكون مِنْ أَوْرَيْتُ الزندَ فإن المعنى: بَيِّنْه لي وأَنِرْه لأستبينَه. والثاني: ـ ذكره ابن جني ـ وهو أنه على الإِشباع فيتولَّد منها الواو قال: " وناسب هذا كونَه موضعَ تهديدٍ ووعيد فاحتمل الإِتيان بالواو " قلت: وهذا كقول الآخر:
    2292ـ اللهُ يعلمُ أنَّا في تَلَفُّتِنا يومَ اللقاء إلى أحبابنا صورُ
    وأنني حيثما يثني الهوى بَصَري من حيث ما سلكوا أَدْنُو فانظورُ
    لكن الإِشباعَ بابُه الضرورة عند بعضِهم. وقرأ ابن عباس وقسامة ابن زيد: " سأُوْرِثكم ". قال الزمخشري: " وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى{ وَأَوْرَثْنَا ظ±لْقَوْمَ } [الأعراف: 137].

    وقال الالوسي

    وقرأ حمزة. والكسائي { الرشد } بفتحتين، وقرىء { الرشاد } وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام، وفرق / أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين، والمشهور عدم الفرق...

    وقال ابن عطية

    و " الخوار " صوت البقر، ويروى أن هذا العجل إنما خار مرة واحدة، وذلك بحيلة صناعية من السامري أو بسحر تركب له من قبضه القبضة من أثر الرسول، أو بأن الله أخار العجل لفتن بني إسرائيل، وقرأت فرقة له " جوار " بالجيم وهو الصياح قال أبو حاتم وشدة الصوت، ....

    وقول بني إسرائيل { لئن لم يرحمنا ربنا } إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم ورؤيتهم أنهم قد خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة بن نصاح ومجاهد وغيرهم " قالوا لئن لم يرحمنا ربنا " بالياء في يرحمنا وإسناد الفعل إلى الرب تعالى، " ويغفر " بالياء، وقرأ حمزة والكسائي والشعبي وابن وثاب والجحدري وطلحة بن مصرف والأعمش وأيوب " ترحمنا ربَّنا " بالتاء في " ترحمنا " ونصب لفظة ربنا على جهة النداء " وتغفر " بالتاء، من فوق، وفي مصحف أبيّ " قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين...

    وقرأ جمهور الناس " فلا تُشْمِت بي الأعداء " بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء، وقرأ مجاهد فيما حكاه أبو حاتم " فلا تَشمَت بي " بفتح التاء من فوق والميم ورفع " الأعداءُ " أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي، وقرأ حميد بن قيس " تَشمِت " بتاء مفتوحة وميم مكسورة ورفع " الأعداءُ " حكاها أبو حاتم، وقرأ مجاهد أيضاً فيما حكاه أبو الفتح " فلا تَشمَت بي الأعداءَ " بفتح التاء من فوق والميم ونصب الأعداء، هذا على أن يعدى شمت يشمت، وقد روي ذلك، قال أبو الفتح: فلا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال تعالى: يستهزىء بهم } [البقرة:15] ونحو ذلك، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء كأنه قال: لا تشمت بي الأعداء كقراءة الجماعة.

    قال القاضي أبو محمد: وفي كلام أبي الفتح هذا تكلف، وحكى المهدوي عن ابن محيصن: " تَشِمت " بفتح التاء وكسر الميم، " الأعداءَ " بالنصب، والشماتة: فرحة العدو بمصاب عدوه

  15. #120
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    10,304
    الجوهرة السابعة والعشرون بعد المائة(القراءات واصول الدين وقد مرت امثلة علي هذا من قبل)

    قال ابن عطية

    { عذابي أصيب به من أشاء } وقرأ الحسنَ وطاوس وعمرو بن فائد " من أساء " من الإساءة أي من عمل غير صالح، وللمعتزلة بهذه القراءة تعلق من وجهين: أحدهما إنفاذ الوعيد، والآخر خلق المرء أفعاله وإن أساء لا فعل فيه لله، وهذان التعلقان فيهما احتمال ينفصل عنه كما ينفصل عن سائر الظواهر إلا أن القرأة أطنبوا في التحفظ من هذه القراءة، وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وذكر أبو حاتم أن سفيان بن عيينة قرأها مرة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقبري وصاح به وأسمعه فقال سفيان: لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع وهذا إفراط من المقربين وحملهم على ذلك شحهم على الدين وظنهم أن الانفصال عن تعلق المعتزلة متعذر.

صفحة 8 من 25 الأولىالأولى ... 45678910111218 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •