صفحة 7 من 40 الأولىالأولى ... 3456789101117 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 105 من 587

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

  1. #91
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة السابعة والتسعون

    يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }


    قال السمين

    والجمهور على " أُجِبْتم " مبنياً للمفعول، وفي حذف الفاعل هنا ما لا يُبْلَغُ كُنهُه من الفصاحة والبلاغة حيث اقتصر على خطاب رسله غيرَ مذكورٍ معهم غيرُهم، رفعاً من شأنهم وتشريفاً واختصاصاً. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة " أَجَبْتم " مبنياً للفاعل والمفعول محذوف أي: مذا أَجَبْتم أممكم حين كَذَّبوكم وآذَوْكم، وفيه توبيخٌ للأمم، وليست في البلاغةِ كالأولى.....

    وقال الالوسي

    { إِذْ أَيَّدتُّكَ } ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لكما أو حال منها أي اذكرها كائنة وقت ذلك، وقيل: بدل اشتمال منها وهو في المعنى تفسير لها. وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به على السعة. وقرىء «آيدتك» بالمد ووزنه عند الزمخشري أفعلتك وعند ابن عطية فاعلتك، قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل مضارعه من كلام العرب فإن كان يؤايد فهو فاعل / وإن كان يؤيد فهو أفعل» ومعناه ومعنى أيد واحد، وقيل: معناه بالمد القوة وبالتشديد النصر وهما ـ كما قيل ـ متقاربان لأن النصر قوة...


    وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرظ°ءيلَ عَنكَ } يعني اليهود حين هموا بقتله ولم يتمكنوا منه. { إِذْ جِئْتَهُمْ بِظ±لْبَيّنَـظ°تِ } أي المعجزات الواضحة مما ذكر وما لم يذكر وهو ظرف لكففت مع اعتبار قوله تعالى: { فَقَالَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـظ°ذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وهو مما يدل على أنهم قصدوا اغتياله عليه الصلاة والسلام المحوج إلى الكف أي كففتهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئك إياهم بالبينات، ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة. فكلمة من بيانية وهذا إشارة إلى ما جاء به. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» فالإشارة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، وجعل الإشارة إليه على القراءة الأولى وتأويل السحر بساحر لتتوافق القراءتان لا حاجة إليه....

    الجوهرة الثامنة والتسعون

    قال القرطبي

    { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }. قراءة الكسائيّ وعليّ وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «هل تستطيع» بالتاء «ربَّك» بالنصب. وأدغم الكسائيّ اللام من «هل» في التاء. وقرأ الباقون بالياء، «رَبُّك» بالرفع، وهذه القراءة أشكل من الأولى؛ فقال السدي: المعنى هل يطيعك ربك إن سألته { أَن يُنَزِّلَ } فيستطيع بمعنى يطيع؛ كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: { ظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أي لا تشكوا في قدرة الله تعالى.

    قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال:{ مَنْ أَنَّصَارِيغ¤ إِلَى ظ±للَّهِ قَالَ ظ±لْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ظ±للَّهِ } [الصف: 14]. وقال عليه السلام: " لكل نبيّ حواري وحواري الزبير " ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم؛ فكيف يخفى ذلك على من باطنهم وظ±ختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ظ±جعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، وكما قال من قال من قوم موسى:{ ظ±جْعَلْ لَّنَآ إِلَـظ°هاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [الأعراف: 138] على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك؛ كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم:{ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ظ±لْمَوْتَىظ° } [البقرة: 260] على ما تقدّم، وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم: { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }.

    قلت: وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين؛ على ما يأتي بيانه. وقد أدخل ظ±بن العربيّ المستطيع في أسماء الله تعالى، وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة ظ±سما وقد ورد فعلا، وذكر قول الحواريين: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.

    ورده عليه ظ±بن الحصّار في كتاب شرح السنة له وغيره؛ قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال، وأدب مع الله تعالى؛ إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا لكل أحد، والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظنّ بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟! وأما قراءة «التاء» فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك، هذا قول عائشة ومجاهد ـ رضي الله عنهما؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } قالت: ولكن «هل تستطيع ربّك». وروي عنها أيضاً أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: «هل تستطيع ربك». وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ربك " قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء " هل تستطيع ربك " وقال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله؛ والمعنى متقارب، ولا بد من محذوف؛ كما قال: { وَظ±سْأَلِ ظ±لْقَرْيَةَ } وعلى قراءة الياء لا يحتاج حذف....

    وقال الطبري

    وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك { هَلْ يَسْتَطِيعُ } بالياء { رَبُّكَ } برفع الربّ، بمعنى هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟ وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ } من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }. فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كلّ شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاماً منه لما قالوا { اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الربّ إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.

    فإن ظنّ ظانّ أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذّباً، ليتقرّر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحوّل لهم الصفا ذهباً ويفجِّر فجاج مكة أنهاراً من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذّبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كِسْفاً من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الربّ محلاًّ أعظم من المحلّ الذي ظنوا أنهم نزّهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبيّ مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيراً أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنَّى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبىء بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم{ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أنْ نَأكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا } فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشكّ في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختباراً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.....


    وقال السمين


    { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ }

    وقرأ الجمهور: { ونَعْلَمَ }: و " نكون " بنون المتكلم مبنياً للفاعل، و قرأ ابن جبير - فيما نقله عنه ابن عطية - " وتُعْلَم " بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضميرُ عائدٌ على القلوب أي: وتُعْلَمَ قلوبُنا، ونُقل عنه " ونُعْلَم " بالنون مبنياً للمفعول، وقرئ: " يُعْلم " بالياء مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل: " أَنْ قد صدقتنا " أي: ويُعْلَمَ صِدْقُك لنا، ولا يجوز أن يكونَ الفعلُ في هذه القراءةِ مسنداً لضميرِ القلوب لأنه جارٍ مَجْرى المؤنثِ المجازي، ولا يجوزُ تذكيرُ فعلِ ضميرِه.

    وقرأ الأعمش: و " تَعْلَم " بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير القلوب، ولا يجوزُ أن تكونَ التاءُ للخطاب لفسادِ المعنى، ورُوي: " وتِعْلَم " بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدَّم وقُرئ: و " تَكون " بالتاء والضمير للقلوب...

    قوله تعالى: { وَآيَةً }: عطف على " عيداً " ، و " منك " صفتها. وقرأ اليماني: " وإنَّه " بـ " إنَّ " المشددة، والضمير: إما للعيد وإما للإِنزال.....

    قَالَ اللَّهُ هَـذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

    قوله تعالى: { يَوْمُ يَنفَعُ }: الجمهور على رفعه من غير تنوين، ونافع على نصبه من غير تنوين، ونقل الزمخشري عن الأعمش " يوماً " بنصبه منوناً، وابن عطية عن الحسن بن عياش الشامي: " يوم " برفعه منوناً، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحةٌ على المبتدأ والخبر، والجملةُ في محل نصب بالقول. وأمَّا قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أنَّ " هذا " مبتدأ، و " يوم " خبره كالقراءة الأولى، وإنما بُنِي الظرفُ لإِضافتِه إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربةً، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلُّوا عليه بهذه القراءةِ، وأمَّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماض، وعليه قولُ النابغة:
    1858- على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا فقلتُ: أَلمَّا أًصْحُ والشيبُ وازعُ
    وخَرَّجوا هذه القراءةَ على أن " يوم " منصوبٌ على الظرف، وهو متعلق في الحقيقةِ بخبر المبتدأ أي: واقعٌ أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضاً في المعنى، ومنهم مَنْ خَرَّجه على أنَّ " هذا " منصوبٌ بـ " قال " وأُشير به إلى المصدرِ فنصبُه على المصدر، وقيل: بل أُشير به إلى الخبر والقِصَص المتقدمةِ فيجري في نصبه خلافٌ: هل هو منصوبٌ نصبَ المفعول به أو نصبَ المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يُفْهم كلاماً نحو: " قلت شهراً وخطبة " جَرَى فيه هذا الخلاف، وعلى كلِّ تقدير فـ " يوم " منصوبٌ على الظرف بـ " قال " أي: قال الله هذا القولَ أو هذه الأخبارَ في وقتِ نفع الصادقين، و " ينفع " في محلِّ خفضٍ بالإِضافة، وقد تقدَّم ما يجوزُ إضافتُه إلى الجمل، وأنه أحد ثلاثةِ أشياء، وأمَّا قراءةُ التنوين فرفعُه على الخبريةِ كقراءة الجماعة، ونصبُه على الظرفِ كقراءة نافع، إلا أنَّ الجملةَ بعده في القراءتين في محل الوصفِ لِما قبلها، والعائدُ محذوفٌ، وهي نظيرَةُ قولِه تعالى:{ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } [البقرة: 48]، فيكونُ محلُّ هذه الجملةُ إما رفعاً أو نصباً...

    قوله: { صِدْقُهُمْ } مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقُرِئ شاذاً بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله، أي: ينفعهم لأجلِ صِدْقِهم، ذكر ذلك أبو البقاء وتبعه الشيخ وهذا لا يجوزُ لأنه فاتَ شرطٌ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ النفعِ غيرُ فاعلِ الصدقِ، وليس لقائلٍ أن يقولَ: " يُنْصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين يَصْدُقون لأجل صدقهم فيلزمُ اتحادُ الفاعل " لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة لنفسِه، وللقولِ فيه مجال. الثاني: على إسقاطِ حرف الجر أي: بصدقِهم، وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه أيضاً من أنّ حَذْف الحرفَ لا يطَّرد. الثالث: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في " الصادقين " أي: الذين صَدَقوا صدقهم، مبالغةً نحو: " صَدَقْت القتال " كأنك وَعَدْتَ القتالَ فلم تَكْذِبْه، وقد يُقَوِّي هذا نصبُه على المفعول له، والعامل فيه اسم الفاعل قبله. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكد كأنه قيل: الذين يَصْدُقون الصدقَ كما تقول: " صَدَق الصدقَ " وعلى هذه الأوجه كلِّها ففاعلُ " ينفع " ضميرٌ يعود على الله تعالى

  2. #92
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة التاسعة والتسعون

    سورة الانعام


    { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }* { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ }

    قال السمين

    قوله: { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } القراءة المشهورة ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول، والضمير لله تعالى، والمعنى: وهو يَرْزق ولا يُرْزَق، وهو موافقٌ لقوله تعالى:{ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } [الذاريات: 57]. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه: " ولا يَطْعَمُ " بفتح الياء والعين بمعنى ولا يأكل، والضمير لله تعالى.

    وقرأ ابن أبي عبلة ويمان العماني: ولا يُطْعِم، بضم الياء وكسر العين كالأول، فالضميران - أعني هو والمستكنُّ في " يطعم " - عائدان على الله تعالى، والضمير في ولا يُطْعِم للوليّ. وقرأ يعقوب في رواية ابن المأمون.


    وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِم " ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على عكس القراءة المشهورة، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترَيْنِ في الفعلين للولي فقط، أي: وذلك الوليُّ يُطْعمه غيره ولا يُطْعِمُ هو أحداً لعَجْزه.

    وقرأ الأشهب: { وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِم } ببنائهما للفاعل. وذكر الزمخشري فيها تخريجين ثانيهما لنفسه، فإنه قال - بعد أن حكى القراءة -: " وفُسِّر بأن معناه وهو يُطْعِم ولا يَسْتَطْعِم ". وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت، ونحوه: أَفَدْت، ويجوز أن يكون المعنى: وهو يُطْعِم تارة ولا يُطْعم أخرى على حسب المصالح كقولك: هو يعطي ويمنع ويَقْدِر ويبسط ويغني ويفقر " قلت: [هكذا ذكر الشيخ هذه القراءة، وقراءةُ الأشهب هي] كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء، لا تخالُفَ بينهما، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلِّهم، وإلاَّ يوهمْ هذا أنهما قراءتان متغايرتان وليس كذلك.

    وقرئ شاذاً: { يَطْعَم } بفتح الياء والعين، ولا يُطْعِم بضم الياء وكسر العين أي: وهو يأكل ولا يُطْعِم غيره، ذكر هذه القراءةَ أبو البقاء وقال: " والضمير راجع على الولي الذي هو غير الله. فهذه ست قراءات وفي بعضها - وهي تَخَالُفُ الفعلين - من صناعة البديع تجنيس التشكيل: وهو أن يكون الشكل فارقاً بين الكلمتين، وسمَّاه أسامة بن منقذ تجنيس التحريف، وهو تسمية فظيعة، فتسميتُه بتجنيس التشكيل أَوْلى.....

    قوله تعالى: { مَّن يُصْرَفْ }: " مَنْ " شرطية، ومحلُّها يحتمل الرفع والنصب كما سيأتي بيانه بعد ذِكْر القراءتين فنقول: قرأ الأخوان وأبو بكر عن عاصم: " يَصْرِف " بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل. والباقون بضمِّ الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعله.

    فأمَّا القراءة الأولى فـ " مَنْ " فيها تحتمل الرفع والنصب: فالرفع من وجه واحد وهو الابتداء، وخبرها فعل الشرط أو الجواب أو هما، على حسب الخلاف، وفي مفعول " يَصْرِف " حينئذ احتمالان، أحدهما: أنه مذكور وهو " يومئذ " ، ولا بد من حذف مضاف أي: يَصْرِف الله عنه هَوْل يؤمئذ - أو عذاب يومئذ - فقد رحمه، فالضمير في " يَصْرِف " يعود على الله تعالى، ويدلُّ عليه قارءة أُبَيّ بن كعب " مَنْ يَصْرِف اللَّهُ " بالتصريح به. والضميران في " عنه " و " رَحِمَة " لـ " مَنْ " والثاني: أنه محذوف لدلالة ما ذكر عليه قبل ذلك أي: مَنْ يَصْرف اللَّهُ عنه العذابَ. و " يومئذ " منصوبٌ على الظرف. وقال مكي: " ولا يَحْسُن أن تقدَّرَ هاءً؛ لأن الهاء إنما تُحْذف من الصلات ". قلت: يعني أنه لا يُقَدَّرُ المفعولُ ضميراً عائداً على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صفةٌ لـ " عذاب " والعائد منها محذوف، لكنَّ الحذف إنما يكون من الصلة لا من الصفة، وهذا معنى قول الواحدي أيضاً، إلا أنَّ قولَ مكيّ " إنما يُحْذف من الصلات " يريد في الأحسن، وإلاَّ فيحذف من الصفات والأخبار والأحوال، ولكنه دون الصلة.

    والنصب من وجهين أحدهما: أنه مفعول مقدَّمٌ لـ " يَصْرِف " والضمير في " عنه " على هذا يتعيَّن عَوْدُه على العذاب المتقدم، والتقدير: أيَّ شخص يَصْرِف اللَّهُ عن العذاب. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مضمر لا يبرز، يفسره هذا الظاهر من معناه لا من لفظه، والتقدير: مَنْ نُكْرِمْ أو مَنْ نُنَجِّ يَصْرِفِ الله. والضمير في " عنه " للشرطية. وأمَّا مفعول " يَصْرِفْ " على هذا فيحتمل الوجهين المتقدمين، أعني كونه مذكوراً وهو " يومئذ " على حذفِ مضاف، أو محذوفاً اختصاراً.

    وأمَّا القراءة الثانية فـ " مَنْ " تحتمل وجهين، أحدهما: أنها في محل رفعٍ بالابتداء، وخبره ما بعده على ما تقدَّم، والفاعل المحذوف هو الله تعالى، يدلُّ عليه قراءة أبي المتقدمة، وفي القائمِ مَقامَه أربعةُ أوجه، أحدهما: أنه ضمير العذاب، والضمير في " عنه " يعود على " مَنْ " فقط، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب بـ " يُصْرَف " الثاني: أنه منصوب بالعذاب أي: الذي قام ضميره مقام الفاعل، قاله أبو البقاء، ويلزم منه إعمال المصدر مضمراً، وقد يقال: يُغْتفر ذلك في الظروف.

    الثالث: قال أبو البقاء: " إنه حال من الضمير " قلت: يعني الضمير الذي قام مقام الفاعل، وجاز وقوعُ الحال ظرف زمان لأنها عن معنًى لا عن جثة.

    الثاني من الأوجه الأربعة: أن القائم الفاعل ضمير " مَنْ " والضمير في " عنه " يعود على العذاب، والظرف منصوب: إمَّا بـ " يُصْرف " ، وإمَّا على الحال من هاء " عنه ". والثالث من أوجه العامل في " يومئذ " متعذ‍َّر هنا وهو واضح، والتقدير: أي شخصٍ يُصْرف هو عن العذاب. الثالث: أن القائم مقام الفاعل " يومئذ " إمَّا على حذف مضاف أي: من يُصرف عنه فَزَعُ يومئذ أو هول يومئذ، وإمَّا على قيام الظرف دون مضاف كقولك: " سير يوم الجمعة " وإنما بُني " يومئذ " على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن، ولو قرئ بالرفع لكان جائزاً في الكلام، وقد قرئ: { ومِنْ خزي يؤمئذ } فتحاً وجراً بلاعتبارين، وهما اعتباران متعايران، فإن قيل: يلزمُ على عدم تقدير حذف المضاف إقامةُ الظرف غير التام مقامَ الفاعل، وقد نصُّوا على أن الظرف المقطوع عن الإِضافة لا يُخبر به ولا يقوم مقام فاعل، لو قلت: " ضُرب قبلُ " لم يجز، والظرف هنا في حكم المقطوع عن الإِضافة فلا يجوز قيامه مقام / الفاعل إلا على حذف مضاف، فالجواب أن هذا في قوة الظرف المضاف، إذ التنوين عوضٌ عنه، وهذا ينتهض على رأي الجمهور، أما الأخفش فلا، لأن التنوين عنده تنوين صَرْفٍ والكسر كسر إعراب، وقد أوضحت ذلك إيضاحاً شافياً في غير هذا الموضوع.

    الرابع: أن القائم مَقامَه " عنه " والضمير في " عنه " يعود على " مَنْ " و " يومئذ " منصوب على الظرف، والعامل فيه " يُصْرَفْ " ولا يجوز الوجهان الأخيران، أعني نصبَه على الحال؛ لأنَّ الضميرَ للجُثَّة، والزمانُ لا يقع حالاً عنهما كما لا يقع خبراً، وأعني كونَه معمولاً للعذاب، إذ ليس هو قائماً مقام الفاعل.

    والثاني من وجهي " مَنْ ": أنها في محل نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، وهذا إذا جعلنا " عنه " في محل نصب بأَنْ يُجْعَلَ القائم مقام الفاعل: إمَّا ضميرَ العذاب وإمَّا " يومئذ " والتقدير: مَنْ يكرم اللَّهُ أو من يُنَجِّ يُصْرف عنه العذابُ أو هولُ يومئذ، ونظيره: " زيدٌ مُرَّ به مرورٌ حسن " ، أقمت المصدر فبقي " عنه " منصوب المحل، والتقدير: جاوزت زيداً مُرَّ به مرورٌ حسن. وأمَّا إذا جُعل " عنه " قائماً مقام الفاعل تعيَّن رَفْعُه بالابتداء.

    واعلم أنه متى قلت: منصوب على الاشتغال فإنما يُقَدَّر بعد " مَنْ " لأنَّ لها صدر الكلام، ولذلك لم أُظْهِره إلا مؤخراً، ولهذه العلَّةِ منه بعضهم الاشتغالَ فيما له صدر الكلام كالاستفهام والشرط. والتنوين في " يومئذ " عوض عن جملة محذوفة تضمَّنها الكلام السابق، التقدير: يوم إذ يكون الجزاء، وإنما قلت كذلك لأنه لم يتقدَّم في الكلام جملةٌ مُصَرَّحٌ بها يكون التنوين عوضاً منها، وقد تقدَّم خلاف الأخفش.

    وهذه الجملة الشرطية يجوز فيها وجهان: الاستئناف والوصف لـ " عذاب يوم " ، فحيث جعلنا فيها ضميراً يعود على عذاب يوم إمَّا مِنْ " يُصْرف " وإمَّا مِنْ " عنه " جاز أن تكونَ صفةً وهو الظاهر، وأن تكونَ مستأنفةً، وحيث لم نجعلْ فيها ضميراً يعود عليه - وقد عرفت كيفية ذلك - تَعَيَّن أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكون صفةً لخلوِّها من الضمير.

    وقد تكلَّم الناس في ترجيح إحدى هاتين القراءتين على الأخرى، وذلك على عادتهم، فقال أبو علي الفارسي: " قراءة " يَصْرِفْ " يعني المبنيَّ للفاعل أحسن لمناسبة قوله " رحمه ". يعني أن كلاً منهما مبني للفاعل ولم يقل " فقط رُحِمَ ". واختارها أبو حاتم وأبو عبيد، ورجَّح بعضهم قراءة المبني للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله: { ليس مصروفاً عنهم } يعني في كونه أتى بصيغة اسم المفعول المسند إلى ضمير العذاب المذكور أولاً. ورجَّحها محمد بن جرير بأنها أقلُّ إضماراً ومكي - رحمه الله - تلعثهم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين وأتى بأمثلةٍ فاسدةٍ في كتاب " الهداية " له، قاله ابن عطية. وقد قدَّمْتُ أول الكتاب عن العلماء ثعلب وغيره أن ذلك - أعني ترجيحَ إحدى القراءات المتواترة على الأخرى بحيث تُضَعَّفُ الأخرى - ولا يجوز. ...

  3. #93
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة المائة

    { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَقْراً } عطفٌ على " أَكِنَّة " فينصبُ انتصابَه، أي: وجَعَلْنا في آذانهم وقراً. و " في آذانهم " كقوله " على قلوبهم " وقد تقدَّم أنَّ " جَعَل " يَحْتمل معانيَ ثلاثةً فيكونُ هذا الجار مبنيَّاً عليها مِنْ كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ، أو متعلقاً بها نفسِها أو حالاً.

    والجمهور على فتح الواو من " وَقْراً " وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها والفرق بين الوَقْر والوِقْر أنَّ المفتوح هو الثِّقل في الأذن، يُقال منه: وَقَرِتْ أذنه بفتح القاف وكَسْرِها، والمضارع تَقِر وتَوْقَر بحسب الفعلين كـ تَعِد وتَوْجَل. وحكى أبو زيد: أذنٌ مَوْقورة، وهو جارٍ على القياس، ويكون فيه دليلٌ على أن وَقَر الثلاثي يكون متعدِّياً، وسُمِع " أذن مُوْقَرَة " والفعل على هذا أَوْقَرْتُ رباعياً كأكرم. والوِقْر - بالكسر - الحِمْل للحمار والبغل ونحوهما، كالوسَق للبعير، قال تعالى:{ فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } [الذاريات: 2] فعلى هذا قراءةُ الجمهور واضحة أي: وجَعَلْنا في آذانهم ثِقَلاً أي: صَمَماً. وأمَّا قراءةُ طلحة فكأنه جَعَلَ آذانهم وَقِرت من/ الصَّمَم كما تُوْقَرُ الدابة بالحِمْل، والحاصل أن المادَّة تدلُّ على الثِّقَل والرِّزانة، ومنه الوَقار للتُّؤَدة والسَّكينة

  4. #94
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة الواحدة بعد المائة

    وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

    قال الرازى

    فأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين. فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً. قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك، فهذا تمن في حكم الوعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده. القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله { ياليتنا نُرَدُّ } وأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان.

    المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب،وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع،ونكذب ونكون بالنصب فيهما، في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله { نُرَدُّ } وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة،

    فأما الذين رفعوا قوله { وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفاً على قوله { نُرَدُّ } فتكون الثلاثة داخل في التمني، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد. والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً. قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود، فههنا المطلوب بالسؤال تركه. فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا قوله { يا ليتنا نُرَدُّ } الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني، ويكون ما بعده إخباراً محضاً. واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يجوز تكذيبه، وهذا اختيار أبي عمرو. وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، وذكرنا أنها ليست قوية،

    وأما من قرأ { وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ } بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار أن على جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب.

    والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله{ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 58] ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ { فَلا نُكَذّبَ } بالفاء على النصب، والثالث: أن يكون معناه الحال، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي لا تأكل السمك شارباً للبن. واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني. وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره. وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع { وَلاَ نُكَذّبَ } وينصب { وَنَكُونَ } فالتقدير: أنه يجعل قوله { وَلاَ نُكَذّبَ } داخلاً في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم.

    وقال القرطبي


    قوله تعالىٰ: { فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفاً قراءة أهل المدينة والكسائيّ؛ وأبو عمرو أبو بكر عن عاصم بالضم. ابن عامر على رفع «نكذّبُ» ونصب «ونكونَ» وكله داخل في معنى التمني؛ أي تَمَنُّوا الردّ وَأَلاّ يُكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. واختار سيبويه القطع في «وَلا نكذّبُ» فيكون غير داخل في التمني؛ المعنى: ونحن لا نُكذّبُ على معنى الثبات على ترك التكذيب؛ أي لا نكذبُ رُدِدنا أو لم نُردّ؛ قال سيبويه: وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. وٱستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في الخبر. وقال من جعله داخلاً في التمني: المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل. وقرأ حمزة وحفص بنصب { نُكَذِّبَ } و { وَنَكُونَ } جواباً للتمني؛ لأنه غير واجب، وهما داخلان في التمني على معنى أنهم تمَنَّوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين. قال أبو إسحاق: معنى { وَلاَ نُكَذِّبَ } أي إن رُدِدنا لم نكذب. والنصب في «نكذب» و «نكون» بإضمار «أَنْ» كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعَرْض؛ لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأوّل؛ كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا رَدٌّ، وانتفاءٌ من الكذِب، وكَونٌ من المؤمنين؛ فحملا على مصدر { نُرَدُّ } لانقلاب المعنى إلى الرفع، ولم يكن بدّ من إضمار «أَنْ» فيه يتم النصب في الفعلين. وقرأ ابن عامر «وَنَكُونَ» بالنصب على جواب التمني كقولك: ليتك تصير إلينا ونكرمك، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع، وأدخل الفعلين الأوّلين في التمني، أو أراد: ونحن لا نكرمك على القطع على ما تقدّم؛ يحتمل. وقرأ أبيّ «وَلاَ نكذب بِآيَاتِ ربنا أبداً». وعنه وابن مسعود { يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ } بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو؛ عن الزجاج. وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلاَّ بالفاء

    وقال الزمخشري

    يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } تم تمنيهم. ثم ابتدؤا { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } واعدين الإيمان، كأنهم قالوا ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الإثبات. شبهة سيبويه بقولهم دعني ولا أعود، بمعنى دعني وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني. ويجوز أن يكون معطوفاً على نردّ، أو حالاً على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني. فإن قلت يدفع ذلك قوله { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } لأن المتمنّي لا يكون كاذباً. قلت هذا تمنٍّ قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا متمنّ في معنى الواعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنه قال إن رزقني الله مالاً كافأتك على الإحسان. وقرىء «ولا نكذب ونكون» بالنصب بإضمار أن على جواب التمني ومعناه إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين

    وقال الطبري

    والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» بالرفع في كليهما، بمعنى يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذّب بآيات ربنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردّوا إلى الدنيا، لا على التمني منهم أن لا يكذّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك.

    ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذّب، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار. وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، وذلك قراءته ذلك «يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرىء بالفاء كذلك لا شكّ في صحة إعرابه، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرىء كذلك لو أنا رُددنا إلى الدنيا ما كذّبنا بآيات ربنا، ولكنا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَي عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و«ثم» كهئية الجواب بالفاء صحيحاً، فلا شكّ في صحة قراءة من قرأ ذلك{ يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ } نصباً على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل. ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحاً، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو.

  5. #95
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    قبل ان نكمل رحلتنا نذكر قراءة شاذة ربما غفلنا عنها فى سورة المائدة

    فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ }

    قال السمين

    وقرأ الحسن: { فآتاهم }: مِنْ آتاه كذا أي: أعطاه، والقراءةُ الشهيرةُ أَوْلى؛ لأنَّ الإِثابةَ فيها مَنْبَهَةٌ على أنَّ ذلك لأجلِ عملٍ، بخلاف الإِيتاء، فإنه يكونُ على عملٍ وعلى غيره. وقوله: { جَنَّاتٍ } مفعول ثان لـ " أثابَهم " أو لـ " آتاهم " عل حَسَبِ القراءتين...

    الجوهرة الثانية بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ نافع وحده " ليُحزنك " من أحزن، وقرأ الباقون " ليَحزنك " من حزن الرجل، وقرأ أبو رجاء " لِيحزِنْك " بكسر اللام والزاي وجزم النون، وقرأ الأعمش أنه بفتح الهمزة " يحزنك " بغير لام، قال أبو علي الفارسي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي يحزن حزناً وحزناً وحزنته أنا، وحكي عن الخليل أن قولهم حزنته ليس هو تغيير حزن على نحو دخل وأدخلته، ولكنه بمعنى جعلت فيه حزناً كما تقول كحلته ودهنته، قال الخليل ولو أردت تغيير حزن لقلت أحزنته، وحكى أبو زيد الأنصاري في كتاب خباة العرب أحزنت الرجل، قال أبو علي وحزنت الرجل أكثر استعمالاً عندهم من أحزنته، فمن قرأ " ليُحزنك " بضم الياء فهو على القياس في التغيير، ومن قرأ " ليَحزنُك " بفتح الياء وضم الزاي فهو على كثرة الاستعمال، و { الذي يقولون } لفظ يعم جميع أقوالهم التي تتضمن الرد على النبي صلى الله عليه وسلم والدفع في رئيَ من الجن ونحو هذا

    وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر وعاصم وحمزة { لا يكذبونك } بتشديد الدال وفتح الكاف، وقرأها ابن عباس وردها على قارىء عليه " يُكذبونك " بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأمين، وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف وتخفيف الذال، وقرأها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، ,اختلف المتأولون في معناهما فقالت فرقة: هما بمعنى واحد كما تقول:

    سقيت وأسقيت وقللت وأقللت وكثرت وأكثرت، حكى الكسائي أن العرب تقول كذبت الرجل إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، وتقول العرب ايضاً أكذبت الرجل إذا وجدته كذاباً كما تقول أحمدية إذا وجدته محموداً، فالمعنى على قراءة من قرأ " يكذّبونك " بتشديد الذال أي لا تحزن " فإنهم لا يكذبونك " تكذيباً على جهة الإخبار عنهم أنهم لا يكذبون وأنهم يعلمون صدقه ونبوته ولكنهم يجحدون عناداً منهم وظلماً، والآية على هذا لا تتناول جميع الكفار بل تخص الطائفة التي حكى عنها أنها كانت تقول: إنا لنعلم أن محمداً صادقاً ولكن إذا آمنا به فضلتنا بنو هاشم بالنبوة فنحن لا نؤمن به أبداً، رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه، وحكى النقاش أن الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فإنه كان يكذب في العلانية ويصدق في السر ويقول نخاف أن تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس

    والمعنى على قراءة من قرأ " يكذبونك " بتخفيف الذال يحتمل ما ذكرناه أولاً في " يكذبونك " أي لا يجدونك كاذباً في حقيقتك ويحتمل هذين الوجهين اللذين ذكرت في " يكذّبونك " بشد الذال، وآيات الله علاماته وشواهد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم

  6. #96
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة الثالثة بعدالمائة

    قال ابن الجوزى فى زاده

    قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «أنه من عمل منكم سوءاً» «فانه غفور» بكسر الألف فيهما. وقرأ عاصم، وابن عامر، بفتح الألف فيهما. وقرأ نافع: بنصب ألف «أنه» وكسر ألف «فانه غفور» قال أبو علي: من كسر ألف «إنه» جعله تفسيرا للرحمة، ومن كسر ألف { فانه غفور } فلأن ما بعد الفاء حكم الابتداء، ومن فتح ألف «أنه من عمل» جعل «أنَّ» بدلا من الرحمة، والمعنى: كتب ربكم «أنه من عمل»، ومن فتحها بعد الفاء، أضمر خبراً تقديره: فله { أنه غفور رحيم } والمعنى: فله غفرانه، وكذلك قوله تعالى:{ فإن له نار جهنم } [التوبة: 63] معناه: فله أن له نار جهنم، وأما قراءة نافع، فانه أبدل من الرحمة، واستأنف ما بعد الفاء....

    قوله تعالى: { ولتستبين } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «ولتستبين» بالتاء «سبيل» بالرفع. وقرأ نافع، وزيد عن يعقوب: بالتاء أيضا، إلا أنهما نصبا السبيل. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وليستبين» بالياء، «سبيل» بالرفع. فمن قرأ «ولتستبين» بالياء أو التاء، فلأن السبيل تذكر وتؤنث على ما بينا في (آل عمران)، ومن نصب اللام، فالمعنى: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين

    الجوهرة الرابعة بعد المائة

    قال السمين

    قوله: { يَقُصُّ ظ±لْحَقَّ } قرأ نافع وابن كثير وعاصم: " يقص " بصاد مهملة مشددة مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة مكسورة، وهاتان في المتواتر. وقرأ عبد الله وأُبَيّ ويحيى بن وثاب والنخعي والأعمش وطلحة: " يقضي بالحق " من القضاء. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد: " يقضي بالحق وهو خير القاضين " فأمَّا قراءة " يقضي " فمِن القضاء. ويؤيده قوله: " وهو خير الفاصلين " فإنَّ الفصل يناسب القضاء، ولم يُرْسَم إلا بضاد، كأن الباء حُذِفَتْ خَطَّاً كما حذفت لفظاً لالتقاء الساكنين، كما حذفت من نحو:{ فَمَا تُغْنِ ظ±لنُّذُرُ } [القمر: 5]، وكما حُذِفَتْ الواو في{ سَنَدْعُ ظ±لزَّبَانِيَةَ } [العلق: 18]{ وَيَمْحُ ظ±للَّهُ ظ±لْبَاطِلَ } [الشورى: 24] لما تقدم.

    وأمَّا نصب " الحق " بعده ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: يقضي القضاء الحق. والثاني: أنه ضمَّن " يقضي " معنى يُنْفِذ، فلذلك عدَّاه إلى المفعول به، الثالث: أن " قضى " بمعنى صنع فيتعدَّى بنفسه من غير تضمين، ويدل على ذلك قوله:
    1936- وعليهما مَسْرُودتان قضاهُما داودُ....................
    أي: صَنَعَهما. الرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي: يقضي بالحق، فلما حذف انتصب مجروره على حَدِّ قوله:
    1937- تمرُّون الدِّيار فلم تَعْوجوا .................
    ويؤيد ذلك: القراءةُ بهذا الأصل.

    وأما قراءة " يَقُصُّ " فمِنْ " قَصَّ الحديث " أو مِنْ " قصَّ الأثر " أي: تَتَبَّعه. وقال تعالى:{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ظ±لْقَصَصِ } [يوسف: 3]. ورجحَّ أبو عمرو بن العلاء القراءة الأولى بقوله: " الفاصلين " ، وحُكي عنه أنَّه قال: " أهو يَقُصُّ الحقَّ أو يقضي الحقَّ أو يقضي الحق " فقالوا: " يقصُّ " فقال: " لو كان " يقص " لقال: " وهو خير القاصِّين " اقرأ أحدٌ بهذا؟ وحيث قال: { وَهُوَ خَيْرُ ظ±لْفَاصِلِينَ } فالفصل إنما يكون في القضاء " وكأن أبا عمرو لم يَبْلُغْه " وهو خير القاصِّين " قراءةً. وقد أجاب أبو علي الفارسي عما ذكره ابن العلاء فقال: " القصصُ هنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضاً قال تعالى:{ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } [طارق: 13] وقال تعالى:{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ } [هود: 1]. وقال تعالى:{ وَنُفَصِّلُ ظ±لآيَاتِ } [التوبة: 11] فقد حمل الفَصْل على القول، واستُعمل معه كما جاء مع القضاء فلا يلزم " من الفاصلين " أن يكون مُعَيِّناً ليقضي....

    قوله تعالى: { مَفَاتِحُ }: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه جمعُ مِفْتح بكسر الميم والقصر، وهو الآلة التي يُفتح بها نحو: مُنْخُل ومَنَاخل. والثاني: أنه جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المكان، ويؤيده تفسير ابن عباس هي خزائن المطر. والثالث: أنه جمع مِفتاح بكسر الميم والألف، وهو الآلة أيضاً، إلا أنَّ هذا فيه ضعفٌ من حيث إنه كان ينبغي أن تُقلب ألف المفرد ياء فيقال: مفاتيح كدنانير، ولكنه قد نُقِل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع مِحْراب مَحارِب، وفي جمع قُرْقُرر قراقِر، وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مَدَّةَ في مفرده كقولهم: دراهيم وصياريف في جمع دِرْهَم وصَيْرَف، قال:
    1938- تَنْفي يداها الحصى في كل هاجِرَةٍ نَفْيَ الدارهيمِ تَنْقادُ الصَّياريفِ
    وقالوا: عيِّل وعَياييل. قال:
    1939- فيها عياييلُ أُسودٌ ونُمُرْ
    الأصل: عيايل ونمور، فزاد في ذلك ونَقَّصَ مِنْ هذا.

    وقد قُرِئ " مفاتيح " بالياء وهي تؤيد أنَّ مفاتح جمع مفتاح، وإنما حُذِفَتْ مدَّتْه. وجَوَّز الواحدي أن يكون مفاتح جمع مَفْتَح بفتح الميم على أنه مصدر، قال بعد كلام حكاه عن أبي إسحاق: " فعلى هذا مفاتح جمع المَفْتح بمعنى الفتح " ، كأن المعنى: " وعنده فتوح الغيب " أي: هو يفتح الغيب على مَنْ يشاء من عباده. وقال أبو البقاء: " مفاتح جمع مَفْتَح، والمَفْتَحُ الخزانة، فأمَّا ما يُفتح به فهو المفتاحُ، وجمعه مفاتيح وقد قيل مَفْتح أيضاً " انتهى. يريد جمع مَفتح أي بفتح الميم. وقوله: " وقد قيل: مَفْتَح يعني أنها لغة قليلة في الآلة والكثير فيها المدُّ، وكان ينبغي أن يوضِّح عبارته فإنها موهمة ولذلك شرحتها....

    قوله: { وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } هذه الجملة تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها حال من " رسلنا " والثاني: أنها استئنافية سيقت للإِخبار عنهم بهذه الصفة، والجمهور على التشديد في " يُفْرِّطون " ومعناه لا يُقَصِّرون. وقرأ عمرو بن عبيد والأعرج: " يُفْرِطون " مخففاً من أفرط، وفيها تأويلان أحدهما: أنها بمعنى لا يجاوزون الحدَّ فيما أُمِروا به. قال الزمخشري: " فالتفريط: التواني والتأخير عن الحدِّ،و الإِفراط: مجاوزة الحدِّ أي: لا يُنْقصون ممَّا أمروا به ولا يَزيدون " والثاني: أن معناه لا يتقدمون على أمر الله، وهذا يحتاج إلى نَقْلِ أنَّ أفرط بمعنى فَرَّط أي تَقَدَّم. وقال الجاحظ قريباً من هذا فإنه قال: " معنى لا يُفْرِطون: لا يَدَعون أحداً يفرُط عنهم أي: يَسْبقهم ويفوتهم " وقال أبو البقاء: " ويُقرأ بالتخفيف أي: لا يزيدون على ما أُمِروا به " وهو قريب مِمَّا تقدم.

  7. #97
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة الخامسة بعد المائة

    قال ابن عطية

    تدعونه } ، والتضرع صفة بادية على الإنسان، { وخفية } معناه الاختفاء والسر، فكأن نسق القول: تدعونه جهراً وسراً هذه العبارة بمعان زائدة، وقرأ الجميع غير عاصم: " وخُفية " بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر " وخِفية " بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: " وخيفة " من الخوف ...

    وقال السمين

    والصُّور: الجمهورُ على قراءته ساكنَ [العين] وقرأه الحسن البصري بفتحها، فأمَّا قراءة الجمهور فاختلفوا في معنى الصُّور فيها، فقال جماعة: الصُّور جمع صُورة كالصُّوف جمع صُوفة، والثُّوم جمع ثومة، وهذا ليس جمعاً صناعياً وإنا هو اسم جنس، إذ يُفَرَّق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، وأيَّدوا هذا القولَ بقراءة الحسنِ المتقدمة.

    وقال جماعةٌ: إن الصُّور هو القَرْن، قال بعضهم: هي لغة اليمنِ وأنشد:
    1955- نحن نَطَحْناهُمْ غَداة الجَمْعَيْنْ بالشامخات في غبار النَّقْعَيْنْ
    نَطْحاً شديداً لا كنطح الصُّوْرَيْن
    وأيَّدوا ذلك بما ورد الأحاديث الصحيحة، قال عليه السلام: " كيف أَنْعَمُ وصاحبُ القَرْن قد التقمه " وقيل: في صفته إنه قَرْنٌ مستطيل فيه أبخاش، وأن أرواحَ الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجَتْ روحُ كلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على مَنْ ادَّعى أن الصُّور جمع صُوره فقال: " وقد اعترض قومٌ فأنكروا أن يكون الصُّور قرناً كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادَّعَوا أن الصور جمع الصورة كالصوف جمع الصوفة، ورَوَوْا ذلك عن أبي عبيدة، وهذا خطأٌ فاحشٌ وتحريفٌ لكلام الله عز وجل عن مواضعه لأن الله قال:{ وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } [غافر: 64]{ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ } [الكهف: 99] فَمَنْ قرأها: " ونُفِخ في الصُّوَرِ " أي بالفتح، وقرأ " فَأَحْسَنَ صُوْرَكم " أي بالسكون فقد افترى الكذبَ على الله، وكان أبو عبيد صاحبَ أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو " قال الأزهري: " قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غيرُ ما ذهب إليه وهو قول أهل السنة والجماعة " أنتهى، ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم. وقال الفراء: " يُقال: نَفَخ في الصور ونَفَخَ الصورَ " وأنشد:
    1956- لولا ابنُ جَعْدَةَ لم يُفْتَح قُهَنْدُزُكُمْ ولا خراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
    وفي المسألة كلامٌ أكثرُ من هذا تركتُه إيثاراً للاختصار.

  8. #98
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة السادسة بعد المائة

    قال ابن عطية

    قال القاضي أبو محمد: وقد ثبت أن اسمه تارح فله على هذا القول اسمان كيعقوب وإسرائيل، وهو في الإعراب على هذا بدل من الأب المضاف في موضع خفض وهو اسم علم، وقال مجاهد بل هو اسم صنم وهو في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: أتتخذ أصناماً.

    قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، وقال بعضهم بل هو صفة ومعناه هو المعوج المخطىء.

    قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن " آزر " إذا كان صفة فهو نكرة ولا يجوز أن تنعت المعرفة بالنكرة ويوجه ذلك على تحامل بأن يقال أريدت فيه الألف واللام وإن لم يلفظها، وإلى هذا أشار الزجّاج لأنه قدر ذلك فقال لأبيه المخطىء، وبأن يقال إن ذلك مقطوع منصوب بفعل تقديره اذن المعوج أو المخطىء، وإلا تبقى فيه الصفة بهذه الحال.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل نصبه على الحال كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه وهو في حال عوج وخطأ، وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم بضم الراء على النداء ويصح مع هذا أن يكون { آزر } اسم أبي إبراهيم، ويصح أن يكون بمعنى المعوج والمخطىء، وقال الضحاك: { آزر } بمعنى شيء، ولا يصح مع هذه القراءة أن يكون { آزر } صفة، وفي مصحف أبيّ " يا أزر " بثبوت حرف النداء " اتخذت أصناماً " بالفعل الماضي، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه أيضاً: " أَزْراً تتخذ " بألف الاستفهام وفتح الهمزة من آزر وسكون الزاي ونصب الراء وتنوينها وإسقاط ألف الاستفهام من " اتخذ " ومعنى هذه القراءة عضداً وقوة مظاهرة على الله تعالى تتخذ، وهو من نحو قوله تعالى:{ أشدد به أزري } [طه:31] وقرأ أبو اسماعيل رجل من أهل الشام بكسر الهمزة من هذا الترتيب ذكرها أبو الفتح، ومعناها: أنها مبدلة من واو كوسادة وإسادة فكأنه قال: أوزراً ومأثماً تتخذ أصناماً، ونصبه على هذا بفعل مضمر، ورويت أيضاً عن ابن عباس، وقرأ الأعمش: " إزْراً تتخذ " بكسر الهمزة وسكون الزاي دون ألف توقيف....

    وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " نرفع درجاتِ من نشاء " بإضافة الدرجات إلى { من } ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " نرفع درجاتٍ من نشاء ".

    قال القاضي أبو محمد: وهما مأخذان من الكلام، والمعنى المقصود بهما واحد،....

    وقرأ جمهور الناس " تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون " بالتاء من فوق في الأفعال الثلاثة، فمن رأى أن الاحتجاج على بني إسرائيل استقامت له هذه القراءة وتناسقت مع قوله: { وعلمتم ما لم تعلموا } ومن رأي أن الاحتجاج إنما هو على كفار العرب فيضطر في هذه القراءة إذا لا يمكن دفعها إلى أن يقول إنه خرج من مخاطبة قريش في استفهامهم وتقريرهم إلى مخاطبة بني إسرائيل بتوبيخهم وتوبيخ أفعالهم.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا مع بعده أسهل من دفع القراءة، فكأنه على هذا التأويل قال لقريش من أنزل الكتاب على موسى، ثم اعترض على بني إسرائيل فقال لهم خلال الكلام تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً " بالياء في الأفعال الثلاثة، فمن رأى الاحتجاج على قريش رآه إخباراً من الله عز جل بما فعلته اليهود من الكتاب، ويحتمل أن يكون الإخبار بذلك لقريش أو للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن فأمته متلقية ذلك،

    وقال الالوسي


    قرأ { تجعلونه - وتبدون - وتخفون } ـــ بتاء الخطاب ـــ مَن عدا ابنَ كثير، وأبَا عمرو، ويعقوب، من العشرة، فإمّا أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعيّن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج أي الخروج من خطاب إلى غيره تعريضاً باليهود وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياكَ أعنِي واسمَعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة الّذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب. وحقّه أن يقال يجعلونه ـــ بياء المضارع للغائب ـــ كما قرأ غير هؤلاء الثّلاثة القرّاء. وإمّا أن يكون خطاباً للمشركين. ومعنى كونهم يجعلون كتابَ موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنّهم سألوا اليهود عن نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التّوراة من التمسّك بالسبتِ، أي دين اليهود، وكتموا ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم الّذي يأتي من بعدُ، فأسند الإخفاء والإبداءُ إلى المشركين مجازاً لأنّهم كانوا مظهراً من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء. ولعلّ ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم مَن أسلم من الأوس والخزرج، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا المشركين بما يزيدهم تصميماً على المعارضة. وقد قدّمتُ ما يرجّح أنّ سورة الأنعام نزلت في آخر مدّة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة، وذلك يوجب ظننّا بأنّ هذه المدّة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الدّعوة الإسلاميّة بمكّة حين بلغت إلى المدينة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب { يجعلونه، ويُبدونها، ويخفون } ـــ بالتحتيّة ـــ فتكون ضمائرُ الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلّم، وهم يهود الزّمان الّذين عُرفوا بذلك

  9. #99
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة السابعة بعد المائة



    { لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون }

    قال ابو حيان فى تفسيره

    قرأ جمهور السبعة { بينكم } بالرفع على أنه اتسع في الظرف وأسند الفعل إليه فصار اسماً كما استعملوه اسماً في قوله:{ ومن بيننا وبينك حجاب } [فصلت: 5] وكما حكى سيبويه هو أحمر بين العينين ورجحه الفارسي أو على أنه أريد بالبين الوصل أي لقد تقطع وصلكم قاله أبو الفتح والزهراوي والمهدوي وقطع فيه ابن عطية وزعم أنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل وإنما انتزع ذلك من هذه الآية أو على أنه أريد بالبين الافتراق وذلك مجاز عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك بالبين، وقرأ نافع والكسائي وحفص { بينكم } بفتح النون وخرجه الأخفش على أنه فاعل ولكنه مبني على الفتح حملاً على أكثر أحوال هذا الظرف وقد يقال لإضافته إلى مبني كقوله:{ ومِنَّا دون ذلك } [الجن: 11] وخرجه غيره على أن منصوب على الظرف وفاعل { تقطع } التقطع، قال الزمخشري: وقع التقطع بينكم كما تقول: جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل انتهى. وظاهره ليس بجيد وتحريره أنه أسند الفعل إلى ضمير مصدره فأضمره فيه لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر، فهو محذوف فلا يجوز حذف الفاعل وهو مع هذا التقدير فليس بصحيح لأن شرط الإسناد مفقود فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه، ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام، وقيل: الفاعل مضمر يعود على الاتصال الدال عليه قوله: { شركاء } ولا يقدر الفاعل صريح المصدر كما قاله ابن عطية قال: ويكون الفعل مستنداً إلى شيء محذوف تقديره: لقد تقطع الاتصال والارتباط بينكم أو نحو هذا وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس مجاهد والسدّي وغيرهما انتهى، وقوله إلى شيء محذوف ليس بصحيح لأن الفاعل لا يحذف، وأجاز أبو البقاء أن يكون بينكم صفة لفاعل محذوف أي لقد تقطع شيء بينكم أو وصل وليس بصحيح أيضاً لأن الفاعل لا يحذف والذي يظهر لي أن المسألة من باب الإعمال تسلط على { ما كنتم تزعمون } تقطع وضل فأعمل الثاني وهو ضل وأضمر في { تقطع } ضمير ما وهم الأصنام فالمعنى { لقد تقطع بينكم } { ما كنتم تزعمون } وضلوا عنكم كما قال تعالى:{ وتقطعت بكم الأسباب } [البقرة: 166] أي لم يبق اتصال بينكم وبين { ما كنتم تزعمون } أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب سهل لم يتنبه له أحد، وقرأ عبد الله ومجاهد والأعمش { ما بينكم } والمعنى تلف وذهب ما { بينكم } وبين { ما كنتم تزعمون } ومفعولاً { تزعمون } محذوفان التقدير تزعمونهم شفعاء حذفاً للدلالة عليهما كما قال الشاعر:
    تـرى حبهـم عـاراً علـيّ وتحسـب
    أي وتحسبه عاراً

    وقال ابن عطية
    ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي " فمستقَر " بفتح القاف على أنه موضع استقرار، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فمستقِر " بكسر القاف على أنه اسم فاعل، وأجمعوا على فتح الدال من " مستودَع " بأن يقدر موضع استيداع، وأن يقدر أيضاً مفعولاً ولا يصح ذلك في مستقر لأن استقر لا يتعدى فيبنى منه مفعول أما أنه روى هارون الأعور عن أبي عمرو " ومستودِع " بكسر الدال، فمن قرأ " فمستقَر ومستودِع " على أنها موضع استقرار وموضع استيداع علقها بمجرور تقديره فلكم مستقر ومستودع، ومن قرأ " فمستقِر ومستودع " على اسم الفاعل في " مستقِر " واسم المفعول في " مستودَع " علقها بمجرور تقديره فمنكم مستقر ومستودع....

    وقوله تعالى: { انظروا } وهو نظر بصر يترتب عليه فكرة قلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم " إلى ثَمَره " بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة كبقرة وبقر وشجرة وشجر، وقرأ يحيى بن وثاب ومجاهد " ثُمُره " بضم الثاء والميم قالا وهي أصناف المال. قال القاضي أبو محمد: كأن المعنى انظروا إلى الأموال التي تتحصل منه....

    قال السمين


    قوله: " وجنَّات " الجمهور على كسر التاء من " جنات " لأنها منصوبة نسقاً على نبات أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عطف الخاص على العام تشريفاً لهذين الجنسين على غيرهما كقوله تعالى:{ وَمَلاغ¤ئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [البقرة: 98] وعلى هذا فقوله { وَمِنَ ظ±لنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ } جملةٌ معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة، وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيماً للمِنَّة به؛ لأنه من أعظم قوت العرب؛ لأنه جامع بين التفكُّه والقوت، ويجوز أن ينتصب " جنات " نسقاً على " خضراً ". وجوَّز الزمخشري - وَجَعَلَهُ الأحسنَ - أن ينتصب على الاختصاص كقوله " والمقيمي الصلاة " قال: " بفضلِ هذين الصنفين " وكلامُهُ يُفْهم أن القراءة الشهيرة عنده برفع " جنات " ، والقراءة بنصبها شاذة، فإنه أولُ ما ذكر توجيهُ الرفع كما سيأتي، ثم قال: " وقرئ " وجنات " بالنصب " فذكر الوجهين المتقدمين.

    وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم " وجنات " بالرفع وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. واختلفت عبارة المعربين في تقديره: فمنهم مَنْ قَدَّره متقدِّماً، ومنهم من قَدَّره متأخراً، فقدَّره الزمخشري متقدماً أي: وثَمَّ جنات، وقدَّره أبو البقاء " ومن الكرم جنات " ، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله " ومن النخل " أي: من النخل كذا ومن الكرم كذا، وقَدَّره النحاس " ولهم جنَّات " ، وقدَّره ابن عطية: " ولكم جنات " ، ونظيره قراءة { وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] بعد قوله: { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكوابٍ } أي: ولهم حورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويهِ والكسائي والفراء.

    وقدَّره متأخراً فقال: أي وجنات من أعناب أخرجناها. قال الشيخ: " ودل على تقديره [قوله] قبلُ " فأخرجنا " كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه أي: وأخوه أكرمته ". قلت: وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري، فإنه قال: " الجناتُ " رُفِعت بمضمر بعدها تأويلها: وجناتٌ من أعناب أخرجناها، فجرى مَجْرَى قول العرب: " أكرمت عبدَ الله وأخوه " تريد: وأخوه أكرمته. قال الفرزدق:
    2020ـ غداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ حصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ
    فرفع " الخمر " وهي مفعولة، على معنى: والخمر أَحَلَّها الطعنة. الوجه الثاني: أن يرتفع عطفاً على " قنوان " ، تغليباً للجوار، كما قال الشاعر:
    2021ـ...................... وزجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
    فنسق " العيون " على " الحواجب " تغليباً للمجاورة، والعيونُ لا تُزَجَّج، كما أن الجنات من الأعناب لا يَكُنَّ من الطَّلْع، هذا نصُّ مذهب ابن الأنباري أيضاً، فتحصَّل له في الآية مذهبان، وفي الجملة فالجواب ضعيف، وقد تقدم أنه من خصائص النعت.

    والثالث: أن يعطف على " قنوان ". قال الزمخشري: " على معنى: محاطة أو مُخْرجة من النخل قنوان، وجنات من أعناب أي: من نبات أعناب. قال الشيخ: " وهذا العطفُ هو على أن لا يُلْحَظَ فيه قيدٌ من النخل فكأنه قال: ومن النخل قنوان دانية وجنات من أعناب حاصلة كما تقول: " من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان ". قلت: وقد ذكر الطبري أيضاً هذا الوجه أعني عطفها على " قنوان " ، وضعَّفه ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء عطفه على " قنوان " قال: " لأن العنب لا يخرج من النخل ". وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة. قال أبو حاتم: " هذه القراءة محال؛ لأن الجنات من الأعناب. لا تكون من النخل ". قلت: أمَّا جواب أبي البقاء فيما قاله الزمخشري، وأمَّا جوابُ أبي عبيد وأبي حاتم فيما تقدم من توجيه الرفع. و " من أعناب " صفة لجنات فتكون في محل رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق بمحذوف.

  10. #100
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة الثامنة بعد المائة

    { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ }: الجمهور على نصب " الجن " وفيه خمسة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنَّ " الجن " هو المفعول الأول، والثاني هو " شركاء " قُدِّم، و " لله " متعلِّق بشركاء. والجَعْل هنا بمعنى التصيير، وفائدةُ التقديم كما قالَه الزمخشري استعظامُ أن يُتَّخَذَ لله شريكٌ مَنْ كان مَلَكاً أو جنِّيَّاً أو إِنسِيَّاً ولذلك قُدِّم اسم الله على الشركاء " انتهى. ومعنى كونهم جعلوا الجن شركاء لله هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون من المضارِّ والحيَّات والسباع كما جاء في التفسير. وقيل: ثم طائفة من الملائكة يسمَّون الجن كان بعض العرب يعبدها.

    الثاني: أن يكون " شركاء " مفعولاً أول و " لله " متعلقٌ بمحذوف على أنه المفعول الثاني، و " الجنّ " بدل من " شركاء " ، أجاز ذلك الزمخشري وابن عطية والحوفي وأبو البقاء ومكي بن أبي طالب، إلا أنَّ مكِّيَّاً لمَّا ذَكَرَ هذا الوجهَ جَعَلَ اللامَ مِنْ " لله " متعلقةً بجَعَلَ فإنه قال: " الجنَّ مفعولٌ أولُ لَجَعَلَ و " شركاءَ " مفعولٌ ثانٍ مقدَّم، واللام في " لله " متعلقة بشركاء، وإن شِئْتَ جَعَلْتَ " شركاء " مفعولاً أول، والجن بدلاً من شركاء، و " لله " في موضع المفعول الثاني، واللام متعلقة بجعل ". قلت: بعد أن جعل " لله " مفعولاً ثانياً كيف يُتَصَوَّر أن يَجْعَلَ اللامَ متعلقةً بالجعلِ؟ هذا ما لا يجوز لأنَّه لما صار مفعولاً ثانياً تعيَّنَ تعلُّقُهُ بمحذوف على ما عرفته غيرَ مرة. قال الشيخ: " وما أجاوزه - يعني الزمخشري ومن ذُكِرَ معه - لا يجوز؛ لأنه يصِحُّ للبدل أن يحلَّ محلَّ المبدل منه فيكونَ الكلام منتظماً، لو قلت: وجعلوا لله الجنَّ لم يَصِحَّ، وشرطُ البدل أن يكون على نية تكرار العامل على أشهر القولين أو معمولاً للعامل في المبدل منه على قول، وهذا لا يَصِحُّ هنا البتَةَ لِما ذكرنا " قلت: هذا القول المنسوب للزمخشري ومَنْ ذُكِرَ معه سبقهم إليه الفراء وأبو إسحاق فإنهما أجازا أن يكونا مفعولين قُدِّم ثانيهما على الأول وأجازا أن يكون " الجن " بدلاً من " الشركاء " ومفسِّراً للشركاء هذا نصُّ عبارتهم، وهو معنى صحيح أعني كونَ البدل مفسراً، فلا معنى لردِّ هذا القول، وأيضاً فقد رَدَّ هو على الزمخشري عند قوله تعالى{ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ } [المائدة: 117] فإنه لا يلزم في كل بدلٍ أن يحل مَحَلَّ المبدلِ منه، قال: " ألا ترى إلى تجويز النحويين " زيد مررت به أبي عبد الله " ولو قلت: " زيد مررت بأبي عبد الله " لم يجز إلا على رأي الأخفش " وقد سبق هذا في المائدة، فقد قرر/ هو أنه لا يلزم حلول البدل محلَّ المبدل منه فكيف يَرُدُّ به هنا؟

    الثالث: أن يكون " شركاء " هو المفعول الأول و " الجن " هو المفعول الثاني، قاله الحوفي، وهذا لا يَصِحُّ لِما عرفت أن الأول في هذا الباب مبتدأ في الأصل والثاني خبر في الأصل، وتقرَّر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جَعَلْتَ المعرفة مبتدأ والنكرة خبراً، من غير عكس إلا في ضرورة، تقدَّم التنبيه على الوارد منها.

    الرابع: أن يكون " شركاء الجن " مفعولين على ما تقدَّم بيانه. و " لله " متعلق بمحذوف على أنه حال من " شركاء "؛ لأنه لو تأخر عنها لجاز أن يكون صفة لها قاله أبو البقاء، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه يصير المعنى: جعلوهم شركاء في حال كونهم لله أي: مملوكين، وهذه حال لازمة لا تنفك، ولا يجوز أن يقال إنها غير منتقلة لأنها مؤكدة إذ لا تأكيدَ فيها هنا، وأيضاً فإنَّ فيه تهيئةَ العامل في معمول وقَطْعَه عنه؛ فإن " شركاء " يطلب هذا الجارَّ ليعمل فيه والمعنى منصبٌّ على ذلك.

    الخامس: أن يكون " الجنَّ " منصوباً بفعل مضمر جواب لسؤال مقدَّر، كأن سائلاً سأل فقال بعد قوله تعالى { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ }: مَنْ جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجنَّ، أي: جعلوا الجن، نقله الشيخ عن شيخه أبي جعفر بن الزبير، وجعله أحسن مما تقدَّم قال: " ويُؤَيِّد ذلك قراءةُ أبي حيوة ويزيد بن قطيب " الجنُّ " رفعاً على تقدير: هم الجن، جواباً لمن قال: [من] جعلوا لله شركاء؟ فقيل: هم الجن، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه والاستنقاص بمن جعلوه شريكاً لله تعالى. وقال مكي: " وأجاز الكسائي رفع " الجن " على معنى هم الجن " ، فلم يَرْوِها عنه قراءةً، وكأنه لم يطَّلع على أن غيرَه قرأها كذلك.

    وقرأ شعيب بن أبي حمزة ويزيد بن قطيب وأبو حيوة في رواية عنهما أيضاً " شركاءَ الجنِّ " بخفض " الجن " ، قال الزمخشري: " وقرئ بالجر على الإِضافة التي للتبيين فالمعنى: أشركوهم في عبادتهم لأنهم أطاعوهم كما أطاعوا الله ". قال الشيخ: " ولا يتضح معنى هذه القراءة، إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله ". قلت: معناها واضح بما فسَّره الزمخشري في قوله، والمعنى: أَشْرَكوهم في عبادتهم إلى آخره ولذلك سَمَّاها إضافة تبيين، أي إنه بيَّن الشركاء كأنه قيل: الشركاء المطيعين للجن.

    قوله: { وَخَلَقَهُمْ } الجمهور على " خَلَقَهم " بفتح اللام فعلاً ماضياً، وفي هذه الجملة احتمالان، أحدهما: أنها حالية فـ " قد " مضمرةٌ عند قومٍ وغير مضمرة عند آخرين.

    والثاني: أنها مستأنفة لا محَلَّ لها، والضمير في " خلقهم " فيه وجهان، أحدهما: أنه يعود على الجاعلين أي: جعلوا له شركاء مع أنه خلقهم وأوجدهم منفرداً بذلك من غير مشاركة له في خلقهم فكيف يشركون به غيره ممَّن لا تأثيرَ له في خلقهم؟ والثاني: أنه يعود على الجن أي: والحال أنه خلق الشركاء فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له؟

    وقرأ يحيى بن يعمر: " وَخَلْقهم " بسكون اللام. قال الشيخ: " وكذا في مصحف عبد الله ". قلت: قوله " وكذا في مصحف عبد الله " فيه نظر من حيث إن الشكل الاصطلاحي أعني ما يدل على الحركات الثلاث وما يدل على السكون كالجزء منه كانت مصاحفُ السَّلفِ منها مجردة، والضبط الموجود بين أيدينا اليوم أمرٌ حادث، يقال: إن أول مَنْ أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُنسب ذلك لمصحف عبد الله بن مسعود؟ وفي هذه القراءة تأويلان أحدهما: أن يكون " خَلْقهم " مصدراً بمعنى اختلاقهم. قال الزمخشري: أي اختلاقهم للإِفك يعني: وجعلوا لله خَلْقَهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم " والله أمَرَنا بها " انتهى. فيكون " لله " هو المفعول الثاني قُدِّم على الأول. والتأويل الثاني: أن يكون " خَلْقهم " مصدراً بمعنى مخلوقهم. فيكون عطفاً على " الجن " ، ومفعوله الثاني محذوف تقديره: وجعلوا مخلوقَهم وهو ما ينحِتون من الأصنام كقوله تعالى:{ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } شركاءَ لله تعالى.

    قوله تعالى: " وخَرَقوا " قرأ الجمهور " خَرَقوا " بتخفيف الراء ونافع بتشديدها. وقرأ ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء، وابن عمر كذلك أيضاً إلا أنه شدد الراء، والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاختلاق. قال الفراء: " يقال خلق الإِفك وخَرَقه واختلقه وافتراه وافتعله وخَرَصَه بمعنى كَذَب فيه " ، والتشديد للتكثير لأن القائلين بذلك خلق كثير وجمٌّ غفير، وقيل: هما لغتان، والتخفيف هو الأصل. وقال الزمخشري: " ويجوز/ أن يكون مِنْ خرق الثوب إذا شقَّه أي: اشتقُّوا له بنين وبنات ". وأمَّا قراءة الحاء المهملة فمعناها التزوير أي: زوَّروا له أولاداً لأن المزوِّر محرِّف ومغيِّرٌ الحقَّ إلى الباطل.

  11. #101
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة التاسعة بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأت طائفة " ولْيقولوا درست " بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد. وقرأ الجمهور " ولِيقولوا " بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة كقوله{ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } [القصص:8] إلى ذلك، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي " درست " أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيبنا به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " دارست " أي أنت يا محمد دارست غيرك في هذه الأشياء أي قارأته وناظرته، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة " درستْ " بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وامحت، قال أبو علي واللام في { ليقولوا } على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة، وقرأت فرقة " دارست " كأنهم أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود وغيرهم، وقرأت فرقة " درُست " بضم الراء وكأنها في معى درست أي بليت، وقرأ قتادة " دُرِست " بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن الحسن، قال أبو الفتح في " درست " ضمير الآيات، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت، وقرأ أبي بن كعب " درس " وهي في مصحف عبد الله، قال المهدوي وفي بعض مصاحف عبد الله أيضاً " درس " ، ورويت عن الحسن، وقرأت فرقة " درّس " بتشديد الراء على المبالغة في درس، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف، واللام في قوله و { ليقولوا } وفي قوله { ولنبينه } متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود " ولتبينه " بالتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأه فرقة " وليبينه " بياء أي الله تعالى, وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله { وليقولوا } فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا كما أضمروها في قوله{ يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء:176].

    قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع.

    وقال ابن الجوزى فى زاده



    فأما «دارست» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «دارست» بالألف وسكون السين وفتح التاء ومعناها: ذاكرت أهل الكتاب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «درست» بسكون السين وفتح التاء، من غير ألف، على معنى: قرأت كتب أهل الكتاب. قال المفسرون: معناها: تعلمت من جبر، ويسار. وسنبين هذا في قوله:{ إنما يعلِّمه بشر } [النحل: 103] إن شاء الله. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «درست» بفتح الراء والسين وسكون التاء من غير ألف. والمعنى: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد درست. أي: قد مضت وامّحت. وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. وقد روي عن نافع أنه قال: «دُرِسَت» برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، وهي قراءة ابن يعمر؛ ومعناها: قُرئت. وقرأ أبي بن كعب: «دَرُسَتْ» بفتح الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء. قال الزجاج: وهي بمعنى: «دَرَسَتْ» أي: امّحت؛ إلا أن المضمومة الراء أشد مبالغة. وقرأ معاذ القارىء، وأبو العالية، ومورِّق: «دُرِّسْتَ» برفع الدال، وكسر الراء وتشديدها ساكنة السين. وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرّف: «دَرَسَ» بفتح الراء والسين بلا ألف ولا تاء. وروى عصمة عن الأعمش: «دارس» بألف

    وقال السمين

    قوله { عَدْواً } الجمهور على فتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو، ونصبه من ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوب على المصدر لأنه نوعُ من العامل فيه، لأن السَّبَّ من جنس العَدْوِ. والثاني: أنه مفعول من أجله أي لأجل العدو، وظاهر كلام الزجاج أنه خلط القولين فجعلهما قولاً واحداً، فإنه قال: " وعَدْواً منصوبٌ على المصدر لأن المعنى: فَتَعْدُوا/ عَدْواً " قال: " ويكون بإرادة اللام والمعنى: فيسُبُّوا الله للظلم. والثالث: أنه منصوب على أنه واقع موقع الحال المؤكدة لأن السَّبَّ لا يكون إلا عَدْواً. وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وقتادة وسلام وعبد الله بن زيد " عُدُوَّاً " بضم العين والدال وتشديد الواو، وهو مصدرُ أيضاً لـ " عدا " وانتصابُه على ما تقدَّم من ثلاثة الأوجه. وقرأ ابن كثير في رواية - وهي قراءة أهل مكة فيما نقله النحاس - " عَدُوَّا " بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو بمعنى أعداء، ونصبه على الحال المؤكدة و " عدوّ " يجوز أن يقع خبراً عن الجمع، قال تعالى:{ هُمُ ظ±لْعَدُوُّ } [المنافقون: 4] وقال تعالى{ إِنَّ ظ±لْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } [النساء: 101]. ويقال: عَدا يَعْدُوا عَدْواً وعُدُوَّاً وعُدْواناً وعَداءً.

  12. #102
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة العاشرة بعد المائة

    وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ }


    قال السمين

    وقرأ العامَّة " أنها " بفتح الهمزة، وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ـ بخلاف عنه ـ بكسرها. فأمَّا على قراءةِ الكسر فواضحةٌ استجودها الناس: الخليل وغيره؛ لأن معناها استئناف إخبار بعدم إيمان مَنْ طُبع على قلبه ولو جاءتهم كلُّ آية. قال سيبويه: " سألْتُ الخليل عن هذه القراءة ـ يعني قراءة الفتح ـ فقلت: ما منع أن يكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يَحْسُن ذلك في هذا الموضع، إنما قال " وما يُشْعركم " ، ثم ابتدأ فأوجب فقال { إِنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ولو فَتَح فقال: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لكان عُذْراً لهم ". وقد شرح الناس قولَ الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره: " لأنك لو فتحت " أنَّ " وجعلتها التي في نحو " بلغني أن زيداً منطلق " لكان عذراً لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: " إن زيداً لا يؤمن " فقلت: وما يدريك أن لا يؤمن، كان المعنى أنَّه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذراً لمَنْ نفى عنه الإِيمان، وليس مرادُ الآية الكريمة إقامةَ عُذْرِهم ووجودَ إيمانهم. وقال الزمخشري " وقرئ " إنها " بالكسر، على أن الكلام قد تمَّ قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون ".

    وأمَّا قراءة الفتح فقد وجَّهها الناس على ستة أوجه، أظهرها: أنها بمعنى لعلَّ...

    فـ " أنَّ " في هذه المواضع كلها بمعنى لعلَّ، قالوا: ويدل على ذلك أنها في مصحف أُبَيّ وقراءته " وما أدراكم لعلَّها إذا جاءت لا يؤمنون " ونُقِلَ عنه: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ لعلها إِذَا جَآءَتْ } ، ذكر ذلك أبو عبيد، وغيره، ورجَّحوا ذلك أيضاً بأنَّ " لعل " قد كَثُرَ ورودها في مثل هذا التركيب كقوله تعالى:{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ظ±لسَّاعَةَ قَرِيبٌ } [الشورى: 17]{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىظ° } [عبس: 3] وممَّنْ جعل " أنَّ " بمعنى " لعل " أيضاً يحيى بن زياد الفراء.

    ورجَّح الزجاج ذلك، فقال: " زعم سيبويه عن الخليل أن معناها " لعلها " قال: " وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود " ،/ ونسب القراءة لأهل المدينة، وكذا أبو جعفر. قلت: وقراءة الكوفيين والشاميين أيضاً، إلا أن أبا علي الفارسي ضعَّف هذا القول الذي استجوده الناس وقوَّوه تخريجاً لهذه القراءة فقال: " التوقع الذي تدل عليه " لعلَّ " لا يناسب قراءة الكسر لأنها تدل على حكمه تعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون " ولكنه لمَّا منع كونها بمعنى " لعل " لم يجعلها معمولة لـ " يُشْعِركم " بل جعلها على حذف لام العلة أي لأنها، والتقدير عنده: قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، فهو لا يأتي بها لإِصْرارهم على كفرهم، فيكون نظير{ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ظ±لأَوَّلُونَ } [الإِسراء: 59] أي بالآيات المقترحة، وعلى هذا فيكون قوله " وما يُشْعركم " اعتراضاً بين العلة والمعلول.

    الثاني: أن تكون " لا " مزيدةً، وهذا رأيُ الفراء وشيخه قال: " ومثله{ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [الأعراف: 12] أي: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا، وإنما حملها على زيادتها ما تقدَّم من أنها لو تُقَدَّر زائدةً لكان ظاهرُ الكلام عذراً للكفار وأنهم يُؤْمنون، كما عرَفْتَ تحقيقَه أولاً. إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط فقال " والذي ذكر أن " لا " لغوٌ غالط، لأنَّ ما يكون لغواً لا يكون غيرَ لغو، ومَنْ قرأ بالكسر فالإِجماع على أن " لا " غير لغو " فليس يجوز أن يكون معنى لفظة مرةً النفيَ ومرةً الإِيجابَ في سياق واحد.....

    الثالث: أن الفتح على تقديرِ لامِ العلة، والتقدير: إنما الآيات التي يقترحونها عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، وما يُشْعركم اعتراض، كما تقدَّم تحقيق ذلك عن أبي علي فأغنى عن إعادته، وصار المعنى: إنما الآيات عند الله أي المقترحة لا يأتي بها لانتفاء إيمانهم وإصرارهم على كفرهم.

    الرابع: أنَّ في الكلام حذفَ معطوفٍ على ما تقدَّم. قال أبو جعفر في معانيه: " وقيل في الكلام حذف، المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون " فحذف هذا لعلم السامع، وقَدَّره غيره: ما يشعركم بانتفاء الإِيمان أو وقوعه.

    الخامس: أنَّ " لا " غير مزيدة، وليس في الكلام حَذْفٌ بل المعنى: وما يدريكم انتفاء إيمانهم، ويكون هذا جواباً لمن حكم عليهم بالكفر أبداً ويئس من إيمانهم. وقال الزمخشري: " وما يشعركم وما يدريكم أنها - أن الآيات التي يقترحونها - إذا جاءت لا يؤمنون بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تَدْرُون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا حريصين على إيمانهم وطامعين فيه إذا جاءت تلك الآية ويتمنَّون مجيئها فقال عز وجل: " وما يدريكم أنهم لا يؤمنون " على معنى: أنكم لا تَدْرُوْنَ ما سَبَقَ علمي بهم أنهم لا يؤمنون، ألا ترى إلى قوله:{ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110] انتهى. قلت بَسْطُ قولِه إنهم كانوا يطمعون في إيمانهم ما جاء في التفسير أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل علينا الآية التي قال الله فيها { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } ونحن والله نؤمن فأنزل الله تعالى: وما يُشْعركم إلى آخرها/. وهذا الوجه هو اختيار الشيخ فإنه قال: " ولا يحتاج الكلام إلى زيادة " لا " ولا إلى هذا الإِضمار " - يعني حَذْفَ المعطوف - " ولا إلى " أنَّ " بمعنى لعلَّ، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير ضرورةٍ، بل حَمْلُه على الظاهر أَوْلى وهو واضح سائغ أي: وما يشعركم ويدريكم بمعرفة انتفاء إيمانهم لا سبيل لكم إلى الشعور بها ".

    السادس: أنَّ " ما " حرف نفي، يعني أنه نَفَى شعورَهم بذلك، وعلى هذا فيُطْلَبُ لـ " يُشْعركم " فاعلٌ.

    فقيل: هو ضمير الله تعالى أُضْمر للدلالة عليه، وفيه تكلُّفٌ بعيد أي: وما يُشْعِرُكم الله أنها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون. وقد تقدَّم في البقرة كيفيةُ قراءةِ أبي عمرو لـ{ يُشْعِرُكُمْ } [الأنعام: 109] و{ يَنصُرْكُمُ } [آل عمران: 160] ونحوِهما عند قوله{ إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ } [البقرة: 67]، وحاصلها ثلاثة أوجه: الضم الخالص، والاختلاس، والسكون المحض.

    وقرأ الجمهور: " لا يؤمنون " بياء الغيبة، وابن عامر وحمزة بتاء الخطاب، وقرآ أيضاً في الجاثية [الآية: 6]{ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ظ±للَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } بالخطاب، وافقهما عليها الكسائي وأبو بكر عن عاصم، والباقون بالياء للغيبة، فَتَحَصَّل من ذلك أنَّ ابن عامر وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين، وأنَّ نافعاً وابن كثير وأبا عمرو وحفصاً عن عاصم بالغيبة في الموضعين، وأن الكسائي وأبا بكر عن عاصم بالغيبة هنا وبالخطاب في الجاثية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السورتين والآخر في أخرى.

    فأما قراءة الخطاب هنا فيكون الظاهر من الخطاب في قوله " وما يشعركم " أنه للكفار، ويتضح معنى هذه القراءة على زيادة " لا " أي: وما يُشْعركم أنكم تؤمنون إذا جاءت الآيات التي طلبتموها كما أَقْسَمْتُمْ عليه ويتضح أيضاً على كونِ " أنَّ " بمعنى لعلَّ مع كون " لا " نافيةً، وعلى كونِها علةً بتقديرِ حَذْفِ اللامِ أي: إنما الآيات عند الله فلا يأتيكم بها؛ لأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ويتضح أيضاً على كون المعطوف محذوفاً أي: وما يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءت الآيات أو وقوعه، لأنَّ مآل أمرِكم مُغَيَّبٌ عنكم فكيف تُقْسِمون على الإِيمان عند مجيء الآيات؟ وإنما يُشْكل إذا جَعَلْنا " أنَّ " معمولةً لـ " يُشْعركم " وجَعَلْنَا " لا " نافيةً غير زائدة، إذ يكون المعنى: وما يدريكم أيها المشركون بانتفاء إيمانكم إذا جاءتكم، ويزول هذا الإِشكال بأنَّ المعنى: أيُّ شيء يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءتكم الآيات التي اقترحتموها؟ يعني لا يمرُّ هذا بخواطركم، بل أنتم جازِمُون بالإِيمان عند مجيئها لا يَصُدُّكم عنه صادٌّ، وأنا أعلم أنكم لا تؤمنون وقت مجيئها لأنكم مطبوعٌ على قلوبكم.

    وأمَّا على قراءة الغَيْبة فتكون الهمزةُ معها مكسورةً، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم، ومفتوحة وهي قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم.

    فعلى قراءة ابن كثير ومَنْ معه يكون الخطاب في " وما يشعركم " جائزاً فيه وجهان، أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين أي: وما يشعركم أيها المؤمنون إيمانهم، ثم استأنف إخباراً عنهم بأنهم لا يؤمنون فلا تَطْمعوا في إيمانهم والثاني: أنه للكفار أي: وما يُشْعركم أيُّها المشركون ما يكون منكم، ثم استأنف إخباراً عنهم بعدم الإِيمان لعلمه السابق فيهم، وعلى هذا ففي الكلام التفاتٌ من خطاب إلى غيبة.

    وعلى قراءة نافع يكون الخطابُ للكفار، وتكون " أنَّ " بمنى لعلَّ، كذا قاله أبو شامة وغيره.

    وقال الشيخ في هذه القراءة: " الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، والمعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون " يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ثم ساق كلام الزمخشري بعينه الذي قَدَّمْتُ ذِكْرَه عنه في الوجه الخامس قال: " ويبعد جداً أن يكون الخطاب في " وما يشعركم " للكفار ". قلت: إنما استبعده لأنه لم يَرَ في " أنَّ " هذه أنها بمعنى لعل كما حكيتُه عنه. وقد جعل الشيخُ في مجموع { أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالنسبة إلى كسر الهمزة وفتحِها والخطاب والغَيْبة أربع قراءات قال: " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والعليمي والأعشى عن أبي بكر، وقال ابن/ عطية: " ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية داود الإِيادي: إنها بكسر الهمزة، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، فترتَّب أربع قراءات: الأولى: كَسْرُ الهمزة والياء وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر بخلاف عنه في كسر الهمزة " ثم قال: " القراءة الثانية: كَسْرُ الهمزة والتاء وهي رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، والمناسب أن يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة كأنه قيل: وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم؟ ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها، ويبعد جداً أن يكون الخطاب في " وما يُشْعركم " للمؤمنين وفي " تؤمنون " للكفار. ثم ذكر القراءة الثالثة نظرٌ لا يخفى: وذلك أنه لَمَّا حكى قراءة الخطاب في " تؤمنون " لم يحكها إلا عن حمزة وابنِ عامر فقط، ولم يدخل معهما أبو بكر لا من طريق العليمي والأعشى ولا من طريق غيرهما، والفرض أن حمزة وابن عامر يفتحان همزة " أنها " ، وأبو بكر يكسرها ويفتحها، ولكنه لا يقرأ " يؤمنون " إلا بياء الغيبة فمن أين تجيء لنا قراءةٌ بكسر الهمزة والخطاب؟ وإنما أتيتُ بكلامه برُمَّته ليُعْرَفَ المأخذ عليه ثم إني جَوَّزْتُ أن تكون هذه روايةً رواها فكشفتُ كتابه في القراءات، وكان قد أفرد فيه فصلاً انفرد به العليمي في روايته، فلم يذكر أنه قرأ " تؤمنون " بالخطاب البتة، ثم كشفت كتباً في القراءات عديدةً فلم أرهم ذكروا ذلك فعرفتُ أنه لَمَّا رأى للهمزة حالتين ولحرف المضارعة في " يؤمنون " حالتين ضرب اثنين في اثنين فجاء من ذلك أربعُ قراءات ولكن إحداهما مهملة....

    انتهى الجزء السابع

  13. #103
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    ترجيحات للطبري فى النصف الثانى من الجزء السابع غفلنا عنها قبل الانتقال للجزء الثامن

    1:وأولى القراءتين بالصواب عندي في «السبيل» الرفع، لأن الله تعالى ذكره فصّل آياته في كتابه وتنزيله، ليتبَيَّن الحقّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض. ومن قرأ «السبيل» بالنصب، فإنما جعل تبيين ذلك محصوراً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما القراءة في قوله { وَلِتَسْتَبِينَ } فسواء قُرِئت بالتاء أو بالياء، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز، وهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار ولغتان مشهورتان من لغات العرب، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع السبيل للعلة التي ذكرنا.......

    2:{ يَقُصُّ الحَقَّ } ، وقال نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة والبصرة «إن الحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ يَقْضِي الحَقَّ» بالضاد من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء. واعتبروا صحة ذلك بقوله { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلِين } َ وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص. وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب لما ذكرنا لأهلها من العلة. فمعنى الكلام إذن ما الحكم فيما تستعجلون به أيها المشركون من عذاب الله وفيما بيني وبينكم، إلاَّ لله الذي لا يجور في حكمه، وبيده الخلق والأمر، يقضي الحقّ بيني وبينكم، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.....

    3:وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال عني بقوله { وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ } مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أوّلاً، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم أشبه من أن يكون خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً من الكتب وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود. وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلاً من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئَها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله { وَما قَدَرُوا حَقَّ اللّهَ قَدْرِهِ } موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلاَّ بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل ولكني أظنّ أن الذين تأوّلوا ذلك خبراً عن اليهود، وجدوا قوله «قُلْ مَنْ أنزل الكتابَ الَّذِي جاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آباؤكُمْ» فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم { تجعلونه قراطِيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلَّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم، إذ كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله { وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم. والأصوب من القراءة في قوله «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً» أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ويكون الخطاب بقوله { قُلْ منْ أنزلَ الكتابَ } لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ. حدثني المثنى، قال ثنا الحجاج بن المنهال، قال ثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً». القول في تأويل قوله تعالى «قُلْ مَنْ أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً». يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ } يا محمد لمشركي قومك القائلين لك ما أنزل على بشر من شيء، قل { مَنْ أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا } يعني جلاء وضياء من ظلمة الضلالة { وَهُدًى للنَّاسِ } يقول بياناً للناس، يبين لهم له الحقّ من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم، يجعلونه قراطيس يبدونها.

    فمن قرأ ذلك { تَجْعَلُونَهُ } جعله خطاباً لليهود على ما بيَّنت من تأويل من تأوّل ذلك كذلك، ومن قرأه بالياء «يَجْعَلُونَهُ» فتأويله في قراءته يجعله أهله قراطيس، وجرى الكلام في «يبدونها» بذكر القراطيس، والمراد منه المكتوب في القراطيس، يراد يبدون كثيراً مما يكتبون في القراطيس، فيظهرونه للناس ويخفون كثيراً مما يثبتونه في القراطيس فيسرّونه ويكتمونه الناس. ومما كانوا يكتمونه إياهم ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته....

    4:وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } بتأويل قرأت وتعلمت لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ } فهذا خبر من الله ينبىء عنهم أنهم كانوا يقولون إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءة { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } يا محمد، بمعنى تعلمت من أهل الكتاب، أشبه بالحقّ وأولى بالصواب من قراءة من قرأه «دَارَسْتَ» بمعنى قارأتهم وخاصمتهم، وغير ذلك من القراءات. .....

    5:وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية، قول من قال ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله، أعنى قوله { وَما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذَا جاءَتْ لا يُؤمِنُونَ } ، وأن قوله «أنها» بمعنى «لعلها». وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب لاستفاضة القراءة في قرّاء الأمصار بالياء من قوله { لا يُؤْمِنُونَ } ولو كان قوله { وَما يُشْعِرُكُمْ } خطاباً للمشركين، لكانت القراءة في قوله { لا يُؤْمِنُونَ } بالتاء، وذلك وإن كان قد قرأه بعض قراء المكيين كذلك، فقراءة خارجة عما عليه قرّاء الأمصار، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلاً على ذهابها وشذوذها. وإنما معنى الكلام وما يدريكم أيها المؤمنون لعلّ الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فيعاجَلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ولا يؤخَّروا به.....

    ملحوظة

    لايجوز رد قراءة متواترة

    ملحوظة اخري

    قال القرطبي فى الاية

    والجَهْد (بفتح الجيم): المشقّة؛ يقال: فعلت ذلك بجَهْد. والجُهْد (بضمها): الطاقة يقال: هذا جُهْدي، أي طاقتي. ومنهم من يجعلهما واحداً، ويحتج بقوله:{ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } [التوبة: 79]. وقرىء «جَهْدهم» بالفتح؛ عن ظ±بن قتيبة.

    الي اللقاء باذن الله مع الجزء الثامن

  14. #104
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجزء الثامن

    الجوهرة الحادية عشر بعد المائة



    { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }

    قال ابن عطية

    وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما " قِبَلاً " بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس، وغيره نصبه على الحال، وقال المبرد: المعنى ناحية كما تقول له قبل فلان دين.

    قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فنصبه على هذا هو على الظرف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم " قُبُلاً " بضم القاف والباء، وكذلك قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا وقرأ{ العذاب قبلاً } [الكهف:55] مكسورة القاف واختلف في معناه فقال عبد الله بن زيد ومجاهد وابن زيد: " قبل " جمع قبيل أي صنفاً صنفاً ونوعاً نوعاً كما يجمع قضيب على قضب وغيره، وقال الفراء والزجّاج هو جميع قبيل وهو الكفيل " وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء " بصدق محمد وذكره الفارسي وضعفه، وقال بعضهم قبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر، ومنه قوله تعالى:{ قدّ من قبل } [يوسف:26] ومنه قراءة ابن عمر{ لقبل عدتهن } [الطلاق:1] أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة " قُبْلاً " بضم القاف وسكون الباء، وذلك على جهة التخفيف.

    وقرأ طلحة بن مصرف " قَبْلاً " بفتح القاف وإسكان الباء، وقرأ أبيّ والأعمش " قبيلاً " بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء، والنصب في هذه كله على الحال، ...

    وقال الطبري


    وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضم القاف والباء. وإذا قرىء كذلك كان له من التأويل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون القُبُل جمع قَبِيل كالرُّغُف التي هي جمع رغيف، والقُضُب التي هي جمع قضيب، ويكون القُبُل الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدُهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. والوجه الآخر أن يكون «القُبُل» بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل أتيتك قُبُلاً لا دُبُراً، إذا أتاه من قِبَل وجهه. والوجه الثالث أن يكون معناه وحشرنا عليهم كلّ شيء قبيلة قبيلة، صنفاً صنفاً، وجماعة جماعة. فيكون القُبُل حينئذٍ جمع قَبيل الذي هو جمع قبيلة، فيكون القُبل جمع الجمع. وبكلّ ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال معنى ذلك معاينة. حدثني المثنى، قال ثنا عبد الله بن صالح، قال ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } يقول معاينة. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } حتى يعاينوا ذلك معاينة { ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ }. ذكر من قال معنى ذلك قبيلة قبيلة صنفاً صنفاً. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن يزيد، من قرأ { قُبُلاً } معناه قبيلاً قبيلاً. حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، قال قال مجاهد { قُبُلاً } أفواجاً، قبيلاً قبيلاً. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا أحمد بن يونس، عن أبي خيثمة، قال ثنا أبان بن تغلب، قال ثني طلحة أن مجاهداً قرأ في الأنعام { كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } قال قبائل، قبيلاً قبيلاً وقبيلاً. ذكر من قال معناه مقابلة. حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } يقول لو استقبلهم ذلك كله، لَمْ يُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ. حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، في قوله { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } قال حشروا إليهم جميعاً، فقابلوهم وواجهوهم. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن يزيد، قرأ عيسى { قُبُلاً } ومعناه عياناً. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءة من قرأ { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضمّ القاف والباء لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينا من المعاني، وأن معنى القِبَلِ داخل فيه، وغير داخل في القِبَلِ معاني القُبُل....

    وقال ابن عطية
    { ولتصغى إليه } معناه لتميل يقال صغى يصغى وأصلها يصغى بكسر العين لكن رده حرف الحلق إلى الفتح ويقال صغى يصغو وأصغى يصغي ويصغى و { أفئدة } جمع فؤاد و " يقترفون " معناه يواقعون ويجترحون، وهي مستعملة أكثر ذلك في الشر والذنوب ونحوه، والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال على أنها لام كي، فإما أن تكون معطوفة على{ غروراً } [الأنعام:112]، وإما أن تكون متعلقة بفعل مؤخر تقديره فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة قاله الزجّاج، ولا يحتمل أن تكون هذه اللامات على هذه القراءة لام الأمر وضمنها الوعيد، وتبقى في " لتصغى " على نحو ما جاء من ذلك في قول الشاعر:

    ألم يأتيك الخ..............
    إلى غير ذلك مما قد قرىء به، قال أبو الفتح قرأها الحسن بالتسكين في الثلاثة وهي لام كي وهي معطوفة على قوله{ غروراً } [الأنعام:112] التقدير لأجل الغرور " ولْتصغى " وإسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال قوي في القياس.

    قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن تحمل قراءة الحسن بسكون اللامات الثلاثة على أنها لام الأمر المضمن الوعيد والتهديد، والخط على هذه القراءة " ولتصغ " ذكر أبو عمر الداني أن تسكينه في اللامات الثلاثة وكذلك قال أبو الفتح وذكر أن الحسن إنما يسكن اللامين الثانية والثالثة.

    قال القاضي أبو محمد: وذلك يخالفه خط المصحف في " ولتصغى ".

    قال القاضي أبو محمد: ويتحصل أن يسكن اللام في { ولتصغى } على ما ذكرناه في قراءة الجماعة، قال أبو عمرو: وقراءة الحسن إنما هي " لتصغي " بكسر الغين، وقراءة إبراهيم النخعي " لتُصغي " بضم التاء وكسر الغين من أصغى يصغي، وكذلك قرأ الجراح بن عبد الله

  15. #105
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,217
    الجوهرة الثانية عشر بعد المائة

    إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }


    قال السمين

    والذي تُحْمَلُ عليه هذه القراءة ما تقدَّم من المختار وهو النصب بمضمر. وفاعل " يُضِلّ " على هذه القراءة ضمير يعود على الله تعالى على معنى يجده ضالاً أو يخلُق فيه الضلال، لا يُسأل عما يَفعل. ويجوز أن يكون ضمير " مَنْ " أي: أعلم مَنْ يضلُّ الناس. والمفعول محذوف. وأمَّا على القراءة الشهيرة فالفاعل ضمير " مَنْ " فقط. و " مَنْ " يجوز أن تكون موصولةً وهو الظاهر، وأن تكون نكرةً موصوفة، ذكره أبو البقاء....

    قوله { لَّيُضِلُّونَ } قرأ الكوفيون بضم الياء، وكذا التي في يونس [الآية: 88]{ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ } والباقون بالفتح، وسيأتي لذلك نظائر في إبراهيم وغيرها، و القراءتان واضحتان فإنه يقال: ضَلَّ في نفسه وأضلَّ غيره، فالمفعول محذوف على قراءة الكوفيين، وهي أبلغُ في الذمِّ فإنها تتضمَّن قُبْحَ فِعْلهم حيث ضلَّوا في أنفسهم وأَضَلُّوا غيرهم كقوله تعالى:{ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ظ±لسَّبِيلِ } [المائدة: 77] وقراءةُ الفتح لا تحوج إلى حذف فرجَّحها بعضهم بهذا، وأيضاً فإنهم أجمعوا على الفتح في ص عند قوله{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ } [الآية: 26].....

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس والسبعة سوى ابن كثير " ضيِّقاً " بكسر الياء وتشديدها، وقرأ ابن كثير " ضيْقاً " بسكون الياء وكذلك قرأ في الفرقان، قال أبو علي وهما بمنزلة الميِّت والميْت، قال الطبري وبمنزلة الهيِّن والليِّن والهيْن والليْن، قال ويصح أن يكون الضيق مصدراً من قولك ضاق والأمر يضيق ضيقاً وضيقاً، وحكي عن الكسائي أنه قال الضِّيق بشد الضاد وكسرها في الأجرام والمعاش، والضَّيِق بفتح الضاد: في الأمور والمعاني....

صفحة 7 من 40 الأولىالأولى ... 3456789101117 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •